هل يستطيع العلم تفسير الوعي؟


يرى البعض ان الوعي لغز محير، بمعنى اننا ليست لدينا فكرة عن ماهيته، غير ان هذا الرأي مشكوك فيه، اللغز هو ليس ماهية الوعي وانما لماذا هو.

من الواضح ان علوم الاعصاب حققت تقدما ملحوظا في فهم الآليات الفيزيقية للدماغ المتصلة بوظائف الذهن الانساني والسلوك المتعلق بها. هذه الآليات الحديثة لتصور الدماغ زودتنا بمجموعة ثرية من الارتباطات بين العمليات الفيزيقية في الدماغ والتجارب التي يمتلكها الفرد.

نحن نعرف، مثلا، ان الفرد الذي يتحفز بتأثير غدته النخامية سيشعر بالجوع. المشكلة هي انه لا احد يعرف لماذا تحصل هذه الارتباطات. يبدو من المعقول تماما ان محفزات الغدة النخامية يمكنها اداء مهمتها في الدماغ بدون خلق اي نوع من الشعور. لا احد لديه توضيح لسبب امتلاك بعض الانظمة الفيزيقية مثل دماغ الانسان للخبرات. هذه الصعوبة اطلق عليها ديفد شالمر بـ "مشكلة الوعي الصعبة" the hard problem of consciousness.

يأمل الماديون اننا في يوم ما سوف نكون قادرين على توضيح الوعي بعبارات فيزيقية خالصة. لكن هذا المشروع حفل بتاريخ طويل من الفشل. مأزق الاتجاهات المادية في المشكلة الصعبة للوعي هي انها دائما تنتهي بتجنب القضية عبر إعادة تعريف ما نعنيه بـ الوعي. هم يبدأون بالإعلان عن انهم سيحلّون المشكلة الصعبىة للوعي وتفسير التجربة، ولكنهم في مكان ما يستخدمون كلمة وعي لتشير ليس الى التجربة وانما الى بعض الوظائف المعقدة المتصلة بها، مثل مقدرة الفرد على فحص موقفه الداخلي او تفعيل المعلومات حول البيئة. ان توضيح السلوكيات المعقدة هي محاولة علمية هامة، لكن المشكلة الصعبة في الوعي لا يمكن حلها بتغيير الموضوع.

وعلى الرغم من هذه الصعوبات، يبقى الكثير من العلماء والفلاسفة متفائلين بان المادية ستسود وان الكأس المقدسة للتفسير الفيزيقي الخالص للوعي هي في متناول اليد. في كل نقطة من هذا التاريخ المجيد اعلن الفلاسفة بان ظواهر معينة يصعب تفسيرها بالعلوم الفيزيقية كالضوء والكيمياء لكنه ثبت لاحقا انها خاطئة عبر المسيرة القوية للتقدم العلمي. لذلك، هناك كل الاسباب للاعتقاد بان الوعي سيذهب بنفس الاتجاه رغم انكار الفلاسفة.

هناك ايضا طريقة اخرى مختلفة للتفكير حول الموضوع. كان الشيء الابرز في الثورة العلمية هو إعلان غاليلو بان الرياضيات هي لغة العلوم الطبيعية. لكنه اعلن عن هذا فقط بعد ان اضفى طابعا ثوريا على الصورة الفلسفية للعالم. قبل غاليلو كان الافتراض العام هو ان المادة لها خواص محسوسة: الطماطم حمراء، الفلفل الاحمر حار، الزهور طيبة الرائحة. من الصعب فهم هذه الخواص المحسوسة في عبارات رياضية مجردة. كيف يمكن للمعادلة الرياضية الاحاطة بطعم الفلفل الحار؟ واذا كان من غير الممكن الاحاطة بالخواص المحسوسة بلغة رياضية فهذا معناه ان اللغة الرياضية لايمكنها ابدا ادراك الطبيعة الكلية للمادة.

الحل الذي وضعه غاليلو هو عزل المادة عن خواصها المحسوسة ووضعها في روح او (ذهن). الرائحة الزكية هي في الحقيقة ليست في الزهور وانما في روح الفرد الذي يشمها، طعم الفلفل الحار هو ليس في الفلفل الاحمر وانما في روح الفرد الذي يتذوقها. حتى الألوان يعتبرها غاليلو ليست في سطح الاشياء ذاتها وانما في روح الفرد الذي يلاحظها. واذا كانت المادة ذاتها ليست لها خواص محسوسة، عندئذ من الممكن من حيث المبدأ وصف العالم المادي بلغة رياضية كمية خالصة. كان هذا مولد الفيزياء الرياضية.

غاليلو بالطبع لم ينكر وجود خواص محسوسة. بل هو اعتبرها تقيم في الروح، كصيرورة خارج العالم المادي وبالتالي هي خارج مجال العلم الطبيعي. وبكلمة اخرى، يكون غاليلو قد خلق علما فيزيائيا بوضعه الوعي خارج مجاله من التحقيق. لو كان غاليلو شاهدا في الزمن الحاضر وقيل له ان الماديين العلميين لديهم مشكلة في توضيح الوعي بلغة فيزيائية خالصة، ربما أجاب، "ذلك صحيح بالطبع، انا خلقت علم فيزيائي بوضع الوعي خارج العالم الفيزيائي". غير ان هذا لايشكل بذاته حجة بعدم وجود تفسيرات فيزيائية خالصة للوعي وانما هو يتجاهل الحجج التي تحتكم للنجاحات التاريخية للعلوم الفيزيائية لكي تدعم الادّعاءات بان المشكلة الصعبة ستُحل في يوم ما بلغة مادية. في الحقيقة، ان النجاح الكبير للعلم الفيزيائي بسبب وضعه الوعي خارج مجاله التحقيقي لايعطينا مبررا للاعتقاد بان المادية يمكنها بجدارة تفسير الوعي ذاته.

لقد جرى استكشاف المزيد من الخيارات الراديكالية، ذلك لايعني التخلي عن العلم، بل انه يعني فقط توسيع مفهومنا عن ماهيته. العدد الحالي من مجلة (الفلسفة الآن) (1) يعرض عمل اربعة فلاسفة متخصصون بالوعي. كل واحد يستكشف بدائل للمادية التقليدية. ان الوقت لازال مبكراً لعلم الوعي وان الزمن سيثبت ان كانت هناك ثمار لأي من هذه الاتجاهات. لكننا في هذه اللحظة نجد ان الحاجة لروح التحقيق الحر من اجل إحراز تقدم في الوعي قد اعيقت بالإصرار الايديولوجي على النموذج المادي materialist paradigm – وهو الاصرار الايديولوجي الذي لايختلف كثيرا عن ذلك الذي عاناه غاليلو من جانب الكنيسة الكاثوليكية في القرن السابع عشر.

.................................
الهوامش
(1) can science explain consciousness? Philosophy Now Aug/Sep2017
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (وجهات نظر)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك