سر بن لادن وحكاية مدينة أبوت آباد

محمد حميد الصواف

 

شبكة النبأ: يوما بعد يوم تتكشف المزيد من الحقائق حول ملابسات مقتل أسامة بن لادن وأسرار مطاردته العشرية، التي تصنف كأطول فترة مطاردة شهدها التاريخ، لم تستثني خلالها الولايات المتحدة الأمريكية سبيل للوصول إلى هدفها المنشود في قتل ذلك الرجل الذي أذاقها الأمرين.

فبدأ من الجهد البشري والتقني، مرورا بمختلف معدات المراقبة والكشف التي تضمنت الاقمار الصناعية، عكفت واشنطن على الايقاع بطريدها مهما كانت التكلفة او استغرق ذلك من زمن، بحسب النتائج الاخيرة.

وبعيدا عن ذلك باتت المدينة التي قتل فيها بن لادن محط انظار العالم اجمع، سيما انها اوته قرابة خمس سنوات دون ان يكشف او يخطر على بال احد، حيث اقام في مسكنه الفسيح طيلة تلك الفترة على عكس ما كان يتوقع ان يكون في احد الكهوف الضيقة.

كانت تعرف منذ 2008

فقد ذكر موقع ويكيليكس امس أنه من المحتمل أن الولايات المتحدة كانت تعرف بوجود زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في مدينة أبوت أباد الباكستانية منذ عام 2008. استشهد الموقع في ذلك ببرقية أمريكية مسربة.

تضمنت الوثيقة التحقيقات التي جرت مع مواطن ليبي يدعى أبو الليبي كان معتقلا في جوانتانامو، والذي اعترف بأنه كان رسولا لدى بن لادن عام 2003 للعمل في أبوت أباد.

وذكر الموقع أن المعتقل تلقى في عام 2003 رسالة من مبعوث لبن لادن يدعى مولوي عبد الخالق جان يطلب منه تولي مسئولية جمع التبرعات وتنظيم الرحلة وتوزيع الأموال على عائلات في باكستان. وأضاف أن بن لادن قال إن ابو الليبي سيكون الرسول الرسمي بينه وبين آخرين في باكستان. بحسب الوكالة الالمانية.

وفي منتصف 2003، نقل ابو الليبي أسرته لتعيش في أبوت أباد التي كان عمله بينها وبين بيشاور.

ماذا وشى باسامة بن لادن؟

في حين ربما يكون أحد أسباب نهاية رحلة هروب اسامة بن لادن التي استمرت عشر سنوات في اعقاب هجمات 11 سبتمبر ايلول ان مخبأه الضخم الذي اقام فيها افتقر لخدمات الهاتف والانترنت وهو امر غير معتاد من المرجح ان يثير فضول محققين.

وطيلة عقد نجح الى حد كبير اختياره المفترض لباكستان للاختباء في مواجهة اكبر عملية مطاردة في التاريخ. وتكهن خبراء بانه طلب الحماية من متشددين محليين في معاقل جبلية نائية ورد لهم حسن ضيافتهم بمساعدتهم في مسعاهم الدموي لزعزعة الحكم في باكستان.

ونجحت هذه المساعي جزئيا لتفاديه وغيره من قادة القاعدة استخدام وسائل الاتصال الالكترونية التي ترصدها وكالات تجسس غربية لتعقب اهدافها.

وتأوي باكستان وبصفة خاصة في الشمال الغربي المتاخم لافغانستان الذي لا يخضع لحكم القانون العديد من الجماعات الموالية للقاعدة يعتقد أنها راغبة بل قادرة على امداد بن لادن ابرز المطلوبين على مستوى العالم بمن يحملون رسائله للاتصال باتباعه.

وانهت القوات الامريكية مسعى بن لادن الاختفاء الذي دام طويلا باقتحامها مخبأه حيث اردته قتيلا.

ولم يتضح تحديدا العوامل التي كشفت غطاء بن لادن نظرا لعدم توافر تفاصيل كثيرة عن الغارة على مخبأه بعد. وفجرت احدى الحقائق المتعلقة بمكان تواجده مفاجأة فبدلا من الاختباء في كهف في جبل ناء في هندو كوش اتضح ان زعيم القاعدة مختبيء في منطقة حضرية قرب العاصمة اسلام اباد.

