التبريرات الماركسية لإعتبار العمل مصدراً للقيمة


ان نظرية ماركس في العمل تركز على مفهوم فائض القيمة. فائض القيمة هو ببساطة الشكل النقدي لفائض الناتج الاجتماعي، اي، الشكل النقدي لذلك الجزء من انتاج العامل الذي يتنازل عنه لمالك وسائل الانتاج دون استلام اي مقابل.

كيف يتم هذا التنازل عمليا في المجتمع الرأسمالي؟ انه يحدث من خلال عملية التبادل، كما في جميع العمليات الهامة في المجتمع الرأسمالي، التي دائما هي علاقات تبادل. الرأسمالي يشتري قوة عمل العامل بإجور، ومقابل هذه الاجور، هو يستحوذ على كامل انتاج العامل، او جميع القيمة المُنتجة الجديدة التي اندمجت في قيمة هذا الانتاج.

مفهوم فائض القيمة

لذلك نستطيع القول ان فائض القيمة هو الفرق بين قيمة ما ينتجه العامل وقيمة قوة عمله الخاص. ما هي قيمة قوة العمل؟ في المجتمع الرأسمالي، قوة العمل هي سلعة، وكقيمة اي سلعة اخرى، فان قيمة قوة العمل هي كمية العمل الاجتماعي الضروري لإنتاجها وإعادة انتاجها، اي، بعبارة اخرى كلفة معيشة العامل. مفهوم الحد الأدنى لأجور المعيشة او متوسط الاجور يجسد الحاجات التي تتغير مع التقدم في انتاجية العمل. هذه الحاجات تميل للزيادة بموازاة التقدم في التقنية وهي بالنتيجة لا يمكن مقارنتها بأي مستوى من الدقة ضمن فترات مختلفة. الحد الأدنى لإجور المعيشة عام 1830 لا يمكن مقارنته كميا بإجور عام 1960. لا توجد طريقة ملائمة لمقارنة سعر الموتور سايكل عام 1960 بسعر كمية من اللحم عام 1830 ولذلك لا نستطيع القول ان الأول "يستحق" اقل من الثاني.

ومع هذا التحفظ نستطيع الآن التأكيد بان كلفة معيشة قوة العمل تشكل قيمته وان قيمة فائض القيمة هي الفرق بين كلفة المعيشة هذه والقيمة المتولدة من قوة العمل.

القيمة المُنتجة بواسطة قوة العمل يمكن قياسها من خلال معرفة مقدار الوقت المستعمل فيها. اذا كان العامل يعمل عشر ساعات، فهو ينتج قيمة عشر ساعات عمل. اذا كانت كلفة معيشة العامل مساوية لإجوره، فستكون هي ايضا عشر ساعات عمل، عندئذ لن يحصل اي فائض بالقيمة. هذه فقط حالة خاصة لقاعدة عامة: عندما يتساوى مجموع كمية العمل المنتج مع الانتاج المطلوب لإطعام وابقاء حياة المُنتج، فلن يكون هناك فائض بقيمة الناتج الاجتماعي. ولكن في النظام الرأسمالي، تتم انتاجية العمل بطريقة تكون فيها كلفة معيشة العامل اقل دائما من كمية القيمة الجديدة المتولدة. هذا يعني ان العامل الذي يعمل عشر ساعات لا يحتاج ما يساوي عشر ساعات عمل لكي يعيش طبقا لمتوسط حاجات المرحلة. اجوره المساوية تشكل دائما فقط نسبة من عمله اليومي، وكل شيء يتجاوز هذه النسبة هو فائض قيمة، وهو عمل مجاني يقدمه العامل ويستولي عليه الرأسمالي دون تعويض مناسب. اذا كان هذا الفرق غير موجود، فسوف لن يوجد هناك رب عمل يشغل عاملين، لأن شراء قوة العمل هذه لا يجلب اي ربح للمشتري.

صلاحية نظرية قيمة العمل

سنعرض ثلاثة براهين تقليدية لنظرية قيمة العمل.

