أطفال داعش: أيّ مستقبل لجيل الارهاب؟


ظاهرة تجنيد الأطفال في صفوف بعض التنظيمات الإرهابية المسلحة ومنها تنظيم داعش الإرهابي، ما تزال محط اهتمام واسع خصوصا وان هذا التنظيم الارهابي قد سعى في الفترة الأخيرة بعد ان مني بخسائر عسكرية كبيرة، الى تكثيف عملياته الخاصة بتجنيد الأطفال والأحداث بعد خطفهم او استدراجهم بطرق مختلفة، واستخدامهم في بعض العمليات الإرهابية بعد غسل أدمغتهم، وهو ما اثار مخاوف وقلق العديد من الحكومات والجهات الحقوقية، وقد أظهرت الكثير من الصور ومقاطع الفيديو معسكرات ما يسمّى "أشبال الخلافة"، حيث يقوم التنظيم وبحسب بعض المصادر بإخضاع الأطفال لتدريبات قاسية وتعليهم على استخدام السلاح بمختلف أنواعه، ولكن تبقى المعلومات المتوفرة حول هذه الجانب مقتصرة على ما ينشره التنظيم،

وتتنوع اساليب التنظيمات الارهابية في تجنيد الأطفال، فداعش يعتمد سياسة التجويع وإغراء الأهالي بإرسال أطفالهم مقابل المال.

ومن اساليب التجنيد ايضا، التغرير بالأطفال من خلال المخيمات الدعوية وتوزيع هدايا عليهم والسماح لهم باستخدام أسلحتهم واللعب بها، وقد يخطفون الأطفال ويجرى تجنيدهم ودون علم الأهالي، كما يتم تجنيد أعداد كبيرة من الاطفال الأيتام أو أطفال الشوارع ، كما يتم تجنيد أعداد كبيرة من الاطفال عن طريق الانترنت والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتواجد الأطفال للتسلية والاستكشاف والتواصل مع الآخرين .ومن هنا يكمن خطر عدم مراقبة الأطفال وحساباتهم في هذه المواقع، سواء من الجهات المسؤولة عن مكافحة تجنيد الأطفال أو من قبل الأهالي أنفسهم.

وتعد عمليات تجنيد الأطفال دون ١٥ سنة للقتال أمرا محظورا بموجب القانون الدولي الإنساني وطبقًا للمعاهدات والأعراف، كما يجري تعريفه بوصفه جريمة حرب من جانب المحكمة الجنائية الدولية. كما يُعلِن قانون حقوق الإنسان سن ١٨ سنة بوصفها الحد القانونى الأدنى للعمر بالنسبة للتجنيد ولاستخدام الأطفال في الأعمال الحربية، وتضاف أطراف النزاع التي تجنِّد وتستخدِم الأطفال بواسطة الأمين العام في قائمة العار التي يصدرها سنويا.

عمليات انتحارية

وفي هذا الشأن قال جنرال أميركي إن تنظيم داعش يجبر أطفالا ومعوقين على قيادة شاحنات مفخخة وتفجير أنفسهم وسط القوات العراقية. وأكد الجنرال الأمريكي مات إيسلر أن على تنظيم داعش إجبار السائقين إذ أنه لم يعد يجد متطوعين، وهو دليل على الهزيمة الحتمية للتنظيم الجهادي. وتعتبر الشاحنات أو السيارات المفخخة من أبرز الأسلحة في ترسانة الجهاديين في العراق، كما في سوريا وأفغانستان.

وقال إيسلر "رأينا أشخاصا أجبروا بالقوة على قيادة سيارة مفخخة، دفعوا إلى داخلها وقيدوا بالسلاسل". وتابع "رأينا أطفالا يدفعون داخل السيارات المفخخة كسائقين، أشخاص غير قادرين على المشي (...) لا أعرف إذا ما كانوا وقعوا للقيام بالمهمة". وأشار إلى أن قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لاحظت، في مناسبات عدة، سيارات مفخخة عادت عن هدفها في اللحظة الأخيرة للاختباء خلف مبان. بحسب فرانس برس.

