حسين علي محفوظ.. شَيخ بغداد والموسوعة المتحركة

محمد طاهر محمد

 

شبكة النبأ: أطلق عليه المتخصصون والمثقفون لقب( ذاكرة التاريخ) وعدّوه بقية العلماء السبعة الكبار في التاريخ العربي والاسلامي وهم: جابر بن حيان، والكندي، والرازي، والفارابي، وأبن سينا، وأبن الهيثم، والطوسي، كما لقبه علماء أوربا وأساتذة جامعاتها الكبرى في الندوة الربيعية الاولى للجامعة الصيفية العربية-الاوربية في بغداد سنة 1989بـ(المكتبة المتنقلة) و(الموسوعة المتحركة) و(انسكلوبيديا تمشي على رِجلين).

 وقال عنه العلامة باقر شريف القرشي( أن له فضلاً على كل بيت من بيوتنا) كما قال عنه عيسى اسكندر المعلوف عام 1950:(شيخ العبقرية، والمخلص، شيخ العرب، وشيخ الادب) وعدّه المرجع السيد محسن الحكيم (قده) (مجتهد بلا علامة) ولقبّه ايضاً بـ(مجتهد أفندي) وقال عنه شيخ الاسلام فضل الله الزنجاني( العلامة المحدث الاديب، نادرة الايام والاعوام)، أجازة المراجع الكبار في النجف الاشرف وقم المقدسة ونعتوه ب( العلامة المحقق الفاضل) وفي مؤتمر الفية الشيخ المفيد(قدس سره) في مدينة قم المقدسة قام بعد ألقاء كلمته عند الوفد العراقي بأعطاء هديته الى كافة المؤتمرين وهي: عبارة عن أجازته الروائية المتصلة بالشيخ الصدوق(قدس) فكان لها صدى كبير وعدت أعظم هدية قدمت للمؤتمر، وهناك القاب اخرى اطلقت عليه من قبل المؤرخين والباحثين والكتاب والادباء مثل( المصدر الكبير) و( الاستاذ الاقدم) و(أبو العراق) و(العراق) أما اللقب الذي كان يعتز بها كثر من غيره فهو(شيخ بغداد)، ويقيناً أن هذه الالقاب التي أطلقت على شخصية نادرة كشخصية حسين علي محفوظ لم تطلق جزافاً.

فقد كان رحمه الله عبقرية نادرة الوجود متعددة المواهب، أضاء بأعماله الفكرية والادبية المختلفة دروب الباحثين وطلاب العلم بما قدمه من زاد فكري طيلة حياته الحافلة والتي افناها في سبيل العلم وقد ثرى المكتبة العربية بتأليف ترفد اجيالاً واجيال وتلهمهم تراثنا الثقافي والتاريخي لقد كان العالم المتبحر والثقة الصدوق الذي تربع مكانه متميزة بين العلماء الافذاذ، في بيت تشع انوار العلم من جنباته استقبلت مدينة الكاظمية المقدسة وليداً سيحفر اسمه نور في صفحات مشرقة من تاريخها وسيتلألأ نجمه في سمائها ففي يوم الاثنين 20 شوال 1344هـ  المصادق 3/5 /1926م كان هذا البيت مع موعد ولادة علم من اعلام الفكر العربي ذلك هو العلامة الدكتور حسين علي محفوظ، وينتمي العلامة حسين علي محفوظ في نسبه الى آل محفوظ وهم بيت علمي وعربي عراقي قديم فهو حسين بن علي بن الجواد بن موسى بن محفوظ الوشامي الاسدي من بني اسد بن خزيمة وقد عرف هذا البيت بآل محفوظ نسبة ألى جدهم الاعلى محفوظ بن وشاح بن محمد الملقب بـ(شمس الدين) والمتوفي سنة 690وكان محفوظ هذا من أعيان العلماء وأعلام الشريعة واكابر الفقهاء واجواد الامة وسادة العرب في العراق في عصره وكان من فحول الشعراء وأئمة الفتوى والتدريس والكلام واللغة والنمو والعروض في القرن السابع الهجري.

أما أم الدكتور حسين علي محفوظ فهي السيدة خديجة بنت السيد هاشم بن محسن بن هاشم الحسيني وهم من ذرية عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع).

