ايران وخيارات اسرائيل... بين جز العشب والهدنة المفتوحة

كيف تستعد إسرائيل لإحتمال ضرب إيران

 

شبكة النبأ: مواكبة للتطورات الأخيرة والخطيرة على صعيد الملف النووي الإيراني، وتطورات الموقف الإسرائيلي من هذا الملف الذي يمثل تهديدًا جليًّا لإسرائيل وتصاعد التهديدات الإسرائيلية بتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية.

حيث نشر مركز الإجراءات الوقائية This Center for Preventive Action التابع لمجلس العلاقات الخارجية Council on Foreign Relations دراسة بعنوان "ضربة إسرائيلية محتملة لإيران An Israeli Strike on Iran" للباحث المعروف ستيفن سيمون Steven Simon.

ومن الجدير بالذكر أن مركز الإجراءات الوقائية يهتم بدراسة النزاعات العنيفة وخاصة تلك التي تدور في مناطق أو دول ذات تأثير حيوي على مصالح الولايات المتحدة. بحسب تقرير واشنطن.

ويقوم بذلك من خلال نخبة من الدارسين المتخصصين في هذا الشأن من نواب ومندوبي الحكومات وكذلك المنظمات الحكومية والغير حكومية وأيضا بإشراك منظمات المجتمع المدني المعنية .

تزايد احتمالات الضربة

وفى تقييمه لاحتمالية توجيه ضربة عسكرية إسرائيلية لإيران، يرى ستيفن سيمون أن احتمال توجيه هذه الضربة يزداد طبقًا لعدة عناصر منها التصريحات شديدة اللهجة للرئيس "أحمدي نجاد" حول إنكاره للمحرقة اليهودية، وضرورة محو إسرائيل من الخارطة، وضرب العمق الإسرائيلي في حال أي هجوم أمريكي على أي مفاعلات إيران النووية. فكل ذلك بكل تأكيد يقوي الاتجاه الإسرائيلي المناصر للحرب بحجة الخوف من نوايا إيران .

ويضيف سيمون عناصر أخرى منها اعتماد إسرائيل على الضربات الجوية مما يقلل خسائرها، والمعلومات الاستخباراتية الدقيقة عن الأهداف المراد تدميرها.

وهذا ما أشار إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وتأكيده على الطابع اليهودي للدولة "الإسرائيلية" وأن المحرقة هي علامة فارقة في التاريخ اليهودي وعلى أنه نفسه تحمل أعباء هذه المحرقة وأعباء التشتت وأعباء بناء الدولة، وبالتالي ليس من السهل إنكار ذلك من قبل الرئيس الإيراني.

وأكد كذلك على أن إسرائيل لن تسمح لأحد بأن يمحوها من الوجود وستتصدى له بكل قوتها. ولقد عبر المسئولون الإسرائيليون عن خوفهم من دعم إيران للجماعات المسلحة والمعادية لإسرائيل، وأن نجاح إيران في كسب الوقت لامتلاك السلاح النووي وانتقال هذه التقنية لأيدي الجماعات المسلحة سيكون أهم الأسباب لتوجيه ضربة إسرائيلية لإيران.

ولكن الخوف هنا هو أن تكون مسألة توجيه ضربة عسكرية إسرائيلية لإيران أشبه بسياسة "جز العشب" بحيث تقوم إسرائيل بتوجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية، ثم تقوم إيران بعد ذلك بإعادة البرنامج مرة أخرى، ولكن مع أخذ كل الاحتياطات لحمايته من أي ضربة أخرى محتملة وتطوير نفسها، وهنا يصبح الأمر أشبه بجز العشب ثم نموه مرة أخرى.

تدريبات إسرائيلية استعدادًا للضربة

وفى إطار رصده للمؤشرات التي تنذر باحتمال توجيه ضربة إسرائيلية لإيران، يرى سيمون أن عنصر المفاجأة هو عنصر حيوي إذا ما قررت إسرائيل توجيه ضربة عسكرية لإيران، ولاشك أنها ستكون ضربة قوية من قبل إسرائيل لإيران.

ويرى كذلك أن التعزيزات العسكرية الإسرائيلية في الفترة الأخيرة هي دليل قوي ومؤشر خطير على تطور موقف الإدارة السياسية في إسرائيل نحو اتخاذ قرار الهجوم.

ففي يوليو 2008 قامت إسرائيل بتدريبات جوية عسكرية طويلة المدى تضم سربًا مكونًا من 100 طائرة، وكذلك تدريبات على عمليات الإنقاذ باستخدام طائرات الهليوكوبتر، وأيضًا تدريبات على عمليات إعادة التزود بالوقود نظرًا لطول المسافة بين إيران وإسرائيل ولضمان سرعة تنفيذ العملية.

والاستعدادات الجوية ليست هي وحدها المؤشر بل المؤشر المفاجئ هنا هو ما أرادت إسرائيل إبرازه للعالم وهو أن لديها خيار الهجوم البحري، وذلك من خلال مرور غواصات بحرية لا مثيل لها من قناة السويس في يوليو 2009.

وهناك ـ أيضًا ـ مؤشرات أخرى من خلال المداولات الحكومية الداخلية وتصريحات المسئولين وكذلك الاستنفار الاستخباراتي من خلال تجميع معلومات شديدة الدقة عن إيران ومنشآتها.

كذلك توجد مؤشرات أخرى على صعيد الداخل الإسرائيلي وهى عبارة عن احتياطات تتخذها إسرائيل بصورة لا سابق لها مثل: توزيع أقنعة واقية من الغازات الجرثومية، وتوفير الملاجئ وتجهيزها، وإجراءات أخرى شبيهة ضد أي هجمة انتقامية، وخاصة تعزيز الجبهة الشمالية على الحدود مع لبنان للخوف من احتمالية دخول لبنان عبر حزب الله في حرب ضد إسرائيل. ولاشك أن استلام إيران لصواريخ أرض ـ جو الروسية المتقدمة S-300 والمتعددة المخاطر، قد شجعت إسرائيل على اتخاذ قرار بالاستباق بتوجيه ضربة عسكرية لإيران.

الخيارات الأمريكية لإحباط الضربة

وبعد أن عدد سيمون المؤشرات التي تدل على تطور موقف إسرائيل من توجيه ضربة عسكرية لإيران، انتقل إلى الولايات المتحدة والخيارات المتاحة لديها لإحباط هذه الضربة، وكذلك الخيارات المتاحة لديها لإدارة هذه الأزمة إذا ما وقعت.

فبالنسبة لما هو متاح لديها لمحاولتها منع هذه الضربة، يرى سيمون أنه إذا ظلت الولايات المتحدة متمسكة بموقفها الرافض لتوجيه ضربة إسرائيلية لإيران، فإن الخيارات المتاحة لديها لإحباط هذه الضربة هي محاولة التخلص من العوامل التي جعلت إسرائيل تعتقد أن الفوائد الناتجة من هذا الهجوم أكبر بكثير من التكاليف المتكبدة منها.

ويعدد سيمون هذه العوامل ويرى أن إسرائيل تعتقد أن البيت الأبيض لابد وأن يعطي الضوء الأصفر على الأقل سواء توصل لاتفاق مع إيران يحقق أهداف الولايات المتحدة، أو في حالة استنفدت كل الوسائل الدبلوماسية ولم يتم التوصل لحل. ووضع سيمون عدة إجراءات وقائية يجب على الولايات المتحدة اتخاذها لتعزيز الفهم الثنائي وتوضيح الأمور في هذا الصدد بين الطرفين. ومن هذه الإجراءات الآتي:

أولاً: تحقيق تقدم ملموس بخصوص منع إيران من إنتاج يورانيوم عالِ التخصيب وكذلك التسلح بأسلحة بلوتينيوم عالية التخصيب كذلك.

ثانيًا: لابد على الولايات المتحدة أن تنشئ قناة للتواصل مع إسرائيل وذلك لمعرفة النوايا الإسرائيلية ودراسة الخطوات التي من خلالها يتم تقليل الخطر على إسرائيل لأن قيام إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية لإيران سيضع العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية تحت اختبار صعب دون أن تكون هذه الضربة قد قللت من المخاطر الإيرانية طويلة الأمد.

