بين جريمة مقتل الممثل والمسرحي الفلسطيني جوليانو خميس في جنين يوم
الرابع من إبريل الجاري، ومقتل فيكتوريو أريغوني الصحفي والمتضامن
الإيطالي العضو في حركة التضامن الدولية مع الشعب الفلسطيني، فجر يوم
الجمعة الماضي (الخامس عشر من إبريل) في قطاع غزة، أكثر من وشيجة
اتصال، يماري الظلاميون عبرهما، أبشع ما في الأيديولوجيات الظلامية من
استهانة بالحياة، والاستهتار بشعبهم، ومقتهم لوطنية فلسطينية ليس من
طبائعها إباحة دم إنسان برئ، جاء ليتضامن مع الدم الفلسطيني في مواجهة
آلة الدمار والهمجية الصهيونية..
جاء المتضامنون مع فلسطين إلى غزة من أجل وطنية فلسطينية، ظُلمت
وتُظلم حتى على أيدي بعض أبنائها الذين استبدلوا وطنيتهم بأيديولوجيا
التدين العبثي، ففرّخوا ولن يفرّخوا عبر هذا الطريق سوى ظلاميين
وإرهابيين، لا يفرّقون بين الألف والباء، بين الحياة والموت، بين
الوطنية الأعلى منزلة من تلك الأيديولوجيات اللامنتمية حتى في هوياتها
الملتبسة، وهي تتمسّح بإسلاموية يفوت زمانها، وقد فوّتت تاريخها،
بمسلكيات عبث المراهقين الأغرار، بتدين ما فتئنا نكتشف أن القائمين
عليه ممن يدّعون الغيرة على الدين، ليسوا بالمطلق أهلا لتنكّب هذه
المهمة.
نفهم أن يقتل العدو المتضامنة الأميركية راشيل كوري، في استهداف
لمجموع المتضامنين، في محاولة لإرهابهم ومنعهم من مواصلة التوافد على
فلسطين، بهدف المشاركة في كفاح شعبها والتضامن معه، في مواجهة آلة
العدو الهمجية والوحشية. لكن كيف يمكننا أن نفهم أو نتفهّم أن يلجأ "وطني
فلسطيني"! إلى قتل من جاء يتضامن معه ومع شعبه؟ وفي أي سياق يمكن وضع
هذه الجريمة النكراء، في وقت يخوض إسلامويو "إمارة غزة العزة"، شتى
أصناف الصراعات والمنافسات والكباشات، والمقاتل التكفيرية، والمزايدات
التشهيرية، وكل طرف يعتبر الآخر مارقا وزنديقا وخارجا من الملة والدين،
من دون الاحتكام إلى أي مرجعية، في ظل تجاهل مرجعيات الحقيقة والصدق
والأخلاق، وخوض "معارك مصيرية" خرقاء.
للأسف هناك في الوضع الفلسطيني من يواصل قتل وصلب الوطنية
الفلسطينية على جدار النسيان، وإدامة الانقسام والاقتسام، ودفع القضية
الوطنية والمشروع الوطني في اتجاهات تدميرية عابثة. هناك من يسعى إلى
قتل كل تضامن مع قضية شعب فلسطين، باسم مشروعات موازية للمشروع
الصهيوني، وباسم أيديولوجيات إنتحارية وانعزالية، تنسب ذاتها إلى
فضاءات تديّن إسلاموي، أضحى عبئا على قضايا الحرية والكرامة والعدل
والمساواة، في طلاق بائن وواضح مع قضايا وحركة شعوبنا الوطنية،
وانتفاضاتها وثوراتها المتناسلة من قمع واستبداد الأنظمة السياسية
والمجتمعية الأبوية، بعد أن حاول تديّن القاعدة الطالباني، وطالبانية
المجتمعات الانعزالية في أفغانستان والباكستان، ومن جاءوا "رسلا" لهذا
الاتجاه الإرهابي، فرض ذواتهم بديلا للحركة الشعبية العربية ونخبها
السياسية والحزبية، في توجهات فضائحية نحو إجراء "مصالحات" و"تحالفات"
على حساب قضايا شعوبنا، وطعنها في الظهر، فأي نخوة يتبقى لهم من
عروبتهم المزعومة، وأي سماحة لإسلامويتهم وهم يوغلون في أنفاق
ومستنقعات الهمجية، متشبهين بمن لا شبيه لهم عبر التاريخ.
هكذا هم ظلاميو القرون، ظلاميو قروسطية اندثرت لتعود لانبثاقها
"المتجدد" على وقع إجرامهم، إجرام استبداد حقبة تنافسية همجية بين
استبدادات متعددة: سياسية انحلت في أنظمة بوليسية حاكمة، واجتماعية
انحلت في سلوكيات طالبانية – بن لادنية لا تتورع عن قتل النفس البشرية،
وإسلاموية تمالئ سلفيات التدين البطريركي، لجهة فرضها وفروضها الطاعة
العمياء على أغرارها المغترّين بدورهم "الرسولي" و"الخلاصي". وهنا يرتع
الظلاميون دائما، بعيدا من بؤر الضوء، يركزون وجودهم في عتمة الكواليس
الخلفية لمسرح الحياة، يمارون وجودهم بلعبة التخفي، يلهون بصمتهم كما
بضجيجهم، مختبئين خلف إصبع اليد الواحدة، وحين يُشار لهم بالبنان،
فإنما يُشار إلى جرائم وفضائح ممارساتهم السوداء، خاصة ونحن في مواجهة
جرائم قتل واضحة، يعادي أصحابها كل أمل بالتحرر الوطني والكرامة
الإنسانية وأخلاقيات الأمم.
طوبى للقتلى الأبرياء، للشهداء أبناء الحياة الذين يجري اغتيالهم
غيلة وغدرا، لأجل قضية يعرفون ماهيتها، ويدركون مدى قدسيتها أكثر من
أولئك القتلة، ممن التبس ويلتبس عليهم قضايا ليسوا أهلا لها، فهم أبناء
العدم، ومن عدمهم لا يمكن مطلقا أن تنبثق حياة. فقاتلو الوطنية
فاقدوها، نعم ليس لدينا أي وهم بأن الانحياز لهوية أيديولوجية على حساب
هوية وانتماء الإنسان إلى وطن وإلى قضية، يفقده إنسانيته، لذلك قال
المتضامنون ويقولون انهم إنسانيون وسيبقوا كذلك؛ أحق بالانتماء إلى
هوية وطن يخونها للأسف بعض أبنائه، باختيارهم لوطن الأيديولوجيا تلك
التي يبتنونها على قواعد من الأوهام.. |