ولكن في هذه الحالة فان ما أسهم في تحديد مصيره محاولته على ما يبدو اخفاء اتصالاته وليس المكان الذي اختاره للاختباء. وتردد ان المجمع الحضري الضخم الذي اواه في بلدة ابوت اباد على بعد 60 كيلومترا شمالي اسلام اباد لم تكن به خدمات هاتف وانترنت وهو امر غير عادي بالنسبة لعقار بهذا الحجم رغم ان مراسل رويترز الذي زار المكان شاهد طبقا لاستقبال بث الاقمار الصناعية في المجمع.

وقال هنري ويلكنسون من جنوسيان للاستشارات الامنية في لندن ان عدم وجود وسائل اتصال الكترونية كان مؤشرا لفت انتباه مخططي الغارة. وبعد 40 دقيقة من القتال كان بن لادن واحدا من عدد من القتلى داخل المنزل.

وقال مسؤولون امريكيون انهم توصلوا للمبنى الحصين المكون من ثلاثة طوابق بعد أكثر من اربعة اعوام من ملاحقتهم واحدا من حملة رسائل بن لادن الذي يوليه ثقة كبيرة وقد كشف اسمه احد المقبوض عليهم عقب هجمات 11 سبتمبر. وقال خبراء في مكافحة الارهاب لسنوات ان قادة القاعدة يستعينون بحملة رسائل خشية رصد امكانهم.

ومنذ اواخر التسعينات حين كشفت وسائل الاعلام الغربية لاول مرة ان وكالات مخابرات غربية تتنصت على المحادثات الهاتفية لبن لادن لجأ التنظيم المتواجد في اكثر من دولة لاستراتيجيات مختلفة لتأمين الاتصالات بما في ذلك حملة الرسائل.

ولكن حينما تحيط الشكوك باحد حاملي الرسائل يمكن تعقبه بالاسلوب التقليدي ويجري تجميع المعلومات المستقاة مع غيرها من المعلومات لتكوين مجموعة من المعلومات المؤكدة يمكن ان تشير الى هدف.

وقال ريتشارد الدريتش المؤرخ في قيادة الاتصالات الحكومية البريطانية التي ترصد الاتصالات "من المفارقة ان تكون اجراءات القاعدة لتأمين الاتصالات السبب في الكشف عن مكانه. "اذا ثبت ان اجراءاتهم لمكافحة التجسس كانت نقطة ضعفهم فان هذا سيكون بمثابة دعابة جيدة جدا فيما يتعلق بالتجسس."

وتكهن موقع انترنت هاجانا الذي يتعقب المتشددين الاسلاميين على شبكة الانترنت ان مطاردي بن لادن دفعوه لتبني سلوك غير معتاد ليشي بنفسه. وكتب الموقع الذي يديره ارون ويسبارد "اميل للاعتقاد بان يكون ما شجعه على قرار الاستغناء عن هذه (الاجهزة) في المجمع بعدما اتضح له على مدار الاعوام ان وسائل الاتصالات الحديثة تخضع لرقابة كثيفة."

وكما يضع الكشف عن اقامة بن لادن في منطقة حضر ضغطا على مسؤولين باكستانيين ليشرحوا كيف غفلوا عنه. ويقول سكان ابوت اباد ان المجمع الذي اقام به بن لادن قريب من اكاديمية تدريب عسكرية باكستانية. وقال مسؤول امريكي انه لم يتم ابلاغ السلطات الباكستانية بتفاصيل الغارة الا بعد تنفيذها.

وطالما شكا مسؤولون امريكيون من عدم بذل باكستان جهودا كافية لمحاربة القاعدة وطالبان واتهم بعضهم عاملين في المخابرات الباكستانية بانهم على صلة بمتشددين مناهضين للهند خصمتها اللدودة. بحسب رويترز.

وقال ايان بريمر رئيس مجموعة اوراسيا لاستشارات المخاطر السياسية "اقامة بن لادن في مسكن ضخم خارج العاصمة اسلام اباد على بعد خمسة اميال من اكاديمية عسكرية باكستانية لا يبدو جيدا في حق الامن الباكستاني."

وقال جراهام كاندي الضابط السابق في الجيش البريطاني وصاحب الخبرة الكبيرة في مكافحة الارهاب في جنوب اسيا ان المتشددين في المنطقة نجحوا في تفادي القاء القبض عليهم لاكثر من سبب ولكن نقص المعلومات المخابراتية محليا من اوجه الفشل الخطيرة.

