من نجد في شبه الجزيرة العربية خرجت فكرة تطهيرية يدعى أصحابها أنهم
وحدهم هم ملاك الحقيقة المطلقة، وهم المسلمون ومن عداهم إما كافرا، أو
منافقا، أو مشركا...
فالكافر لديهم هو كل من لا يدين بدينهم – ويدخل في هذا غير المسلم
والمسلم الذى يتمذهب بمذهب آخر غير مذهبهم، والمنافق هو من لم يضع نفسه
وأهله وماله في خدمة قضيتهم، والمشرك هو كل من يعظم صاحب قبر حتى وإن
كان هذا القبر للنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم..
وتتحدث المصادر التاريخية عن إن مدعى هذه الفكرة (محمد بن عبد
الوهاب) جرى تجنيده من وزارة المستعمرات البريطانية من قبل ضابط يدعى (همفر)،
وفي الوقت نفسه كانت الوزارة نفسها تعد وتجهز رجلا يدعى (محمد بن سعود)،
ثم تم الجمع بينهما على أن يمثل الأول صاحب المشروع الديني، ويقوم
الثاني بالمشروع السياسي ، فيمنح الأول الثاني الشرعية الدينية للعمل
على أن يمنح الثاني للأول الحماية والرعاية من أجل تنفيذ مشروعه الديني...
كان كلا المشروعين يصبان في نهر السياسة البريطانية ويخدمان فكرة
بناء الكيان الصهيوني، ولهذا تم دعم المشروع في مرحلته الأولى (الدولة
السعودية الأولى)، ثم في مرحلته الثانية (الدولة السعودية الثانية)،
وصولا إلى المرحلة الحالية (الدولة السعودية الحالية)، علما بأن كلا من
الدولة الأولى والثانية كانت تسمى بالدولة الوهابية وأمرائها من آل
سعود...
شهدت الجزيرة العربية واليمن والعراق ويلات من ميليشيات الوهابية ،
فقد تم اقتحام كربلاء وتدمير قبر الإمام الحسين وسرقت كل ما في الضريح
وكل ما في كربلاء وتم قتل 4000 ألاف نفس في نصف يوم، كما تم قتل أهل
الطائف أجمعين حين دخلوا الطائف ، كما تم قتل أهل تربة والخرمة عن بقرة
أبيهم...
هذا فضلا عن الأذى الذى لحق بالأماكن المقدسة من مقابر البقيع وقبر
سيدة نساء العالمين السيدة خديجة وبنتها بنت النبي الأكرم (صلى الله
عليه وآله وسلم) السيدة الزهراء (ع)، وقبر سيد الشهداء حمزة بن عبد
المطلب وقبر الإمام الحسن وكثير وكثير مما نعجز عن عده..
وتذكر المصادر التاريخية أن دولة آل سعود جرى تصميمها وتكوينها من
قبل ضابط المخابرات (فيلبي)، وهو من قام بكل الأدوار التمهيدية
البنائية للدولة السعودية الحديثة، كما انه هو من نقل تبعية العربية
السعودية من المملكة المتحدة (انجلترا) إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
كانت النقلة النوعية الأولى لهذا النوع من التترس بالدين، من قبل
المخابرات المركزية الأمريكية في صراعها المحموم مع الشيوعية، فقد
استطاعت الثورة الشيوعية إنتاج خطاب جماهيري شعوبي ساعدها على التمدد
خارج حدودها الجغرافية، حتى وصل الحصار الشيوعي للولايات المتحدة
الأمريكية إلى عقر دارها في كوبا وأمريكا الجنوبية، في المقابل عجزت
الولايات المتحدة الأمريكية عن إنتاج مثل هذا الخطاب فعمدت إلى حصان
طروادة وهو خطاب بديل وهو خطاب الأصولية الدينية، ويعتبر المعتقد
الوهابي هو صاحب الإلهام في هذه الخطة، حيث أن حركة ميليشيا الوهابية
حققت إنجازات توسعيه من اجل إقامة مملكتها في مدة وجيزة مستخدمة أسلحة
القتل المقدسة من إعلان الكفر ثم إقامة الحد ، من هنا كانت هذه التجربة
هى الملهمة لفاستر دالاس صاحب استراتيجية " حزام الأصولية".
وعليه فقد تم استخدام هذه المجموعات " الوهابية"، لإعلان حرب باردة
ضد الاتحاد السوفيتي تمثلت في " مكتب مكافحة الشيوعية " بالقاهرة والذى
دشن التعاون الأمريكي الإخواني حيث اقترح حسن البنا انشاء هذا المكتب
بتمويل السفارة الأمريكية بالقاهرة ، ولعل نشاط هذا المكتب كان يحصن
نظام الملك ضد الحركات السياسية اليسارية فيقتلهم بعد تكفيرهم بحجة
أنهم كافرين وليس معارضين سياسيين!!
هذا الجهد جرى تطويره ولكن على شكل واسع النطاق في أفغانستان حيث
جرى استجلاب الوهابية بكافة أشكالها " اخوان – شلفيين – جهاديين –
جماعة إسلامية – جاميين – سروريين..." وتم دمجهم في ميليشيات دموية
أطلق عليهم "المجاهدين"، أو "المجاهدين العرب"، وكان هذا قبل وصول
مبعوث الوهابية الرسمي والذى قام بتكوين "تنظيم القاعدة " بعد أن أزاح
عبد الله عزام من طريقه، وبعد خروج القوات السوفيتية...
بعد خروج لقوات السوفيتية من أفغانستان أصبح الأخوة المجاهدين
يمتلكون فائض قوة وفائض عنف وفائض مالي هذا الفائض ارتد إلى هؤلاء
الإخوة في شكل حروب جزئية بينهم وكان طريق الخروج من هذه الأزمة هو
إعادة إنتاج هذا العنف وتوظيف هذا الفائض في جبهة عالمية تتشابه مع
المافيا الدولية، ولكنها جبهة دموية تكفيرية ذات أبعاد قيمية تطهيرية
تحت اسم" الجبهة العالمية لمحاربة اليهود والنصارى" أو " القاعدة".
كانت اغلب عمليات القاعدة تدل على أن هناك تمدد أمريكي سوف يعقب هذا
الحدث سواء عن طريق القوة الخشنة (الجيش الأمريكي)، أو القوة الناعمة
(قرارات دولية ذات بعد أمريكي)، وهو ما يدلل على أن هناك شبهة استئجار
للقاعدة من الولايات المتحدة أو تعاون من نوع ما.
ظهر ذلك جليا في اليمن وأديس أبابا والدار البيضاء والشيشان
والسودان.... ، وكان هذا التنظيم دائما وأبدا في خدمة الأهداف
الأمريكية والنموذج الأكثر وضوحا هو النموذج العراقي، وهو الذى أعلن
تهديده للكنائس المصرية بعد عملية تفجير كنيسة سيدة النجاة، وهو ما
سنتكلم عنه في الحلقة القادمة.
Ma_ alnor2000@yahoo.com |