لذلك فإن هذا الوضع بمعظم مفرداته يشبه وضع إسرائيل مع العراق عام 1991 عندما كانت إسرائيل تحت مرمى صواريخ السكود العراقية، وبالتالي ما يجب على الولايات المتحدة فعله هو أيضًا شبيه بما فعلته آنذاك من تكلف لورانس ايجلبرجر والذي قام بإرسال وفدين إلى إسرائيل وذلك لإلزام إسرائيل بضبط النفس الشديد، وللتأكيد كذلك على رفض الولايات المتحدة الشديد لانتهاك إسرائيل المجال الجوي العراقي لتدمير صواريخ سكود.

ثالثًا: استمرار الولايات المتحدة في التأكيد على رفضها لطبيعة البرنامج النووي الإيراني وعلى الإبقاء كذلك على كل الخيارات مطروحة على الطاولة بما فيها الخيار العسكري، وكل ذلك لطمأنة إسرائيل.

رابعًا: القيام بزيارات رفيعة المستوى من قبل المسئولين الأمريكيين لإسرائيل وذلك لزيادة طمأنتها من التزام الولايات المتحدة بأمنها والدفاع عنها.

خامسًا: إبرام معاهدة دفاع مع إسرائيل يتوفر لها من خلالها ضمانات أمنية واضحة متمثلة بتوفير"مظلة نووية" لها من قبل الولايات المتحدة. ولكن مثل هذه الاتفاقيات سوف تجعل دولاً حليفة للولايات المتحدة في المنطقة تطالب بمثلها لأنها هي الأخرى متضررة من امتلاك إيران أسلحة نووية، وهذه الدول هي مصر والسعودية.

خيارات أمريكية لاستيعاب وإدارة الأزمة

وينتقل ستيفن سيمون بعد ذلك إلى الخيارات المتاحة لديها لاستيعاب الأزمة وإدارتها إذا ما وقعت. ومن هذه الخيارات الآتي:

أولاً: العمل مع دول أساسية في المنطقة مثل الإمارات العربية المتحدة، قطر، والبحرين في مجال التبادل الاستخباراتي وإدارة نتائج الأزمة.

ثانيًا: تكثيف الدفاعات الجوية وقوات الحماية في الخليج والعراق.

ثالثًا: مناقشة احتمالية الضربة الانتقامية الإيرانية وتكاليفها مع رئيس الوزراء العراقي نورى المالكي ومسئولي مجلس الأمن القومي العراقي.

رابعًا: مناقشة احتمالية قيام إيران بغلق مضيق هرمز ومهاجمة السفن وتدمير المنشآت التي تقع في مرماها وبالتالي دراسة إمكانية طلب زيادة الإنتاج النفطي من كلٍّ من السعودية، والكويت، والإمارات العربية المتحدة.

خامسًا: التأكيد على أن الاحتياطات الأمريكية النفطية قادرة على صد العجز عند الضرورة.

سادسًا: استخدام القنوات الدبلوماسية والاستخباراتية وذلك لزيادة الاستعدادات لدى الدول الصديقة والتي يوجد داخلها عناصر للحرس الثوري الإيراني وحزب الله.

سابعًا: تحسين الدفاعات الصاروخية الإسرائيلية بإمدادها بصواريخ باليستية لتعزيز قدراتها في الدفاع عن نفسها ضد أي هجمة انتقامية إيرانية.

ويرى سيمون في النهاية أن إسرائيل غير تواقة للحرب مع إيران ولا تسعى بالإضرار بعلاقاتها مع الولايات المتحدة. ولكن الحقيقة هي أن المشكلة مع إيران تكمن في تهديدها لوجود إسرائيل كدولة. ويرى بأن إسرائيل لابد أن تتشارك مع الولايات المتحدة في آرائها ومواقفها وذلك لأن الولايات المتحدة إذا ما شعرت بأي تهديد لإسرائيل أرضًا وشعبًا حتمًا ستتدخل للدفاع عنها فهذا التزام قطعته الولايات المتحدة على نفسها منذ القدم.

وفي نهاية دراسته يقدم سيمون توصيتين من أجل تحقيق ذلك، أولهما: ضرورة إنشاء قناة اتصال خلفية مع إسرائيل على أعلى مستوى لتبادل الآراء والمناقشة حيال تصرفات إيران وما يمكن فعله والتحركات الواجب اتخاذها. وآخرهما: تماسك الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا (مجموعة 5+1) في موقفها من إيران، وذلك لبناء موقف دولي موحد ضدها.

ردود الفعل إزاء الضربة الإسرائيلية المحتملة

وفي ورقته عرض فيليبس لمواقف القوى الدولية للهجمة الإسرائيلية على المفاعلات النووية الإيرانية نجملها في الآتي:

أولاً- روسيا: ستكون موسكو هي الفائز الأكبر من أي حرب إسرائيلية - إيرانية. لاسيما وأنها استثمرت تحالفها الاستراتيجي مَع طهران لكي تصبح الأخيرة سوقًا لاستيراد التكنولوجيا الروسية العسكرية والنووية، ولمواجهة النفوذ الأمريكي في المنطقة. من ناحية أخرى ستحقق روسيا مكاسب اقتصادية كبيرة من الارتفاع في أسعار النفط العالمية التي سترافق أي تأزم عسكري بين إسرائيل وإيران.

إلا أن هذا التأزم سيشكل خطرًا لموسكو، إذ يعمل المئات من العلماءِ والتقنيين الروس في مجمع بوشهر النووي الإيراني، وهم بالطبع من المحتمل جدًا أن يصبحوا ضحايا لأي هجوم إسرائيلي على هذه المنشآت الأمر الذي سيشكل دافعًا قويًّا لموسكو للضغط على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لفرض عقوبات على إسرائيل.

ثانيًا- الصين: من المتوقع أن تعمل بكين – وبحسم - على السعي لحماية استثماراتها الاقتصادية والنفطية والجيو- سياسية المتزايدة في إيران، وذلك من خلال شجب التحركات الإسرائيلية ودعم فرض عقوبات ضدها في مجلس الأمن.

ثالثًا- الدول العربية: من الناحية العلنية، ستقوم غالبية الدول العربية بشجب الهجوم الوقائي الإسرائيلي باعتباره دليلاً جديدًا على العداء الإسرائيلي ضد العالم الإسلامي. لكن فيليبس يرى أن غالبية هذه الدول (باستثناء سوريا حليفة إيران) سترحب سرًّا بالهجوم الذي وإن لم يمنع خطر القنبلة النووية الإيرانية بشكل دائم، إلا أنه سيحدُّ من تهديدات إيران لجيرانها العرب الأصغر حجمًا.

رابعًا- أوروبا: ستقوم غالبية الدول الأوروبية - باستثناء بريطانيا وفرنسا - بانتقاد الهجوم الإسرائيلي المحتمل، كما ستعاني عديد من الدول الأوروبية من عواقب اقتصادية وخيمة جراء القفزة التي ستحدث أسعار النفط العالمية جراء هذا الهجوم.

السياسة الأمريكية وحدود الدبلوماسية

تدفع إدارة أوباما بأن تآكل الدعم السياسي المحلي للنظام الإيراني بعد أعمال القمع التي تلت الانتخابات الرئاسية في يونيو الماضي سيجعل متشددي طهران أكثر انفتاحًا على المفاوضات بشأن القضية النووية. ولكن في الواقع، أضحت فرص التوصل لأي حل دبلوماسي للأزمة النووية محدودة للغاية في أعقاب إعادة انتخاب أحمدي نجاد المشكوك فيها. وتتمتع الولايات المتحدة بميزة البعد الجغرافي عن إيران مقارنة بإسرائيل، ومن ثم فهي أقل عرضة لأي هجوم نووي إيراني. إلا أنها يجب أَن تراعي أمن حليفتها.

يجب أن تكون إدارة أوباما واعية إلى حقيقة أن الولايات المتحدة ستتورط حتمًا في الأزمة الإسرائيلية - الإيرانية المحتملة. ومن ثم فيجب أن تبدأ هذه الإدارة الآن في التخطيط لمواجهة والحد من أثر النتائج المربكة لردود الفعل الإيرانية المحتملة. أي لتحجيم التهديدات الإيرانية للأمن القومي الأمريكي ولحماية المصالح الأمريكية، وفي هذا الصدد على الولايات المتحدة أن تقوم بما يلي:

أولاً: الاعتراف بحق إسرائيل في الدفاع عن النفس في مواجهة الدكتاتورية الإسلامية العدائية التي تشكل كذلك تهديدًا للمصالح الأمريكيةَ وللاستقرار في المنطقة. فحسب ورقة فيليبس يجب ألا تعمل واشنطن على منع إسرائيل مِنَ القيام بأي عمل تراه ضروريًّا لمواجهة التهديدات الوجودية. فالولايات المتحدة لا تملك القوة لضمان عدم تعرض إسرائيل لهجوم نووي إيراني في المستقبل، ومن ثم يجب أَلا تخون واشنطن ثقة حليفتها الديمقراطية بتقييدها. فعلى الرغم من أن الهجوم الإسرائيلي على البرنامج النووي الإيراني سيترتب عليه تهديد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، فإن هذه الأخطار تعد محدودة مقارنة بالتهديدات النووية الإيرانية.

ثانيًا: الاستعداد للحرب مع إيران: في ضوء حقيقة أن الولايات المتحدة قد تتعرض لهجوم من قبل إيران إثر الضربة الإسرائيلية في جميع الأحوال، فمن المنطقي أن تنظر واشنطن في مشاركة إسرائيل في شن حرب وقائية ضد إيران. لكن من غير المحتمل أن تتبع إدارة أوباما هذا النهج. رغم ذلك يجب أن تكون الإدارة مستعدة للرد على أية هجمات إيرانية، وهو ما يستتبع إعداد خطط طوارئ، نشر عدد كاف من القوات القواعد العسكرية والسفارات الأمريكية في الشرق الأوسط؛ تأمين منشآت وناقلات وطرق أنابيب النفط في الخليج الفارسي، واستهداف الصواريخ الباليستية الإيرانية، فضلاً عن استهداف كل المواقع ذات الصلة بالسلاح النووي.

وربما تؤدي التحضيرات لهذه الحرب، لاسيما مع توضيح أن واشنطن لن تقيد يد إسرائيل، يمكن أن تؤدي إلى توجه الإيرانيين نحو التهدئة قبلما تضطر إسرائيل لاتخاذ إجراءات للدفاع عن نفسها.

ثالثًا: نشر تجهيزات دفاع صاروخي للدفاع عن إسرائيل والحلفاء الآخرين للولايات المتحدة من الهجمات الصاروخية الإيرانية. فقامت وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون Pentagon بنشر فرقة رادار متطورة من طراز إكس (X-Band radar) في إسرائيل لدعم أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية والإسرائيلية، كما قامت إسرائيل بنشر أنظمة دفاعية صاروخية من طرازي أرو (Arrow)، وباتريوت باك-3 (Patriot PAC-3). بالإضافة لذلك، يجب أن تقوم الولايات المتحدة بالاستعدادات لنشر أنظمة دفاعية متطورة أخرى في إسرائيل. كذلك سيكون من المفيد جدًا أن تقوم البحرية الأمريكية بنشر سفن حربية من طراز أيجيس (Aegis) على سواحل إسرائيل وغيرها من حلفاء الولايات المتحدة المهددة بالخطر الإيراني للمساعدة في صد أي هجوم بصواريخ باليستية إيرانية.

رابعًا: يجب أن تجري الولايات المتحدة تدريبات متكررة على آليات الدفاع الصاروخي مع إسرائيل وحلفائها الآخرين في المنطقة. ضمت تدريبات كوبرا جونيبر Juniper Cobra المشتركة التي أجريت مَع إسرائيل في أكتوبر- نوفمبر 2009، حوالي 2000 فرد، فضلا عن 17 سفينة حربية تابعة للبحرية الأمريكية. وقد تدربت على صد هجوم صاروخي على إسرائيل من كل الاتجاهات. وقد تمثلت أهم سمات هذه التدريبات في أنها وفرت تجربة شخصية إلى أفراد الجيشين الأمريكي والإسرائيلي في تفعيل نظام قيادة وسيطرة متكامل للدفاع إسرائيل في مواجهة أي هجوم صاروخي محتمل، وهي تجربة ضرورية للحفاظ على فعالية نظام الدفاع الصاروخي.

على الرغم من ذلك، لا تزال الولايات المتّحدة وإسرائيل في حاجة لمراقبة تهديدات القذائف الأكثر تطورًا، الأمر الذي قد يتضمن تصميم إجراءات مضادة لتشويش الأنظمة الدفاعية الصاروخية الحالية.

يجب أن تعرض إدارة أوباما نشر أنظمة دفاع صاروخي متمركزة في البر أو البحر في منطقة الخليج الفارسي العظمى، على أن يتم التدريب عليها بالتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي (تحالف تشكل في عام 1981 من جانب البحرين، الكويت، عُمان، قطر، السعودية، والإمارات لتوفير آلية للدفاع الجماعي في مواجهة تهديدات إيران وغيرها من التهديدات).

