تقلبات السياحة العالمية ومعادلة التوازن الاستثماري


تمثل السياحة عصب التنمية الدائم، والرافد الذي لاينضب والرابط والمحفز لكل قطاعات البلد الاقتصادية، الا ان هذا القطاع سريع التأثر بأي وضع سواء كان سياسياً او اقتصادياً او أمنياً، فعلى سبيل المثال انعكست المقاطعة التي تفرضها أربع دول عربية على قطر على قطاع السياحة فيها، حيث تشهد فنادقها التي تكون في العادة ممتلئة في عطلة عيد الفطر انخفاضا حادا في معدلات الإشغال، وجاء متوسط معدل الإشغال بنحو 57% يوم أمس أول أيام عطلة عيد الفطر، وفق مسح شمل خمسة فنادق كبرى في الدوحة.

من جهته رأى ويل هورتون المحلل المعني بشؤون الطيران، أن مطار حمد الدولي، أحد أكثر المطارات ازدحاما في الشرق الأوسط، سيتعامل في أوائل يوليو القادم مع 76% من الرحلات الجوية التي سجلها في نفس الفترة قبل عام بخسارة قد تبلغ نحو 27 ألف مسافر يوميا، وكانت مئات الرحلات الجوية الأسبوعية من قطر وإليها جرى إلغاؤها بسبب الأزمة، وسيخسر مطار حمد الرسوم التي تدفعها شركات الطيران والمسافرون، وكذلك الإيرادات من متاجر الأسواق الحرة والمطاعم، وتمثل الرحلات الجوية التي علقتها الدول العربية الأربع (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) حوالي 25% من رحلات الخطوط الجوية القطرية المملوكة للحكومة وهي إحدى أكبر ثلاث شركات طيران في المنطقة، وتسعى قطر إلى تطوير سياحة الأعمال والسياحة الترفيهية، كجزء من مساعيها لتطوير اقتصادها بعيدا عن الاعتماد على عوائد النفط والغاز.

أمريكا ستخسر إيرادات بالملايين بسبب حظر السفر

صرح طالب الرفاعي أمين عام منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة إن الولايات المتحدة ستخسر الملايين من إيرادات السياحة بسبب المسافرين الذين سيعزفون عن زيارة البلاد في ضوء الحظر الذي تفرضه على دخول مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة، وذكر الرفاعي الأردني الجنسية أيضا أن الحظر يرجع لأسباب من بينها أن الأمريكيين ليسوا من هواة السفر، وأضاف إن 63 بالمئة من المواطنين الأمريكيين لا يحملون حتى جواز سفر فلماذا نندهش إذن؟...إذا سافرت تتفتح عيناك وينفتح عقلك وتصبح شخصا أفضل، وإن من غير المتوقع أن تتأثر السياحة العالمية بالحظر، فببساطة سيختار السائحون الزائرون للولايات المتحدة وجهة أخرى بدلا منها، لكنه أشار إلى أن الولايات المتحدة خسرت 185 مليون دولار في شهر واحد منذ تطبيق الحظر وستخسر عشرات الملايين كل شهر إذا استمرت مثل هذه السياسات.

وتابع احسب بذلك (خسائر) 12 شهرا - نتكلم عن نحو ربع مليار (دولار) شهريا، وهو رقم هائل، ولا ترجع هذه الخسائر بالضرورة إلى الدول التي تأثرت مباشرة، فيذكر الرفاعي لعلك لا ترغب في الذهاب إلى أماكن لست مرحبا بك فيها، فما الذي يجبرك على هذا؟ الخيارات كثيرة، وأشاد الرفاعي -الذي تنتهي ولايته هذا العام- باليونان لاستقبالها أكثر من مليون لاجئ في ذروة أزمة الهجرة عام 2015، وإن اليونان التي تمضي في خطة إنقاذها العالمية الثالثة منذ 2010 اتخذت قرارا صائبا باستقبالها لهم مضيفا "أعني بصائب هنا الالتزام بالقانون الدولي. هذا هو السبب في أن السائحين لم يعزفوا عنها، ومن المتوقع أن ترتفع عائدات السياحة اليونانية تسعة في المئة في 2017، وتشهد أعداد الزائرين الوافدين إلى البلاد ارتفاعا منذ سنوات رغم العقبات.

