هل الأرجحية في التحليل الاقتصادي للرياضيات ام للمنطق؟


اذا كانت العقيدة الارثودكسية الحالية في الاقتصاد هي التأكيد على وجود نظريات كمية قابلة للقياس يمكن اثباتها او تكذيبها بالدليل التجريبي، فان هناك من يرى ان الطريقة الملائمة للتحقق من الحقائق الاقتصادية هي ان تتم عبر الكتابة الابداعية الخلاقة ذات القيمة الفنية العالية.

الرياضيون ومفهوم العقلانية

ان التيار الرياضي في الاقتصاد والذي يشار اليه بالكلاسيك الجدد يولي اهمية كبيرة للرياضيات، هؤلاء الرياضيون يعتبرون الاتجاهات غير الرياضية غير علمية وغير دقيقة. غير ان نجاح هذا الاتجاه في التحليل الاقتصادي كان محدودا جدا. أحد نقاد المدرسة النمساوية(1) مثل Even Bryan Caplan اضطر للاعتراف بان خمسين سنة من هيمنة الاتجاه الرياضي اثبتت بالدليل الميداني ان مساهماته كانت سالبة.

الاتجاه الرياضي جوبه بعدة تحديات. جزء من نظرية الكلاسيك الجدد والتي كانت دائما عرضة للهجوم هو افتراضها السلوك الاقتصادي الرشيد. ما يقصده الكلاسيك الجدد بالسلوك الرشيد يختلف كثيرا عما يقصده النمساويون الذين ينظرون الى الناس باعتبارهم يتصرفون بهدف تحسين اوضاعهم.

فكرة الكلاسيك الجدد حول العقلانية هي ان سلوك الانسان يجب ان يقود الى نفس المحصلة كالكومبيوتر في حساب "احسن" طريقة في استخدام "عوامل المدخلات" لتحقيق "اعظم" المخرجات. هناك الكثير من الجهد والوقت المطلوب في تقرير ما يجب ان تكون عليه متغيرات المدخلات، وكيفية تصنيف وتحديد اعظم المخرجات. التحدي كان ضرورة تعديل النماذج الحالية لتضم متغيرات لمدخلات جديدة، او تغيير ما يُعتبر اعظم المخرجات.

اذا كانت هناك علاقات ثابتة بين الاضلاع الثلاثة للمثلث القائم الزاوية حسب نظرية فيثاغوروس (حيث مربع الضلع المقابل للزاوية القائمة في المثلث يساوي مجموع مربعي الضلعين الآخرين فيه)، فان هذا النوع من العلاقة يختلف جوهريا عن العلاقات المتجسدة بالسلوك الانساني. لا احد من اضلاع المثلث "يؤثر" في طول اي من الاضلاع الاخرى. لايوجد لا في معادلة فيثاغوروس ولا في اي من المثلثات التي يصفها علاقة زمنية مع بعضها. النظر الى الاقتصاد كما لو انه اشكال رياضية ابدية يخلق الكثير من الاضطراب.

هذه الاشكال الرياضية لها وجود مستقل عن الذهن الانساني.ان فكرة الفعل الانساني تختلف هنا لانها تتضمن "قبل" و"بعد"، "سبب" و"نتيجة". لا نستطيع ايجاد اي معنى لخطط الانسان ما لم نفهم ان هناك ماضي فيه للانسان دور كدور البذار في التربة، وهناك حاضر نلمس فيه نمو البذار، و مستقبل يأمل فيه الزارع حصاد ثمار فعله. لابد من وجود أمل لدى الانسان بان فعله سيكون سببا للنتيجة المرغوبة، والاّ سوف لن يفعل شيئا.

الموقف النمساوي

الموقف الميثدولوجي للمدرسة النمساوية هو ان الاقتصاديين يجب ان ينطلقوا منطقيا من اسس واقعية.

