التغيير الأمثل ومحور التخلف

غريبي مراد

في واقعنا العربي والإسلامي الراهن، هناك محوران يتجاذبان الموقف من التغيير الأمثل، محور يعمل من أجل التغيير والإصلاح للأمور القائمة ثقافيّاً وسياسياً واقتصاديا، ومحور يتحفّظ من التغيير أو يتقمصه ليكرس التخلف، خشية ضياع المصالح التاريخية والعلاقات الاستراتيجية مع الغرب الليبيرالي إلا مع استثناءات طفيفة، مما ينعكس في صراعه مع الحجم التغييري الخلاق الذي يرتئيه المحور الأوّل؛ لهذا هناك توجّس عظيم يدفع المنطقة نحو احتمالات خطيرة جدا.

بصراحة: لا يمكننا سوى أن نقف على نقطة بنيوية في قراءة حجية الاتجاه المتحفظ من التغيير والإصلاح في واقعنا العربي والإسلامي، تتمثل في مسألة التعاقد الاجتماعي في الواقع الإسلامي ومدى بروزه في الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية، وما يمكن أن ينتجه التفعيل السليم للعلاقة الاجتماعية بيننا كعرب ومسلمين، لأن صحة الاجتماع العربي والإسلامي تمثل (أس) التفكير في ضرورة التغيير والتجديد والإصلاح، ومن لا يدعم التعايش بين تنوعات المجتمع، لا يكون صادقا في تبني خيار التغيير الأمثل، فالعشرية الأخيرة من حياة العرب والمسلمين شهدت العديد من البرامج الفتنوية المذهبية والطائفية والعرقية الهادفة لزعزعة الاستقرار الاجتماعي للمسلمين وتطوره الذي يغني المشاريع التنموية والاستقلالية على المستويات الثقافية والسياسية والاقتصادية، فمنذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران ثم الاجتياح الغاشم للكويت وبعدها انتصار المقاومة الإسلامية في لبنان واحتلال أفغانستان ثم العراق والنكسة الصهيونية سنة 2006 والصمود الفلسطيني في 2008، ومؤخرا الثورات العربية وما تمخض عنها من كيل بمكيالين بخصوص البحرين وسورية واليمن، كل ذلك أوجد صورة عربية مناقضة لمستقبل الهوية العربية الإسلامية ومصالحها الحيوية في ظل مشاريع هيمنة واسعة تزداد شراسة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية.

بكلمة: تنمية التكفير والطائفية وتمويل الإعلام الفتنوي والأبواق السياسية التي تتغذى من الصراعات الطفولية المذهبية والطائفية والعرقية السياسية، تمثل الحجية الحقيقية التي تجعل الاتجاه الرافض لأي شكل من التغيير بالعالم العربي والإسلامي، حيث التغيير الفارغ من هذه المحاور يصب في مصالح الشعوب وتحرر المنطقة من التبعية الاقتصادية والسياسية، ويهدد أمن الكيان الصهيوني...!

ببساطة: ترى هل استوعبت الأنظمة العربية والإسلامية (المذهبية والسياسية والثقافية) المتحفظة من أن التغيير أمر لابد منه مهما تحاشته ومن الأفضل لها الانفتاح على شعوبها وشراء كرامتها قبل أن تلتحق بنادي المنبوذين عربيا وإسلاميا أو تلقى الجزاء الأوفى كسائر فراعنة الاستبدادين الديني والسياسي عبر التاريخ...؟؟

إن الخطة الاستدمارية الموجهة للواقع العربي الإسلامي، في حاجة لتعبئة حركية اسلامية شاملة لمواجهة التخلف الثقافي والسياسي والاقتصادي، لأن الاجتماع الإسلامي العام يزداد تصدعا بفعل المؤامرات الفتنوية خصوصا عبر المنابر الدينية والإعلامية والسياسية، كأنما الاجتهاد في الدعوة للحوار واللقاء والتسامح والتعايش والتعاون وما هنالك من قيم إسلامية عظيمة، يمثل البدعة بحسب المنطق المزيف الذي يحكم العديد من القامات المذهبية والدينية والسياسية، التي لا تدمن سوى الحقد والحسد والتخلف عن العدل ولا تحسن سوى صناعة الفتنة وتكفير الآخر على أساس الظن أو الزلة أو مجرد الرأي...

لهذا علينا تصحيح الأنفس وجعلها تسير في سبل صناعة العدل على مستوى الفكر والسياسة والاجتماع والاقتصاد، لأن التغيير الفاقد لروح الاجتهاد في ترسيخ العدل والسلام في المجتمع ما هو سوى تخلف جديد ... والله من وراء القصد.

www.aldaronline.com

شبكة النبأ المعلوماتية- الأحد 13/تشرين الثاني/2011 - 16/ذو الحجة/1432

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1432هـ  /  1999- 2011م