وتشمل الصعوبات الطبيعة الجبلية الوعرة للمنطقة الحدودية والقدرة على استئجار عقارات دون مستندات ورقية يمكن تتبعها ووجود مجتمع من المتشددين المتعاطفين والمهم الفجوات في المعلومات الواردة من مصادر محلية. وقال "من السهل عدم العثور على الهارب في ظل هذه الظروف ولكن الشيء المهم ان الناس لا تتكلم."

أبو أحمد الكويتي

في سياق متصل حفلت الصحف البريطانية جميعها كالمتوقع بتغطية وقائع قتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن. إلا أن صحيفة الديلي تلغراف كانت الأبرز من حيث حجم هذه التغطية حيث خصصت الصفحات الست الأولى من عددها الأربعاء للحديث عن الخبر الذي تمناه الأمريكيون في معظمهم ومعهم ملايين عدة في العالم لأكثر من عقد من الزمان وتهيبته الملايين أيضا لأكثر من عقد من الزمان.

على الصفحة الأولى صورة كبيرة لبن لادن وصورة أكبر للمبنى الذي قتل فيه، وعنوان الصحيفة الرئيسي كان عن تراجع البيت الأبيض عن روايته حول كيفية مقتل بن لادن، بعناوين فرعية تقول إن بن لادن لم يكن مسلحا ولم يختبئ خلف امرأته ولم يقتل في اشتباك بالنيران.

تقول الديلي تلغراف إن هذه الروايات والتراجع عنها قد ترك الولايات المتحدة عرضة للاتهامات بالتستر على أمر ما، وللضغوط بنشر الشريط المصور للغارة ومداهمة المبنى وكذلك صورة لجثة بن لادن للقضاء على نظرية المؤامرات.

كما نشرت الصحيفة على الصفحة الأولى أيضا تقريرا لمراسها من أبوت أباد المدينة التي يقع فيها المبنى، وتحت عنوان عائلة خان وسرها الدفين يحكي المراسل بيتر أوبورن تفاصيل استطاع تجميعها من جيران أسرة أرشاد خان الذي هو على الأغلب أبو أحمد الكويتي أحد أقرب المقربين لبن لادن، وفقا للمراسل.

وبعد استعراض لانعزال سكان منزل أرشاد وشقيقه طارق ـ كما يعرفهما الجيران ـ وأسرتيهما عن محيطهما يقول المراسل إن أرشاد وطارق هما عينا وأذنا بن لادن وصلته بالعالم الخارجي. وبالتالي فقد كان ملك أيديهما وتحت رحمتهما .

ويستطرد أوبون ولا بد أن بن لادن كان يشعر في السنوات الأخيرة بالخوف الشديد، فالأخوان خان كانا يحميانه لكنهما كانا أيضا حارسا سجنه، ويحتمل أن يكونا هما اللذين خذلاه وكشفا سره إما عمدا أو بدون قصد. ويرجح المراسل أن بن لادن قد يكون قد تم تسليمه للولايات المتحدة في صفقة عقدتها مع باكستان.

ترى صحيفة الفاينانشيال تايمز في مقتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن فرصة لإعادة تشكيل أحداث الشرق الأوسط، لكن ذلك ـ كما تقول ـ يتطلب انخراط الولايات المتحدة.

وفي افتتاحيتها تقول الصحيفة هناك شيء شاعري في تزامن اختفاء التمرد الإسلامي على طريقة بن لادن مع هبوب التمرد المدني والديمقراطي في انحاء الأرض العربية، فهذا لا يركز الأنظار فحسب على فشل القاعدة وإنما تعطي الولايات المتحدة وأوروبا الفرصة لان تكون على الجانب الصحيح من التاريخ بأن تدعم الحرية والحقوق العربية.

وتستطرد الصحيفة بالقول إن هذا يعني إنهاء التواطؤ مع الطغاة الذين ينكرون على شعوبهم الحريات التي ينسبها الغرب لنفسه، وهذا يعني حرمان الأصوليين الإسلاميين من الشخص الذي شكل مركز جذب للمتطوعين للالتحاق بتنظيمه، ويعني أيضا الحيلولة دون تسرب سم الجهاديين لصفوف المسلمين العاديين. فالربيع العربي قد هز الشرق الأوسط بشكل يجعل دعم الثورة يفترض حل النزاع المستحكم في قلب الاضطرابات في المنطقة.