وأوضح الجنرال الأمريكي "وهنا نرى دورية من داعش تقوم بعملية بحث عن السيارة المفخخة التي تعتبر في حالة تغيب من دون سبب (تعبير عسكري)، ونرى قيادة التنظيم تسأل عن مكان تواجد سائق السيارة، ورأينا العديد من السائقين" يختفون. ولفت إلى أن تقييد السائقين تكتيك يبدو جديدا نسبيا لدى التنظيم الجهادي، وظهر مع وصول القوات العراقية إلى ضفة نهر دجلة خلال عملية تحرير شرق الموصل.

مخاوف اوربية

الى جانب ذلك بعدما تعلموا استخدام الكلاشنيكوف وزرع عبوات والمساعدة، بل حتى المشاركة، في اعمال انتقامية نادرة العنف، سيشكل الاطفال الذين دربهم تنظيم داعش عسكريا وايديولوجيا مشكلة امنية معقدة لدى عوتهم الى اوروبا. ففي موازاة تراجع التنظيم ميدانيا تحت ضغوط تحالف دولي، اكد رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس مطلع تشرين الثاني/نوفمبر ان عودة الجهاديين من العراق وسوريا يجب ان تكون "الشغل الشاغل" امنيا "طوال السنوات الخمس وحتى العشر المقبلة".

بدوره، قال المدعي العام البلجيكي فريديريك فان لوف "سبق ان اتصل اشخاص بالسفارات ليتمكنوا من العودة، اغلبهم نساء واطفال" مشددا على الحاجة الى اليات مناسبة للتعامل مع عودة القاصرين "الذين تربوا على العنف". وتخشى اجهزة مكافحة الارهاب ان يصبح هؤلاء الاطفال سواء جندوا بالقوة او بايعاز والدين جهاديين، "قنابل موقوتة حقيقية" بحسب قول المدعي الفرنسي فرنسوا مولانس. كذلك قالت الاستخبارات الفرنسية في مذكرة صدرت اخيرا "منذ اشهر عدة يكثف تنظيم داعش جهوده لتجنيد اطفال مقاتلين وينشر على الانترنت تسجيلات فيديو يبدو فيها مقاتلون يافعون".

واضافت انه من خلال عرض من يسميهم "اشبال الخلافة" يسعى التنظيم الى اظهار قدرته على "استقبال وتدريب (مقاتليه) دينيا وعسكريا" وكذلك "توجيه رسالة الى الدول الغربية" لاثبات "ديمومته". وثمة شريط مصور اصبح رمزا لهذه الدعاية مؤرخ في تموز/يوليو 2015 والتقط في مسرح تدمر الاثري في سوريا، حيث اقدم 25 فتى دون سن المراهقة على قتل رهائن. وبين مئات الاطفال الذين يكبرون في معسكرات التدريب والمدارس القرآنية تم التعرف الى شقيق اصغر لاحد منسقي هجمات 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 في باريس. كما رصد فتى اخر في الـ12 من العمر، هو قريب جهادي قتل سبعة اشخاص في جنوب غرب فرنسا في 2012، لم يبد اي تاثر على وجهه في فيديو اقدم فيه على قتل رهينة.

روى سالم عبد المحسن، رب العائلة العراقي من بلدة الجرف الى جنوب الموصل التي استعادتها القوات العراقية اخيرا من الجهاديين "في صف الرياضيات تعلموا جمع الرصاصات او القنابل". واعتبر مركز كويليام للابحاث المتخصص في الحد من التشدد ان "المسألة لا تتعلق بجيش او باداة دعاية فحسب بل بخلق جيل جديد بالكامل". من جهته اكد الكاهن الكاثوليكي باتريك ديبوا الذي استمع الى شهادات اطفال ايزيديين جندوا قسرا في صفوف التنظيم ان "مخيمات تدريب داعش (تسمية اخرى للتنظيم) هي بمثابة ماكينات لطحن الاطفال لينسوا من اين اتوا" وبالتالي "ليشعروا بالتقارب مع الجلادين ويستعدوا للقتال من اجلهم، في الحياة والممات".

كما وصف في كتابه "مصنع الارهابيين" الحياة اليومية المفرطة العنف لجوتيار وشوان وديار الذين تبلغ اعمارهم على التوالي 9 و14 و15 عاما. وروى ديبوا "اجبروا على النهوض باكرا جدا وتلقي دروس القران قبل تدريبات على الصمود تحت الضرب ثم اخرى متخصصة (كلاشنيكوف، قناصة، زرع عبوات، انتحاري)". واضاف ان كلا من المقاتلين الصغار "يحصل على حزام ناسف على مقاسه وبندقية كلاشنيكوف وقنابل يدوية". كما نقل الكاهن ان ديار اكد له "لم نشعر بشيء. شعرنا اننا كنا داعش"، مضيفا ان الاطفال اجبروا على تناول المخدرات التي كانت بمثابة "سماد كيميائي كي يترسخ ما زرع فيهم". بحسب فرانس برس.

وتقدر اجهزة الاستخبارات حتى الان بنحو 400 عدد الاطفال في منطقة الجهاديين في العراق وسوريا لوالدين فرنسيين او انطلقوا من فرنسا، بينهم 19 على الاقل تم التاكد انهم مقاتلون. وقتل على الاقل ثلاثة منهم في المعارك. واشار جهاز يويوربول لتنسيق انشطة اجهزة الشرطة في الاتحاد الاوروبي ان نحو ثلاثين في المئة من 70 قاصرا هولنديا موجودون حاليا في العراق وسوريا، ولدوا هناك. واعتبر مسؤول كبير في مكافحة الارهاب ان هؤلاء الاطفال الاوروبيين يطرحون "مشكلة مجتمعية" واذا "ظننا اننا سنحل المشكلة برد امني فاننا نخطئ كثيرا".

اطفال فرنسا

من جانب اخر صرح مدعي الجمهورية في باريس، أن عدد القاصرين الذين وجهت إليهم اتهامات في فرنسا، في إطار ملفات مرتبطة بالتيار الجهادي، ارتفع من 13 إلى 51 خلال عام واحد، أي بمقدار أربع مرات تقريبا. وقال المدعي فرنسوا مولان في جلسة استئناف عمل المحكمة الابتدائية الكبرى في باريس، إن هؤلاء إما فتية "سافروا في إطار شبكة سورية عراقية لخوض الجهاد، أو قاصرون منعوا من الرحيل، أو لديهم خطط تحرك عنيفة على الأرض الوطنية". وأضاف أن عشرة منهم ملاحقون لعلاقتهم بالجهادي الفرنسي رشيد قاسم، الذي حرضهم عبر موقع "تلغرام" انطلاقا من المنطقة العراقية السورية، على التحرك في فرنسا.

من جهته، قال جان ميشال هايات، رئيس المحكمة الابتدائية الكبرى، "في مواجهة هذا التطور الذي بدأ صيف 2016 فعليا، وافق سبعة قضاة للقاصرين من أصل 15 على التخصص بمعاجلة هذه الملفات، بينما لم يفكر أي منهم بذلك قبل عام واحد فقط". وتشمل القضايا 1236 شخصا، اتهم منهم 355 بينهم 112 امرأة. أما الآخرون، فيجري البحث عنهم أو صدرت مذكرات بحث أو توقيف بحقهم. بحسب فرانس برس.

وقال مولان إنه في مواجهة ما أصبح "قضية جماهيرية حقيقية"، أعدت إجراءات جزائية شرعية، مثل إمكانية المثول الفوري أمام المحاكم في قضايا تمجيد الجهاد والاطلاع على المواقع الجهادية. كما تحدث المدعي من جديد عن "خطر عودة" الجهاديين الفرنسيين الموجودين حاليا في العراق وسوريا. وقال إن "داعش ضعف، ومقاتليه أصبحوا أقل عددا، والمنطقة التي يحتلها تتقلص بشكل منتظم"، موضحا أنه "سيأتي اليوم الذي سيكون علينا فيه مواجهة عودة الناجين". وأوضح أنه تم حتى الآن رصد 693 فرنسيا بينهم 288 امرأة و20 قاصرا يقاتلون في صفوف تنظيم داعش.

الى جانب ذلك قررت السلطات الفرنسية العودة لنظام العمل بإجبارية ترخيص الأولياء لأولادهم القصر الذين يريدون مغادرة أراضيها بعدما تخلت عنه عام 2012. ويأتي هذا القرار ضمن سلسلة إجراءات اتخذتها فرنسا لتفادي توجه أبنائها القصر إلى أراضي الجهاد كسوريا والعراق للانضمام إلى تنظيمات إسلامية متطرفة. وينص القانون المدني الفرنسي على أن "الطفل الذي يغادر التراب الوطني دون مرافقة ولي أمره" يجب أن يحصل على "ترخيص خروج من الأراضي الفرنسية موقع من أحد الوالدين".

وسيحتاج أي قاصر فرنسي يريد مغادرة فرنسا إلى إثبات هوية (بطاقة هوية أو جواز سفر) وإذن خروج موقع ممن يملك الولاية عليه، ونسخة من هوية المسؤول القانوني الموقع على الترخيص. ويتعين أن يتم في الترخيص تحديد مدة صلاحيته في حدود سنة. وهذا الترخيص سيصبح إجباريا لكل قاصر مقيم بفرنسا مهما كانت جنسيته وسواء كان السفر فرديا أو ضمن مجموعة.

وأوضح بيان مشترك لوزارات الداخلية والعدل والطفولة أن هذا الإجراء يكمل "إجراءات الوقاية من التطرف ومكافحة الإرهاب" بتفادي سفر قصر إلى ساحات نشاط "شبكات جهادية". وفي تشرين الأول/أكتوبر 2016، تم الإبلاغ عن 1860 قاصرا متورطا بتطرف عنيف. وفي أيلول/سبتمبر قدرت أجهزة المخابرات أن عدد الأطفال من والدين فرنسيين أو المنطلقين من فرنسا إلى العراق وسوريا، بـ 400 طفل. وتم التعرف على 19 منهم على الأأقل كمسلحين.

حرب الموصل

على صعيد متصل عندما وصل الأطفال أول مرة إلى منشأة التدريب التابعة لتنظيم داعش في شرق الموصل كانوا يبكون ويسألون عن آبائهم الذين اختفوا عندما اجتاح المتشددون شمال البلاد في 2014. لكن موظفا في ملجأ الأيتام السابق الذي كان يستضيفهم قال إنه مع مرور الأيام بدا أنهم يتشبعون بفكر التنظيم المغالي في التشدد. وأضاف أن الأطفال الذين تراوحت أعمارهم بين ثلاثة وستة عشر عاما ومعظمهم من أبناء الشيعة أو اليزيديين بدأوا يشيرون إلى عائلاتهم بوصفهم مرتدين وذلك بعدما ألقى عليهم المقاتلون المتشددون السنة دروسا دينية.

وجرى فصل الصبيان عن البنات والأطفال الأصغر سنا وخضعوا للتلقين والتدريب على أن يكونوا "أشبالا للخلافة" ليصبحوا شبكة من المخبرين والمقاتلين يستخدمهم المتشددون لدعم عملياتهم العسكرية. وكان المجمع القائم بحي الزهور في الموصل- والذي كان يضم أيتاما من المنطقة قبل أن يطردهم التنظيم - واحدا من عدة مواقع استخدمها المتشددون في أنحاء المدينة. وهو الآن موصد بعد أن أغلقته قوات الأمن العراقية بالأقفال.