خامسًا: تحسين قدرات الردع ضد الهجمات الإيرانية. لردع إيران ومنعها من متابعة تهديداتها بمهاجمة الأهداف الأمريكية كرد فعل على أي هجوم وقائي إسرائيلي محتمل، على إدارة أوباما أن توضح لطهران أن مهاجمة الأهداف الأمريكية ستجعل الأمر أكثر سوءًا بالنسبة للنظام الإيراني. إذ سترد الولايات المتّحدة بضربات مدمرة ليس فقط ضد أهداف عسكرية ونووية إيرانية، ولكن ضدَّ زعماءِ النظام ومؤسساته، لاسيما الحرس الثوري، وأجهزة الاستخبارات، وقوات الأمن الداخلية.

سادسًا: تسكين تأثير الأزمة النفطية المتوقع. هددت إيران بعرقلة شحن النفط عبر مضيق هرمز خلال الأزمة. وهو ما سيضع حوالي 16 -17 مليون برميل من النفط يوميا في خطر، أَي حوالي 20% مِنْ استهلاك النفط العالمي. الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة غير مسبوقة في أسعار النفط ومن ثم لصدمة الاقتصاد العالمي. من الممكن كذلك أن تقوم إيران بعمليات تخريبية ضد منشآت عربية لعرقلة أسواق النفط العالمية .

يجب أن تتهيأ الولايات المتحدة وحلفاؤها لاتخاذ إجراءات فورية لمواجهة هذه الهجمات ولإصلاح أي ضرر يلحق بخطوطِ الأنابيب أَو البنية النفطية التحتية، فضلا عن إنتاج ونقل المصادر البديلة للنفط إلى المستهلكين المضطربين. يجب أن تحشد واشنطن تحالفًا يضم منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومجلس التعاون الخليجي، اليابان، أستراليا، الهند، وغيرها من الدول المعنية لنشر قوات بحرية وجوية لمنع إغلاق مضيق هرمز والحد من التأثير الاقتصادي للأزمة النفطية.

سابعًا: منع مبيعات الأسلحة إلى إيران. على واشنطن وحلفائها أَن يبذلوا كل ما بوسعهم لحِرمان إيران من واردات الأسلحة الأجنبية، لاسيما الصفقة الوشيكة للصواريخ الروسية إس -300 (S-300)، وهو الأمر الذي قد يدفع إسرائيل للتبكير بضربتها. كما يجب أن تعمل الجهود الدولية على منع إيران من توصيل الأسلحة إلى حزب الله والجماعات الإرهابية الفلسطينية، التي تشكل تهديدًا ليس فقط إلى إسرائيل، ولكن للاستقرار في لبنان، مصر، والأردن.

ثامنًا: نقض أي قرار لمجلس الأمن الذي لا يعترف بالاستفزازات الإيرانية. يجب أن تصدر الولايات المتحدة فيتو ضد أي قرار لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قد يدين إسرائيل دون إدانة تاريخ إيران الطويل من التهديد ورعاية الإرهاب والعداء ضد الدولة اليهودية. لقد أذكى نظام أحمدي نجاد التوترات مع إسرائيل بالتهديد المستمر بمحو إسرائيل من التاريخ، وغيرها من التهديدات التي تصل إلى حد التحريض على الإبادة الجماعية. وعلى واشنطن أن توضح لأعضاء مجلس الأمن الرافضين للفيتو الأمريكي أن ضعف رد الأمم المتحدة على برنامجِ إيران النووي هو ما ساعد على بذر بذور الحرب الإيرانية - الإسرائيلية.

وختامًا، على إدارة أوباما وضع خطة بديلة لاحتواء إمكانية فشل استراتيجية الارتباط engagement strategy في إقناع إيران بالعدول عن الاستمرار في النهج النووي الحالي. إذ من اللازم أن تدرك طهران أن حلفاء وأصدقاء واشنطن سيعملون على حماية مصالحهم الخاصة، لاسيما إسرائيل، التي تواجه التهديد الأعظم من قبل إيران.