مهمة قتل

من جهة اخرى قال مسؤولون عن الامن القومي في الولايات المتحدة ان أفرادا من القوات الخاصة الامريكية كلفوا بقتل أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة والقاء جثته في البحر حتى لا يصبح شهيدا. وقال واحد من المسؤولين "كانت عملية قتل."

وأضاف "لو لوح بعلم أبيض من اجل الاستسلام كان سيؤخذ حيا. لكن الافتراض الخاص بالعملية لدى القوة الامريكية كان أن بن لادن سيقاتل وهو ما فعله."

وقال المسؤول ان بن لادن "اشترك" في معركة بالاسلحة النارية بين الكوماندوس الامريكيين وسكان القصر المحصن القريب من العاصمة الباكستانية اسلام اباد والذي كان يختبيء فيه.

ولم يذكر المسؤول تحديدا ما اذا كان بن لادن أطلق النار على الامريكيين لكنه أكد أن الفريق الامريكي أطلق النار على بن لادن في الرأس خلال العملية التي استغرقت 40 دقيقة.

وفي أعقاب العملية كانت هناك جثث ثلاثة رجال اخرين وامرأة قال مسؤولون أمريكيون انهم استخدموا دروعا بشرية. لكن لم يسقط أي قتيل من الامريكيين. وذكر مسؤول رفيع المستوى في ادارة الرئيس الامريكي باراك أوباما أن الكوماندوس كانوا يعرفون أن بن لادن سيقتل على الارجح ولن يعتقل.

وقال المسؤول في الادارة الامريكية "القوات الامريكية لا تكون مطلقا في وضع القتل اذا كان ثمة سبيل لقبول الاستسلام يتفق مع قواعد الاشتباك. ورغم ذلك أعتقد أنه كان ثمة ادراك واسع النطاق لان الامر يرجح أن ينتهي بالقتل."

وذكر مسؤولون مطلعون على التفاصيل أن العملية نفذها فريق يضم زهاء 15 من أفراد القوات الخاصة معظمهم أو كلهم ينتمون الى قوة الكوماندوس البحرية والبرية والجوية التابعة للقوات البحرية الامريكية. وأشاروا الى أن أفراد القوة متمركزون في أفغانستان.

وقال مسؤول ان القوة ضمت متخصصين في الادلة الجنائية كانت مهمتهم جمع أدلة تثبت أن بن لادن أوقع به في الغارة ومعلومات قد تساعد في تعقب أثر زعماء اخرين لتنظيم القاعدة أو احباط مؤامرات تنفذ حاليا.

وقال مسؤولان أمريكيان ان الكوماندوس ألقوا بجثة بن لادن في البحر بعد بضع ساعات من مقتله الذي أعلنه أوباما في خطاب ألقاه في وقت متأخر بالبيت الابيض.

ويقول مسؤولون أمريكيون ان بن لادن دفن في البحر لئلا تصبح جثته رمزا للتبجيل أو مصدر الهام لمتشددين. وقال أحد المسؤولين "لا يريد أحد أن يصبح جثمانه مزارا."

ويقول مسؤولون أمريكيون ان المعلومات الرئيسية التي أدت في اخر المطاف الى العثور على بن لادن جاءت من استجواب متشددين احتجزتهم القوات الامريكية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر أيلول عام 2001 في نيويورك وواشنطن.

وأبلغ متشددون معتقلون بعضهم محتجز في السجن العسكري الامريكي في خليج حوانتانامو في كوبا مسؤولين في المخابرات عن "حامل رسائل" سمعوا أنه مقرب من بن لادن.

كما ذكروا اسمي اثنين من قادة عمليات تنظيم القاعدة معتقلين أحدهما خالد شيخ محمد الذي يعتقد على نطاق واسع أنه العقل المدبر لهجمات سبتمبر أيلول.

ولم تكن المخابرات الامريكية في بداية الامر تعرف اسم ولا مكان حامل الرسائل. لكن مسؤولين قالوا ان الاجهزة الامريكية عرفت اسم ذلك الشخص قبل نحو أربع سنوات.

