المفاوضات المستحيلة والأوهام المستقيلة!

ماجد الشّيخ

ثلاثة أيام فقط فصلت بين اجتماع اللجنة الرباعية الدولية في واشنطن، واجتماع لجنة المتابعة العربية في الدوحة، من دون أي تطور جديد يذكر، فلم يجد أطراف الرباعية الدولية سوى توجيه الدعوة إلى الفلسطينيين والإسرائيليين للعودة إلى طاولة المفاوضات المباشرة؛ بلا شروط مسبقة؛ ومن دون ذكر لأي مرجعيات يمكن الاستناد إليها. في حين قررت الجامعة العربية أنها ستتقدم نيابة عن الفلسطينيين بطلب عضوية كاملة في الأمم المتحدة، بينما دعت لجنة المتابعة العربية إلى ذات الهدف، مع ذكر المرجعيات المفترضة لعملية التفاوض والتسوية العتيدة، مع توجيه نداء لتدخل دولي – أميركي خصوصا –  يكون فاعلا في المفاوضات، وفاعلا في تحديد مرجعيات العملية برمتها، وصولا إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود الرابع من حزيران.

 وفي وقت أعاد الإسرائيليون فشل صدور إعلان أو بيان ختامي عن اللجنة الرباعية الدولية، إلى السلطة الفلسطينية، بسبب تمسكها بمواقفها الرافضة للاعتراف بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي، وشطب إمكانية التوجه إلى الأمم المتحدة للحصول على اعتراف بالدولة الفلسطينية، ورفضها إعلان نهاية الصراع في حال التوصل إلى تسوية. كما رفضت بندا يدعو لإجراء إصلاحات في جهاز التربية يوقف التحريض ضد إسرائيل. في حين اعتبر الرئيس الفلسطيني محمود عباس عدم صدور بيان عن الرباعية الدولية كونه مؤشرا سيئا، "لأنه يدل على أنهم مختلفون، وكنا نريدهم أن يتفقوا حتى نذهب إلى خيارنا الأساس، وهو العودة إلى المفاوضات، لكن شريطة اتفاقهم على بند الاستيطان والحدود، وإذا لم يتفقوا فسنذهب عندها إلى الأمم المتحدة، وحينها نتمنى ألاّ تستخدم الولايات المتحدة الفيتو".

 من الواضح هنا حتى الآن، أن الأميركيين لم يستطيعوا الالتزام بموقف قد يُغضب حكومة نتانياهو، فكان انحيازهم إلى "رؤية" هذا الأخير في شأن المفاوضات ومرجعيتها، حتى أنهم تنصّلوا من "رؤية أوباما" إزاء الحدود وتبادل الأراضي، كونها كانت نقطة خلافية بين أوباما ونتانياهو في خطابات أيار (مايو) الماضي في الخارجية الأميركية، وفي اجتماع الآيباك وفي الكونغرس. وبدلا من أن تنتصر الولايات المتحدة لذاتها، وتعمل من واقع قيادتها الهيمنية على العالم، ذهبت في اتجاه رهن إرادتها وإرادة رئيسها لمصلحة الابتزازات الإسرائيلية المتواصلة، الأمر الذي أدى إلى "عجز" اجتماع الرباعية الدولية عن التوصل إلى موقف موحد يجري إخراجه في بيان جديد.

 وبهذا تعيدنا واشنطن، كما الرباعية إلى المربع الأول الذي حكم وجود مفاوضات إسرائيلية – فلسطينية، من دون أسس أو مرجعيات واضحة، في وقت لا تكفّ الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على اختلافها، عن تغيير المعطيات القائمة على الأرض ديموغرافيا وجغرافيا، وفي اتجاهات تعمد إلى خلق أمر واقع جديد كل يوم، يستجيب لوقائع في الذهن الليكودي واليميني المتطرف، ينسف كل أسس لمفاوضات ممكنة، أو يستجيب لأوهام تستقيل من واجباتها الوطنية فلسطينيا وعربيا، وما يجري عمليا لم يعد ينسجم أو يتفق وأمر إجراء مفاوضات متوقفة، لا تتفق أطرافها على مرجعيتها وحدودها النهائية، ناهيك عن كل بنود التفاوض المستحيل.

