إن من الحقائق العلمية الحديثة التي توصل إليها العلماء مؤخرا إن
الدماغ الإنساني من أنشط أجزاء الجسم، وانه يتطلب نوعا فعالا من النظام
الغذائي، وان هذا النظام الغذائي يؤثر على الكيفية التي يحقق فيها
الانجازات المختلفة طالما يزوده بسكر الكلوكوز (Glucose)، لذلك فان
الخبراء في هذا الموضوع يوصون عادة الأشخاص أن يتناولوا وجبة فطور جيدة
وغنية بالطاقة قبل مغادرة المنزل إلى العمل، وهو ما لا يعمل بيه كثير
من الناس واتخذوا عدم تناول وجبة الفطور أو تناولها فيما بعد مرور مدة
زمنية طويلة من العمل عادة يومية وهي من العادات غير المفيدة.
ولكل هذه الأسباب فان من الضروري أن يصل الغذاء اللازم وبشكل كاف
يوميا إلى الدماغ ولا يكون ذلك إلا عن طريق الطعام الغني بالمواد
الغذائية المختلفة والمفيدة لعمل الدماغ. فالسلطة الغذائية مثلا والتي
عادة ما يتناولها كثير من الناس بشكل يومي تقريبا تكون غنية بالمواد
المقاومة للاتاكسد (Antioxidants) والمتضمنة البيتاكاروتين
(Beta-Carotene) فضلا عن فيتامين (C) و فيتامين (D) ([1])
من المفيد أيضا أن يحافظ الفرد على دماغه في أوضاع وظروف ممتازة عن
طريق المساعدة في خفض الجزيئات التالفة (Damaging molecules) فعندما
يتقدم الإنسان بالعمر فان قدرة دماغه على الدفاع ضد الأمراض تقل
تدريجيا والتي ربما يتعرض لها بشكل يومي ومتواصل مثل تلف الخلايا (Free
radicals) والاحتراق (Inflammation) والأكسدة (Oxidation)، وهو ربما
المبرر الذي يدعو المختصون في هذا الموضوع إلى الاعتقاد بان الكبار في
السن هم أكثر حاجة إلى نظام غذائي فعال ونوعي مما يحتاجه الشباب بأعمار
اصغر. (1)
فتلف الخلايا الدماغية مثلها مثل السوس الذي يصيب الأسنان مع مرور
الزمان، وانه يصل إلى الأسنان إذا لم يتم تنظيفها بشكل متواصل. ولان
الخلايا الدماغية يصيبها الكبر مثلها مثل بقية الخلايا الجسمية فأنها
أحيانا توقف الاتصال فيما بينها، أو يكون هذا الاتصال ضعيفا، وبوصفه
تأثيرا ضمن هذا المعنى فانه بالتدريج يحدث انخفاض لعمليات المعالجات
الرئيسية في الدماغ ومنها التفكير واسترجاع الذاكرة القصيرة المدى
وتكوين خلايا جديدة، لذا فان مضادات التأكسد ليست أمرا ضروريا للحفاظ
على الصحة العامة فحسب بل الذاكرة الجيدة أيضا.
أما المصادر الجيدة لمضادات التأكسد فتتضمن:
1- فيتامين (A) و بيتا – كاروتين (Beta- carotene) وتتوفر في
الجزر و السبانخ والألياف.
2- فيتامين (C) ويتوفر في الحمضيات والقرنبيط و الفراولة و
الطماطة.
3- فيتامين (E) ويتوفر في البندق والجوز و البذور و الزيت النباتي
و بذور الحنطة.([2])
لقد أظهرت الدراسات المتخصصة في التغذية أن المأكولات الدهنية تسبب
انسدادا للشرايين (arthrosclerosis) وهو نوع من الطعام يعطل فعالية
الخلايا العصبية الدماغية، لذا فانه يتطلب من الفرد أن يغير عاداته
الغذائية لتكون غنية بمضادات التأكسد. والمعني هنا ليس تغيير جميع
العادات الغذائية أو محتوياتها بل التأكد من أن الغذاء الذي يتناوله
الفرد ليس فقيرا بل غنيا بمتطلبات التغذية وحاجاتها. وانه من الجيد اخذ
وجبات غذائية اضافيه بسيطة وغنية بالمواد الغذائية، أي أننا نظيف وجبات
غذائية وليس نغير في النظام الغذائي الفردي بشكل كامل.