وتلقت المخابرات الامريكية قبل عامين معلومات ذات مصداقية أشارت الى أن حامل الرسائل وأخاه الذي يشتبه في أنه أيضا من المتشددين كانا يعملان في مكان ما بالقرب من اسلام أباد.

ثم نجحت الولايات المتحدة في أغسطس اب الماضي في تحديد مكان المجمع في أبوت أباد بدقة عندما اشارت معلومات الى المكان الذي يعيش فيه الاخوان وعائلتاهما وأسرة أخرى كبيرة.

وكان المجمع يقع في حي راق في اخر طريق ترابي غير بعيد عن واحدة من الاكاديميات العسكرية الرئيسية في باكستان.

وخلصت وكالة المخابرات المركزية الامريكية الى أن المجمع بني بتجهيزات أمنية غير عادية منها أسوار عالية تعلوها أسلاك شائكة وأن سكانه يتخذون احتياطات أمنية غير عادية على ما يبدو. وتوصلت المخابرات الى ذلك بالتعاون مع الوكالة الوطنية لمعلومات الفضاء الجغرافي التي تولت تحليل صور التقطتها اقمار صناعية وطائرات للتجسس ووكالة الامن الوطني التي تجري عمليات تنصت الكترونية.

وبحلول وقت سابق من العام الجاري أصبحت وكالة المخابرات المركزية على "درجة عالية من الثقة" من أن هدفا "ذا قيمة عالية" ينتمي الى تنظيم القاعدة موجود في مجمع أبوت اباد وأن ثمة احتمالا قويا أن يكون ذلك الهدف هو بن لادن. لكن مسؤولا قال ان الوكالة لم تكن قط "واثقة مئة في المئة" من أن بن لادن هو الشخص الذي يختبيء في المجمع.

مقر بن لادن

فالمنزل بدا غير عادي بالمقاييس المحلية في ضاحية تسكنها الطبقة المتوسطة في شمال غرب باكستان، بني على مساحة تصل إلى نصف هكتار، تلفه حوائط يبلغ ارتفاعها سبعة أمتار، تعلوها أسلاك شائكة.

ولم يثر هذا المجمع السكني في تلك "المدينة العسكرية" الشكوك، وذلك لوجود معسكرات تدريب تابعة للجيش ومؤسسات التعليم العسكرية.. ولكن المنزل كان يأوي أبرز المطلوبين في العالم.

وعندما خرجت الانباء أن زعيم القاعدة أسامة بن لادن لقي حتفه هناك، أخذت الدهشة الكثيرين من الجيران بقرية بلال التي تقع في ضواحي أبوت أباد، حيث اندفعت القوات العسكرية وأفراد الشرطة إلى المنطقة وأغلقتها لساعات.

وقال خان جول أحد قاطني القرية: "سمعت صوت المروحيات تحلق في الجو ثم دوى انفجار ضخم هشم نوافذ وأبواب منزلي".

يقيم جول على مسافة 100 متر فقط من المجمع المحصن الذي لقي فيه بن لادن حتفه في عملية نفذتها وحدة خاصة من القوات الامريكية.

واضاف جول "أسرعت إلى سطح المنزل وشاهدت سحب الدخان تتصاعد من منزل... كل ما نعرفه عن هذا المنزل أنه مملوك لبعض الأفراد من البشتون. لا أحد في ضاحيتنا يعرف أكثر من ذلك لأن قاطنيه لم يتواصلوا مع أحد هنا".

البشتون هم الجماعة العرقية الرئيسية التي تعيش في إقليم خيبر بختونخوا شمال غربي باكستان، ويشكلون أغلبية الشعب الأفغاني ومسلحي طالبان.

وقالت الشرطة المحلية في مدينة أبوت آباد الجبلية إنها لم تعرف شيئا عن المقيمين في المنزل عندما تلقت أوامر بمحاصرة مدينة بلال مساء أمس الاحد.

وقال مسئول بالشرطة، رفض الكشف عن هويته: " أخبرتنا السلطات العليا أن بعض الإرهابيين يختبئون هناك.. لذا يجب أن نحشد قواتنا لإحباط أي محاولة للهرب".