وانسحب التنظيم بعد أن شنت القوات العراقية هجوما بدعم من الولايات المتحدة في أكتوبر تشرين الأول لاستعادة المدينة. لكن وخلال إلى المجمع كان لا يزال هناك ما يذكر بمحاولة الجماعة غسل عقول عشرات الأطفال. وعلى أحد الجدران كتب بطلاء أسود "علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل". وبداخل المبنى يوجد حوض سباحة غير أنه جاف ومليء بالنفايات. وفي غرفة أخرى توجد كومة من الكتب الدراسية التي عدلها التنظيم لتناسب جوهر ثقافته الوحشية.

وتستخدم المسائل الحسابية في كتاب الحساب للصف الرابع أمثلة من الحرب في حين وضعت على الغلاف بندقية تكونت من معادلات حسابية. أما كتب التاريخ فتركز فقط على سنوات الإسلام الأولى وتسلط الضوء على الغزوات. كتاب آخر يحمل عنوان "الإنجليزية لداعش" ويتضمن كلمات اعتيادية مثل "تفاحة" و"نملة" إلى جانب "جيش" و"قنبلة" و"قناص". تظهر كلمات أخرى مثل "شهيد" و"جاسوس" و"المورتر" إلى جانب "معبر مشاة" و"يتثاءب" و"إكس بوكس". وجرى تصوير كلمة "امرأة" بشكل أسود غير محدد الملامح ويضع النقاب. وكل الوجوه الموجودة بالكتب- حتى للحيوانات- مطموسة وذلك تمشيا مع حظر لمثل تلك الصور بموجب أفكار التنظيم المتشددة.

وقال الموظف بالملجأ- الذي أجبر على البقاء بعد سيطرة المتشددين على المنطقة في 2014- إن الفتيات اللاتي نقلن إلى المركز كان يتم تزويجهن عادة لقادة الجماعة. وطلب الرجل عدم الكشف عن اسمه خشية انتقام التنظيم. كان الرجل قد أصيب بالرصاص في الساق خلال اشتباكات دارت في الآونة الأخيرة. وذكر أن المتشددين وأغلبهم عراقيون علموا الأطفال الشيعة الصلاة على المذهب السني وأجبروا اليزيديين على اعتناق الإسلام. وقد حفظوا القرآن وتعلموا أن يعاملوا الغرباء على أنهم كفار وكانوا يجرون تدريبات بدنية في الفناء.

وقال سكان إن الملجأ في حي الزهور كان يستقبل دفعات جديدة من الأطفال من خارج الموصل كل بضعة أسابيع ومن بينهم البعض من سوريا بينما كان يتم إرسال الصبيان الأكبر سنا إلى بلدة تلعفر إلى الغرب من الموصل للخضوع لتدريب عسكري مكثف على مهام منها العمل بالمحاكم التابعة للتنظيم أو شرطة الأمر بالمعروف. وقال الموظف بالملجأ وهو يقلب بين أصابعه حبات مسبحة باللونين الأسود والأصفر "بعد ستة شهور في المعسكرات عاد بعض الأولاد لقضاء عطلة أسبوعية مع إخوتهم الأصغر. كانوا يرتدون ملابس رسمية ويحملون أسلحة." بحسب رويترز.

وأضاف أن أحد الصبيان ويدعى محمدا قتل الصيف الماضي في المعارك بمدينة الفلوجة إلى الغرب من بغداد. وذكر أن الأطفال الآخرين بكوا عندما سمعوا النبأ. ومضى يقول إنه قبل بضعة أسابيع من بدء هجوم الموصل ألغت داعش الحصص الدراسية وأرسلت الصبيان لحراسة قاعدة جوية قرب تلعفر سيطرت عليها لاحقا قوات عراقية. وقال الرجل "قلت لهم ‘إذا رأيتم الجيش ألقوا سلاحكم وقولوا له إنكم أيتام لعلهم ينقذون حياتكم‘."