المقصود بالاتجاه المنطقي للاقتصاد هو استخدام التفكير المنطقي العقلاني السليم لأن ذلك هو ما يتخيلهُ الذهن الانساني عن العالم. المنطق يساعدنا في التمييز بين السبب والنتيجة. لو حدث (س)، فسيحصل الحدث (ص). الحدث (س) وقع، ولذلك، سيقع الحدث (ص). عندما القي صخرة على خلية نحل، سوف اُجابه بتيار متدفق من النحل الغاضب. واذا لم اواجه حشود من النحل، ذلك لأني لم ارم صخرة على خليته. المنطق يساعدنا في فهم العالم، واكتساب معلومات جديدة حوله، لكي نعيش.المنطق هو وسيلة لا غنى عنها للتحقيق.

ان الاسس الواقعية تبدأ بالاعتراف ان الناس يمارسون الفعل، اي، انهم يستخدمون بوعي وسائل لتحقيق اهداف معينة. هذه الحقيقة البديهية تسمى "مبدأ الفعل" action axiom. فريق المدرسة النمساوية يعتقدون ان هذا هو المبدأ الوحيد في النظرية الاقتصادية. في الحقيقة، انه من خلال عدسة المبدأ نستطيع تفسير حقيقة ما يحدث حولنا حقا. بدون هذه العدسة، او السمة التفسيرية للفكر الانساني، سيبدو العالم عشوائيا بالكامل ومكانا فوضويا، لا يمكن ادراكه.

بعض الاقتراحات المنطقية الاولية لمبدأ الفعل تتطلب فقط الاعتراف بحقيقة ان الفعل الانساني يتضمن ان : الفعل ينطوي على الخيار، الخيار ينطوي على الندرة، ولذلك فان الوسائل هي دائما نادرة. الفعل ينطوي على التقييم، التقييم يتضمن تفضيل شيء معين على آخر، ولذلك تكون القيم ترتيبية Ordinal (بمعنى توضع قيم متدرجة حسب الترتيب تبدأ بأفضل الاشياء اولا ثم يليها الترتيب الثاني وهكذا) مقابل العددية Cardinal (القول كم عدد الاشياء هناك). القيم هي شخصية، وهي عددية، لذلك لا يمكن عمل مقارنات ذات قيم شخصية، الفعل يتضمن تبادلا طوعيا، والذي بدوره يتضمن شيئا ذو قيمة ادنى يتم التخلي عنها لشيء ذو قيمة أعلى، لذلك فان جميع التبادلات الطوعية تجعل كلا الطرفين بوضع افضل. هناك العديد من المعاني المباشرة يمكن تعلمها فيما يخص الظروف الانسانية، وذلك عبر ادراك معنى الفعل الذي يصنع القرار بوعي.

نستطيع القيام ببعض المشاهدات الابتدائية التجريبية بعد الاعتراف بان مبدأ الفعل المسبق يعني: ان هناك ندرة في العالم، وهناك تقسيم في العمل، وان قيم الناس تميل لتتغير بمرور الزمن، النقود موجودة، الناس عموما يفضلون الراحة على العمل. هناك مشاهدات واسعة جدا. انها تساعد في ارشادنا لما نختار من دراسة، وتعمل كمرتكز نعرف به متى نبتعد عن الواقع. بمجرد دمج المشاهدات الميدانية الابتدائية والمضامين المنطقية الابتدائية للفعل، نستطيع الوصول لنظريات شاملة للمقايضة، الاسعار، النقود، الانتاج والنمو الاقتصادي، والمصارف. وبمشاهدات اساسية اخرى وادوات نظرية، نستطيع الحصول على نظريات للحكومة، لدورة الاعمال، المبادرات، الاشتراكية والرأسمالية.

يجب الانتباه بان مجرد كون المشاهدات والادوات المنطقية تبدأ "تمهيدية" و"اساسية" لا يعني ان تطبيقاتها سهلة. ترتيب عدة مشاهدات على رأس كل واحدة منها يجعل تحديد السلسة السببية صعبا.

اخيرا، يستخدم النمساويون المنطق اللفظي (بالضد من المنطق الرياضي) لسبب بسيط: وهو عدم وجود استمرارية في الفعل الانساني. الرياضيات تتطلب علاقات ثابتة بين المتغيرات. في اللغة الطبيعية، نستطيع وصف الأحداث المعقدة والمختلفة عن بعضها قليلا باستخدام تعريفات صارمة، بما يجعل من الواضح جدا طبيعة الخطوات المتميزة في الفعل الاقتصادي. من حيث المبدأ، نحن نستطيع ان نصف بالضبط الواقع الاقتصادي باستخدام اللغة اللفظية. "الناس يستخدمون الوسائل للوصول للاهداف". الاتجاه الرياضي، من جهة اخرى، محكوم عليه باللاواقعية، بسبب عدم وجود الفعل الانساني وبهذا تعمل معظم الرياضيات كمجرد رموز.

