أفغانستان أضحت جمهورية الفقر والفاقة، والحرب والدمار، والاقتصاد
المنهار، لا نفط ولا غاز ولا بنية تحتية. الغريب في الأمر أنها أصبحت
اليوم على قائمة الدول الأكثر استراتيجية في العالم! الحقيقة انني
كلّما بحثت في النظريات التي تتكلم عن العمق الاستراتيجي لا أجد
إمكانيةً لهذه الدولة تؤهلها للوصول إلى مرتبة الدولة الإستراتيجية.
يا ترى ما الأسباب الحقيقية التي جعلت هذه الدولة محط أنظار
العالم؟
هذه الجمهورية البائسة لا تنتج سوى المخدرات، وتوصف بأنّها مصدّرة
للجماعات الإرهابية والتكفيرية، ومصدر قلقٍ لجيرانها والدول الإقليمية
والدولية... هكذا يصورها الإعلام الغربي؛ حتى يبرر تدخل وبقاء قوات
الناتو في أراضي هذه الدولة. منذ أكثر من ثلاثة عقود اعتدنا مشاهدة صور
مؤلمة وبشعة عن أفغانستان، فلم نعد نسمع سوى أخبار الخراب والدمار، وما
كاد أن ينتهي الجهاد ضد السوفيات حتى بدأت الحرب بين القبائل والطوائف،
حتى انتهت بسيطرة حركة طالبان على الحكم بقوة السلاح، وبعد إسقاط
حكومتها من قبل التحالف الغربي لم يتوقف مسلسل الفجائع، وعادت الحركة
ورفعت لواء الجهاد ضد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأميركية
والحكومة المدعومة من قبلها في كابول، فوسّعت أنشطتها العسكرية في معظم
المحافظات، وزادت من عملياتها الانتحارية ضد قوات التحالف والقوات
الحكومية مكبّدةً إياها خسائر كبيرة في صفوفها، وبالطبع سقط الكثير من
الضحايا المدنيين.
وفي المقابل نجد أن قوات التحالف التي عزمت على دحر حركة طالبان لم
ترحم كذلك الأبرياء العزّل من الأطفال والنساء والشيوخ. واليوم تنشط
هذه القوات عسكرياً وسياسياً وإعلامياً أكثر من ذي قبل في تحقيق
أهدافها، فمن جانب تشنّ حملات جوية ضد معاقل طالبان باكستان على الحدود
الفاصلة بين الدولتين؛ بهدف قطع الإمدادات عن حركة طالبان - أفغانستان،
ومن جهة أخرى تتحرك سياسياً وإعلامياً لبناء مؤسسات الدولة من خلال
إجراء انتخابات برلمانية ومحلية.
لا شك أنّ الخناق أخذ يشتد على طالبان من عدة جهات، وأنّ سياسة
النفس الطويل التي تتمتع بها قواتها أخذت تضيق نتيجة الضربات الموجعة
التي تتلقاها يوميًا من قبل قوات التحالف. ربما تستطيع قوات التحالف
بصعوبة بالغة وبعد تقديم المزيد من الخسائر على قمع طالبان وتجريدها من
الأسلحة في نهاية المطاف، ولكن هل تستطيع توفير الأمن والخبز لهذا
الشعب الجائع على المدى البعيد؟ هذا السؤال كثيراً ما يتداول في دوائر
صنع القرار في واشنطن ولندن، وخصوصا بين المختصين في الشأن العسكري
والاستراتيجي.
لا شك ان توفير الأمن يتقدم على توفير الخبز، فلا قيمة للخبز من
دون الاستقرار الأمني، ولكن هل تحقق الانتخابات الأمن والخبز في دولة
تعاني الفقر والحرب وترابط على أراضيها الآلاف من القوات الأجنبية، في
ظل ضجيج المدافع والقصف العشوائي بالطائرات للمدن والبلدات؟ يمكن لحلف
الناتو أن يتباهى اليوم بانتصاره السياسي والإعلامي على حركة طالبان
بنجاحه في إجراء انتخابات منقوصة؛ حيث لم يتمكن ثلثا سكان البلاد من
المشاركة في التصويت، فقد استطاعت طالبان قصف 16 مركز اقتراع وتنفيذ 70
عملية هجومية مختلفة في يوم الانتخابات. باعتقادي، هكذا نوع من
الديمقراطيات المفروضة التي تنزل بالباراشوت، وتأتي في ظل الخوف
والرعب، إما بالقصف الجوي من قبل التحالف، أو بالعمليات الإرهابية من
قبل طالبان تبقى مرفوضة، لأنها منقوصة ومشوهة وممتزجة بالدم... (من لم
يمت بالقصف الجوي مات بقنابل الإرهاب، تعددت الأسباب والموت واحد).
من الأجدر على الولايات المتحدة وحلفائها بدل تشويه الحقائق من خلال
الإعلام أن تسعى لإيجاد مخرج سياسي لحل الأزمة الأفغانية تفادياً
للمزيد من الخسائر في صفوف هذا الشعب المغلوب على أمره. ومن دون ذلك
ستبقى الأزمة مفتوحة، وسنبقى نسمع باستمرار حدوث المزيد من الفجائع.
الشعب الأفغاني الغيور يستحق انتخابات حرة ونزيهة بعيداً عن الإملاء
والتهديد والخوف والرعب وتصفية الحسابات، ولكن قبل ذلك يحتاج إلى الأمن
أولاً وأخيراً. |