ويكيليكس عراقي

حيدر قاسم الحجامي

يظل هاجس فقدان الحرية قائماً في العراق هاجساً مقلقاً دوماً وابدأ فهذه الحرية التي افتقدها العراقي يراها اليوم واحدة من أهم مكتسباته ما بعد 2003 فنرى تحول المواطن من تردد مهول وخوف من إن يبدي امتعاضاً إمام موظف صغير في دولة البعث المنهارة يتحول ليظهر على الفضائيات ووسائل الإعلام ليقول ما يريد وبكل صراحة وجرأة ينتقد الحكومة والبرلمان ويعترض ويطالب ويدين ويسب في أحيان وهو مطمئن إنه لن يتعرض الى مسالة قانونية وتبعات قد تكلفه حياته.

في الحقيقة هذا شيء جديد ومهم وحيوي لكن الأهم هو إن تستمر هذه الحرية مضمونة ومصانة وليعلم العراقي أنها سلاح ناجع وناجح في مواجهة أي تهديد أو نكوص وضمان أكيد لاستمرار عجلة الحياة الكريمة في هذا البلد.

ظل موقع ويكيلكس الشهير محط جدل فهذا الموقع متهم بأنه واحدة من أدوات الإدارة الأمريكية لتسريب معلومات خطيرة ومهمة لإحراج بعض الدول وفضح غير مباشر لبعض السياسات الدولية جاه قضايا والبعض الأخر يتهم جوليان استانج بأنه مرتبط بأنظمة عربية وتقلى دعماً في سبيل التأثير على المسيرة السياسية في العراق وانه تلقى أمولا من هذه الدول مقابل النشر ؟

قائمة اتهامات طويلة عريضة لكن الرجل نشر وثائق أحجرت معظم الأنظمة العربية والإقليمية ووضعتها في موقف لا تحسد عليه وخصوصاً في ما يتعلق بالموقف من إيران النووية.

وإذا كانت أمريكا ترغب في إن توجه رسائل معينة عبر هذه الوثائق فهذا شيء طبيعي بالنسبة لها، ولكن الأهمية تكمن في إن وسائل الإعلام الأمريكية أعادت نشر هذه الوثائق بالرغم من أنها محرجة للإدارة الأمريكية وفيها من الإسرار ما لم ترغب هذه الإدارة بنشره ولكن الصحف الأمريكية تنشر ولا تهتم وهي مطمئنة البال، فلا احد سيقاضي صحيفة لنشر غسيله السياسي أو تسريب معلومات مهمة عن وضعه الدبلوماسي.

وهذه واحدة من حسنات الديمقراطية فالحرية مصانة والوصول الى المعلومة سهل جداً، ولا يكلف سوى مهارة الصحفي في التوصل الى مصادر تسرب له المعلومات لنشرها.

في العراق "الديمقراطي " هناك من يحاول إن يصادر الحرية ويكمم الأفواه من جديد بحجج الأمن والوطني والمحافظة على إسرار الدولة، بينما يسمع المواطن الكثير الكثير عن الفساد الهائل والمرعب في المؤسسات العراقية ولكن صحافتنا عاجزة عن إن تسرب أي وثيقة تكشف ملف فساد أو متورطين فيه، لماذا ؟

الجواب منقسم كالعادة فشق منه فشل هذه الصحف والعاملين فيها في الاتصال أو تامين الاتصال لتسريب المعلومات المهمة وبالتالي الاستناد عليها لكشف الفساد والمفسدين ولذا ظلت معظم الصحف العراقية انعكاساً للنشاطات الحكومية فقط، ولا تكلف نفسها عناء البحث عن ملف مثير يفيد القارئ ويجذبه مضافاً إليه خوف هذه الصحف من ردة فعل هذا المسؤول أو ذاك التي ستكون في أحسن الأحوال دعوة قضائية والمطالبة بتعويض "يكسر ظهر القائمين على تلك الصحيفة " كما فعلها أكثر من مسؤول ليس وزير الشباب أخرهم.

 السبب الأخر هو عدم تعاون المسؤولين مع وسائل الإعلام بل واعتبارهم لها جزء من السياسة المعادية بل إن البعض من المسؤولين صار يقسم حسب رغبة إشكال الصحافة في العراق فتلك التي تتكلم ضده صفراء يجب محاربتها ومنعها وحتى اغتيالها، وتلك التي صارت بوقاً صحافة حرة يجب دعمها وتقديم الهبات الكبيرة لها لتعزيز مسارات الإعلام الحر..!

وسؤالي الأخير متى سنشهد موقع ويكيلكس عراقي ينشر الملفات الهائلة من فساد بعض الوزارات والمحافظات العرقية وحجم الهدر الكبير في المال العام الذي تجاوز أرقاما خيالية، وتحولت أموال أعمار العراق الى شركات وحسابات مسؤولين أتوا مع الاحتلال الأمريكي وهربوا وبحوزتهم تلك الغنائم من أموال هذا الشعب المحروم من مفردات بطاقة تموينية أو ساعات كهرباء بدون انقطاع أو مسكن يأوي إليه بعد إن يقضي ساعاته في الكد المضني، سؤال يظل قائماً ما دامت المحاصصة السياسية هي الحامي الرئيس للفساد والمفسدين وما دام الإعلام العراقي مرتهناً بأيدي خارجية أو حزبية...

شبكة النبأ المعلوماتية- الاثنين 6/كانون الأول/2010 - 29/ذو الحجة/1431

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1431هـ  /  1999- 2010م