الصفحة الرئيسية

مجلة النبأ

ملف عاشوراء

 
عاشوراء الحسين 1431هـ
عاشوراء الحسين 1430هـ
 عاشوراء الحسين 1429هـ

  عاشوراء الحسين 1428هـ

  عاشوراء الحسين 1427هـ

  عاشوراء الحسين 1426هـ

  من نبض عاشوراء 1425هـ

  من نبض عاشوراء 1424هـ

  عاشوراء في ذاكرة النبأ

 صور عاشوراء

اتصل بنا

 

 

عاشوراء الحسين بين التحريم الديني والتجريم السياسي

د. أحمد راسم النفيس

تحل علينا في الأيام القليلة القادمة ذكرى استشهاد أبي الأحرار الإمام الحسين بن علي في تلك الواقعة الشهيرة التي جرت يوم العاشر من محرم عام 63 للهجرة.

معلوم أن الاحتفال بهذه الذكرى محصور في المناطق ذات التواجد الشيعي دون غيرها من بقاع العالم الإسلامي رغم أنهم يزعمون أن أهل البيت لا يخصون فريقا من المسلمين دون غيرهم!!.

إنها سياسة التعتيم المفروض أو القتل بالصمت الذي اعتمده النظام الأموي وسار على نهجه اللاحقون ممن يرون في الأمر حدثا لا يستحق الإحياء والتذكر خاصة بعد أن جرى اعتبار الأمر كله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار!!.

الذين يرون في إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين بدعة هم أنفسهم الذين يعتبرون الاحتفال بالمولد النبوي بدعة ومع ذلك فلا أحد يكترث لهم حيث يتذكر المسلمون في هذا اليوم مولد نور الهداية المحمدية التي عمت هدايتها أرجاء الكون.

الأمر لا يرتبط بحرص على الدين وثوابته يتعلق به أصحاب نظرية البدعة بل برغبة عارمة في محو هذا الحدث المفجع من الذاكرة التي يراد لها أن تبقى خاوية من كل حدث يذكر العالم بأنه كان في الأمة الإسلامية رموز وقامات شامخة لم تركن يوما إلى الظلم ولم تستسلم لفراعنة الأمة الذين سعوا لفرض تفسيرهم للدين على جماهير المؤمنين ومن ثم أصبح الغالب على عقل الأمة ذلك التدين السلطوي الذي يقر بحق قيصر المطلق في فعل ما يحلو له وكل ما هو مطلوب منه أن يبقي على هذا الديكور الإسلامي فيفتتح خطاباته بالبسملة وينهيها بالسلام عليكم وما بين ذلك يبقى المجال مفتوحا للسلب والنهب والقتل والمهم هو الشكل وليس المضمون.

شعائر الإسلام

على عكس ما يعتقد أصحاب الثقافة الإسلامية المسطحة فإن كلمة شعائر الله وشعائر الإسلام لا تعني الفرائض كالصلاة والصوم وحسب إذ أن أداء هذه الفرائض تعني من بين تعني إعلان الانتماء للإسلام فضلا عن الوظيفة الذاتية لكل من هذه الفرائض حيث يختلف الصوم عن الحج والصلاة في وظيفته إلا أنه لا خلاف بينها في رمزية إعلان الانتماء للعقيدة والانضواء تحت شعارها.

شعائر الله ورموز الدين يمكن أن تكون بُدنة تذبح أيام الحج (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) الحج 36 ويمكن أن تكون حجرا أو جبلا شهد مشهدا إيمانيا لا يتكرر مثل الصفا والمروة (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا) البقرة 158 وفي كل الحالات يتعين على كل مسلم أن يعظم هذه الرموز وأن يفهم أسرارها ويعي دلالتها وما تمثله من قيم ومبادئ يتعين إبقاؤها حية وفاعلة في حياة الأمة (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ) الحج 32.

وإذا كانت البدن أو الأغنام من شعائر الإسلام فكيف لا يكون قادة الإسلام المضحين العظام كذلك؟!.

كيف لا يكون الإمام الحسين بن علي حفيد الرسول الأكرم محمدا صلى الله عليه وآله رمزا من رموز الدين بعد أن ضحى بنفسه وأهل بيته حفاظا على جوهر الدين ومعدنه الأصيل الذي يرفض الخضوع والإذعان تحت سيف القهر والتسلط.

لم يكن الأمر مجرد رفض سياسي لسلطة أرادت أن تفرض وجودها وقيمها على جمهور المسلمين بل هو رفض المبدأ الإلهي الذي يؤمن بأن الحق هو الأصل وهو الثابت لمبدأ الباطل مهما طال الزمان (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الغُيُوبِ * قُلْ جَاءَ الحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ البَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) سبأ 48-49.

كان على المسلمين ومن يتصدى لقيادتهم فكريا وهم يلهثون الآن من أجل (تحسين صورة الإسلام) أن ينتبهوا لهذه الحقائق حفاظا على حقيقة الدين لا على صورته كونه رسالة الله إلى الخلق التي تأمرهم بالعدل والإحسان وتنهاهم عن الظلم والمنكر والبغي وأي منكر أعظم من أن يقول ابن بنت النبي (لا) لطاغية بني أمية فيقتل على هذه الصورة البشعة ثم لا يكف أدعياء التدين عن القول تلميحا أو تصريحا (هو اللي جابه لنفسه) لا فارق بينهم وبين الجهلة العوام الذين يؤمنون بأن صاحب السلطة والقوة هو الإله المعبود والسيد المطاع.

الآن يخرج علينا بعض المتقعرين يفتشون عن لاهوت إسلامي للتحرير وفاتهم أن أول خطوات الحرية أن يتحرر الإنسان من أسر نفسه وهواه ورغباته المذلة وأن ينفتح على عالم المعرفة لئلا يبقى في أسر الكهنوت السلطوي وأن يسعى للتعرف على طليعة أحرار الأمة وإن لم يجد!!, فليبحث عن هذا اللاهوت في أمريكا اللاتينية أو حتى الشمالية!!.

لاهوت التحرر (مع تحفظنا على المصطلح) يبدأ بتحرير النفس وإطلاق ملكات الذات فما أقبح أن تكون للمرء رغبة تذله وعندها  تتحرر إرادته ونفسه من كل خوف من غير الله عز وجل ومن كل معبود غير الله فتسير بين الناس بنور الله سبحانه وهو سبحانه قد تكفل بإخراج الناس من الظلمات إلى النور وكانت رسالته التي حملها سيد الأنبياء والمرسلين هي رسالة الحرية الإنسانية الواعية المتبصرة التي لا تهرب من سجن لتسقط في سجن آخر.

للذين يبحثون عن (لاهوت إسلامي تحرري) ننصحهم بإعادة قراءة رحلة أبي الأحرار الحسين بن علي عليه السلام وهو ينتقل من ساحة الحضور الإلهي العرفاني بين يدي الله عز وجل يوم عرفة أياما قليلة قبل انتقاله إلى ساحة الحضور الإلهي الاستشهادي يوم عاشوراء وهو يقول: (إِلهِي أَغْنِنِي بِتَدْبِيرِكَ لِي عَنْ تَدْبِيرِي وَبِاخْتِيارِكَ عَنْ اخْتِيارِي وَأوْقِفْنِي عَلى مَراكِزِ اضْطِرارِي، إِلهِي أَخْرِجْنِي مِنْ ذُلِّ نَفْسِي وَطَهِّرْنِي مِنْ شَكِّي وَشِرْكِي قَبْلَ حُلُولِ رَمْسِي .... أَنْتَ الَّذِي أَشْرَقْتَ الأنْوارَ فِي قُلُوبِ أَوْلِيائِكَ حَتَّى عَرَفُوكَ وَوَحَّدُوكَ وَأَنْتَ الَّذِي أَزَلْتَ الأغْيارَ عَنْ قُلُوبِ أَحِبَّائِكَ حَتَّى لَمْ يُحِبُّوا سِواكَ وَلَمْ يَلْجَأَوا إِلى غَيْرِكَ أَنْتَ المُوْنِسُ لَهُمْ حَيْثُ أَوْحَشَتْهُمُ العَوالِمُ وَأَنْتَ الَّذِي هَدَيْتَهُمْ حَيْثُ اسْتَبانَتْ لَهُمْ المَعالِمُ، ماذا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ وَما الَّذِي فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ؟!).

انطلق الحسين بن علي من ساحة الحضور العرفاني الإلهي يوم عرفة بعد أن دعا الله بتلك الكلمات النورانية إلى ساحة الحضور الواقعي العملي في أرض كربلاء ليقرن الأفعال بالأقوال فلا يكون من الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم أو ممن يقولون ما لا يفعلون ليؤكد إيمانه بتلك القيم الربانية الخالدة مخاطبا من حوله من المسلمين: إنه قد نزل من الامر قد ترون، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها فلم يبق منها إلا صبابة كصبابةالإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا يتناهى عنه؟!، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فاني لا أرى الموت الا شهادة ولا الحياة مع الظالمين إلا برما.

كان ولا زال الإمام الحسين رمزا بارزا ومعلما حيا من معالم الإسلام فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فكيف بسيد الشهداء؟!.

نفهم أسباب التجريم السياسي لإحياء ذكرى عاشوراء فكل من اختار بني أمية نموذجا هاديا عليه أن يسعى للتعتيم على ذكرى أبي الأحرار أما ما لانفهمه فهو مسارعة أدعياء الدين لمحاربة رموز الدين بفتاوى التحريم!!.

[email protected]

شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 31/كانون الاول/2009 - 14/محرم/1431

 

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام 1419-1430هـ  /  1999- 2009م

[email protected]