اولا: البرهان التحليلي analytical proof

هذا البرهان ينطلق من تحليل سعر السلعة الى العناصر المكونة له واظهار انه في حالة تمديد العملية بما يكفي فسوف لن يتبقى سوى العمل.

ان سعر اي سلعة يمكن اختزاله الى عدد معين من العناصر: كلفة اندثار المكائن والبنايات والتي نسميها تجديد رأس المال الثابت، وسعر المواد الخام والمنتجات المساعدة، والاجور، واخيرا، كل شيء فائض عن القيمة مثل الربح او الايجار، او الضرائب وما شابه.

فيما يتعلق بالعنصرين الاخيرين، الاجور وفائض القيمة، من الواضح انهما عمل خالص وبسيط. اما بالنسبة الى المواد الخام، فان معظم اسعارها تُختزل الى عمل، على سبيل المثال، اكثر من 60% من كلفة تعدين الفحم تتألف من الاجور. فلو بدأنا بتجزئة متوسط كلفة تصنيع السلع الى 40% للإجور، 20% فائض قيمة، 30% للمواد الخام و10% لرأس المال الثابت، ولو افترضنا ان 60% من كلفة المواد الخام يمكن اختزالها الى عمل، عندئذ نحن لدينا سلفا 78%(حاصل ضرب 30 في 60%+60) من الكلفة الكلية تختزل الى عمل. باقي كلفة المواد الخام تجزأ الى تكاليف لمواد خام اخرى – تختزل بدورها الى 60% عمل – بالاضافة الى كلفة استبدال المكائن.

سعر المكائن يتألف بدرجة كبيرة من العمل (على سبيل المثال، 40%) ومواد خام (على سبيل المثال، 40% ايضا). حصة العمل من متوسط كلفة جميع السلع طبقا لهذا سيسيرعلى التوالي 83%، 87%، 89.5%، وما شابه. وهكذا كلما اجرينا تجزئة اخرى كلما اتجهت كامل الكلفة لتُختزل الى عمل، والى عمل فقط.

البرهان الثاني هو البرهان المنطقي logical proof

وقد عُرض في بداية كتاب (رأس المال) لكارل ماركس. يثير ماركس السؤال بالطريقة التالية. ان عدد السلع هو كبير جدا. انها سلع قابلة للاستبدال، ويجب ان تمتلك خاصية مشتركة، لأن كل شيء قابل للاستبدال هو قابل للمقارنة وكل شيء قابل للمقارنة يجب ان يمتلك على الاقل خاصية واحدة مشتركة. الاشياء التي ليس فيها خاصية مشتركة هي، حسب التعريف، لا يمكن مقارنتها مع بعضها.

دعنا نفحص كل واحدة من هذه السلع. ما هي الخصائص التي تمتلكها؟ اولا، نجد انها تضم عددا من الخصائص الطبيعية اللامتناهية: الوزن، الطول، اللون، الحجم، الكثافة، باختصار، جميعها خصائص لطبيعتها الفيزيائية والكيميائية والخصائص الاخرى. هل هناك اي من الخصائص الفيزيائية والتي يمكن ان تكون اساس لمقارنتها كسلع، بحيث يمكن ان تعمل كقياس مشترك لقيمتها التبادلية؟ هل يمكن ان تكون الوزن؟ من الواضح انها ليست كذلك طالما كيلوغرام من الزبدة ليس له نفس قيمة الكيلو من الذهب. هل هي الطول؟ الامثلة ستكشف لنا حالا انها ليست اي من ذلك. باختصار، جميع الاشياء التي تشكل النوعية الطبيعية للسلعة، كالنوعية الفيزيائية او الكيميائية، هي انما تقرر قيمتها الاستعمالية، وفائدتها النسبية، ولكن لا تقرر قيمتها الاستبدالية. القيمة الاستبدالية يجب ان تكون بالنتيجة مجردة من كل خاصية ذات طبيعة فيزيائية للسلعة.

النوعية المشتركة والتي يجب العثور عليها في جميع هذه السلع هي نوعية لامادية. استنتاج ماركس هو ان النوعية المشتركة اللامادية في هذه السلع هي في كونها نتاج للعمل الانساني المجرد.