السياحة في مصر تتعافى بخجل بعد سنوات عصيبة

بدأ قطاع السياحة في مصر يتعافى بشكل خجول في الأشهر الماضية، ما يمنح املا للعاملين بهذا القطاع الذي تعرض لضربة قاسية جراء عدم الاستقرار السياسي وخصوصا بعد الهجوم الدامي الذي اسقط طائرة روسية فوق سيناء العام 2015، وأكدت الناطقة بأسم وزارة السياحة المصرية أميمة الحسيني هناك زيادة في أعداد السياح. في يناير (كانون الثاني)، كان الوضع أفضل من السنين السابقة، وأوضح العديد من وكلاء شركات السياحة لفرانس برس أن الأرتفاع في أعداد السياح ملحوظ منذ تشرين الأول/أكتوبر الفائت، وخصوصا الآتين من الصين، واليابان وأوكرانيا، ويشكل ذلك انتعاشة للقطاع المتراجع منذ الثورة على الرئيس الأسبق حسني مبارك في شتاء 2011، والذي تعرض لضربة قاسية بسقوط طائرة ركاب روسية فوق سيناء بعد دقائق من إقلاعها من مطار شرم الشيخ في اليوم الأخير من تشرين الأول/أكتوبر 2015، وأدى هذا الهجوم، الذي تم بقنبلة وتبناه تنظيم الدولة الإسلامية، إلى مقتل 224 شخصا هم جميع من كانوا على متن الطائرة. كما تسبب بوقف روسيا كل رحلاتها إلى مصر ووقف بريطانيا رحلاتها إلى منتجع شرم الشيخ، وأدى هذا الحظر الى انخفاض حاد في عدد السياح من 9.3 ملايين سائح العام 2015، إلى 5.3 ملايين العام 2016، وبذلك، انخفضت عائدات السياحة بدورها من 7.3 مليارات دولار في العام المالي 2014-2015 إلى 3.7 مليارات دولار فقط بنهاية العام المالي 2015-2016، بحسب تقرير نشره البنك المركزي المصري في نهاية كانون الثاني/ديسمبر الفائت، لكن منذ تشرين الأول/أكتوبر الفائت، يبدو أن الوضع تحسن قليلا بحسب عاملين في القطاع الذي يشكل أحد أهم مصادر مصر من العملة الصعبة، ففي كانون الأول/ديسمبر 2016، زار 551.600 سائح مصر مقابل 440.000 في الشهر نفسه من العام السابق، بحسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي، وأوضح كريم محسن رئيس الأتحاد المصري لغرف السياحة أن عدد الحجوزات بين تشرين الأول/أكتوبر 2016 وكانون الثاني/يناير 2017 أعلى مما كان عليه في الفترة نفسها في العام السابق.

واكد تامر الشاعر، نائب مجموعة بلو سكاي للسفر أنه بحلول شتاء 2016-2017، تحسن النشاط قليلا، وأشار الشاعر إلى زيادة "30% في السياح الأوكرانيين" مقارنة بالفترة نفسها خلال العام المنقضي، و"60% في السياح الصينين"، مضيفا أن هناك طائرة كل يوم تقريبا من الصين لأسوان، وفي الصين، سجلت أكبر وكالة سفر عامة، خدمة الصين للسفر الدولي، أيضا زيادة بواقع 58% في أعداد السياح الصينين الذي توجهوا الى مصر في العام 2016 مقارنة بأرقام 2015، وفي اليابان، اكدت وكالة السفر "اتش آي إس" أن عدد السياح اليابانيين الى مصر "تضاعف من 4 إلى 5 مرات" بين 2015 و2016.

وفي العام 2010، استقبلت مصر 14.7 ميلون سائح، وهو رقم قياسي أنعش الاقتصاد المصري ب 12 مليار دولار آنذاك، وفي بلد يواجه واحدة من اسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه، بتسجيل معدل تضخم قياسي وزيادة في البطالة، فأن انتعاش قطاع السياحة مجددا سيكون موضع ترحيب، وتبين الأرقام الرسمية أن السياح الروس والبريطانيين شكلوا معا 47% من إجمالي السياح الذين زاروا مصر بين 2014 و2015. كما شكلوا 62% من السياح الآتين جوا الى شرم الشيخ، ومع بداية شباط/فبراير 2017، رفعت أربع دول أوروبية هي الدنمارك، السويد، النروج وفنلندا حظر السفر المفروض على جنوب سيناء، أحد أهم المقاصد السياحية في مصر حيث يستمتع السياح بالشواطىء الخلابة ودفء الشمس ويمارسون رياضة الغطس.

السياح الصينيون سلاح بكين الجديد في الحرب الاقتصادية

كان منع استيراد البضائع مثل المانغو والفحم وسمك السلمون الاسلوب التقليدي للصين منذ وقت طويل في معاقبة البلدان التي ترفض التقرب من خطها السياسي، لكن بكين وجدت في سياحها الذين يقصدون عادة تايوان او كوريا الجنوبية، وهم منتج مربح، وسيلة لالحاق الاذى بالآخرين، ويعتبر محللون ان مقاطعة الصين الاخيرة لكوريا الجنوبية بسبب تركيب منظومة أميركية مضادة للصواريخ على أراضيها يشير الى عدائية متنامية في الطريقة التي تعرض فيها بكين عضلاتها الاقتصادية، فقد منعت بكين الرحلات السياحية الصينية من التوجه الى كوريا الجنوبية، مستهدفة اسواقها السياحية ومحلات السوق الحرة التابعة لمجموعة "لوتي" التجارية العملاقة مالكة الارض التي نشرت فيها المنظومة الصاروخية المثيرة للجدل.

واغلقت العشرات من متاجر "لوتي" في الصين وسارت تظاهرات في انحاء البلاد في وقت عززت فيه بكين الضغوط على سيول للتخلي عن منظومة "ثاد" الصاروخية التي تعتبرها بكين تهديدا لقدراتها العسكرية، كما عانت مجموعة "لوتي" من نكسات أخرى بصدور قرار صيني بوقف مشروعها لاقامة مدينة ترفيهية في الصين بقيمة 2,6 مليار دولار، اضافة الى قرصنة المواقع الالكترونية للشركة، كما أعلنت شركة السياحة الكورية الصينية الدولية ومقرها سيول عن تراجع عدد سياحها بنسبة 85%، وأرجع مؤسسها ذلك الى غضب الصين ازاء منظومة "ثاد"، وتستقبل الشركة عادة 4000 سائح في الشهر معظمهم من الصينيين، لكن الرقم انخفض الى نحو 500 شخص بعد ان حذرت الصين سياحها من مخاطر السفر الى كوريا الجنوبية وأمرت شركات السياحة الصينية بوقف ارسال المجموعات السياحية الى هناك.

وبامكان الصين كثاني اقتصاد في العالم والبلد التجاري الاكبر الحاق الأذى بالدول الأخرى عبر منع استيراد منتجاتها، وتعلمت النروج درسا بالطريقة الصعبة، فبعد ان منحت لجنة نوبل في أوسلو جائزة السلام عام 2010 للناشط الصيني المسجون لو شياوباو، أوقفت الصين استيراد سمك السلمون النروجي، وعادت الأمور الى طبيعتها في نيسان/أبريل الماضي فقط بعد ان تعهدت النروج التزامها سياسة الصين الواحدة واحترام وحدة اراضيها، وأغضبت منغوليا بكين ايضا في تشرين الثاني/نوفمبر عندما استقبلت الدالاي لاما الذي تعتبره الصين انفصاليا، وبعد زيارة الزعيم الروحي للبوذيين في المنفى أتخذت الصين اجراءات انتقامية ضد منغوليا، تضمنت منع الشاحنات المنغولية المحملة بالفحم من عبور الحدود الصينية، وهي خطوة ذات ارتدادات ثقيلة على قطاع المناجم في هذا البلد الفقير.

كما انخفضت اعداد السياح الصينيين الى تايوان بشكل كبير بعد ان ساءت العلاقات على جانبي المضيق، اذ أعلنت مؤسسة تايبيه للفنادق عن تراجع نسبته 50% في عدد الزوار الصينيين في الاشهر الاخيرة، وحذرت من ان "الوضع قد يزداد سوءا"، في المقابل، فان البلدان التي تذعن لطلبات الصين يمكن ان تكافىء، فقد تم رفع الحظر عن 27 شركة فيليبينية لتصدير الفاكهة الاستوائية بعد ان أعلن الرئيس رودريغو دوتيرتي "انفصاله" عن الولايات المتحدة خلال زيارة الى بكين في تشرين الاول/اكتوبر، مؤكدا تقربه من الصين، وكانت العقوبات ضد مانيلا قد اتخذت ردا على موقفها من قضية بحر الصين الجنوبي الذي تطالب الصين بالسيادة على معظمه.

وتأمل كوريا الجنوبية في مكافآت مماثلة بعد ان قام الرئيس الجديد مون جاي-ان بارسال موفد الى الصين مباشرة بعد فوزه في الانتخابات في محاولة واضحة لترميم العلاقات بين البلدين، ويتوقع المحللون ان تصبح الصين أكثر حزما في سعيها لملء الفراغ الناتج عن انكفاء الولايات المتحدة باتجاه سياسة "أميركا أولا" التي يدعو اليها الرئيس دونالد ترامب، لكن في حالة كوريا الجنوبية التي تعتبر الاقتصاد الاسيوي الرابع من حيث الحجم، فان بكين تتوخى الحذر كونها تستهدف قطاعات معينة خشية ان يرتد ذلك على الصين نفسها.

مساهمة دول الخليج من إجمالي حركة السياحة العالمية

سجلت المساهمة المباشرة لقطاع السفر والسياحة في الناتج المحلي الخليجي خلال العام الماضي نحو 51.4 مليار دولار، أي بنسبة 3.7% من إجمالي الناتج المحلي الخليجي، وتوقع مجلس السفر والسياحة العالمي، أن تنمو مساهمة قطاع السفر والسياحة الخليجي بنسبة 3.8% في العام 2017، و4.6% سنويا حتى 2027 لتبلغ قيمتها 83.9 مليار دولار، في وقت بلغت فيه المساهمة المباشرة للقطاع بالناتج المحلي الإجمالي في دولة الإمارات نحو 18.6 مليار دولار خلال العام الماضي، بحصة 5.2%، ومن المتوقع أن تنمو 3.2% العام 2017 إلى 19.2 مليار دولار، و5.1% سنويا حتى 2027 ليصل إلى 31.5 مليار دولار.

وأشار إلى أن حجم المساهمة المباشرة وغير المباشرة لقطاع السفر والسياحة في الناتج المحلي الخليجي بلغ 138.9 مليار دولار خلال العام الماضي، بنسبة 10.1% من إجمالي الناتج الخليجي، ومن المتوقع أن ينمو 5.4% العام الجاري. و4.9 % سنويا حتى 2027 ليصل إلى 236.2 مليار دولار.

وارتفع حجم إنفاق السياح في دول الخليج ليصل إلى 57.7 مليار دولار خلال العام الماضي، وسط توقعات بأن ينمو 4.8% العام الجاري، و5.2 % سنويا حتى 2027، بينما بلغ حجم إنفاق السياح في دولة الإمارات 29.8 مليار دولار خلال العام الماضي، بحصة بلغت 51% من إجمالي إنفاق السياح في دول الخليج، ومن المتوقع أن ينمو إنفاق السياح بالدولة 3.3% العام الجاري، و5% سنويا حتى 2027، أما حجم الاستثمارات في قطاع السفر والسياحة، فبلغ في دول الخليج نحو 38.9 مليار دولار خلال العام الماضي، بنسبة 9.1% من إجمالي الاستثمارات في المنطقة، مع توقعات بأن ينمو 8% العام الجاري و6.8% حتى 2027 ليصل إلى 80.7 مليار دولار.

في حين بلغ حجم استثمارات القطاع في الإمارات، 7.1 مليارات دولار خلال العام الماضي، بنسبة 7% من إجمالي الاستثمارات، ومن المتوقع استقرار حجم استثمارات القطاع بالدولة في العام الجاري عند 7.1 مليارات دولار، وأن يرتفع بنسبة 11% سنويا خلال السنوات العشر المقبلة، وفيما يتعلق بقطاع التوظيف خليجيا، ساهم قطاع السفر والسياحة مباشرة في توفير نحو 1.1 مليون وظيفة في دول الخليج العام الماضي، ومن المتوقع أن ينمو 1% العام الجاري، و2.2% حتى 2027، بينما بلغت المساهمة غير المباشرة للقطاع في مجال التوظيف 2.3 مليون وظيفة، ومن المتوقع أن تنمو 2% العام الجاري و2.4% في 2027.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
فيسبوك