يقول البروفيسور كوشران Cochrane ان الرياضيات "تجبر المنطق ليكون منكشفا ". ومع ان المنطق الواضح يثير الاعجاب كهدف، لكن المهم ايضا ان يكون منطقنا سليما. اذا كان (س) اكبر من (ص) و (ص) اكبر من (ع) فسيكون من الواضح منطقيا ان (س) اكبر من (ع). ولكن لو كانت (س) هي القيمة التي يضعها زيد للتفاح، و(ص) القيمة التي يضعها حليم للسيارة، و(ع) تمثل تقييم شخص ثالث للكتب، عندئذ سندرك(نظراً لأن مبادئ الاقتصاد تشير الى استحالة المقارنة بين القيم الشخصية للافراد) ان هذا المنطق لم يرتكز على الواقع، حتى وان كان سليما. الرياضيات "تجبر المنطق ليكون عاريا"، وبما انها لا تستطيع عمل استنتاجات مرتكزة على الحقيقة، فهي طريقة غير مقنعة في التحقيق.

الاقتصاديون النمساويون يركزون على كل من السببية باستخدام المنطق وعلى الواقعية من خلال البدء بمشاهدات عامة جدا حول العالم الحقيقي. ولهذا، فان هذه الطريقة تُعرف بالاتجاه الواقعي السببي في الاقتصاد causal-realist approach.

الاتجاه الرياضي يقوم بنمذجة "وكلاء ممثلين "ذوي "توقعات رشيدة" حول المستقبل، ولديهم "معلومات تامة". هؤلاء الوكلاء يجسدون اصغر وحدة من المستهلكين. اصحاب هذا الاتجاه من الاقتصاديين الرياضيين يبررون افتراضاتهم بانها توفر البساطة. اما النمساويون يجادلون بان هذه الافتراضات تجعل قضايا الاقتصاد الواقعي اكثر قتامة، وتصبح النظريات غير واقعية وبهذا تكون اداة غير جيدة لفهم الواقع. يرى النمساويون ان موضوع الاقتصاد يجب ان يركز على اسباب الاحداث الاقتصادية وليس على الترابطات القائمة بينها. دراسة هذه الارتباطات هي مهمة التاريخ الاقتصادي وسوف لن تكشف عن اي قوانين جوهرية للاقتصاد بسبب عدم وجود علاقات ثابتة في مجال الفعل الانساني.

التيار الرياضي يرى ان الرياضيات تساعد في توضيح الفكر. ولكن عندما نأتي لفهم المشاكل الواقعية التي تؤثر في الناس الواقعيين، فما فائدة وجود فكرة واضحة لمشاكل وهمية لا وجود لها اصلا؟

...........................
الهوامش
(1) المدرسة النمساوية هي مدرسة في الفكر الاقتصادي ترتكز على مفهوم الفردية الميثدولوجية methodological individualism– اي ان الظاهرة الاجتماعية تنتج عن محفزات وافعال الافراد. برزت المدرسة النمساوية في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في فيينا بالنمسا مع اعمال كارل مينجر وآخرين. انها بالضد من افكار المدرسة التاريخية البروسية. من بين المساهمات النظرية الاولى للمدرسة هي النظرية الذاتية للقيمة، والحدية في نظرية السعر، وصياغة مشكلة الحساب الاقتصادي. تؤكد المدرسة النمساوية على ان الخيارات الذاتية للافراد بما فيها المعرفة الفردية والزمن والتوقعات وعوامل اخرى هي التي تسبب جميع الظواهر الاقتصادية. انها تختلف عن المدارس الاخرى التي تؤكد على المتغيرات التراكمية وتحليلات التوازن بدلا من التركيز على الافراد.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (وجهات نظر)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك