فقه العولمة.. دراسة إسلامية معاصرة

الكتاب: فقه العولمة.. دراسة إسلامية معاصرة

الكاتب: الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)

الناشر: مؤسسة المجتبى للتحقيق والنشر/ بيروت / ط1/ 2002

العولمة، هي القضية التي كثر الحديث عنها - فجأة - ليس فقط على المستوى الأكاديمي، وإنما أيضاً على مستوى أجهزة الإعلام والتيارات السياسية والفكرية المختلفة، ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إن هنالك سيلاً أشبه بالطوفان في الأدبيات التي تتحدث عن الموضوع، ولم يعد الأمر يقتصر على مساهمات الاقتصاديين، وعلماء السياسة، أو المهتمين بالشؤون العالمية، بل تعدى الأمر ليشمل مساهمات الاجتماعيين والفلاسفة والإعلاميين والفنانين، وعلماء البيئة والطبيعة.

العولمة في مفهومها العام كما تدل الصياغة اللغوية ذات مضمون ديناميكي، يشير إلى عملية مستمرة في التحول والتغيير، فعندما نقول عولمة النظام الاقتصادي أو عولمة النظم السياسية، أو عولمة الثقافة، فإن ذلك يعني تحول كل منها من الإطار القومي ليندمج ويتكامل مع النظم الأخرى في إطار عالمي، لذلك ينظر إلى العولمة في مفهومها العام على أنها اتجاه متنام يصبح معه العالم دائرة اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية تتلاشى في داخلها الحدود بين الدول، لذلك يمكن تعريف العولمة بأنها: التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة أو الانتماء إلى وطن محدد أو إلى دولة معينة، في حين أن هناك مفهوم للعولمة يركز على أنها: مصطلح بدأ لينتهي بتفريغ المواطن من وطنيته وقوميته وانتمائه الديني والاجتماعي والسياسي. والعولمة بالمعنى الرائج: هي درجة من درجات تطور النظام الرأسمالي العالمي.

علماء التاريخ يقولون: إن العولمة الغربية ليست ظاهرة جديدة بل أن بداياتها الأولى بدأت مع بدء عملية الاستعمار الغربي لآسيا وإفريقيا والأمريكيتين ثم اقترنت بالتطور التجاري الحديث لأوروبا، الأمر الذي أدى إلى نظام عالمي متشابك ومعقد ينادي ويروّج له العديد من المفكرين والعلماء والفلاسفة، فلا غرابة من مساهمات هؤلاء العلماء والمفكرين من اقتصاديين وسياسيين وفلاسفة، لأن قضية العولمة لها من الجوانب والزوايا الكثير مما يثير اهتمام كل هؤلاء خاصة وأن كل كاتب عادة ما يركز تحليله على جانب معين من العولمة، مثل الجانب الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي أو الإعلامي وغيره، لذا يوجد الآن ما يشبه التخصص في تناول العولمة، ومن النادر أن نجد كاتباً أو مرجعاً يتناولها من جوانبها الفقهية، ثم يتطرق إلى جوانب الأخرى دون أن يكون على حساب المستوى العلمي، أو العمق بالتحليل، بيد أن كتاب (فقه العولمة) للإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (تغمده الله برحمته) يجيء استثناء في هذا المجال، لأن سماحته استطاع بجدارة وموضوعية أن يحيط بقضية العولمة من جوانبها المختلفة، من خلال رؤية عميقة ثاقبة وموسوعية واعية إسلامية متحضرة، ذات نزعة إنسانية.

ونحن اليوم في أمس الحاجة إليها عند تناول هذه القضية، بعد أن أفسد الاقتصاديون والتكنولوجيون مفهوم العولمة، وبعد أن ضيقوا أفق الفهم الحقيقي لها، من خلال الطابع السطحي والدعائي الذي تمحورت بعض كتاباتهم حول هذا الموضوع.

جاء في مقدمة الإمام الراحل (قدس سره).. إن الله تعالى شرّع الإسلام وضمنّه كل ما يحتاج إليه الإنسان من اقتصاد وسياسة، واجتماع وعولمة وغيرها، وجعله يمتاز على غيره من الأديان والمبادئ بامتيازات كثيرة، وإن من أهم تلك المميزات هو: الاهتمام بالإنسان وجعله المحور في هذا الكون، حيث سخر له كل ما فيه، وخاطبه بالأحكام والتكاليف، وراعى فيه جانبيه الذين أودعهما تعالى فيه، جانب الروح وجانب الجسم، أو جانب المعنى وجانب المادة.

بينما الغرب ليس كذلك، فإنه - عادة - ينظر إلى الأشياء كلها من الجوانب المادية فقط كما أنه لا يهتم بالإنسان كمحور في هذا الكون، ولذلك جاءت عولمته التي طرح فكرتها وحاول تطبيق نظريتها في العالم خالية من المعنويات، ومن الاهتمام بالإنسان، وإنما تتمحور عولمته حول الاقتصاد والماديات، وترى التنمية والنمو الاقتصادي للبعض فقط هو كل شيء حتى وإن كان ذلك على حساب سعادة الإنسان بل وحياته أيضاً، فكانت عولمته ناقصة، فيها النمو والازدهار الاقتصادي في الجملة للبعض على حساب الآخرين، وليس فيها العدل والأخلاق في الجانب الإنساني.

وعلى أثر ذلك نتج الفقر والحرمان، والجهل والمرض، والحرب والدمار، فملايين الجائعين، وملايين المرضى، وملايين الأميين، وملايين المعوّقين، وملايين المشرّدين والمهجرّين، وما إلى ذلك من المآسي والويلات المترتبة على مادية الغرب ومادية عولمته.

بينما عولمة الإسلام الناظرة إلى الجانب الروحي والمادي معاً، والمراعية للمعنويات أيضاً، والمهتمة بالإنسان كمحور أساسي، جاءت كاملة شاملة تجمع بين النمو والازدهار الاقتصادي، بين العدل والأخلاق في الجانب الإنساني، فهي وحدها الصالحة لإصلاح العالم ولإسعاد العالمين، لأنها تجمع بين النمو والازدهار، والعدل والأخلاق، وقد كتبت هذا الكتاب لبيان هذه الميزة التي تميز بها الإسلام وتميزت بها عولمته الصحيحة والشاملة.

توزعت مباحث الكتاب على مقدمة ومدخل وتسعة فصول حملت العناوين التالية:

مدخل إلى مفهوم العولمة - العولمة الإسلامية - العولمة والمسائل الشرعية - مسائل حول العولمة الثقافية في الإسلام - مسائل حول العولمة الاجتماعية في الإسلام - مسائل حول العولمة السياسية في الإعلام - مسائل حول العولمة الاقتصادية - العولمة الغربية ونقدها - العولمة ونجاه الغرب - الاستنتاجات.

أرشيف الأخبار  |  الصفحة الرئيسية  |  اتصلوا بنا