كشفت دراسة أعدتها منظمة «أوكسفام» البريطانية أن «الموظف العراقي
هو الأكثر كسلاً» في أداء مهماته الوظيفية، مقارنة بأقرانه في بلدان
العالم الأخرى ! حيث يقضي الموظف العراقي 7% من وقت العمل في العمل
الجدي وباقي الوقت أي 93% من الوقت يقضيه في...... !!!
كنت ممن عاصروا العمل في مصانع هيئة التصنيع العسكري المنحلة والتي
أسندت شركاتها الى وزارة الصناعة والمعادن وبعض الوزارات الأخرى..
حينها لم يكن لدينا وقت يضيع إلا في العمل المستمر ومنذ زمن سلطة الأمن
الخاص الذي ألهبت "كيبلاته" ظهورنا لإنتاج المعدات المختلفة بما فيها
العسكرية.. وحتى إختفائه وظهور نظام الحوافز الذي رفع القابلية المادية
لمنتسبي الكثير من تلك الشركات.. فمن راتب يقدر بـ 26 ألف دينار لحملة
شهادة البكالريوس بخدمة 15 سنة انتقلت الحوافز لتضيف مبالغ تختلف
مقاديرها حسب طبيعة عمل موظف فوصل راتب موظفو الأنتاج الى 250 ألف
دينار إضافة على رواتبهم كحوافز وهو مبلغ عال جداً في حينها.
كانت الرقابة الصارمة على المدراء العامين والمدراء في الشركات
العاملة تزيد من شعورهم بالمسؤولية لتنزل تلك المشاعر المهمة المتمثلة
بأهمية العمل الى أدنى درجات المنتسبين في تلك الشركات فهم يرون مديرهم
العام قد سبقهم للحضور الى شركته وباشر بعمله وجولاته الصباحية
والمسائية التي لا تنقطع مهما كانت الأسباب وفي كافة الظروف، قد يكون
الخوف أهمها بل وفي مقدمتها، إلا إن وجود مدراء عامين من ذات إختصاص
الذي تعمل فيه الشركة عنصراً أخر لزياد من القابلية على التطوير ومعرفة
مكامن الخلل في تلك الخطوط الإنتاجية التي كانت من القدم والتهالك إلا
إن الأهتمام بالعمل كان بالغاً..
لقد ولدت الحوافز والرقابة والتدريب عناصر مهمة جداً وفعالة في دفع
عجلة الإنتاج.. والالتزام بالخطط بالطاقات المتاحة للإنتاج.
وما تم بناءه من لسنين، امتدت لعقدين من الزمن، ضاع في أقل من شهر
عندما التهمت ثورة الحواسم كل تلك المكائن والمعدات والخطوط الإنتاجية
المدنية التي كانت تمثل بشكل من الأشكال عنصراً من عناصر الأبداع
العراقي، لسنا لغاية اليوم بقادرين على إعادة البناء وهيكلة مصانعنا
بشكلها الصحيح وبنا خطوطنا الإنتاجية الحديثة التي تخدم مسيرة الإنتاج
في الوطن ولسنا قادرين على إضافة شيئاً جديداً عراقياً في حياة أبناء
شعبنا.. فنحن كل شيء مستورد لدينا وما حجم الاستيرادات التي بلغت عشرات
المليارات إلا مؤشراً مهماً على صحة الإحصائية التي نشرتها المنظمة
آنفة الذكر.. فعلى سبيل المثال.. مبردات الهواء ومكيفاته والمراوح
الكهربائية وكل وسائل التبريد بأنواعها يستوردها العراق من الصين
وإيران وكوريا ! في حين أن إمكانية تصنيع الأجهزة في العراق متوفرة
وسهلة جداً وبالكميات المطلوبة ونتسائل هنا أين شركة الهلال وأين "مكيف
نسيم الرافدين" بل أين الموظفون الذين كانوا ينتجون تلك المعدات؟..
فعلى الرغم من أن تلك الأجهزة لا تحتاج الى خبرات عالية المستوى
ولا الى خطوط إنتاجية معقدة فهي مجرد 3-4 مكائن لإنتاجها وبإمكان إنتاج
الملايين منها إلا إن الشركات الإيرانية يبدو أن لديها موظفون لا
ينامون أصلاً عمدوا الى ان يكون إنتاجهم مغرقاً للأسواق العراقية فمن
منا لا يحتوي بيته على مبردة هواء إيرانية !