توفي الشيخ علي وترك ولده الصغير( حسين) يعاني من حرمان حنان الأبوّة لكن الله سبحانه وتعالى عوضه عن حنان الاب برعاية وكفالة عمه الاستاذ محمد محفوظ الذي أولاه رعاية تفوق رعاية الاب لأبنه ذلك انه تولى تربيته وتأديبه فنشأ ينهل من مكتبة عمة التي كانت الحاضنة الاولى التي غذته والمنبع الثرالذي استقى منه إضافة الى توجيهات عمه وأمه الفاضلة، فأطلع( محفوظ) على كتب العلم والتراث كما كان لمجلس العلم ومواسم الادب التي كانت تزخر بها مدينة الكاظمية المقدسة اثراً كبيراً في رسم خطوات ذلك الصبي في طريق العلم والفكر والادب كما اطلع على اصول التاريخ والثقافة وتتلمذ على يد أفاضل أسرته فقرأ مقدمات المنطق والاصول وقد ساعدته هذه المطالعات في التفوق في دراسته المنهجية وكذلك في كتبه وتأليفاته فكان للقرآن الكريم والحديث الشريف وأدب الدعاء ونهج البلاغة وعيون الكلام أثر كبير في بلاغته وأسلوبه وجملة وألفاظه ومعانيه وبيانه ويتجلى ذلك في خطبه وكلماته ورسائله ومقالاته، تخرّجَ (محفوظ) من دار المعلمين العالية بعد ان حصل على شهادة (ليسانس) الادب في اللغة العربية سنة 1948بدرجة الامتياز والاولية ثم نال دكتوراه الدولة في الاداب الشرقية( الادب المقارن) سنة 1955.

بدأ (محفوظ) رحلته الادبية والفكرية مع الشعر في سن مبكرة فكتب أول قصيدة في وصف الربيع عام 1939 ولما بلغ السادسة عشر من عمره كان قد اكمل ثلاثة دواوين شعرية هي (عبث الصبا) و(روائح الشباب) و (يواقيت الوشاح) وبعد ان دخل دار المعلمين العالية اخرج ديوانين أخرين هما( شقائق) و( المحنة) وعندما غادر العراق كان مخاض شوقه وحنينه الى اهله ووطنه ديوان (كربة الغربة) وسمى شعره بعد الاربعين (ثمالة كأس) وقال رحمه الله عن شعره في هذه المرحلة:(هي قصائد ومقطوعات وأبيات معدودة أحبها وأحسبها من القليل الجدير بالخلود والبقاء في شعري).

وعن احساسه بالشعر يقول محفوظ، " أذا كان لا بد أن اقول شيئاً في شعري، فأنا لم أتكلف نظمه، بل كنت احس في نفسي حاجة الى قرضه". ويتبين من كلام محفوظ عن الشعر انه كان شاعراً حقيقياً صادقاً ملتزماً يؤمن بما يقوله فهو لا يقول الشعر ألا عندما يشعر ان هناك حاجة الى قوله وهذه الحاجة بالطبع ليست كأغراض المديح المبتذل أو أغراض تافهة يبالغ فيها أغلب الشعراء وينزلون بالشعر الى مرحلة الاسفاف والابتذال فالشعر عند محفوظ أسمى وارفع من ان يمدح به من لا يستحق المدح أو يستخدم لأغراض اللهو واللعب كما يتبين كذلك أنه يريد من شعره ان يكون ذا مستوى ينظر اليه نظرة البقاء والخلود وليس نظرة وقتية مرحلية ينتهي الشعر بانتهائها.

 أما رحلته مع التأليف فتعود الى مطلع الاربعينات فكانت رسائله القصار في الشريف الرضي والمعري والمتنبي وابن زيدون هي أوائل أعماله الادبية وقد أصدرها عام 1942 وخلال حياته المليئة بالعطاء الثر تجاوزت نتاجاته الادبية وبحوثه العلمية الـ( 1500) مؤلفاً ما بين كتاب ورسالة ودراسة وبحث.

لقد جمعَ محفوظ بين الدراستين القديمة والجديدة وروى الحديث إجازة وسماعاً وقراءة عن جماعة من علماء الامة ومشايخ المحدثين، فروى عن اكثر من سبعين محدثاُ في المشرق والمغرب وروى قراءة عاصم من مشايخ القراءة والاجازة كما قام بتأسيس قسم الدراسات الشرقية في كلية الآداب بجامعة بغداد سنة 1969وترأسه حتى سنة 1973ثم بقي استاذ للدراسات الشرقية في جامعة بغداد، اهتم بالتراجم والطبقات والوفيات والاجازات والرجال وضبط وفيات المشاهير واقترح تأليف( تقويم الخالدين) 1960 لتكريم العلماء والآدباء والنوابغ والمشاهير والأعلام قديماً وحديثاً وإحياء ذكراهم، سجّلَ الايام والوقائع والحروب كما سجل تقويم حياة النبي (ص) من الولادة حتى الوفاة واحصاء أحاديث الاخلاق في السنة واستخراج المقاييس الانسانية في التراث العربي والاسلامي ورسالة العرب واللغة العربية وبراءتها من النقص وجوانب منسية في دراسة السنة النبوية.