وأصابت قذيفة "أر بي جي" إحدى المروحيات واسطقتها، كما اصيب الطيار الذي لفظ أنفاسه الأخيرة في المستشفى لاحقا، وفقا للتقارير المحلية. وقال مسئول في الاستخبارات الباكستانية، رفض الكشف عن هويته، إن قوات أمريكية خاصة قتلت ثلاثة من الحراس فوق سطح المنزل.

وذكر شهود عيان أنهم سمعوا دوي انفجار، أو انفجارين شديدين، واعقب ذلك إطلاق نار استمر لمدة ساعة، وتصاعدت ألسنة الحريق إلى السماء لتضئ ظلام الليل فوق المجمع السكني.

ونقلت تقارير اعلامية باكستانية عن مسئولين في الاستخبارات المحلية أن أحد أبناء بن لادن وأربعة من الحراس لقوا حتفهم، في حين جرى اعتقال اثنتين من زوجاته وستة آخرين من أبنائه، وأربعة مساعدين. بحسب الوكالة الالمانية للانباء.

لم تكن أبوت آباد، تلك المدينة التي تقع على مسافة حوالي 60 كيلومترا من العاصمة إسلام أباد، أبدا هدفا لاي عمليات ضد الارهاب في السابق.

غير أن عددا من السكان كانوا اعربوا عن شكوكهم بإن مسلحين إسلاميين، معظمهم من طالبان، أبقوا عائلاتهم هناك بعيدا عن ساحة العمليات ضد المسلحين في المناطق القبلية المتاخمة للحدود الأفغانية.

وقال موظف بمنظمة محلية غير حكومية طلب عدم ذكر اسمه، خشية التعرض لانتقام: "لقد حذرنا الإدارة المحلية من وجود أشخاص ذوي هويات غريبة، ولم يصغ إلينا أحد".

وقال مسئول بالشرطة: " لم نستطع التحدث عن ذلك رسميا.. المناطق المحيطة بآبوت آباد تحولت إلى ملاذ كبير للمسلحين في السنوات الأخيرة".

وأضاف المسئول الذي طلب عدم الكشف عن هويته " شهد العام الماضي اعتقال عدد من مسلحي القاعدة من منطقة هاريبور، التي لا تبعد سوى 30 كيلومترا عن هنا".

وقال المسئول إنه في منطقة كالا دهكا الجبلية التي تبعد حوالي ساعة بالسيارة شمالا ، كان المتطرفون يدربون بعض المحليين، ليس فقط من أجل قتال الجيش الهندي في اقليم كشمير المتنازع عليه، ولكن لتجنيدهم ضمن صفوف القاعدة.

وقال شيراز خان ، وهو بائع محلي: "كانت هذه منطقة سلمية، ومقصدا للسائحين. تأثرت حياتنا اليومية بسبب هذا.. لا نريد وجود الإرهابيين هنا".

أثارت قدرة بن لادن على الاختباء في مسكن مريح، على مسافة حوالي مئتي متر من أكاديمية عسكرية، الكثير من الأسئلة وخاصة إزاء نفي إسلام أباد القوي والمتكرر بوجوده على الأراضي الباكستانية.

وأثار العثور علي بن لادن وقتله تداعيات دبلوماسية دولية كبيرة. وحاول محليون أن ينأوا بأنفسهم عن الحادث.

وقال خان: "مات بن لادن.. لا أريد التعليق على ذلك. يمكنني أن أطالب الحكومة الباكستانية أن توفر لنا حياة سلمية".

أرملة بن لادن

في ذات الصعيد قال مسؤول أمني ان احدى زوجات أسامة بن لادن أبلغت المحققين أن زعيم تنظيم القاعدة واسرته كانوا يعيشون منذ خمس سنوات في المجمع الذي قتلته فيه القوات الامريكية.

وأبلغ المسؤول الذي عرف المرأة باسم أمل أحمد عبد الفتاح وقال انها أصغر زوجات بن لادن الثلاث أنها اصيبت في الغارة الامريكية. وقال المسؤول ان أمل قالت للمحققين "نعيش هنا منذ خمس سنوات."

وقال المسؤول الامني ان قوات الامن الباكستانية اعتقلت نحو 16 شخصا من المجمع بعدما أخذت القوات الامريكية جثمان بن لادن. واضاف ان بين المعتقلين زوجات بن لادن الثلاث وعدد من أبنائه. ويقول مسؤولو أمن باكستانيون ان بن لادن ورفاقه لم يبدو اي مقاومة أثناء الغارة. وقال مسؤول "تشير الادلة التي حصلنا عليها الى أنهم اقتحموا وهم يطلقون النار وقضوا عليهم." وقال اخر ان بن لادن ورفاقه قتلوا "بدم بارد".