 ولم تكتف الولايات المتحدة بموقفها في اجتماع الرباعية الدولية، بل سعت إلى تحذير الفلسطينيين من مسعى طلب الاعتراف بدولتهم المنشودة في الأمم المتحدة، في وقت كان يتجه مجلس النواب الأميركي إلى التصويت على قرار رمزي يحذر الفلسطينيين من أنهم سيواجهون خفضا للمساعدات الأميركية، وذلك بعد مرور أسبوع على موافقة مجلس الشيوخ على قرار مماثل. كذلك صادق هذا الأخير على قرار يدعو الإدارة إلى الإعلان عن استخدامها حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار بقيام دولة فلسطينية يقدم أمام مجلس الأمن الدولي، ولا يكون نتيجة اتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

هذا على الرغم من أن الجميع يدرك أن التزام الولايات المتحدة بتسوية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي عبر المفاوضات المباشرة؛ ناقض ويناقض كل أساس لأي حل ممكن، وطالما لا يجري الاعتراف بمرجعيات وأسس مثل هذا الحل، فستبقى المواقف متباعدة؛ الفلسطينيون لا يرون "رؤية نتانياهو" بالطبع، وإن كانوا "يجاملون" في تحديد موقفهم من "رؤية أوباما" العصيّة على التفهّم الإسرائيلي، ومواقف الإدارة الأميركية المنحازة لإسرائيل اليمينية والفاشية قلبا وقالبا.

 وإذ لم تكتف الرباعية بعجزها عن اتخاذ موقف موحد من مسألة توجه الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة، أو تبنّي موقف يعيد أطراف العملية التفاوضية إلى الطاولة مجددا، على قاعدة توافر بيانات واضحة، هي بمثابة مرجعية يعتدّ بها، فها هي تحاول مرة أخرى عبر إيفاد مبعوثها "لعملية السلام في الشرق الأوسط" طوني بلير، في محاولة للبحث عن مخرج يحول دون توجه الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة، وإعادة الحياة إلى طاولة مفاوضات ميتة أساسا، وبما يعبّر عن اعتقاد المجتمع الدولي بوجوب الاعتراف بإسرائيل "دولة يهودية لشعبها"!.

  ولهذا أعجزت "يهودية الدولة" الرباعية الدولية عن التوصل إلى اتفاق بين أطرافها، حيث لعبت روسيا دورا هاما في منع اللجنة من إصدار بيان يدعو الفلسطينيين إلى الاعتراف بيهودية إسرائيل، مقابل إقرار حدود الرابع من حزيران عام 1967 كأساس للمفاوضات، والامتناع من التوجه إلى الأمم المتحدة، في الوقت الذي كانت واشنطن تصرّ على صيغة لبيان كان سيشكل "سابقة خطيرة" لجهة الدعوة إلى اعتراف فلسطيني بـ "يهودية إسرائيل"، ويضع المزيد من العراقيل أمام التوجه الفلسطيني للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) المقبل. وذلك استجابة لما كان نتانياهو قد طلبه من الأميركيين كنوع من المقايضة؛ بما يفيد أن ما سيجعله يوافق على عبارة حدود العام 1967، ستكون في حال حصوله في المقابل على اعتراف فلسطيني بـ "إسرائيل كدولة يهودية"، مع كل ما سيترتب على ذلك.

 هذه المقايضة المستحيلة، لا يبدو أنها ستحوز أي نصيب من النجاح، فالفلسطينيون ليسوا بالسذاجة التي يمكن أن تودي بهم إلى إحداث أو استجلاب نكبة جديدة، بحق من تبقى من مواطنين في أراضي الجليل والمثلث والنقب، في وقت يرفض هؤلاء مسألة تبادل أراضي مقترحة، ما يضع المزيد من العراقيل الموضوعية أمام مهمة استئناف المفاوضات. وحتى في حال استئنافها؛ فبالتأكيد سوف تنشأ عراقيل ذاتية وموضوعية أخرى، ومن قبل الجانبين، لن يكون من السهل تجاوزها، أو إيجاد حلول لها، كونها ناشئة أو انعكاس عن تعبير مصيري عن ذات تدافع عن وجودها على أرض وطنها التاريخي؛ في مقابل وفي مواجهة ما يعتقده الصهاينة القدامى والجدد، من تعبير مصيري آخر؛ عن ذات تدافع عن سرديات أساطيرها وخرافاتها التي أسست وعبر أدلوجات تديّن ذاتوي خاص، لاستملاك ومصادرة وطن شعب آخر وتشريده داخل وخارج وطنه.

شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 28/تموز/2011 - 26/شعبان/1432

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1432هـ  /  1999- 2011م