نتائج ضربة إسرائيلية لإيران على واشنطن

تتخوف كثير من الدول الغربية من طموحات إيران النووية في ضوء سياستها الخارجية العدائية، لاسيما في ظل التهديدات الإيرانية المتكررة بإبادة دولة إسرائيل، وهو ما يجعل الوضع متفجرًا في نظر البعض الذين يرون أنه في حال فشلت الجهود الدبلوماسية في تهدئة الوضع، فقد لا ترى إسرائيل خيارًا بديلاً عن القيام بضربة وقائية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

في هذا الإطار تأتي ورقة جيمس فيليبس James Phillips الخبير في شئون الشرق الأوسط بمؤسسة هيريتج الأمريكية (مؤسسة التراث) Heritage Foundation ، التي تحمل عنوان: "ضربة إسرائيلية وقائية ضد المواقع النووية الإيرانية: النتائج بالنسبة للولايات المتحدة "An Israeli Preventive Attack on Iran’s Nuclear Sites: Implications for the U.S. يحاول فيليبس خلال الورقة إلقاء الضوء على النتائج المحتملة لهجوم إسرائيلي ضد إيران وردود الفعل المتوقعة من إيران. ومن ثَمَّ فهو يوضح أهمية قيام إدارة أوباما بعمل حاسم الآن للحد من إمكانية رد إيران على الضربة الإسرائيلية المحتملة.

مؤشرات الضربة الإسرائيلية

أشارت إسرائيل مرارًا وتكرارًا إلى رغبتها في مهاجمة المواقع النووية لإيران إذا ما فشلت الدبلوماسية في إقناع إيران بالعدول عن نهجها الحالي. وقد قامت القوات الجوية الإسرائيلية بتنظيم تدريبات هائلة على نطاق واسع في سماء البحر الأبيض المتوسطِ في يونيو 2008، وخلالها قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية بهجمات على أهداف تقع على مسافة تزيد على 870 ميلاً، وهي تقريبًا المسافة ذاتها التي تفصل إسرائيل عن منشأة تخصيب اليورانيومِ في ناتانز Natanz بإيران.

وفي العام المنصرم، سرب المسئولون الإسرائيليون تفاصيل هجوم جوي إسرائيلي سري ضد قافلة إيرانية لنقل السلاح في السودان كانت متوجهة إلى شبه جزيرة سيناء في مصر لكي يتم تهريبها عبر الأنفاقِ إلى حماس، وقد شدد المسئولون الإسرائيليون على أن ذلك يعكس استعداد إسرائيل للقيام بعمليات جوية أخرى بعيدة المجال ضد إيران إذا لزم الأمر.

وفي أواخر يونيو 2009، عبرت غواصة إسرائيلية من طراز دولفين Dolphin قناة السويس للمرة الأولى لتقوم بالانتشار في البحر الأحمر، تلتها سفينتان حربيتان من طراز سار Saar في يوليو من العام ذاته. ويعكس مرور هذه القطع الحربية الإسرائيلية عبر قناة السويس المصرية، أن مصر التي تشترك مع إسرائيل في مخاوفها من التهديدات الإيرانية (لاسيما بعد اكتشاف خلية كبيرة تابعة لحزب الله)، ترغب في التعاون مع إسرائيل لمواجهة التهديدات التي تفرضها إيران، وذلك على حد زعم فيليبس، الذي يؤكد أيضًا ما يُقال حول إن رئيس الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) اجتمع بمسئولين سعوديين ليطمئن بعدها رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu بأن السعودية ستتغاضى عن الطائرات الحربية الإسرائيلية في حال عبورها المجال الجوي السعودي لضرب أهداف إيرانية. ومن الجدير بالذكر أن إسرائيل شنت ضَربَات جَويِّة وقائية ضد المنشآت النووية في عدد من الدول المعادية لها مثل العراق في يونيو 1981، وسوريا في سبتمبر 2007.

معوقات الضربة الإسرائيلية

أما في حالة إيران فقد تواجه إسرائيل صعوبات في توجيه ضربة للمنشآت النووية منها البعد الجغرافي للأهداف لاسيما وأن الدول الواقعة بين إسرائيل وإيران (الأردن، سوريا، تركيا، العراق، السعودية) سوف تعترض على استعمال إسرائيل لمجالها الجوي على الأقل علنًا

بالإضافة إلى أن الضربات الإسرائيلية من المحتمل أن تعوقها المسافات الطويلة التي تفصلها عن الأهداف فضلاً عن الحاجةِ إلى تزويد الطائرات التي ستشن الهجوم بالوقود عبر ناقلات جوية، إلى جانب الدِفاعات الجوية الإيرانية.