سمّيت على اسم ضابط استعماري

مدينة أبوت آباد تقع في وادي أوراش في شمال غرب باكستان، ضمن مقاطعة خيبر بختونخوا، في منطقة هزارا، بالقرب من إقليم كشمير، وسط سلسلة من الجبال هي امتداد لجبال الهيمالايا، ويوجد بها مبانٍ قديمة تعود إلى أيام الاستعمار البريطاني. ويوجد بالقرب من المدينة ثاني أهم القرات العسكرية في باكستان، وتعرف بالأمن والهدوء. كما تعتبر وجهة للسياح نظراً للمناظر الجميلة التي تتميز بها.

توصف أبوت آباد بأنها منتجع للطبقة الباكستانية المتوسطة، وإن كانت تميل للثراء قليلاً، وكل سكانها تقريبا يعيشون في بيوت حديثة خاصة بهم ويمتلكون سيارات، وبها مستوى مرتفع من التعليم من خلال المدارس الخاصة الغالية، فضلاً عن مناخها المعتدل.

ويبدو أن سحر المنطقة الجميلة قد جذب بن لادن وجعله يستقر هناك، كما فعل بالمسؤول البريطاني جيمس آبوت، في منتصف القرن الـ،19 خلال الحكم البريطاني لشبه الجزيرة الهندية. فقد عشق المكان وكتب فيه شعرا، وبادله أهل المنطقة المشاعر نفسها وأحبوه، وسموا قريتهم ابوت اباد تكريماً له.

ويقول الضابط البريطاني إنه أحب المنطقة لأول وهلة، وإنه غادرها وهو يشعر بالحزن، ويروى عن الضابط أنه اندمج مع ثقافة المسلمين الأفغان وشمال غرب الهند (باكستان حالياً) وكان يتنقل في مهامه الرسمية وهو يرتدي لباساً تقليدياً خاصاً بالمنطقة. وعمل جيمس ابوت حاكما للمنطقة، من 1949 إلى ،1953 وأوكلت مهمة تهدئة الوضع على الجبهة الشمالية، ومحاولة منع الروس من غزو المنطقة المحاذية، وشهدت هذه الفترة استقراراً ملحوظاً.

تكتسب أبوت آباد أهمية استراتيجية خاصة، فقد كانت مقراً للقوات البريطانية لوقت طويل، واتخذها الجيش الباكستاني في ما بعد لتكون مقر قيادة كتيبة تابعة للفرقة الثانية. وتتركز فيه ضواحي المدينة ألوية مدرعة وحرس الحدود، وفصائل عسكرية في الجبال المحاذية، وتكمن حساسية المنطقة في قربها من إقليم كشمير المتنازع عليه بين الهند وباكستان. وفي 1948 افتتح أول مستشفى من قبل «الصليب الأحمر» البريطاني، لاستقبال آلاف الجرحى الذين سقطوا في ساحات المعارك في كشمير. وتعرضت أبوت آباد لزلزال مدمر في 2005 ضرب منطقة كشمير وشمال شرق باكستان، وتعرضت المدينة على إثره لتدمير هائل.

تحيط بالمدينة سهول خصبة من كل الجهات، وتتميز بمناظر خلابة يقصدها السياح من كل مكان، وتتميز هذه التضاريس بمناخ شديد البرودة شتاء ومعتدل صيفاً، وعلى بعد عشرات الكيلومترات يوجد سد تيربيلا المائي الكبير. ويمكن أن تصل درجات الحرارة إلى 30 درجة مئوية صيفاً، كما تنخفض دون الصفر في الشتاء، وتسقط الثلوج بكثافة في أشهر الشتاء، توجد بالمدينة معالم سياحية كثيرة منها الكنيسة التي بناها المستعمرون الإنجليز، ومسجد إلياسي الذي بني على الطراز الإسلامي المعروف في أواسط آسيا، إضافة إلى الشلالات والمتنزهات الطبيعية.

شبكة النبأ المعلوماتية- الأربعاء 11/آيار/2011 - 7/جمادى الآخرة/1432

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1432هـ  /  1999- 2011م