قد تكون ثورة الحوسمة المشؤومة تلك قد خلصتنا من مكائن تصنف
إندثارياً على أنها أصبحت خارج نطاق الخدمة (خردة).. فلماذا لا نسعى
الى تجديد تلك الخطوط المنتجة المهمة في حياة ابناء شعبنا.. سيمر عقد
من الزمن ونحن نرى أسواق المعدات الكهربائية والغذائية متخمة بشتى
أنواع البضائع المستوردة وبكافة الأنواع والشركات.. ونحن جالسون
ولساعتين فقط، أو حتى أقل من ذلك، نستلم رواتبنا الشهرية غير قادرين
البتة على أن نبدأ.. فقط أن نبدأ بشيء بسيط لنثبت وجودنا على أقل تقدير
أمام شعبنا بأن هناك من ينتج في العراق الذي أصبح شعبه يصنف بأنه من
أكثر الشعوب الاستهلاكية وليس لدينا أية إيرادات تتحقق في الموازنة
الاتحادية إلا من بيع النفط بينما ينهمك الكثير من التجار في امتصاص
العملة الصعبة بكتل نقدية كبيرة ليدفعوا بها الى خارج الوطن لاستيراد
كل شيء.. كل شيء على الأطلاق.. فهناك بلدان قد تغطي بعض إحتياجاتها من
الصناعة المحلية.. إلا إننا غططنا في نومنا وسباتنا ولا من سبيل الى أن
نفيق لتصنيع حليب أطفالنا أو حتى ملابسنا الداخلية !!!
وعلى الرغم من أننا نفتقد وبشدة الى الظروف الملائمة للعمل بسبب عدم
وجود الطاقة الكهربائية التي تشغّل وسائل التبريد لجعل درجة الحرارة
ملائمة للعمل وعدم وجود الأماكن المريحة لموظفي الدوائر الإدارية،
والتي قد نكاد ان نكون جازمين بأنها الدوائر الوحيدة التي تعمل، لأن
الكثير من الشركات وكأنها في إجازة طويلة باستثناء بعضها ممن عمل
مدراءها العامون على جلب بعض الاستثمارات البسيطة، المخجلة، لغرض تشغيل
موظفيها وليس كل موظفيها لكون الأغلبية منهم وبالاتفاقات المشبوهة أصبح
دوامهم الرسمي بسيارة الأجرة الصفراء، الإيرانية أيضاً، أو بـ (الجنابر)
التي تراها منتشرة بفظاعة وبخجل في كل الشوارع الرئيسة في العاصمة فأنت
لا تحتاج إلا لسرير نوم حديدي قديم ومظلة من حديد الزاوية لتكون لك "سبوبة
رزق" كما يقال تضيف إليك مورداً لإعانة عائلتك بعدما أنهك التضخم راتبك
الحكومي.
علينا أن لا ننتظر بأن يقدم مستثمر ما لاستثمار ما يملك من مال في
العراق لكون ذلك أصبح اليوم مستحيلاً فبعد هذا التقرير لا أعتقد أن
مستثمراً ما يغامر بوضع أمواله في مصنع عراقي ومع مؤشرات منظمة
الشفافية الدولية التي منحت العراق 1.8 نقطة واضعة إياه في المركز 175
من أصل 183 دولة شملها تقريرها لعام 2011 ومع المؤشرات العالمية الأخرى
نرى إن صناعتنا في وضع لا تحسد عليه من حيث جلبها للاستثمارات ولا سبيل
لدينا اليوم للتخلص من عقد التصنيع الكثيرة إلا بوضع الخطط الكفيلة
بشراء المصانع الحديثة الكبيرة وبتدريب موظفينا، الذين أرهقهم الكسل،
ودفعهم بنظام حوافز مجدي لغرض البدء، والبدء فقط اليوم قد يكون صعباً
فالانطلاق لدينا في العراق أمامه الكثير من العوائق التي، نكاد أن نكون
جازمين، بأن أهمها يتمثل في أن الكثير من مدراء الشركات الصناعية
جلبتهم المحاصصة الى تلك المواقع على الرغم من هناك من هم أكفأ منهم
بمئات المرات ممن تدربوا في أكثر شركات العالم تخصصاً وخبروا طرق
ومسالك الصناعة ودأبوا على تطوير أنفسهم ذاتياً من خلال الدراسة
والتدريب والعمل الدؤوب.
لنبدأ بوضع كل ذي صنعة في موقعه أولاً وأن نضع ستراتجيتنا بمؤتمر
عام برعاية رئيس الوزراء وبحضور وزير الصناعة وكل المدراء العامين في
الشركات الصناعية ونناقش المشاكل والمعوقات واستقدام الخبراء الأجانب
للمساهمة في وضع الخطط الصناعية الستراتيجية التفصيلية لإعادة الاعتبار
للصناعة العراقية والمصّنع العراقي وأن نبدأ بأهم الصناعات التي تكون
على تماس مع حياة ابناء شعبنا والتي تستوعب هذا الكم الهائل من
الموظفين في وزارة الصناعة ونناقش الجدوى الاقتصادية من تلك الخطط قبل
الشروع بها لنرى بعد حين كما كنا جميعاً متكاسلين في إداء واجباتنا على
أتم وجه وما سنوفره للوطن من عملة صعبة نراها، اليوم، تُهّرب من بين
أيدينا ونحن نغط في نومنا.. وكسلنا !
zzubaidi@gmail.com |