يمكن أَن تشن إسرائيل ضربة مفاجئة وحيدة، ويتوقف نجاح مثل هذه الضربة على عدد من العوامل منها: جودة المعلومات الإسرائيليةِ بشأن المنشآت النووية الإيرانية، قدرات الدفاعات الجوية الإيرانية، دقة الضربات وقدرة المدفعية الإسرائيلية على اختراق الأهداف الإيرانية. وقد تضطر إسرائيل أن تشن عددًا من الضربات المتابعة المتعددة لإيقاع ضرر أكبر بالبنية التحتية النوويِة لإيران.

سيتحدد توقيت الهجوم الإسرائيلي وفقًا لتقديرات الخبراء حول حدود فعالية القيام بهذا الهجوم. يعتقد المحللون الإسرائيليون أن إيران لديها يورانيوم مخصب يكفي لبناء قنبلة في غضون 10 أشهر، لكن بعد مرور سنة أخرى من تخصيب اليورانيوم ستحتاج إيران نصف ذلك الوقتِ لبناء قنبلة. مما يعني أن الساعة تدق بسرعة معلنة بدء اكتمال برنامج إيران النووي، ونهاية الخيار الوقائي لإسرائيل.

رد الفعل الإيراني

من المتوقع أن يكون انتقام إيران لأي ضربةِ إسرائيلية متعدد الأبعاد ومطول وعنيف. إذ من المتوقع أن تقوم إيران بقصف إسرائيل بصواريخ باليستية من طراز شهاب- 3 متوسطة المدى، مع احتمال أن تكون تلك الصواريخ محملة برؤوس إشعاعية أو بيولوجية أو كيماوية. وهو ما سيؤدي إلى "حرب مدن" مماثلة لتلك التي حدثت إبان الحرب العراقية الإيرانية 1980 - 1988 حيث أطلق الخصمان مئات من قذائف سكود أرض - أرض على مدن الآخر. ومن المحتمل كذلك أن ترد إيران بهجمات جوية انتحارية وربما تنطلق من قواعد في سوريا، أَو أن تقوم بهجمات بالطائرات بدون طيار تنطلق من قواعد في لبنان، أو سوريا، أَو من سفن قريبة من سواحل إسرائيل.

وإلى جانب الهجمات المباشرةَ على إسرائيل، من المحتمل أَن تشن طهران هجمات غير مباشرة تنفذها جماعات بديلة مثل حزب الله والجهاد الإسلامي وحماس، وجميعها مسلحة بالصواريخ الإيرانية، فضلا عن أن حزب الله يتلقى الأسلحة والتدريب والدعم المالي بل والقيادات الأيديولوجية من قبل الحرس الثوري الإيراني.

من الممكن أن تقوم طهران كذلك بمهاجمة المصالح الأمريكية في المنطقة في الانتقام من الضربة الإسرائيلية. إذ سيفترض الإيرانيون بالقطع وجود دعم أمريكي (ضمني على الأقل) للهجومِ الإسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية، ومن ثم فمن الممكن أن تستهدف إيران الجنود الأمريكيين في العراق عبر تكريس دعمها للجماعات التي تعمل بالوكالة عنها مثل جيش المهدي أَو حتى من خلال اختراق بعض عناصر الحرس الثوري لحدود العراق ومهاجمة الأمريكيين بشكل مباشر. من ناحية أخرى قد يقوم النظام الإيراني بتحريض الشيعة الأفغان ضد القوات الأمريكية في أفغانستان، أَو حتى الإلقاء بثقلها خلف طالبان التي قامت إيران بالفعل بإمدادها بكميات محدودة من الأسلحة والمعدات العسكرية.

كذلك سيكون الموظفون الحكوميون والدبلوماسيون والعسكريون الأمريكيون عرضة لهجمات إرهابية مدعومة إيرانيًّا في كافة أنحاء العالم، خصوصًا في البحرين والعراق والكويت ولبنان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة.

شبكة النبأ المعلوماتية- السبت 20/شباط/2010 - 5/ربيع الأول/1431

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1431هـ  /  1999- 2010م