الإسراف وأثره السلبي في تدمير البيئة

رؤى من فكر الإمام الشيرازي

شبكة النبأ: هناك كلمات حكيمة تؤكد أن الزيادة كالنقصان، وأن كل شيء إذا زاد عن حده إنقلب ضده، بمعنى أن الزيادة في الاشياء إذا لم تكن مبررة، فإنها تضر ولا تنفع قط، كما هو الحال مع التخمة، فإذا تناول الشخص الجائع كميات مضاعفة من الطعام، فإن جوعه سوف يتحول الى وبال عليه، إذ سيصاب بسوء الهضم والاسهال والقيء وما الى ذلك من أضرار تلحق بالجهاز الهضمي له، كذلك إذا تناول الضمآن كميات مضاعفة من الماء، فإنه سيتعرض الى مضاعفات جانبية، قد لا يتنبّه لها بسبب عطشه الحاد، يقول الإمام الراحل، آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) في كتابه الثمين الموسوم بـ (البيئة) حول هذا الموضوع:

(ورد في الطب إنّ الجسم البشري لا يستفيد من كل ما يلقى فيه من مياه الشرب وإنما يأخذ ما يلزم لكفايتـه ثـم تبذل الكلية مجهوداً كبيراً للتخلص ممّا زاد عن حده، وربما كان دخول الماء إلى غير موضعه الطبيعي في جسم الإنسان سبباً للموت شرقاً أو ما أشبه ذلك كما هي الحال في وصوله إلى الرئتين).

ولا يتعلق الاسراف بالتعامل مع حاجات الجسم فقط بل مع كل ما يحتاج إليه الانسان لمواصلة حياتية اليومية، وأثر ذلك على البيئة، كما هو الحال مع الكهرباء، فحين يتم استخدامها بصورة خاطئة ومسرفة فإن النتائج ستكون مؤذية للبيئة وسينعكس ذلك على الانسان وطبيعة حياته، في هذا الخصوص يقول الإمام الشيرازي بكتابه نفسه:

(وكمـا لا يصح الإسراف في استهلاك المياه بمختلف صوره التي ذكرناها، كذلك لا يصح الإسراف والتبذير والإفراط في استهلاك الكهرباء حيث أنه يؤدي إلى زيادة عبء محطات التوليد الكهربائي.ومعنى ذلك زيادة في استهلاك الوقود المستخـدم لإغراض الإنتاج وزيادة تلوّث الهواء بسبب حرق كميات كبيرة من الوقود وزيادة استهلاك مياه التبريد لمعدات التوليد ومن ثم التلوث الحراري للمسطحـات المائيـة التي تصب فيها مياه التبريد، بالإضافة إلى أنه يسبب حرمان الأجيال الآتية من هذه النعمة التي إذا وزعت بقدر تصبح نعمة للجيل الحاضر، ولأجيـال المستقبل).

هكذا يمكن للاسراف وعشوائية استخدام الموارد أن تعود بالضرر الجسيم على حياة الانسان، ولا ينحصر الاسراف في الماء والكهرباء، بل في مختلف أنشطة الانسان واحتياجاته، حتى الطعام في مرحلة الطهي، أي قبل أن يتناوله الانسان، هناك ضوابط ينبغي معرفتها في هذا الصدد من قبل الانسان، فالاسراف في طبخ الطعام سيؤدي الى الاضرار بالبيئة والانسان معا، يقول الإمام الشيرازي بهذا الخصوص:

(أما الإسراف في الزيادة في طبخ الطعام وطهيه فإن ذلك أيضاً من ملوّثات البيئة حيث إن الزائد يلقى في القمامات. وكثيراً ما يشاهد في بلاد المترفين أن شراء المواد الغذائية يتم بالكرتون أو الصندوق الكامل ولا تستهلك العائلة كل الكمية، بل غالباً ما يفسد جزء كبير منها الأمر الذي يؤدي إلى إلقائه في سلة المهملات).

ويضيف الإمام الشيرازي قائلا بخصوص المناسبات الاجتماعية قائلا:

(أما بالنسبة إلى الاجتماعات كحفـلات العرس والمواليد وموائد العزاء وما أشبه فقد أضحى الإسراف فيها أمراً واضحـاً، وتبرز خطورة سلبيات ذلك حين يتم التخلص منها في محلات القمامة خارج المدن ثم تجتمع هناك في أكوام كبيرة أحياناً تكون كالتلال إذ إن هذه النفايات قابلة للتحلل والتعفن وتمثل مصدراً للروائح الكريهة التي تحملها الرياح إلى المدينة مما تسبب الأمراض والأعراض فضلاً عمّا توجب من الأذى).

ولا يتوقف الامر عند هذا الحد، بل يتعداه الى صحة الانسان، وانتشار الأوبئة وإصابة المدن وأطرفها بمختلف أنواع الامراض بسبب أكوام القمامة، كما يؤكد ذلك الإمام الشيرازي إذ يقول في كتاب البيئة:

(هذا بالإضافة إلى أن مثل هذا النوع من النفايات يعتبر عاملاً لجذب الحيوانات والفئران وهوام الأرض المختلفة، فإنها تكـون بمثابـة مزرعة خصبة لتوالد شتى أنواع الجراثيم والمكروبات التي تصدر العديد من الأوبئة والأمراض للمدن المحيطة).

إن الإمام الشيرازي يؤكد على أن الإسراف سلوك ينطوي على الضرر، لذا ينبغي تجنبه في كل الاحوال، ولا يتحدد هذا الضرر بالماء والكهرباء والاطعمة والقمامة، بل يتعداها الى جوانب أخرى من حياة الانسان، ومنها تعامله مع الثروات التي تكتنزها الارض وكيفية استغلالها، إذ لابد أن تكون هناك ضوابط يعتمدها الانسان في التعامل مع الطبيعة وثرواتها، يقول الإمام الشيرازي بكتابه نفسه في هذا الصدد:

(من الإسراف أيضاً، الإفراط في الاستفادة من ثروات الطبيعة ومنها الأرض عبر الرعي حيث يقـوم الإنسان بالاستغـلال الزائد للمراعي والأراضي الزراعية، فإن عمله هـذا يؤدي به إلى إزالة الغطاء الأخضر الذي يكسو سطح الأرض، ومن ثم تتحول التربة إلى رمال متحركة وتصبح المراعي والمناطـق الزراعية امتداداً يضاف للصحراء التي تزحف بكثبانها الرملية على هذه الأماكن وقد تقضي على البقية الباقية من الحرث والنسل).

وهكذا تنطوي ظاهرة الاسراف، على أضرار فادحة تُلحق بالطبيعة، وتنعكس على حياة الانسان، سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة، وكل هذا يحدث بسبب غياب الشعور بالمسؤولية تجاه ما يحدث لكوكب الارض، ونتيجة لتدخل الانسان السافر في مجريات الطبيعة، ومحاولاته العشوائية للكسب المادي، على حساب طبيعة الارض والفضاء وما يرتبط بهما، وفي حالة بقاء ظاهرة الاسراف على ما هي عليه الآن، وعدم الانتباه الى الخروقات التي يقوم بها الانسان ضد الطبيعة، فإن النتائج ستكون كارثية حتما، لذا لابد للمعنيين أن يتنبّهوا لهذا الجانب ويستبقوا الامور ويقوموا بواجبهم المطلوب حيال ما يحدث من تردّي بيئي متواصل بسبب الانسان نفسه.

شبكة النبأ المعلوماتية- الاثنين 9/آيار/2011 - 5/جمادى الآخرة/1432

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1432هـ  /  1999- 2011م