العودة الى الاهل

اسمه أيمن لكن الزوجين اللذين اصطحباه إلى قريتهما العراقية بعد شرائه نظير 500 دولار أطلقا عليه اسم أحمد. وكان متشددو تنظيم داعش قتلوا أو استعبدوا والدي أيمن في خضم اضطهادهم للأقلية الدينية اليزيدية التي ينتميان إليها ثم باعوا الطفل الذي لم يتجاوز عمره أربع سنوات إلى أم وأبي أحمد المسلميْن. وعاش الطفل مع الزوجين لمدة 18 شهرا وظن أقاربه أنه مات. وهناك آلاف اليزيديين فقدوا منذ أن اجتاح المتشددون ديارهم فيما وصفتها الأمم المتحدة بأنها إبادة جماعية. وعندما استعادت القوات العراقية شرق الموصل والمنطقة المحيطة عثرت على أيمن وأعادته لمن تبقى من عائلته.

وكان لم الشمل مليئا بالبهجة والفرح إلا أن انفصام الرباط بين أيمن ووالديه بالتبني جلب حزنا جديدا. وقال أبو أحمد أتت بهم القوات العراقية إلى منزله في الراشدية شمالي الموصل وهو يتصفح صور الطفل على هاتفه المحمول "ها هو يركب دراجة هنا. وها هو واقف في قاعتنا. هذه آلة للتمرين لعب عليها." وأفرغ أبو أحمد محتويات صندوق على السرير الذي اعتاد أيمن أن يشاركه فيه هو وزوجته: ألعاب أطفال على شكل سيارات ومكعبات بناء وكتاب لتعليم الأطفال الخط العربي. وكانت أم أحمد هي التي فكرت في تبني طفل. فالزوجان ليس لديهما أطفال كما أنها سمعت أن داعش تبيع الأيتام في بلدة تلعفر على بعد 40 كيلومترا تقريبا إلى الغرب من الموصل. وقالت أم أحمد التي ترتدي نقابا "هدفي كان إرضاء (الله). أردت للأمانة أن أعلمه ديني الإسلام."

أما زوجها الموظف الحكومي فعارض الفكرة لكنه لم يستطع إثناء زوجته التي ذهبت بمفردها لتشتري الطفل من دار أيتام يديرها المتشددون بمال كسبته من عملها كمعلمة. وعلى الرغم من أن الطفل بكى ولم يرد الذهاب معها فقد استمالته بالقول "هيا..ستكون طفلي. سنعيش معا وسأشتري لك كل شيء." وتعود أيمن تدريجيا على والديه بالتبني اللذين علماه العربية بدلا من اللهجة الكردية التي ينطق بها اليزيديون. وقال الأبوان للناس إن الطفل قريب لهما أتيا به ليعيش معهما وألحقاه بالمدرسة المحلية تحت اسم أحمد شريف لكن كان لا يبرح المنزل إلا نادرا.

وقالت أم أحمد "لقد كان ذكيا حقا. علمته الصلاة والوضوء. هل تعرفون كم حفظ من القرآن؟" لم يريداه أن ينسى من هو بل شجعاه أن يتحدث عن حياته في قريته حردان. لكن أم أحمد قالت "دائما ما حذرته ألا يخبر أحدا (بأنه يزيدي)." وفرضت داعش تفسيرا متشددا للإسلام في الموصل بعد اعتبار المدينة معقلا لها: فحظرت السجائر والتلفزيون والراديو وأجبرت الرجال على إطلاق اللحى والنساء على تغطية أجسادهن من الرأس إلى أخمص القدمين. ووصف التنظيم اليزيديين الذين تشمل معتقداتهم مكونات من عدة ديانات قديمة في الشرق الأوسط بأنهم عبدة للشيطان.

وفي بعض الأحيان سأل أيمن عن بقية أفراد عائلته لكن أم وأبا أحمد لم يعرفا ما حدث لهم باستثناء شقيقة له مراهقة سباها متشدد من تلعفر. وأتى المتشدد بأخت أيمن لتزوره عدة مرات لكن مصيرها الحالي غير معروف. كما لا يعرف مصير أخ غير شقيق لأيمن بيع في دار الأيتام قبله. ومع تسارع الحملة التي تساندها الولايات المتحدة لطرد داعش من الموصل ووصول الفرقة التاسعة بالجيش العراقي إلى الراشدية بدأت الأمور تسير في اتجاه معاكس بالنسبة لأم وأبي أحمد.

فعند دخول القوات القرية وصلت لقائد عسكري معلومة عن احتجاز طفل يزيدي هناك فما كان منه إلا أن أرسل على وجه السرعة جنودا لاستعادته. ولم يكن أمام الوالدين بالتبني خيار سوى تسليمه. ويظهر مقطع مصور للحظة الفراق أيمن وهو متشبث بأم أحمد ومنخرط في البكاء. وفي المقطع الذي قدمته جماعة إغاثة تعمل مع الجيش ناشدت أم أحمد الجنود الذين أتوا لأخذ أيمن أن يدعوه. وقالت "دعوه معي قليلا." ثم حاولت مواساته على الرغم من محنتها قائلة "ستذهب وترى والدتك الآن... وعندما تكبر ستأتي وتراني."

ولا يزال والدا أيمن ومعظم أقاربه مفقودين لكن جدته وعمه يعيشان على أطراف أحد المخيمات العديدة التي نزح إليها اليزيديون بأعداد كبيرة على بعد 50 كيلومترا تقريبا من الراشدية. وظن سمير راشو خلف أن ابن أخته قتل إلى أن رأى منشورا على فيسبوك في 28 يناير كانون الثاني يشير إلى‭‭‭‭ ‬‬‬‬ العثور على طفل يزيدي اسمه أيمن أمين بركات. وقال خلف "لقد صعقت. إنها معجزة. لقد عاد من الموت." وفي نفس الليلة التأم شملهما. ويظهر تسجيل مصور جدته وهي تضرب رأسها بيديها مرارا عندما رأت الطفل قبل أن تحتضنه مجهشة بالبكاء في حالة من عدم التصديق. بحسب رويترز.

وقال العقيد واثق أمجد القائد العسكري الذي أشرف على عملية التسليم "بكينا جميعا". وقال خلف إن أيمن توسل إليه في تلك الليلة حتى يعيده إلى أم أحمد. لكن في زيارة اخرى بدا الطفل سعيدا وهادئا وخجولا في ظل الاهتمام الكبير به. وسئل عما إذا كان سعيدا مع أبويه بالتبني فرد بالإيجاب. ورد بالإيجاب أيضا عندما سئل عما إذا كان سعيدا لعودته لعائلته الحقيقية. وقال خلف إنه يشعر بالسعادة لأن أم وأبا أحمد حافظا على صحة وسلامة أيمن وإنه يشعر بالامتنان لعدم إجباره على التدرب على الأسلحة أو القتال خلافا لما حدث مع كثيرين غيره من الأطفال اليزيديين الذين خطفتهم داعش. لكنه كان غاضبا لعدم محاولة الزوجين بجد أكبر أن يجدا عائلة الطفل ليبلغاها بأنه حي وبصحة جيدة ورفض السماح لهما بالحديث إلى أيمن. وقال "لا نذكرهما (والديه بالتبني) كي ينساهما." لكن أم أحمد قالت إنه لن ينساهما مطلقا كما إنهما لن ينسياه أبدا. وقالت "أتوقع أن يعود."


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (عنف وارهاب)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك