خلافات قمة العشرين بقيت عالقة

مرتضى بدر

أنهت قمة مجموعة العشرين اجتماعاتها في تورنتو بكندا من دون أن تنهي خلافاتها حول سياستي التقشف وزيادة الإنفاق والاستهلاك. فمن جهة، الولايات المتحدة الأميركية رفعت شعار إنعاش الاقتصاد العالمي، وكانت تضغط باتجاه الزيادة في الإنفاق الحكومي، والزيادة في الاستهلاك لتحفيز النمو الاقتصادي، ومن جهة أخرى كان الاتحاد الأوروبي يدافع عن سياسة التقشف وربط الأحزمة. القارة العجوز تعاني اليوم من أزمات مالية واقتصادية، وعجزٍ في موازنات معظم دولها، وجاءت أزمة اليونان وتدني سعر اليورو لتزيد من تفاقم الأزمة الاقتصادية في هذه الدول، فكان من الطبيعي أن تقول “لا” كبيرة لأميركا ولمن تسير في ركابها.

الولايات المتحدة التي كانت ومازالت تعاني من تداعيات الأزمة المالية العالمية، تجد من مصلحتها الدفع باتجاه إقناع شركائها على زيادة الإنفاق ونشر ثقافة الاستهلاك بين شعوب العالم. والدولة التي آزرت الولايات المتحدة في هذه السياسة هي الصين. وكما هو معلوم، فإن الدولتين تتصدران اليوم قائمة الدول الأكثر إنتاجاً للسلع في العالم والأكبر تخريباً للبيئة؛ نتيجة لما تنتج مصانعها من غازات مدمرة للبيئة.

السلع التي تنتجها الدولتان تعادل ما تنتجه الدول الصناعية قاطبة، فمن الطبيعي أن تدفع هاتان الدولتان باتجاه نشر ثقافة الاستهلاك بين شعوب العالم؛ لأن في ذلك استمرارا لعملية الإنتاج والتصدير، وتوفير الوظائف، وعدم بروز أزمة اقتصادية. قد لا يختلف اثنان أنه في حال تأثر اقتصاد أمريكا فإن معظم اقتصاديات العالم ستتأثر، فهذا الشرّ الاقتصادي بات محتوماً ومهيمناً على العالم.

 إذاً - وكما أسلفنا - فإن المستفيد من نشر ثقافة الاستهلاك في العالم هو الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، وتليها الصين، وأما الدول المنتجة الأخرى فيأتي موقعها حسب نسبة إنتاج كل دولة من السلع، وقدرتها على جذب الأسواق.

القمة الأخيرة لمجموعة العشرين أقرت خفض العجز المالي لدول المجموعة بمقدار النصف كحد أدنى بحلول عام 2013 إلى جانب العمل على تغيير مسار الديون بحلول عام 2016. وبناءً على رغبة المجموعة الأوروبية فقد أقرت القمة فرض ضرائب على المصارف من دون أن يكون القرار ملزماً للدول الأعضاء.

من يتتبع سير مؤتمرات القمة لمجموعة الدول العشرين منذ انطلاقتها، يجد أن دول الأعضاء تعطي الأولوية في حل أزماتها بالدرجة الأولى، وأما الدول الفقيرة والقضايا البيئية فهي تعتبر ثانوية في أجندة المجموعة.

على سبيل المثال، مبلغ الـ 83 مليار دولار الذي خصصته المجموعة في قمتها السابقة لدعم الدول الفقيرة لم يُصْرَف إلا نصفه!! وقبل يوم من بدء اجتماعات قمة العشرين عقدت قمة مجموعة الدول الثمان الصناعية (أمريكا وكندا واليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وروسيا)، واكتفت هذه المجموعة بمبادرة خجولة بخصوص الفقر في العالم، إذ وعد القادة بتخصيص خمسة مليارات دولار لمساعدة الأمهات والأطفال في الدول الأقل فقراً.

وحسب تقديري، فإن مصير المبلغ المذكور قد لا يختلف عن مصير المبلغ الذي التزمت مجموعة العشرين بتقديمه للدول الفقيرة في القمة السابقة؛ فلم تحصد الدول الفقيرة والنامية من قمة المجموعتين لهذا العام غير الكلام والوعود الكاذبة. وصحيح أن البلدان الفقيرة لم تكن حاضرة على مائدة اللئام، إلا أن صرخاتها وآلامها قد وصلت إلى آذان المشاركين في المؤتمر؛ وذلك من خلال آلاف المتظاهرين الذين تجمهروا وساروا في شوارع تورنتو، والذين عبروا عن رفضهم للسياسات الاقتصادية الجشعة لمجموعة الكبار.

شبكة النبأ المعلوماتية- الأحد 18/تموز/2010 - 5/شعبان/1431

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1431هـ  /  1999- 2010م