الاحتجاجات الشعبية ومشكلة الاستبداد في المجتمعات الاسلامية

رؤى من فكر الامام الشيرازي

شبكة النبأ: الاستبداد مشكلة تعاني منها الشعوب والامم الضعيفة، والضعف هنا يتركز في الوعي والمعرفة والعلم، أي حينما لا يعي المجتمع حقوقه ولا يطالب بها إلا ما ندر، وذلك بسبب تفشي الامية والجهل والتخلف، وهذا ما تشجع عليه الانظمة والحكومات ذات النهج الاستبدادي المتفرد في حكم الشعب او الامة.

لذلك لا يمكن للاستبداد ان ينمو إلا في البيئة المناسبة له، وهي بيئة التخلف، هنا لابد من القول أن الحكومات ليست وحدها المسؤولة عن النهج الاستبدادي في ادارة الحكم، بل هناك بيئة تتمثل بالمجتمع الجاهل، الذي لا يعرف حقوقه، فيسمح بذلك للحكومات بالتجاوز عليه.

لهذا السبب يرى الامام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) بهذا الخصوص في كتابه القيّم الموسوم بـ (الشورى في الاسلام): (ليست المشكلة فقط في الحكام المستبدين والمتزلفين الذين يدورون حوله وينالون من ماله وجاهه، ولذا يسحقون وجدانهم فيطرونه ويكيلون الثناء والمديح له جُزافاً، ويعملون بأوامره حتى في قتل الأبرياء وهتك الأعراض ونهب الأموال. بل الطامة الكبرى في الرحم التي تولّد هؤلاء الحكام، وهي الأمة).

إذن يمكن ان نمثل الامة هنا بالجسد الذي يتراوح بين الضعف والقوة، فحين يُصاب الجسد بمرض ما، سوف يضعف خاصة اذا لم تتوافر فيه عناصر المقاومة والمناعة ضد المرض، خلاف ذلك الجسد القوي الذي يتمتع بمناعة قوية، تطرد الامراض ولا تسمح لها بالتسلل إليها، هكذا هي الامم تتناوب فيها حالات الضعف والقوة، وهذه القضية تتعلق بمدى استعاب الامة لعناصر التقدم، وكبح جماح التخلف أيا كان نوعه او مصدره، يقول الامام الشيرازي في كتابه نفسه حول هذا الموضوع: (إذا لم تكن الأمةُ ضعيفة وفيها قابلية لتقبل الاستبداد، لما كان بإمكان الحكام الطغاة من السيطرة عليها، فالأمة إذا صارت كالجسم الضعيف تسلط عليها المرض من كل مكان، بينما الأقوياء لهم المناعة في طرده عن أجسامهم).

لذا اثبتت شعوب المنطقة المسماة بالشرق الاوسط، بأنها شعوب حية لا تقبل بتفشي مرض الاستبداد فيها الى الابد، وهذا ما تسبب باشتعال الاحتجاجات الشعبية في معظم بلدان المنطقة، وتم اسقاط عدد من عروش الطغاة والحكومات الفاسدة، والواقع ان هذه النهضة الشاملة لم تحدث جزافا، حيث تنامى وعي الشباب وتضاعفت المعرفة، وأمكن للشعوب أن تفهم حقوقها جيدا، وتطالب بها عبر الاعتصامات والاحتجاجات، وتقديم الضحايا على طريق التحرر، كما حدث في تونس ومصر والبحرين وغيرها، لهذا يؤكد الامام الشيرازي على أن: (مهمة الوعاة رَفعُ هذا المرض عن الأمة حتى لاتستعد لتقبُّل المستبد، وحينذاك لا تجد أثراً منه).

ان نخب الامة في كل المجالات هي المسؤولة عن بث الوعي بين الجميع، وهذه النخب ينبغي أن تقرأ الواقع بدقة، وتشخص العلل التي تعاني منها الامة او المجتمع، وتبحث في السبل التي من شأنها معالجة النواقص، او الامراض الثقافية او السياسية او الاجتماعية او غيرها، يقول الامام الشيرازي في هذا الصدد بكتابه نفسه: (كما انّ الطبيب الجسماني بحاجة إلى بيان المرض والعلاج، كذلك أطباء الروح بحاجة إلى توعية الناس بمشاكلهم، وانّها من أين ابتدأت، والى بيان العلاج).

وثمة ما هو هام جدا في هذا الشأن، فالمرض اذا كان سهلا وبسيطا يمكن علاجه بسهولة وسرعة فلا خطر منه حيال الامة، ولكن اذا كان المرض من النوع العضال المستديم، فإن الخلاص منه يتطلب زمنا طويلا وجهدا وسعيا مضاعفا، وطالما أن المجتمع الاسلامي موزّع على دول عدة وانظمة مستبدة ويعاني من الفردية والقمع والمعاصرة منذ قرون طويلة، فإن قضية الخلاص من الاستبداد فيه، تحتاج الى زمن اطول وجهد استثنائي، لذا يؤكد الامام الشيرازي في هذا المجال قائلا: (من المؤكد أن الجسم الذي يعشعش فيـه المرض مدة طويلة لا يمكن علاجه بمدة قصيرة، أو دواء بسيط، وكذلك جسم المسلمين الذي يعشعش فيه الاستبداد قروناً لا يعالج إلاّ بنشر الوعي العام بكل الوسائل الممكنة الإعلامية وغيرها).

وهكذا تأتي الاحتجاجات الراهنة في الشعوب الاسلامية والعربية، لتؤكد أن مرض الاستبداد في طريقه الى الزوال، وان مبدأ الشورى هو الذي ستحتكم اليه الانظمة السياسية في نهاية المطاف، فلا ظلم ولا استبداد بعد الآن، لأن الاستبداد مهما كبر حجمه وتكاثرت جذوره وهيمن على الواقع الراهن، إلا انه لن يكون هو الخيار الصحيح للامة، بل لن يكون هو البيئة المطلوبة ولا المناسبة للتطور ومواكبة العصر، ولهذا لابد من مواصلة الكفاح ضد منهج الاستبداد والظلم، حتى تتخلص الامة من الانظمة المستبدة والى الابد، ولكن هذا الامر يتطلب تواصلا في بذل الجهود التي تصب في تنمية الامة وعيا وثقافة، لهذا يؤكد الامام الشيرازي قائلا: (إن هول مشكلة الاستبداد لا يحول دون الشروع في العلاج كلٌ بحسب قدرته العلمية والمادية).

شبكة النبأ المعلوماتية- الاثنين 29/آب/2011 - 28/رمضان/1432

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1432هـ  /  1999- 2011م