 كما وضع علم المخطوطات سنة 1975وجمع ضوابطه وقواعده ومسائله ومصطلحاته وتعريفاته وألّف فيه (مصطلحات المخطوطات) و(مصطلحات المكتبة العربية) و( مصطلحات الخط) و(ومصطلحات الرسم والنقش والتزويق) كما وضع فهرست التراث المخطوط في العديد من دور الكتب والخزائن والمكتبات الخاصة في الشرق والغرب لا سيما في العراق وايران وأذربيجان وروسيا حتى عد(الرائد الامثل للتراث وعلم المخطوطا).

 وفي سنة 1981وضع محفوظ (نظرية التأصيل) في تأصيل التراث العربي والاسلامي بأسلوب منهجي وأبتكر(دائرة التأصيل) للتطبيق والأيضاح ومن اعماله المهمة في الخط (الدلائل الادبية على قدمية الخط العربي) وقد حقق ان الخط العربي هو خط سدس لغات العالم تقريباً كما كتب في الفلسفة كتاب (من أجل الانسان) سنة 1959.

وكتب في شتى المواضيع العلمية والفكرية والثقافية والتراثية والانساب ومن مؤلفاته: أمهات النبي (ص) 1952 والمتنبي وسعدي 1957 وصحيفة الرضا (ع) 1957 وفضولي بغداد 1959 وتراث اقبال 1977 والمتنبي وسعدي (مجلدان) 1957 وعراقيات الكاظمي 1960 وتاريخ المتنبي في الادب الفارسي وسعدي خريج بغداد في العصر العباسي الاخير وغيرها من المؤلفات.

 أما نشاطاته العلمية فقد شارك ومثّل العراق في عشرات المؤتمرات العالمية والأستشراقية والندوات والمجالس العلمية والحلقات الدراسية والمهرجانات الادبية في البلدان العربية والاجنبية منذ سنة 1954 انتخب عضواً باللجنة الادبية في بعض المجامع العلمية في الشرق فقد انتخب عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1956والمجمع العلمي الهندي في علي كرة سنة 1976 كما انتُخب عضو شرف في العديد من المجامع العلمية العالمية منها الجمعية الآسيوية- الملكية في لندن عام 1961.

دخل محفوظ الكلية الشرقية في جامعة ( بطرس بورغ) دارساً اللغة العربية وآدابها لمدة ثلاث سنوات لينال بعدها على لقب (استاذ المستشرقين) وذلك عام 1969، ونال (وسام الثناء) في الثقافة 1957 و (وسام اقبال الذهبي) 1978 وفاز كتابه (المتنبي وسعدي) بجائزة أحسن كتاب لعام 1958 ورشحته جامعة بغداد كلية الآداب لعدة جوائز علمية وأدبية.

كان (رحمه الله) يمتلك ذاكرة عجيبة بقي محافظاً عليها حتى آخر أيامه، فيقول احد مستمعيه (كان ليسرّ الجالسين وهم ما بين طالب علم ومثقف وعالم دين ومستمع وكأنه يعرض أمام ذاكرته شريطاً من الاحداث، وما أثار دهشتنا وأعجابنا انه لم يتلكأ أو يتردد في ذكر تاريخ أو حدث بل لم يتوقف ليسعف ذاكرته)، كما كان رحمه الله كريم الاخلاق متواضعاً (فكانت الابتسامة لا تفارق شفتيه وطالما ختمَ محاضراته أو مداخلاته بطرفة ارتسمت بعدها البسمة على شفاه الجالسين). هذا ما رواه احد المستمعين وهو يلقي آخر محاضرة له في مكتبة الجوادين في العتبة الكاظمية المقدسة عن الامام الحسين (ع).

وفي يوم الاثنين 19/ 1/ 2009 الموافق 23 محرم 1430هـ فاضت روحه الى بارئها في مستشفى ابن البيطار ببغداد عن عمر يناهز الثالثة والثمانين ودُفن جثمانه الثرى في طارمة باب المراد في الصحن الكاظمي الشريف، وقد ألّف فيه الاستاذ حميد المطبعي كتاب (العلامة الدكتور علي محفوظ) وكتب عنه العلامة الشيخ عيسى الخاقاني رسالة بعنوان (العلامة الموسوعة)، كما كتب الأستاذ طاهر الاسدي رسالة عنه ايضاً وطبعت عنه اطروحة وهناك اطروحات اخرى لم تكتب، فمحفوظ موسوعة معرفية متعددة الجوانب تنتظر الكتابة عنها.

شبكة النبأ المعلوماتية- الاربعاء 25/تشرين الثاني/2009 - 27/ذو القعدة/1430

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1430هـ  /  1999- 2009م