من طرائف البحث العلمي المتخصصة في هذا المجال هي تلك الدلائل
والبراهين التي تشير إلى أن أكل السمك بإمكانه حقا أن يزيد من حدة
الذاكرة، فالكثير من الأسماك غنية بالأحماض الدهنية مثل حامض
بولينستريتد الدهني(DHA) والذي يؤدي دورا مهما في نمو الدماغ عند
الأطفال الصغار، وقد أظهرت بعض اختبارات الذكاء المتخصصة أن الصغار
الذين يأخذون كميات كافية من (حامض بولينستريتد الدهني تكون درجاتهم
على اختبارات الذكاء أفضل من الأطفال الذين يأخذون كميات قليلة من هذا
الحامض، ويحتوي السمك أيضا على حامض اوميكا 3 (Omega 3) الدهني والذي
يفتح مراكز اتصال جديدة في خلايا الدماغ العصبية التي تمكن ذاكرة الفرد
من العمل بأقصى طاقتها وفي ذروة أدائها.([3])
ومن جانب مختلف أشارت نتائج مهمة أخرى إلى أن التدخين يؤثر على دقة
قدرة الدماغ على معالجة المعلومات، فالمدمنون على التدخين يتعرضون إلى
مخاطر اكبر لتلف أو ضعف ذاكرتهم الصورية واللفظية، لذا إذا فكر الفرد
بان يدخن عليه أن يتذكر أن التدخين ليس خطرا على صحته العامة فحسب، بل
على وظائف أو ادوار ذاكرته أيضا. فالتدخين والكحول يقودان إلى القلق
والمظاهر العصبية المختلفة وهذه كلها عوامل ربما تعيق المعلومات من
الدخول بشكل مناسب إلى الدماغ، وذلك لان عمل الذاكرة الجيد يكون عندما
يكون الفرد في وضع مسترخي وفي تركيز مناسب.
إن الأهمية التربوية التي يمكن استنتاجها من كل هذه النتائج
البحثية العلمية والجهود الحثيثة لدراسة المؤثرات المختلفة التي تعيق
عملية التذكر تعد بالنسبة للتربويين والقائمين على العملية التربوية
امرا مهما لما للذاكرة من أهمية رئيسية في عملية التعلم، إذ إن من
المتعارف عليه لدى المختصين في هذه المجالات أن التعلم لا يمكن قياسه
إلا بالذاكرة، أي أننا نعلم أبنائنا في المدارس المعلومات المختلفة
ونقوم بعد ذلك باختبارهم لمعرفة درجة تعلمهم، بل إن درجة نجاحهم
واجتيازهم المراحل الدراسية إلى مراحل دراسية اكبر يتطلب منهم اجتياز
هذه الاختبارات المختلفة التي تجرى لهم طوال السنة الدراسية، فإذا كنا
نريد منهم أن يتعلموا جيدا ويوفروا أجواء مناسبة لهذا التعلم، فمن
المهم أيضا أن نعرف الكيفية التي يمكن أن يتذكروا فيها المعلومات التي
علمناها لهم ومنها المؤثرات السلبية أو الايجابية على عملية التعلم
طالما كنا نعد عملية تذكر الطالب للمعلومات هي مقياس تعلمه من معلومات.
ومن هنا تأتي أهمية متابعة تلك النتائج والبحوث للاطلاع عليها
وتعليمها للطلبة وتعريفهم بآثارها المختلفة على تلقيهم للمواد العلمية
وفهمهم و استيعابهم لها، واعتقد أن الدور الرئيس الذي يتبناه المختصون
في هذا الموضوع ليس معلمو المواد الدراسية المختلفة بل المرشدون
التربويون في المدارس فضلا عن أعضاء الإدارة المدرسية الآخرين.
* مركز الدراسات التربوية والأبحاث النفسية
جامعة بغداد
|