في عصر تكنولوجيا المعلومات ومع شيوع استخدام التقنيات الحديثة في
شتى المجالات، التجارة الإلكترونية، الأعمال المصرفية الإلكترونية (أو
ما يعرف بالاقتصاد الرقمي أو الإلكتروني)، الإدارة الإلكترونية
والحكومة الإلكترونية، وغيرها، فضلا عن استخداماتها في مجالات الأمن
الداخلي والخارجي، زادت الجرائم المعلوماتية، فزادت المخاطر التي يمكن
أن تشكلها هذه الجرائم على الأمن الاجتماعي والاقتصادي للدولة، للدرجة
التي قد تصل إلى حد تهديد كيان الدولة وأمنها القومي بارتكاب بعض
الجرائم مثل التجسس الإلكتروني أو الإرهاب الإلكتروني، أو التحريض
السياسي الإلكتروني، والتزوير والتزييف الإلكتروني.
مما يقتضي إعداد العدة لمكافحة هذا النوع من الجرائم، سواء من
الناحية التشريعية بإصدار التشريعات العقابية، والإجرائية الكفيلة بقمع
هذه الجرائم، وضبطها وتحقيقها ومحاكمة الجناة فيها أو من الناحية
الفنية أو التقنية، بإعداد الكوادر الفنية المؤهلة والمدربة على
استخدام أحدث الوسائل والأجهزة لكشف وضبط هذه الجرائم.
يعد الإثبات الجنائي بالأدلة الرقمية من أبرز تطورات العصر الحديث
في كافة النظم القانونية، والتي تطور معها الفكر الإجرامي، فظهر نوع
جديد من الجرائم هو ما يعرف بالجرائم المعلوماتية أو الجرائم الرقمية،
مما ألقى على عاتق القائمين على شؤون مكافحة الجريمة في الدولة عبئاً
شديدا ومهاما جساماً تفوق القدرات المتاحة لهم وفق أسس وقواعد إجراءات
البحث الجنائي والإثبات الجنائي التقليدية؛ نظراً لعدم كفاية وعدم
ملائمة هذه النظم التقليدية، في إثبات تلك الجرائم- سواء من الناحيتين
القانونية أو التقنية، وكان حتميا على المشرع أن يستحدث من التشريعات
ما يلائم هذا النوع من الجرائم، فضلا عن إنشاء أجهزه فنية متخصصة وان
تكون إدارات وقيادات مهيأة لمكافحة النمط الجديد من الجرائم.
فكيف تكافح هذا النمط من الجرائم ولا تمتلك من أدوات فاعله للتنفيذ:
لا شك أن عالم اليوم يشهد ثورة كبرى في أساليب الإدارة الحديثة
ووسائلها، ومن بين المعايير التي يقاس عليها مدى تقدم الدولة هو مدى
تطور الإدارة فيها، لذلك لا يجوز أبدا أن نكون بمعزل عنها، وإلا حكم
الزمن علينا بالتخلف الإداري المهين، وموضوع التحديث الإداري الفاعل
ليس قضية موظف أو مجموعة موظفين فقط، كما انه ليس مقصوراً على جهاز
إداري أو أكثر من أجهزة الدولة، بل هو في واقع الأمر ينبغي أن يكون
قضية كل فرد في هذا البلد ومجال عمل كل وحدة إدارية فيه.
وبقراءة عاجلة للواقع الشرطوي العراقي، يمكن تصنيفه الى ثلاث فئات
من حيث الواقع الميداني والمعرفي:
الأولى فئة تعيش سلوكا ونمطا وتفكيرا بعصور ما قبل التاريخ، وهي
الفئة الأميه بالمعرفة الأبجدية وبالتالي فإن المعرفة المهنية بعيدة
جداً عن تفكيرهم.
اما الثانية فهي فئة تعيش بعقليه القرون الوسطى من حيث الثقافة
والمعرفة، وهذه الفئة تحاول ان تحسن من واقعها المهني لديمومة بقاءها،
ولكنها لن تتمكن لأنها محاطة بجملة عوامل مؤثرة تحدها عن التطور...
اما الفئة الثالثة وهي فئه لا تشكل سوى نسبه ضئيلة من المجموع العام،
فئة تحاول ان تعيش نمط القرن الواحد والعشرين وبالأخص (التراسل بالبريد
الالكتروني وتصفح الانترنيت والاشتراك بالفيس بوك الخ)..
وتكمن المشكلة في ضرورة تحلي القيادات الشرطية وفق نمط الفئة
الثالثة لكي تحدث التغيير، وتكون فاعلة ومؤثرة على الفئتين الأولى
والثانية، والمؤلم ان اغلب القيادات الحالية غير قادرة على هذا الأداء
بسبب غياب الثقافة الرقمية للتحرر من الجهل، لأن هناك فرقا شاسعا بين
الجهل والأمية وبين الوعي والقراءة، فكم من قارئ بل عالم في مجال تخصصه
لكنه هو جاهل، لأن الجهل لا يعني في مرادفه الأمية أو في مضادة القراءة،
إنما القراءة شيء والوعي شيء آخر، لهذا كيف نفسر الجامعي والطبيب
والمهندس…، وهم يؤمنون بعوالم الشعوذة ومسائل أخرى تافهة بل سخيفة في
حين هي بالنسبة لهؤلاء عقيدة.. فالشهادة العليا في مجال ما، لا ترفع
وعيا ولا تزيل جهلا، باعتبار الوعي إدراك بالواقع يساعدنا في تقديم
صورة حقيقية عن الواقع والذات، فالأمي بالحروف لا يعني جهله بالأشياء
بقدر ما نعتبر الأمية سببا معرقلا في مسايرة الحياة.
فالوعي يساوي فهم طبيعة الصراع، أما من يسيرون على طريق الوعي
والمعرفة محاولين نشرها هم من يدفعون ضريبة التضحية، فالإنسان الواعي
لا يمكن أن يعيش بدون كرامة أو يرضى بالذل أو بالظلم له أو لغيره،
فالوعي يفرض على صاحبه أن يستنشق هواء الحرية، ويفضل العيش الكريم،
والاستقرار والأمن ومحاربة الظلم والفساد. وكأن الوعي في زمن الجهال غمّ
وحسره وندامة، فالجامعي، والطبيب، والمهندس إلخ.. بصيغة المفرد هو جاهل
مرتاح البال ينعم بدخله الشهري حتى وإن كان الواقع من حوله يقبع في
العبودية الحديثة والكوارث الإنسانية التي صنعها الإنسان لأخيه الإنسان.
لقد أصبح تعبير الفجوة الرقمية شائعا خلال السنوات القليلة الماضية
وهو تعبير يستخدم للدلالة على تلك الهوة الفاصلة بين الدول المتقدمة
والدول النامية في النفاذ الى مصادر المعلومات والمعرفة والقدرة على
استغلالها. ولقد ظهر هذا المصطلح على مستوى محلى في البداية حيث كانت
نشأته في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1995م بصدور تقرير وزارة
التجارة الأمريكية الشهير بعنوان (السقوط من فتحات الشبكة ) ولكن سرعان
ما اتسع المفهوم متجاوزا النطاق المحلى لينتشر استخدامه عالميا ويصبح
بديلا جامعا من منظور معلوماتي لطيف الفوارق بين العالم المتقدم
والعالم النامي وبين أقاليم العالم المختلفة. ويمكن القول أن هناك
ثلاثة تعريفات: تعريف واسع يشمل بجانب النفاذ الى مصادر المعرفة
استيعابها من خلال التوعية والتعليم والتدريب وتوظيفها اقتصاديا
واجتماعيا و ثقافيا. كما يستخدم تعبير" الفجوة الرقمية " للإشارة إلى
تأخر بعض الدول في استخدام علوم وتقنيات الاتصالات والمعلومات وهي نتاج
العلم والتقنية خلال المائة سنة الأخيرة. فالعالم اليوم يمكن تقسيمه
إلى دول غنية ذات اقتصاد قوي قادرة على التحكم في إنتاجها واستغلال
مواردها - وموارد الآخرين - من خلال إنتاج وإتقان واستخدام تقنية
الاتصالات والمعلومات - وهي في الغالب دول الشمال - ودول أخرى فقيرة
ذات اقتصاد ضعيف يتحكم في استغلال مواردها عوامل خارجية بسبب قصور
طاقاتها العلمية والتقنية وعدم قدرتها على استخدام الوسائل التقنية
المختلفة وخاصة تلك المتعلقة بتقنية الاتصالات والمعلومات.
إن "الفقر المعرفي" هو الذي ولّدَ مشاكل العرب على مستوى الدين
والدنيا.. فقرُ في مواضيع السياسة والاقتصاد والدين والاجتماع.. ناهيك
عن مستويات الفكر والفن وغيرها. وهذا يعود لأن الطبقات المعرفية في
عالمنا تم احتكارها وإغلاقها ولم تفُتح للتفاعل مع الفرد وتبادل الأخذ
والعطاء معه، بل تم استبعاده منها!. من هنا أتى الجمود والتكلس المعرفي.
ففي أي "فن" من الطبيعي أن الطبقة والنخبة التي تًسيطر عليه تريد لهذا
الحقل أن يتجمد ويبقى على حاله لأن بقاءه على وضعه يعني بقاء سيادتها.
إن الغرب نجح معرفياً وتجدد لأن لديهم قابلية ومرونة لاكتساب
المعرفة من أي مصدر، لذا ينجح الشباب هناك، وتتنفس الأفكار الجديدة،
وإرادات الأمل والتغيير والنجاح يصعب على أي أحد أن يقوم بتشويهها،
فللفرد "مدخله" المعرفي المباشر عليها.
ومن المؤسف أن يعيش جهاز الشرطة العراقية اليوم في عامته، وبالأخص
في قياداته العليا فجوة رقمية وتخلفا في استخدام التكنولوجيا الحديثة
وبالأخص في مجال الاتصالات وولوج عالم الأنترنيت وشبكات التواصل، بحيث
لو عملت استبيانا بمدى انتشار استخدام تقنيات الانترنيت والبريد
الالكتروني بين القادة لخرجت بنتيجة مؤلمة بل ومفزعة!!!.
ما العمل لحل المشكلة؟
• التعجيل ببرنامج محو( لأمية الأبجدية) في الشرطة.
• تغيير معايير الترقية للضباط وأن تكون إحدى شروط الترقية ان يتقن
الضابط التصفح على الانترنيت ويجيد التراسل بالبريد الالكتروني في
الأقل.
• تغيير مناهج التدريب بمعاهد الشرطة بان تكون الثقافة الرقمية
المعيار الأساسي للنجاح.
• تدريب الدائرة المحيطة (بقادة الشرطة )على الثقافة الرقمية.
• اعاده النظر بالأليات المتبعة بالنظام الاداري السائد.
• أن تمارس الداخلية أسلوب التراسل والتوجيهات والتعليمات من خلال
البريد الإلكتروني لإلزام القادة الأمنيين على التآلف مع التقنيات
الحديثة، ومغادرة الأمية الإلكترونية، لأننا نعيش في عصر لا يسمح
بالتخلف والجهل وادعاء عدم المعرفة.
* خبير في الشؤون الامنية |