العمل الانساني يمكن تصوره بطريقتين مختلفتين. يمكن اعتباره كعمل ملموس محدد، مثل عمل الخباز والقصاب والاسكافي والحائك والحداد وغيرها. ولكن طالما يُعتقد انه كعمل محدد وملموس، فهو يُنظر اليه وفق مظهره من العمل والذي يخلق فقط قيم استعمالية.

في ظل هذه الظروف نحن نهتم فقط بالخصائص المادية للسلع وهذه هي بالضبط الخصائص غير القابلة للمقارنة. الشيء المشترك الوحيد الذي تتميز به السلع من وجهة نظر الاستبدال هي انها جميعها اُنتجت بعمل انساني مجرد، اي، بواسطة منتجين مرتبطين ببعضهم على اساس من المساواة نتيجة لكونهم جميعهم ينتجون سلع للاستبدال. الخاصية المشتركة للسلع، بالنتيجة، تكمن في حقيقة انها نتاج لعمل انساني مجرد وهذا هو الذي يوفر قياس لقيمتها الاستبدالية. انها بالنهاية، خاصية العمل الضروري اجتماعيا في انتاج السلع والذي يقرر قيمها التبادلية.

هل حقيقة ان جميع السلع المنتجة بالعمل الانساني المجرد هي حقا الخاصية الوحيدة المشتركة، المجردة من خصائصها الطبيعية؟ هناك الكثير من الكتّاب اعتقدوا انهم اكتشفوا خصائص اخرى. عموما، هذه كانت دائما ممكن اختزالها اما الى خصائص مادية او الى حقيقة انها نتاج للعمل المجرد.

البرهان الثالث

البرهان الثالث حول صحة نظرية قيمة العمل هو برهان يعتمد على منطق السخرية. انه مع ذلك الاكثر اناقة واكثر البراهين "حداثة".

لو تصورنا مجتمعا اختفى منه تماما العمل الانساني الحي، بمعنى، مجتمع يتم فيه الانتاج كليا وبنسبة مائة بالمئة بواسطة المكننة. بالطبع، طالما نبقى في المرحلة الانتقالية الحالية، التي يُنجز فيها سلفا بعض العمل كليا بالمكائن، بمعنى، مرحلة لا تشغّل فيها المصانع اي عامل بينما الى جانب ذلك توجد مصانع اخرى لازال فيها العمل الانساني مستعملا، هنا لا توجد مشكلة نظرية، طالما انها مجرد عملية تحويل لقيمة الفائض من شركة الى اخرى. انها توضيح لقانون المساواة في نسبة الربح.

لكن دعنا نتصور ان هذا التطور قد بلغ حده الاقصى وان العمل الانساني جرى ابعاده عن كل اشكال الانتاج والخدمات. هل يمكن استمرار وجود القيمة في ظل هذه الظروف؟ هل يمكن ان يكون هناك مجتمع لا يملك فيه اي فرد دخلا ولكن مع بقاء السلع ذات القيمة والمعروضة للبيع؟ من الواضح ان مثل هذا الموقف سيكون مضحكا. سنكون امام عدد هائل من السلع تُنتج دون ان يؤدي هذا الانتاج لخلق اي دخل، وذلك بسبب عدم اشتراك اي عنصر بشري بهذا الانتاج. ولكن سيبقى احدا ما يرغب بـ"بيع" هذه السلع ولكن دون ان يجد اي مشتري.

من الواضح ان توزيع المنتجات في مجتمع كهذا لم يعد يتأثر بشكل بيع السلع وستصبح عملية البيع دائما هي الاكثر سخافة بسب الوفرة الناتجة عن المكننة العامة.

وبطريقة اخرى، المجتمع الذي يختفي فيه العمل الانساني كليا من الانتاج، بما فيه الخدمات، سيكون مجتمعا خاليا من قيمة الاستبدال. هذا يثبت صلاحية النظرية، لأنه في اللحظة التي يختفي بها العمل الانساني من الانتاج، فان القيمة ستختفي معه ايضا.

* من كتاب: مدخل الى نظرية الاقتصاد الماركسي للكاتب ارنست ماندل، 1973

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (وجهات نظر)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك