دواعي الخسران في ضوء بصائر قرآنية

بحوث تفسيرية لسماحة آية الله السيد مرتضى الحسيني الشيرازي


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المبعوث رحمة للعالمين محمّد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين. وبعد..

مقدمة

لم يزل كلام الله تعالى المنزل على نبيه المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ أن هبط به أمين الوحي على قلب المصطفى (صلى الله عليه وآله) محط اهتمام ذوي العقول والأفهام، على اختلاف تخصصاتهم ومذاهبهم ومشاربهم، مسلمين وغيرهم، كلٌّ يغترف من هذا المعين الصافي ما يروي به أواره، ويستخرج من أعماقه دررا تنتظم عِقدا على جيد الفكر البشري.

وكان اهتمام المسلمين به أكثر من غيرهم باعتباره معجزاً لرسالة نبيهم (صلى الله عليه وآله)، ودستوراً لحياتهم، ومصدراً أول لتشريعاتهم، وحديثَ صدق ينبئ عن أخبار من مضى، لأخذ العبرة منه، ونوراً يضيء لهم دياجير الحيرة والجهالة، وبركة تشمل بنزولها مجالات حياتهم، وشفاء لما في قلوبهم وأبدانهم، وبهجة تزيل ما تراكم في صدورهم من هموم الدهر وصروفه. ناهيك عن كونه رافداً رئيساً لعلوم ومعارف شتى، كان للقرآن الكريم فضل كبير في تأسيسها أو تهذيبها أو توسيعها، ومن ثمَّ سارع غير المسلمين – فضلا عن المسلمين - من الإفادة منه، ليس فيما يتعلق بعلوم اللغة والبيان حسب، بل وظَّفوا علومه ومعارفه في استجلاء علوم كثيرة، كان لها الدور الواضح في رقي الإنسانية ورفاهيتها.

من أجل ذلك تظهر الحاجة الماسة إلى علم التفسير الذي يتكفل ببيان المعنى الذي يشير إليه اللفظ القرآني. باعتباره المحطة الأولى في الرحلة الإنسانية الدؤوبة للوصول إلى جنات علومه ومعارفه، والتقاط قطوفه، وتناول ثماره التي لا يعتريها نقصان أو ذبول.

ومن الواضح أن التفسير القرآني لا يقتصر على بيان معنى ألفاظه التي يرخي الغموض والخفاء عليها شيئا من سدوله، فإن كثيرا من المفاهيم والموضوعات التي يشير إليها القرآن الكريم، لا يمكن فهمها بسهولة، لدقتها وبعدها عن الحياة الاعتيادية التي يعيشها الناس، كاللوح، والقلم، والعرش، والكرسي، وملكوت السماوات، والخزائن، وغير ذلك. فلا بد أن نستعين في فهمها على من نزل القرآن الكريم في بيوتهم، وتشرفت ملائكة الرحمن بخدمتهم، وأذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

فهو يتكفل – بالإضافة إلى ذلك – التنبيه على المعنى الأقرب والأظهر من بين المعاني المحتملة للفظ القرآني، لو كان هناك معان أخرى محتملة، وإن كان كل واحدة من هذه الألفاظ والعبارات لها ظهور في معناه. لأن قسما كبيرا من ألفاظ وعبارات القرآن الكريم له وضوح وظهور لدى الناس الذين يمتلكون مقومات اللغة الفصيحة السليمة، وإلا لما كان (هدى للناس) أو (نور وكتاب مبين)، أو (يخرجهم من الظلمات إلى النور) فلو لم يكن القرآن الكريم – على نحو الإجمال – مفهوما من قبل الناس، لما أمكن أن يؤدي أهدافه ورسالته العالمية.

وفي الحقيقة إن التفسير القرآني يجمع بين الأمرين، فهو كتاب هداية لجميع الناس، بشرط أن يؤخذ ما فيه عن أهل بيت العصمة والطهارة، ومن قرنهم النبي الأعظم بكتاب الله، وأكد على عدم الانفكاك بينهما إلى يوم ينفخ في الصور بقوله (صلى الله عليه وآله)في الحديث المتواتر عند جميع المسلمين (إنّي مُخَلِّفٌ فيكُمُ الثِّقْلَينِ، كِتابَ اللهِ، وَعِتْرَتي أهلَ بَيتي، وإنَّهُما لَن يَفْتَرِقا حتّى يَرِدا عليَّ الحَوضَ، فانْظروا كَيفَ تُخَلِّفوني فيهِما) [1] وقد روي عن سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) أنه: (سُئِلَ أَميرُ المُؤمنينَ (عليه السلام) عَن مَعنى قَولِ رَسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ): إنّي مُخَلِّفٌ فيكُمُ الثّقلينِ كتابَ اللهِ وَعِتْرَتي، مَن العِترَةُ؟ فَقالَ: أنا وَالحَسَنُ والحُسَينُ وَالأَئِمَّةُ التّسعَةُ مِن ولْدِ الحُسَينِ تاسِعُهُمْ مَهْدِيُّهُم وَقائمُهُمْ، لا يُفارِقونَ كِتابَ اللهِ ولا يُفارِقُهُمْ حتّى يَرِدوا على رَسولِ اللهِ صلّى اللهُ عَليهِ وآلهِ حَوضَهُ) [2]

وعلى الرغم من التوسع الأفقي والعمودي فيما كُتبَ من تفاسير للقرآن الكريم، منذ بدايات تفسيره الأولى عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، حتى انتظم في مدارس ومناهج تفسيرية شتى: كالأدبي، والفلسفي، والأخلاقي، والروائي، والتاريخي، والعلمي وغيرها، كلٌّ قد استوفى منه في مجال تخصصه، نصيبه غير منقوص، حتى عسر إحصاؤها عددا. إلا أن نهجاً من التفسير يبقى هو الأقرب لاطمئنان النفس وسكونها، وهو التفسير المبتني على كلام المعصوم سواء كان بآيات القرآن الكريم نفسها، أم بمن قرنه الله بكتابه واجتباه وعصمه وجعله حجة على عباده، وهم رسول الله وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

فقد تميز المنهج التفسيري للقرآن الكريم وفق مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بأمور امتاز بها عن بقية المناهج والمدارس التفسيرية، منها:

1) النظر إلى القرآن الكريم كونه وحدة لفظية وكلامية متكاملة، بحيث يستعان في فهم بعض فقراته وعباراته بالنظر إلى فقرات وعبارات أخرى، وهو ما يعبر عنه بـ (الوحدة البيانية للقرآن الكريم)، فإن القرآن الكريم كما يصف نفسه (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [3] فهو كلام واحد يعبر عن تصور متكامل للكون والحياة والدين.

2) الاعتماد في بيان التفسير الحقيقي لآيات القرآن الكريم على ما صدر عن النبي وأهل بيت (صلوات الله عليهم أجمعين) من أخبار بيّنت المعاني لكثير من العبارات والألفاظ والمطالب القرآنية. لأن أهل البيت (عليهم السلام) هم المرجع الأمين والوحيد للرسالة والتفسير الواقعي للقرآن الكريم. فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال (وَاللهِ ما مِنْ آيَةٍ نَزَلَتْ في بَحْرٍ ولا بَرٍّ ولا سَهْلٍ ولا جَبَلٍ ولا سَماءٍ ولا أَرضٍ ولا نَهارٍ إلا وأنا أَعلَمُ فيمَنْ نَزَلَتْ وفي أيِّ شيءٍ نَزَلَتْ) [4]

3) النظر إلى القرآن الكريم بأنه الكتاب المواكب لضرورات كل عصر ومتطلباته، بما يرافق ذلك من تغيّرات فكرية ومستجدات ثقافية وتطورات علمية، لأنه الكتاب الإلهي للرسالة الخاتمة، والمعجزة الخالدة للنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله). قال تعالى (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [5]

وهذا المنهج التفسيري المستنير بكلام الله تعالى وسيرة المعصومين (عليه السلام)، والمتوافق مع حكم العقل، والمواكب لتطورات الحياة بشتى ميادينها العلمية والتطبيقية، هو ما يميز هذه المحاضرات التفسيرية الموضوعية التي ألقاها سماحة آية الله السيد المرتضى الشيرازي (دام ظله)، على طلبة بحثه، مضافا إلى ما تميزت به من وضوح في العبارة وقوة في التعبير وبراعة في إيصال المطالب العلمية بأيسر الطرق. وقد تعرضت هذه المحاضرات الى الدواعي والأسباب التي تردي الإنسان في مهاوي الخسران، خصوصا ما يتعلق منها بمدعي السفارة عن الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، التي أصبحت في زماننا هذا (ظاهرة) ترتّب عليها الكثير من المفاسد والسلبيات، وتسببت بالعديد من الانحرافات في العقيدة، وسفكت من جرائها الدماء، وانتهكت الحرمات. فجاءت تلك المحاضرات مستنيرة بهدي القرآن الكريم، ومسترشدة ببصائره لتظهر ما سلطت الآيات الكريم من أضواء تظهر جوانب الحق فيها وتمييزها عن أباطيل مدعيها، وتكشف ما يتوارى عن الأنظار، وتوضح ما يلتبس على الناس من شُبَه يرتدي فيه الباطل أردية الحق.

ولم يكن لنا من فضل في تقرير هذه المحاضرات الشريفة إلا بمقدار تخريج الآيات والأقوال وشرح بعض المفردات التي تحتاج إلى مزيد بيان في كشف المراد منها. ومنه تعالى نستمد العون، ونسأله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

الآية الأولى

يقول الله تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [6]

بصائر حول الآية الكريمة: الجمع بين الشدة والرحمة في آيات القرآن الكريم في حق الكفار من جهة، وفي حق المؤمنين من جهة أخرى. فهنا جمعان:

1- الجمع بين الشدة والرحمة على الكفار.

وذلك بملاحظة قوله تعالى في الآية المتقدمة (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ). فإن سؤالا يبرز على ضوء إشكال متوهم حاصله: أن قوله تعالى(أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) لا تنسجم من جهة مع آيات أخرى تنفي الشدة عن الكفار، من قبيل قوله تعالى (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [7]

فمع كونهم كفارا، فإن الله تعالى لا ينهى عن البر إليهم والقسط في حقهم، مع أن البر والقسط ليسا شدة عليهم.

2- الجمع بين الشدة والرحمة على المؤمنين.

وذلك بملاحظة قوله تعالى(رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) في الآية محل البحث، وقوله (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) [8] فإن قتال المؤمنين ليس رحمة لهم، بل هو شدة معهم ونقمة عليهم.

توجيه الجمع

هناك وجوه للجمع، نذكر منها:

الوجه الأول: تقييد العام بالخاص(الخروج الحكمي) [9]

إن قوله تعالى(أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) قاعدة وأصل عام، لها مستثنيات، منها الآية الشريفة (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)

فان الكفار على أقسام، باعتبار قتالهم إيانا وإخراجهم لنا من ديارنا. والقسم الذي لم يقتل المؤمنين ولم يخرجهم من ديارهم هو القسم المستثنى من قانون الشدة في الآية الشريفة. مع ملاحظة أن المستثنى من الشدة على هذا القسم من الكفار هو حصة خاصة منه، وهو: البر والقسط. لا مطلق عدم الشدة [10]

وكذلك الأمر في الجمع بين الشدة والرحمة على المؤمنين; فإن قوله تعالى(رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) هو قانون عام إزاء المؤمنين، خرج منه من بغى ولم يرضخ للإصلاح والصلح، فإنه يقاتل حتى يفيء إلى أمر الله.

الوجه الثاني: الخروج الموضوعي أو ما هو بمنزلته [11]

بأن يقال: إن هناك موضوعين مختلفين جوهرا، ولكل موضوع حكمه الثابت له، باعتبار أن الحيثيات الدخيلة في ثبوت الحكم للموضوع هي حيثيات تقييدية فتكون جزء الموضوع [12]

توضيح ذلك: ان تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلية [13]، ففي قوله تعالى(أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) نجد أن الحكم بالشدة منوط بعنوان(الكفار) وذلك ليس لجوهرهم وإنسانيتهم، بل من حيث كونهم كفارا. ولذلك لو طرأت حيثيات أخرى عليهم، كما لو أحسنوا الى المسلمين، فلا بأس بالبر والإحسان إليهم. وفي مثل ذلك تعود الحيثية التعليلية الى حيثية تقييدية [14]

وكذلك قوله (وَالَّذِينَ مَعَهُ) فإن المعية قد تكون زمانية أو مكانية أو غير ذلك، فمن كان مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) زمانا أو مكانا لا يمنع أن يتصف بالكذب أو النفاق، فلا تشمله الرحمة في قوله تعالى (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ).

وهذا الخروج – موضوعا أو حكما - نفسه يحصل في مسألة الشدة مع الكاذبين في شؤون الدين، وقد أشير إليه في رواية زرارة " قال: كنت قاعدا إلى جنب أبي جعفر (عليه السلام) وهو محتب مستقبل الكعبة، فقال: أما إن النظر إليها عبادة فجاءه رجل من بجيلة يقال له: عاصم بن عمر فقال لأبي جعفر (عليه السلام): إن كعب الأحبار كان يقول: إن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل غداة، فقال أبو جعفر (عليه السلام): فما تقول فيما قال كعب؟ فقال: صدق، القول ما قال كعب فقال أبو جعفر (عليه السلام): كذبت وكذب كعب الأحبار معك وغضب ; قال زرارة ما رأيته استقبل أحدا بقول كذبت غيره.. " [15]

فإن الأصل هو الرفق واللين مع الآخرين، ويستثنى من ذلك ما لو ابتدع شخص بدعة في الدين، فإن من الواجب مجابهته والرد عليه بكامل الحزم والشدة.

الآية الثانية

يقول الله تعالى (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) [16]

بصائر حول الآية:

البصيرة الأولى: في فقه اللغة لبعض مفردات الآية الكريمة

1- المقصود من (الضَّلال) [17] في الآية الكريمة

فإن الآية الكريمة عبّرت بـ (ضَلَّ سَعْيُهُمْ) التي لا تعني الانعدام والاضمحلال، ولم تعبر – مثلا – بعبارة (فنيت أعمالهم).

ولعل من النكات في ذلك أن الضلال يدل على بقاء الجوهر والذات، وإضاعة الهدف وفقد المقصد. فقولنا(فلان ضل في الصحراء) فإنه لا يعني أنه اضمحل أو فنيَ، بل تعني أنه موجود لكنه أخطأ مقصده.

فقوله تعالى(الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ) يفيد أن السعي باق بذاته، لكنه ضلّ مقصده وأضاع هدفه.

ولعل في ذلك إشارة دقيقة الى بقاء الأعمال وتجسمها [18]، وقد ثبت ذلك علميا أيضا، فمن كذب كذبة واحدة، فإنها لا تفنى بمجرد انتهاء الكلام، بل تبقى في الأرشيف الكوني وهو (الأثير) الذي يختزن كل شيء ويحفظه. ويمكن تقريب الفكرة للذهن بالتسجيلات الفيديوية التي تحفظ الصور المتحركة وتبث بعد عدة سنين أو عقود.

بل لو تاب الإنسان من ذنبه فإن أثره يبقى ولا يفنى، لأن التوبة ترفع العقوبة والمؤاخذة، أما الأثر الوضعي فباق. نعم، وردت في روايات كريمة طرقا لإزالة هذه الآثار الوضعية [19]

2- دلالة إضافة (آيات) إلى (الرَّب)

لعل الوجه في إضافة (الآيات) إلى (الرب) في قوله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ)، إشارة الى العلة في كونهم (الأخسرين أعمالا).بمعنى أن العلة والسبب في كونهم (أخسرين أعمالا) هو أنهم (كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ) المربي لهم والمنعم عليهم [20]. فإن الذي يكفر بالعلامة التي جاءته من مربيه والقيم عليه والمدبر له، هو أشد كفرا وأعظم خسارة ممن يكفر بالعلامة التي جاءته من غيره ممن لا يمتلك هذه الصفات.

وبعبارة أخرى: حيث أذعن الإنسان إلى أن الله تعالى هو ربه والمنعم عليه والقائم بكل شؤونه، فلا بد أن يؤمن بكل آياته وأوامره ونواهيه، فإذا كفر بها فسيكون أخسر أعمالا من غيره.

3- وجه جمع (آيات)

هناك وجوه تنبثق عن التدبر في وجه عدم ورود(آيات) بصيغة المفرد في قوله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ)، منها:

● ان الكلام عن الجميع في مقابل الجميع، فكل جماعة من المبطلين يكفرون بآية أو آيات مختلفة من آيات الله، فهذا ينكر التوحيد، وذاك ينكر النبوة، وآخر ينكر المعاد، وهكذا.

● ان الحكم والجزاء في الآية الكريمة وهو كونهم (الأخسرين أعمالا) معلّق على الكفر بالآيات دون الآية الواحدة

● ان الكفر بآية واحدة يجر – عادة – الى الكفر بآيات أخرى. وذلك لأن موجة التشكيك إذا بدأت فإنها لا تتوقف عادة عند حدّ، ما لم تتدارك بالعلاج.

وقد رأينا بعضهم يبدأ بالتشكيك في حكم من الأحكام أو في آية أو رواية واحدة، ثم انتهى به الأمر إلى إنكار الإمامة أو النبوة وغيرها من أصول الدين، وقد يصل الأمر الى الإلحاد [21]

ان إحساس البعض بالضغط المجتمعي المحلي أو العالمي باتجاه تحليل المحرمات وتحريم المحللات، وابتلائه شخصيا بمواقف محرجة، دفعهم – بصورة شعورية أو غير شعورية – الى التشكيك.

البصيرة الثانية: الكفر بالمعنى الأعم

الآية الشريفة تنقح موضوع الآية الشريفة الأولى، فإن متعلق الشدّة في قوله تعالى (أشدّاء على الكُفّار) هو (الكفار). والآية الثانية (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) تنقح موضوع الآية الأولى، وتذكر الكفر بدائرته الواسعة

من مصاديق (الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا):

1- الجاهل المركب أو القريب منه [22]

ان الآية الشريفة تعتبر من هو جاهل مركب أو القريب منه هم من (الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا). أي الذين يتصورون أنهم بالفعل على حق.

وقد يقال: من الممكن أن يستفاد التعميم من قوله تعالى (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) لتشمل ما هو أعم من الجاهل المركب. بمعنى أن لدينا قسمين:

أحدهما: القاطع بالفعل [23].

ثانيهما: شبه القاطع [24]. بحيث لو بحثت في أعماق وجدانه لوجدته شاكّا، وليس قاطعا حقيقة. لكنه يسير بالأمر وكأنه قاطع، وفاقا للجو المحيط به، أو لما شاهده وتخيل أنه حجة.

2- أهل البدع من الكافرين وغيرهم.

ويمكن أن يساعد على هذا الفهم الإطلاق في قوله تعالى (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)، أي مطلق الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا.

كما أن الروايات الشريفة تبرهن ذلك أيضا، فقد جاء في تفسير الصافي في تفسير هذه الآية، قال: (ضاع وبطل لكفرهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا لعجبهم واعتقادهم أنهم على الحق) [25]

وفي تفسير القمي، قال (نزلت في اليهود وجرت في الخوارج) [26] [27]

وعن الباقر عليه السلام: هم النصارى والقسيسون والرهبان وأهل الشبهات والأهواء من أهل القبلة والحرورية وأهل البدع [28]

فالآية – إذن – عامة تشمل أهل البدع وأهل الشبهات والأهواء من أهل القبلة [29].

وفي (الاحتجاج) عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه سئل عن الآية، فقال(عليه السلام) (كَفَرة أهل الكتاب، اليهود والنصارى، وقد كانوا على الحق فابتدعوا في أديانهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ثم نزل عن المنبر وضرب بيده على منكب ابن الكوا. ثم قال: يا بن الكوا وما أهل النهروان منهم ببعيد) [30]

وفي عيون [31] أخبار الرضا(عليه السلام)، فيما كتبه للمأمون، يجب (البراءة من أهل الاستئثار ومن أبي موسى الأشعري [32] وأهل ولايته (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك كفروا بآيات ربهم) وبولاية أمير المؤمنين عليه السلام ولقائه كفروا بان لقوا الله بغير إمامته (فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) فهم كلاب أهل النار والبراءة من الأنصاب والأزلام أئمة الضلالة وقادة الجور كلهم أولهم وآخرهم) [33]

البصيرة الثالثة: هل المعاند من (الأخسرين أعمالا)

هناك إشكال علمي يقول: ان المعاند العالم العامد المخالف – وجدانا وبداهة – أسوأ وأخسر عملا من (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)، وهم أصحاب الجهل المركب أو القريب منه، كما هو ظاهر الآية.

وإذا كان المعاند أسوأ وأخسرا عملا من (الضال) الجاهل المركب، فكيف تصف الآية الكريمة الجاهل المركب(الضال) بأنه أخسر عملا، مع عدم تعرضها للمعاند العالم العامد، مع أنه(أي المعاند العالم العامد) أولى بوصف(الأخسرين أعمالا) من الجاهل المركب؟

ومقدمة للجواب نقول: إن أصناف الناس من حيث العلم والجهل أربعة:

الأول: الجاهل البسيط. وهو من لا يعلم، وهو يعلم بأنه لا يعلم.

وعلاج هذا النوع سهل، لأن معرفة الداء نصف الدواء، ومعرفة المريض بمرضه هو نصف الحل.

الثاني: الجاهل المركب. وهو من لا يعلم، وهو لا يعلم بعدم علمه زاعما أنه يعلم.

وعلاج هذا النوع صعب الى حدّ كبير.

الثالث: الجاهل الشبيه بالمركب. وهو برزخ بين القسمين السابقين. أي هو الجاهل المركب المشوب جهله ببصيص نور. كمن يعتقد – مثلا – بنسبة (99%) أنه على حق، ويحتمل بدرجة(1%) فقط أنه على باطل. لكنه يقوم بإلغاء هذا الاحتمال، ويبني على أنه على حق (100%). والكثير من الناس على هذه الشاكلة، ولذا ذهب الكثير من العلماء الى عدم وجود جاهل قاصر حقيقي، بدعوى أنهم من هذا القسم من أنواع الجاهل الشبيه بالمركب.

ولعل الآية الشريفة تشير الى هذا القسم، أي الذي(ضلّ)، وهو ما بين الجاهل البسيط والجاهل المركب.

الرابع: وهو العالم المعاند، وهو الجاحد. وهذا هو أسوأ الأقسام بحسب الظاهر.

أما الجواب، فنقول: ان هناك وجوها للإجابة، نذكر منها:

أولا: ان الحصر – هنا – حصر إضافي وليس حقيقيا، أي أن (الأخسرين أعمالا) لا ينحصرون حصرا حقيقيا بـ (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) وعليه ليس المراد ب(الأخسرين أعمالا) ما يقابل المعاند، بل من الممكن أن يشمله، ويكون المقابل للأخسرين أعمالا هو الجاهل البسيط، فيدخل فيه – حينئذ- المعاند العامد العالم، والجاهل المركب، والجاهل الشبيه بالمركب، وهو الممسوخ فكريا، وهو – قطعا – أسوأ من الجاهل البسيط، لأن فعله خطأ، كما أن نفسه مشوبة وملوّثة.

ثانيا: أن نلتزم بأن الحصر حقيقي، أي أن أصناف الجاهل البسيط والجاهل المركب، والقريب منه، هم الأخسر عملا، من المعاند العالم العامد. ويتضح هذا الأمر بعد أن نسوق مثالا لتقريب الجواب، حاصله:

لوكان هناك شخصان في الصحراء، يعلم الأول منهما بأن هذا الطريق متاهة توصل الى مسبعة [34] أو قطاع طرق، لكنه رغم علمه بذلك، أصرّ على السير في ذلك الطريق الخطر عنادا، والثاني يعتقد بأن الطريق سالك لا مشكلة فيه، بل ان به النجاة، وذلك اعتمادا على معلومات خاطئة اطمأن إليها، أو بوصلة غير منضبطة تصورها وثيقة.

وهنا. سنجد الفارق بين الشخصين [35] كبيرا. فإن الجاهل الذي يحسب أنه يحسن صنعا بسلوكه هذا الطريق الخاطئ لهو أسوأ حالا من العالم المعاند، وأكثر خسارة منه من جهات:

الجهة الأولى: أنه يغذ السير[36] ويسرع في المسير الذي سيؤول به الى الوصول للمسبعة والهلاك فيها أسرع. لأنه يتوهم أن بذلك النجاة.

الجهة الثانية: سوف لا يتوقف ليتمتع بالمباهج والمناظر الجميلة أثناء الطريق، لأنه يعتقد أن الخلاص من الأخطار لهو في سرعة طي هذه البيداء، وان الجنة والسعادة في الوصول الى تلك المسبعة التي تصور أنها هي الجنة المنشودة.

وفي المقابل نجد أن العالم المخالف المعاند، لا يجد داعيا أيدا لكي يغذ السير لأنه يعلم أنه سيصل الى المسبعة المهلكة، فلا يرى بأسا في التمهل لفترة قد تطول أو تقصر، كما أنه يجد وقتا طيبا كي يستمتع بالملذات أثناء الطريق.

وهذا مما يلقي الضوء على حال أتباع الفرق الضالة، الذين يضحون بكل شيء في سبيل المعتقد الباطل، لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فيما نجد أن رئيس تلك الفرقة الضالة، حيث أنه عالم ببطلان مسلكه وضلاله، فلا يضحي بحياته ولا بثرواته ولا بموقعه، بل نجده حريصا على الاستمتاع بمباهج الحياة.

ويشهد لذلك: ما قد يظهر أن أكثر الانتحاريين الإرهابيين هم من المضلّلين المخدوعين، فتجدهم يفجرون أنفسهم ليقتلوا العشرات من الأبرياء والصالحين، من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) أو من غيرهم، متوهمين أنهم بذلك يحسنون صنعا، وأنهم سيصلون بذلك الى الجنة سريعا بزعمهم. أما الذين يعلمون منهم بأنهم على باطل فنادرا أن يستعد أحد منهم أن يفجر نفسه، لعلمه بمصيره الى النار.

الجهة الثالثة: والصدمة ستكون أكبر وأعظم عند الجاهل، لأن العالم كان قد أعدّ نفسه لمواجهة تلك النتيجة، بينما سيتفاجأ الجاهل بالعاقبة الوخيمة التي كان يحسبها الجنة والسعادة.

ومن هنا يحسن معرفة الدقة في الآية الكريمة في قوله تعالى(الأخسرين أعمالا).

لماذا التعبير (الأخسرين أعمالا)

ان الآية الشريفة قالت(الأخسرين أعمالا) لم تقل (الأخسرين أنفسا) مع أن النفس أغلى ما يمتلك الإنسان ويفتديها بأعز الأشياء إليه. وذلك لأن المعاند عقوبته أشد، أما الجاهل البسيط، والجاهل المركب، والشبيه بالمركب، فهو أخف عقوبة منه، لمكان جهله.

البصيرة الرابعة: دركات الخسران

تقدم في البصيرة السابقة أن (الأخسرين أعمالا) تشمل الجاهل بالجهل المركب، والجهل القريب من الجهل المركب. ونسأل في هذه البصيرة: لِمَ كانت هذه الفئات من الجاهلين هم (الأخسرين أعمالا)؟

نقول: ان هناك جهات من الخسران اجتمعت فيهم فجعلتهم (الأخسرين أعمالا) وهي: خسارة الأصل والأرباح والآمال والأعمار والتجربة.

توضيح ذلك: ان الإنسان تارة يخسر الربح، لكنه لا يخسر رأس المال. فهو في مقياس الربح والخسارة يعدّ خاسرا، لكنه أقل الخاسرين تضررا.

وتارة أخرى، يخسر الإنسان الربح ورأس المال، من غير أن يخسر عمره [37]. وهذا أسوأ حالا من سابقه. كمن أعطى ماله لشخص آخر ليتاجر به، فخسر الربح ورأس المال، لكنه لم يخسر أوقاته، إذ كان يستغلها بأمور نافعة كالتعلم أو العمل.

وتارة ثالثة، يخسر الإنسان الثلاثة معا: رأس ماله وربحه ووقته. كمن يقضي معظم سنين حياته في تجارة فاشلة خاسرة لم تجر عليه ربحا ولا أي وجه من وجوه المنافع.

وهذا الأخير هو مثال الضال الذي يقضي عمره في الضلال، إضافة الى خسران الضال لـ: جهة رابعة وهي (الآمال)، إذ كان يؤمل أن يجزيه الله تعالى عما قدم، لكنه يجد أعماله سرابا، كما في قوله تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [38].

وتجتمع جهات الخسارة هذه في الآية التالية، أعني في قوله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) [39]، وهذه هي الخسارة الحقيقية، وهي (إحباط أعمالهم) التي كانوا يحسبون أنها أعمالا مرضية.

والسر في ذلك أن الكافر بآيات الله تعالى أشد خسارة وحسرة من الكافر بالله تعالى. إذ أن الكافر بآيات الله مآله الكفر بالله. بمعنى أن الكافر بآيات الله يستبطن الكفر بالله، زائدا الكفر بالآيات والعلامات والدلائل الظاهرات على معرفة الله تعالى. وهذا الإنسان يكون أشد لوما وأكثر استحقاقا للعقاب لكفره بالدلائل الواضحة ومخالفة عقله. خلافا للكافر بالله تعالى – رغم خسارته – فقد يكون كفره ناتجا عن متابعته لوالديه أو معلمه أو من يحسن الظن به من دون تدقيق أو مراجعة لعقيدته.

البصيرة الخامسة: دلائل (نُنَبِّئُكُمْ) في الآية الكريمة

سيكون الكلام – ان شاء الله تعالى – في دلائل كلمة (نُنَبِّئُكُمْ) الواردة في الآية الكرية، تارة بملاحظ مادتها، وأخرى بملاحظة هيأتها:

أولا: في مادة (النبأ)

لا بد من التدبر في وجه استخدام الآية الكريمة مفردة (النبأ) في (نُنَبِّئُكُمْ) بدلا عن كلمات أخرى لها معان ودلالات مقاربة لها، مثل (نخبركم) أو (نعلمكم)، وما شابه ذلك.

فنقول: هناك فوارق عديدة بين (النبأ) و(الخبر)، تكشف مدى ثراء اللغة العربية، منها:

الفرق الأول: ان لفظ (النبأ) لا يطلق على كل خبر، بل هو أخصّ منه مطلقا، حيث يطلق على ما كان منه عظيما هاما [40]، أما في مثل الخبر العادي فلا يستخدم فيه (النبأ)، وان استخدم فهو مجاز أو غلط [41]

ولفظ (النبأ) كمادة يدل على العظمة فكيف لو وصف نفسه بالعظيم!! وذلك في قوله تعالى(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) [42].

وقد فسّر النبأ في الآية الشريفة بأنحاء كلها تدل على العظمة والشأن الكبير:

منها: أنه القرآن الكريم [43].

ومنها: أنه يوم القيامة [44].

ومنها: ما جاء في الكافي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أن النبأ العظيم هو الولاية [45].

وفي روايات عديدة: ان النبأ العظيم هو علي بن أبي طالب(عليه السلام) [46].

وكل هذه التفسيرات صحيحة، لأنها من باب التفسير بالمصداق، غير أن بعضها أظهر من بعض.

وعلى ضوء ذلك ندرك مدلول كلمة النبأ في قوله تعالى(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا)، وموقعيتها في الآية الشريفة، إذ تكشف أن مسألة (الأخسرين أعمالا) مسألة خطيرة وحساسة، يتوقف عليها مصير الأعداد هائلة من البشر، وهذا ما يحتم على المؤمنين يحققوا ويدققوا ويبحثوا عن المناشئ والأسباب، وعن الحلول والبلاسم.

الفرق الثاني: ان لفظ (النبأ) لا يطلق عادة الا بما يحصل معه العلم والظن المعتبر، عكس الخبر، فإن الخبر هو ما يحتمل – بنفسه – الصدق والكذب، أما النبأ فلا يحتمل ذلك، لأن مادته – أصلا – وضعت للخبر الصادق [47].

ثم ان كثيرا ما يستعمل لفظ (النبأ) في التهديد والوعيد [48]، بمعنى أن هناك موطن احتراس، فيمكن أن يقال: ان في الآية الشريفة طابع تهديد وتحذير، فعليكم أن تحتاطوا وتحترسوا عند الإحاطة بهذا النبأ

ثانيا: في هيئة (النبأ)

وذلك في دلالات صيغة الجمع في لفظ (النبأ) بقوله تعالى (هل نُنَبِّئُكُمْ). حيث استخدمت صيغة الجمع مرة للفاعل، فلم تقل الآية(هل أُنَبِّئُكُم). ومرة أخرى للقابل، فلم تقل الآية(هل نُنَبِّئُك). ولعل ذلك يعود الى سببين:

السبب الأول: في القابل. إذ الآية لا يبعد ظهورها في وقوع المسؤولية على الجميع، وليس الكلام موجها الى طبقة خاصة من الناس. فكأن معرفة هذا النبأ واجب عيني [49]، لأن كل شخص قد يقع في دائرة احتمال (الأخسرين أعمالا).

وإذا كان الأمر كذلك فلا بد للجميع من معرفة ضوابط ومقاييس (الأخسرين أعمالا)، كي لا يقعوا في متاهات شتى كاتباع دعوى سفارة، أو مذهب ضال، أو غير ذلك. فعلى المسلم أن يحقق في كل دعوى جديدة غامضة، لا أن يسير وراءها بدون تروٍ أو سؤال من أهل الخبرة والعلم، فإن الاحتياط مطلوب، بل واجب، ما دام الأمر متعلقا بالمصير الأبدي للإنسان [50].

السبب الثاني: في الفاعل. (هل نُنَبِّئُكُمْ). ولم يقل (هل أنبئكم). مع أن المنبئ هو الله تعالى، أو النبي (صلى الله عليه وآله)، فوجهان:

الوجه الأول: للدلالة على التفخيم، والتهويل أيضا. لأن القائل عندما يفخم، فإن ذلك يكشف – عادة – عن خطورة وأهمية المضمون المقول، كما في قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [51]. فإن استخدام ضمير الجمع (إنا) للتفخيم، وهو يقتضي عرفا أن يكون المنزل ليلة القدر عظيما ومهما.

الوجه الثاني: لعل في استعمال الجمع في (نُنَبِّئُكُمْ) إشارة الى دور القادة ومسؤوليتهم الجماعية، أي إن الإنباء ليس مسؤولية شخص واحد، وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن ثمَّ الإمام (عليه السلام)، ثم مرجع التقليد. بل هو مسؤولية عامة للقادة الذين يديرون المجتمع، مهما كانت مكانتهم وموقعهم ووظيفتهم.

البصيرة السادسة: صور الإيمان والكفر

يقول تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ). هذه الفقرة من الآية الكريمة تتحدث بالدلالة المطابقية [52] عن صورة واحدة، وبالدلالة الالتزامية [53] هناك أربع صور. ومجموع هذه الصور الخمس هي صور الإيمان والكفر التي يتحدث عنه هذا المقطع من الآية الكريمة.

1- أما الدلالة المطابقية. للآية الكريمة، فهي سلب النجاة عن الذي كفروا بآيات ربهم ولقائه، فهم ليسوا بناجين، ولا على طريق نجاة. وهم الذين ينطبق عليهم قوله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ)، ووصفتهم الآية الشريفة بأنهم (الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا)

2- وأما الدلالة الالتزامية فلها أربع صور[54].

(أ) الذين آمنوا بآيات ربهم ولقائه.

الذين آمنوا بآيات ربهم بما فيها الغيب. قال تعالى (الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [55]. فهؤلاء هم المؤمنون. وليس من يشكك بالغيب، أو يحاول أن يخرجه عن إطاره، ويصبغه بصبغة مادية، كمحاولة البعض تفسير الوحي بما يتناسب مع العقلية المادية.

وهؤلاء المؤمنون بالغيب تسري إليهم الهداية القرآنية (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)، مصيرهم السعادة الأبدية والجنة. قال تعالى(الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآَبٍ). أي الذين آمنوا وليسوا من الذين شككوا

وهذه هي الصورة الوحيدة المطلوبة من بين الصور المحتملة، كما أن هذه هي الصورة المنتجة.

(ب) الذين آمنوا بآيات غير ربهم.

أي الذين آمنوا بآيات معينة، إلا أنها لم تكن آيات ربهم الحق، كمن يؤمن بآيات الكهنة والسَّحَرَة. قال تعالى (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) [56]. فمن يؤمن بآية غير ربه كالسحر أو الكهانة [57]، فإنه لم يؤمن بآيات ربه ولقائه.

وعلى منوال السحر والكهانة كل طرق الضلال والانحراف الرائجة في هذه العصور، من دعاوى السفارة والنيابة الخاصة في زمن الغيبة الكبرى.

(ج) الذين آمنوا بغير آيات ربهم.

أي الذين آمنوا بغير آيات ربهم، كمن يؤمن بالأحلام.

وفرق هذه الصورة عن سابقتها أن السابقة كانت عمّن يؤمن بآيات عن غير الله تعالى، كالشياطين والجن، وذلك ما يقوم به الكاهن، أما هذه الصورة فهي في حق من يؤمن بما لم يعتبره الله آيات ودوال على الحقائق الاعتقادية أو العلمية.

الأحلام والاستخارة

وهي من أمثلة (غير آيات ربهم). فإن من يعتقد بأن هذا الشخص سفير من قِبَلِ الإمام(عليه السلام)، أو من قبل الله تعالى، مستندا الى أحلام رووها له أو شاهدها بنفسه [58] – فرضا – فهو يعتقد بعلامة لم يجعلها الله دليلا وعلامة لا في أصول الدين ولا فروع الدين، ولا في الأحكام الشرعية [59]، وليست طريقا موصلة حتى في الحقائق العلمية، فإنها فاقدة للحجية والدالية والعلامية.

فإن من يقبل بأن الاستخارة حجة في شؤون العقائد [60]، كيف لا يستخير على أن يلقي نفسه من شاهق؟ وواضح أن هذا الفعل لا يقبله العقلاء [61] فضلا عن المتشرعة [62].

ان موطن ومحل الاستخارة إنما هو في الموضوعات الصرفة، وفي خصوص حالة الحيرة، كمن يتحير في المتاجرة بين القمح أو الزيت، مثلا. وقد صرح الفقهاء بأن الخيرة عند الحيرة [63].

لذا لا مجال للاستخارة حتى في الموضوعات الصرفة اذا لم يكن الشخص متحيرا، لانتفاء موضوعها حينئذ، فلا تصح الاستخارة على الذهاب الى هذا الدرس – مثلا – مع عدم الحيرة، بل عليه الاستشارة والفحص والتحقق، فإذا أوصله فحصه وتحققه الى أحد الطرفين اختاره من دون استخارة، وإن تكافأ الطرفان وتحير الاختيار فلهه أن يستخير

فهذه صورة الذين آمنوا ربهم وأوصيائهم من حيث المبدأ، إلا أنهم أخطأوا الطريق ولم يعتمدوا على آيات ربهم التي جاءت حتى توصلهم الى الحقيقة، بل اعتمدوا على غير الآيات كالأحلام والاستخارة.

التحدّي من أدلة [64] الأدعياء

من أدلة أدعياء الضلالة التحدي بمناسبة وغير مناسبة. والتحدي من حيث المبدأ صحيح فيما إذا توفرت شروطه: من كون الشخص محقّا وكونه على مستوى من التحدي للآخرين [65]

وقد جرى دأب العقلاء والحكماء من الناس أن لا يعيروا أية أهمية للجاهل اذا تحدى أستاذا في الجامعة، ودعاه للمناظرة في علمه المتخصص به. كما أنهم لا يعيرون بالاً لمنطق المتحدي الجاهل حين لا يستجيب له ذلك الأستاذ المتخصص [66]

ان هذا التحدي لا يجعل صاحبه جديرا بالمناظرة والمناقشة لأنه نابع من الجهالات، ولا يمكن الركون الى ترهات شخص يدعي أنه أعلم الأولين والآخرين [67] أو أنه سفير الإمام الحجة(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فإن هذا الكلام لا يعدو كونه تخرصا ولغوا لا يعتني به العقلاء. نعم، لو كان التحدي صادرا ممن عرف بالعلم والمعرفة والفضل، فهنا قد تصح الإجابة الى مثل هذا التحدي. ومع ذلك ومن باب درأ الفتنة وقطع المعاذير فقد تصدى علماؤنا لمثل هذه الحركات وشبهاتها بصورة علمية موضوعية وبراهين ساطعة [68]

(د) الذين لم يكفروا بآيات ربهم ولقائه.

وهذه الصورة - بما هي – ليست منجاة، فلا يكفي الإنسان عدم كفره بآيات الله ولقائه، بل عليه – مضافا الى ذلك – أن يؤمن بآيات الله. فهؤلاء – حُكما – كفار وليسوا بمؤمنين. وهذه الصورة تدخل في دائرة الشك وأحكامه.

الغرب ونظرية الشك.

ان الغرب بنى على نظرية مفادها أن الشك هو طريق المعرفة، فعلى الإنسان أن ينظر الى أي نظرية أو فكرة أو دين سماوي بعين التشكيك.

وفي مقابل ذلك نجد أن الإمام علي بن الحسين السجاد(عليه السلام) يقول (ان الشكوك والظنون لواقح الفتن، ومكدرة لصفو المنائح والمنن) [69]

والصحيح أن نفرق ونفصل بين مفهومين للشك [70]

فكما أن الشك يمكن أن يكون طريقا للمعرفة، فإنه قد يكون طريقا للضلال وإنكار البديهيات العلمية والعقلية.

البصيرة السابعة: الكفر بالآيات آلي أم استقلالي؟

تمهيد للفكرة: ان الكفر في قوله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) يتصور على وجوه:

الأول: كفر بالآية بذاتها مع قطع النظر عن شيء آخر.

الثاني: كفر بالآية بما هي دال وعلامة.

الثالث: كفر بالرسول (أي الوسيط) الذي جاء بالآية.

الرابع: الكفر بالباعث للآية وحاملها. ((أي كفر بالمرسِل – بالكسر).

وبعد اتضاح هذا التمهيد نرجع الى مطلبنا لنسأل: هل عنوان (الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ) عنوان آلي أم استقلالي؟

ان هذا البحث بحث عقائدي ذو آثار فقهية. فإذا كان العنوان المذكور استقلاليا [71]، فالكافر بآيات الله كافر، وان لم يرجع إنكاره الى إنكار الرسول، ولا الى إنكار المرسِل (بالكسر).

أما إذا قلنا أن العنوان آلي [72]، فلا يكون المنكر للآية – وإن كانت ضرورية – كافراً.

ولا بد أن نخرج من موضوع البحث المنكر لأصل وجود الله تعالى، والمنكر لوحدانيته، أو المنكر للنبوة، والمنكر للمعاد [73]

ويدخل في البحث مثل منكر حرمة الكذب، مع أن حرمته من الضروريات في ديننا الحنيف. فنقول – حينئذ -:

1) على القول بالكفر الآلي: ان منكر الضروري إنما يكون كافرا إذا علم أن القرآن والرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) يصرّحان بحرمته، ومع ذلك ينكر ويخالف بهذا اللحاظ، فيكون في جوهره وواقعه منكرا لرسول الله مباشرة، فهو كافر بلا شك، لكنه ليس بكافر إذا أنكر ذلك بغير هذا اللحاظ.

2) وعلى القول بالكفر الاستقلالي: ان منكر الضروري كافر، سواء عاد إنكاره إلى إنكار الأصول الثلاثة [74] أم لا. فيكون حال منكر الضروريات كحال منكر الأصول.

....................................
[1] الشيخ الصدوق، الأمالي:616
[2] الشيخ الصدوق،عيون أخبار الرضا (عليه السلام):1/60
[3] هود/1
[4] ابن طاووس، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف:517
[5] يوسف /111
[6] الفتح/29.
[7] الممتحنة/8.
[8] الحجرات/9.
[9] التخصيص عبارة عن اخراج بعض افراد موضوع الحكم بواسطة القرينة الدالة على ذلك، فلولا القرينة لكان الحكم العام الواقع على الطبيعة شاملا لتلك الافراد. فالمراد بالتخصيص إخراج من الحكم مع دخول المخرج موضوعاً، ومثاله: كل‏ مكلف يجب عليه الصوم في شهر رمضان إلا المسافر، فالمسافر مكلف ولا يجب عليه الصوم. اي لولا الآية الرافعة للتكليف بالصوم عن المسافر لكان حكم وجوب الصوم شاملا للمسافر كما هو شامل للحاضر على حد سواء.
[10] بمعنى أن هناك تخصيصين أو استثناءين: الأول: متعلق بالموضوع. وهو استثناء الكفار الذين لم يقتلوا المؤمنين ولم يخرجوهم من ديارهم، من عموم الكافرين. والثاني: متعلق بالحكم. وهو استثناء البر والقسط من عموم (عدم الشدة).
[11] هو الخروج الموضوعي عن موضوع الحكم، فكل موضوع مغاير لموضوع الحكم فخروجه عن موضوع الحكم بالتخصص، مثلا: الدليل المستفاد من حرمة الغناء لا يشمل الحداء، وذلك للتباين بين مفهوم الحداء و مفهوم الغناء، و لهذا يقال ان خروج الحداء عن موضوع الحرمة بالتخصص
[12] الحيثية التقييدية راجعة الى القيد، والحيثية التعليلية راجعة الى العلة. وأن القيد يُضيِّق دائرة موضوع الحكم أو المتعلّق، فيقلُّ أفراده، بخلاف العلّة، فهي لا تنظر إلى الأفراد بل إلى سبب ثبوت الحكم للموضوع فيبقى عموم الموضوع على عمومه. والفرق بين الحيثية التعليلية والحيثية التقييدية، أن الأولى راجعة للواسطة في الثبوت. والثانية راجعة للواسطة في العروض، فلو قال الآمر: " أكرم العالم النافع " فإن كان النفع علّة كان حيثية تعليلية، فكأنه قال: " أكرم العالم لأنه نافع ". وإن كان قيدا فهو حيثية تقييدية
[13] فإذا قيل (أكرم العالم) أشعر أن السّبب في الإكرام وصف العلم، وهو عام فيجب عموم الحكم في كلّ من تحقق فيه الوصف وإلَّا لزم وجود العلَّة بدون المعلول. ولكن يمكن أن يقال: ان الوصف ما لم يصل الى مرحلة الظهور لا أن يكون دلالة معتبرة.
[14] أن الحيثيات التعليلية راجعة إلى التقييدية في الاحكام العقلية كحكم العقل بحسن ضرب اليتيم للتأديب فإنّ الموضوع الحقيقي لحكم العقل نفس التأديب دون الضرب فالواجب بحكم الملازمة العقلية هو الشيء(الضرب) لا بذاته بل بما هو توصل إلى واجب آخر(التأديب)
[15] الشيخ الكليني، الكافي:4/240.
[16] الكهف/103- 105
[17] (ضلَّ) – لغة – ضاع وجار عن القصد. وبهذا المعنى ورد في دعاء الإمام زين العابدين(عليه السلام) في الصحيفة السجادية في دعائه في اليوم الثالث عشر من شهر رمضان، على الظَّلَمَة، بإضلال الأعمال وليس إعدامها وإفناءها. قال(عليه السلام): اللهم إن الظلمة جحدوا آياتك، وكفروا بكتابك، وكذبوا رسلك... اللهم ضلِّل أعمالهم، واقطع رجاءهم، وادحض حجتهم..
[18] وهذان المفهومان وردت فيهما آيات وروايات عن أهل بيت العصمة(عليهم السلام)
1- أما بقاء الأعمال، وعدم فنائها، فيدل عليه نصوص قرآنية وحديثية كثيرة منها قوله تعالى(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا. [الكهف/49]
وعن العياشي عن خالد بن نسيج عن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) إذا كان يوم القيامة دفع إلى الانسان كتابه ثم قيل له: اقرأ. قلت: فيعرف ما فيه؟ فقال ان الله يذكّره، فما من لحظة ولا كلمة ولا نقل قدم ولا شيء فعله إلا ذكره كأنه فعله تلك الساعة قالوا يا ويلنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. [المجلسي، بحار الأنوار: 7/315]
2- وأما تجسد الأعمال، فيستفاد من الظاهر في العديد من النصوص، فإن الأعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة تظهر صوراً نورانية مستحسنة موجبة لصاحبها كمال السرور والابتهاج، والأعمال السيئة والاعتقادات الباطلة تظهر صوراً ظلمانية مستقبحة توجب غاية الحزن والتألم. كما قاله جماعة المفسرين في تفسير قوله تعالى (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) الزلزلة/6-8. حيث تتخذ الأعمال في ذلك اليوم أشكالاً تتناسب مع طبيعتها وتنتصب أمام صاحبها. وتكون رفقتها سروراً وانشراحاً أو عذاباً وبلاءً.
وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا دخل المؤمن في قبره، كانت الصلاة عن يمينه والزكاة عن يساره والبر مظل عليه ويتنحى الصبر ناحية، فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة والبر: دونكم صاحبكم، فإن عجزتم عنه فأنا دونه. [الشيخ الكليني، الكافي: 2/90]
[19] وقد أشار أمير المؤمنين(عليه السلام) الى الأثر الوضعي للذنب، ووضح كيفية إزالته، وحث على عدم الاكتفاء بالتوبة ورفع المؤاخذة ورفع العقوبة بقوله(عليه السلام): لقائل قال بحضرته (أستغفر الله): ثكلتك أمك أتدري ما الاستغفار؟ الاستغفار درجة العليين. وهو اسم واقع على ستة معان: أولها الندم على ما مضى. والثاني العزم على ترك العود إليه أبدا. والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة. والرابع أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها. والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد. والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول أستغفر الله.نهج البلاغة: 4/98
وإزالة الأثر الوضعي للذنب في النقطة الخامسة والسادسة.
[20] الرَّبُّ يُطْلَق في اللغة على المالكِ، والسَّيِّدِ، والمُدَبِّر، والمُرَبِّي، والقَيِّمِ، والمُنْعِمِ. ابن منظور، لسان العرب: 1/399
[21] قال الشيخ الطوسي في ذكره لادعاء محمد بن علي الشلمغاني سفارة عن الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) " كل هؤلاء المدعين إنّما يكون كذبهم أولاً على الإمام(عجل الله تعالى فرجه الشريف) وأنهم وكلاؤه، فيدعون الضَّعَفَة بهذا القول إلى موالاتهم، ثم يترقى الأمر بهم إلى قول الحلاجية، كما اشتهر من أبي جعفر الشلمغاني ونظرائه".الشيخ الطوسي، الغيبة: 397
[22] سيأتي من السيد الماتن ان شاء الله تعريف الجاهل المركب والقريب منه في البصيرة الآتية.
[23] وهو القدر المتيقن من الجاهل المركب الذي يحصل له الجزم مع مخالفة جزمه واعتقاده للواقع.
[24] ويمكن أن يناقش في دخول هذا القسم في الجاهل المركب لعدم حصول الجزم فيه، وسيأتي مزيد تفصيل عنه في البصيرة الآتية ان شاء الله تعالى.
[25] التفسير الصافي: 3/267.
[26] تفسير القمّي: 2/46.
[27] مع أن الخوارج واجهوا الإمام(عليه السلام) ولم يواجهوا النبي(صلى الله عليه وآله) لكن مآل ونتيجة مواجهة الإمام(عليه السلام) هو مواجهة النبي(صلى الله عليه وآله)، إن لم تكن هي هي، فالخارجي كافر بلا ريب. منه(دام ظله).
[28] تفسير القمّي: 2/46.
[29]استعملت كلمة (الكفر) في النصوص الشرعية: كتابا وسنة، في موارد، يمكن عدّها مراتب أو أقساما للكفر، وهي
1- الكفر الحقيقي. أن يكون منكرا للألوهية أو النبوة أو حكم ضروري من الضروريات في الإسلام سواء كان واجبا أو حراما أو مستحبّا أو مكروها.
ولا يخفى أن المنكر لشيء من ضروريات الدين إن كان عن جحود وانكار فلا خلاف في كفر التارك كفرا حقيقيا دنيا وآخرة. وان كان انكار استخفاف وتهاون فصاحبه لا يخرج عن الايمان كترك الصلاة والزكاة ونحوهما وإن أطلق عليه الكفر في الأخبار تغليظا في المنع من ذلك، وهو القسم الآتي.
2- كفر الترك فكفرهم بمعنى ترك ما أمر الله تعالى به. كما قال الله تعالى: (َفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ)[البقرة/85] فكفرهم بترك ما أمرهم به ونسبتهم إلى الإيمان ولم يقبله منهم. وكما ورد " أن تارك الصلاة كافر "[الكافي: 2/279] و " تارك الزكاة كافر "[تهذيب الأحكام: 4/111] و " تارك الحج كافر "[من لا يحضره الفقيه: 4/368].
الثالث: كفر النعم. من الكفران وترك الشكر. كما قال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ][إبراهيم/7] وكما قال الله تعالى حكاية عن سليمان (عليه السلام): (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ)[النمل/40].
الرابع: كفر البراءة. كما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم (عليه السلام): (كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ)[الممتحنة/4] يعني تبرّأنا منكم
الخامس: الكفر بالولاية. إنكار فضلهم عليهم السّلام وجحد مقام إمامتهم. ففي تفسير العيّاشي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام في حديث أنّه قال: واللَّه لو أنّ رجلا صام النهار وقام الليل ثمّ لقي اللَّه بغير ولايتنا للقاه وهو غير راض أو ساخط عليه، ثمّ قال: وذلك قول اللَّه: وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلَّا أنّهم كفروا باللَّه ورسوله – الآية[الكافي/8: 107]
وعن أبي عبد الله عليه السّلام قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: " إن الله تبارك وتعالى جعل عليّا عليه السّلام علما بينه وبين خلقه، ليس بينهم وبينه علم غيره، فمن تبعه كان مؤمنا، ومن جحده كان كافرا، ومن شك فيه كان مشركا "[ثواب الأعمال: 209]
وهذا الإنكار إنما هو من جهة الظلم والعلو ومتابعة الهوى، فهو جحود للولاية وكفر بها لا للربوبية.
وعلى ما تقدم من الأقسام، تشمل (الأخسرين أعمالا) هذه الأقسام من الكفر التي يدخل في بعضها فئات من أهل القبلة.
[30] الشيخ الطبرسي، الاحتجاج: 1/388.
[31] ان مصطلح العيون في حدّ نفسه يدل على توثيق الراوي للرواية، والشيخ الصدوق(قدس سره) أدرج في كتابه عيون الروايات وليس كل الروايات: غثها وسمينها. (منه دام ظله).
[32] مع أن الأشعري كان مسلما حسب الظاهر. (منه دام ظله).
[33] عيون أخبار الرضا(عليه السلام): 2/134.
[34] أي أرض ذات سباع.
[35] الجاهل الذي يحسب نفسه عالما والمخالف العالم المعاند.
[36] أغَذَّ السيرَ: أَسْرَع.
[37] المقصود من العمر في كلام السيد الماتن ليس الروح التي تخرج من البدن بانقضاء أجل الإنسان. بل المقصود سنوات العمر والأوقات التي يحيا فيها الإنسان.
[38] النور/39.
[39] الكهف/105.
[40] النبأ: الخبر الذي له شأن عظيم، ومنه اشتقاق النبوة، لان النبي مخبر عن الله تعالى ويدل عليه قوله تعالى: " نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون ". وقوله " وهل أتاك نبأ الخصم". أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية: 530.
[41] يكون مجازا لو أريد تفخيم الأمر المخبر عنه ادعاء بملاحظة علاقة بين المعنيين، ويكون غلطا اذا لم تلحظ أي علاقة من العلاقات المصححة للمجاز.
[42] النبأ/1،2.
[43] الشيخ الطبرسي، تفسير جامع الجوامع: 3/204.
[44] العلامة المجلسي، بحار الأنوار: 18/170.
[45] الشيخ الكليني، الكافي: 1/418.
[46] المصدر نفسه: 1/207.
[47] النبأ خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحق الخبر الذي يقال فيه نبأ أن يتعرى عن الكذب كالتواتر وخبر الله تعالى وخبر النبي عليه الصلاة والسلام. الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن: 481.
[48] كما قد يستفاد ذلك من قوله تعالى(فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ[الأنعام/5]. وقوله تعالى(فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)[الشعراء/6].
[49] عبّرنا بـ (كأنّ) لأنه راجح عيني، ولك أن تقول هو واجب عيني على من كان في معرض الضلالة لولا الالتفات لذلك (منه دام ظله).
[50] لكونه مرتبطا بالأمور الاعتقادية.
[51] القدر/1.
[52] بأن يدل اللفظ على تمام معناه الموضوع له ويطابقه. كدلالة لفظ "الكتاب" على تمام معناه، فيدخل فيه جميع أوراقه وما فيه من نقوش وغلاف. وكدلالة لفظ " لإنسان" على تمام معناه، وهو "الحيوان الناطق". الشيخ محمد رضا المظفر، المنطق: 43.
[53] بأن يدل اللفظ على معنى خارج عن معناه الموضوع له لازم له يستتبعه استتباع الرفيق اللازم الخارج عن ذاته، كدلالة لفظ " الدواة " على القلم. وهي فرع عن الدلالة المطابقية، لأن الدلالة على ما هو خارج المعنى بعد الدلالة على نفس المعنى. المصدر نفسه.
[54] الصور ناتجة من موضوع الآية (الذين كفروا) ومتعلق الموضوع (آيات ربهم)، ومتعلق المتعلق(ربهم)، وعددها اثنا عشر صورة، وهي:
1) الذين كفروا بآيات ربهم
2) الذين كفروا بآيات غير ربهم
3) الذين كفروا بغير آيات ربهم
4) الذين كفروا بغير آيات غير ربهم
5) الذين لم يكفروا بآيات ربهم
6)الذين لم يكفروا بآيات غير ربهم
7)الذين لم يكفروا بغير آيات بهم
8) الذين لم يكفروا بغير آيات غير ربهم
9) الذين أمنوا بآيات ربهم
10) الذين آمنوا بآيات غير ربهم
11) الذين آمنوا بغير آيات ربهم
12) الذين آمنوا بغير آيات غير ربهم.
وقد ذكر السيد الماتن الصور الأكثر تحققا في أرض الواقع من هذه الصور، وهي أربعة.
[55] البقرة/1،2.
[56] 121/الأنعام.
[57] وهو كلام الجن أو الشيطان الموحى الى البشر(منه دام ظله).
[58] إذ ان أصل رؤية المنام هي دعوى تحتاج الى دليل قطعي للتصديق بها.
[59] لاحتياج كل منها الى أدلة معتبرة شرعا، وهذا ما لا يتوفر في المنامات قطعا.
[60] وهي أخطر الأمور التي تتعلق بها السعادة أو الشقاوة الأبدية. (منه دام ظله).
[61] فلم يلتزم بها أحد من العقلاء في الشؤون العامّة، كإدارة المجتمع والعمل السياسي، كأن يستخير في اختيار مرشّحه في الانتخابات، أو يستخير لاتخاذ قرار سياسي في الحزب المعيّن، أو لشنّ حرب، أو لتوقيع معاهدة صلح، أو اتفاقية أمنية أو عسكرية أو اقتصادية، أو نحو ذلك.
[62] فلم تكن سيرة النبي(صلى الله عليه وآله) والأئمة(عليهم السلام) قائمةً على الاستخارة في شؤون العقائد والشريعة وسوى ذلك من المسائل المهمة، فقد كانوا يعلّلون للناس أعمالهم الاجتماعيّة أو السياسية وغيرها بتعليلاتٍ شرعية أو عقلائية، ولم نجد منهم تبرير أيّ خطوة فعلوها بأنّهم استخاروا الله تعالى في ذلك الأمر.
[63] وقد جرت سيرة العقلاء على القرعة بين الأمرين أو الأمور المشكلة المتكافئة الرجحان في جميع الأطراف، وهذه القرعة هي تعبير آخر عن الاستخارة، ولم يرد ردع من الشارع عنها، سيما مع شيوعها بين المتشرعة، وذكرها في أكثر من آية في الكتاب العزيز دون أن يتعرض لها بالنقد أو الرفض. كما في قوله تعالى(وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) [آل عمران/44]، وقوله تعالى(فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) [الصافات/141].
[64] والمقصود بها الوسائل الإقناعية والأساليب المنحرفة التي يعمد إليها أدعياء الضلالة للسيطرة على عقول الناس، وتوجيه أفكارهم، وتسميتها أدلة من باب المجاز.
[65] مع وجود الداعي الصحيح لإعلان وإظهار التحدي.
[66] بل ان تحدي الشخص الجاهل للعلماء ودعوتهم للمناظرة لا ينبغي الاستجابة لها إذ ليس من الحكة الاستجابة الى تحدي جاهل مغرور أو مدفوع من جهات خارجية أو داخلية لإثارة البلابل في المجتمع الإسلامي.
[67] مع شهادة الواقع بخلاف كلامه.
[68] ليس من باب الإجابة للتحدي بل من باب كشف الحقائق حتى لا يقع البسطاء من الناس في فخ هذه الأكاذيب والترهات التي يروج لها أتباع الضلالة.
[69] الصحيفة السجادية، في مناجاة المطيعين [ ليوم الخميس ].
[70] سلك العلماء في معاني الشك ومباحثه سبلا متشعبة كثيرة بتكثر العلوم التي يدخل الشك عنصرا مهما في موضوعاتها ومسائلها. وكلامنا عن الشك إنما هو في مدى علاقته وتأثيره بالمعتقدات والمباني الفكرية التي يؤسسها الإنسان لنفسه. وقد عرّف الفلاسفة الشك بأنه "تردد الذهن بين أمرين على حد سواء".
وما دام الأمر المشكوك دائرا بين أمرين، على وجه يكون إيجاب أحدهما يستلزم سلب الآخر وبالعكس، فيعني هذا رجوعه الى الوقوف بين النقيضين من غير تقوية أحدهما على الآخر.
وينبغي أن يؤخذ بنظر الاعتبار أن الشك لا يكون ممدوحا مطلقا، كما لا يكون مذموما مطلقا. بمعنى أن موارد يكون الشك فيها ممدوحا، وسواها من الموارد يذم فيها الشك:
1) أما الشك الممدوح، فما يجعل لدى الإنسان الدافع المنظم والفحص المستمر للوقوع على الحقائق. ويمثل الشك على هذا الوجه أداة خلاقة تهدف الى إثبات أو نفي فرضية محددة، ويكون طريقا الى المعرفة اليقينية.
وقد ورد هذا المعنى في قوله تعالى على لسان نبيه(صلى الله عليه وآله) مخاطبا المشركين (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)[سبأ/24]
ولا ريب أن الأمور اليقينية هي الأساس والمنطلق الذي تؤسس عليه العلوم والمعارف، والتي تزيل الشك في المسائل المشكوكة لتكون محكومة اما بالإيجاب أو السلب.
2) أما الشك المذموم فهو شك لأجل الشك، وهو سبيل العناد وعدم الوصول الى الحقائق، وسد لباب العلم والعمل.
ومن الشك المذموم أيضا الشك بعد اليقين، لأنه مخالف للبديهة العقلية من ترجيح الراجح على المرجوح. وتقديم الجهل على العلم.
وقد روي عن الإمام الباقر(عليه السلام) قوله (ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا). [الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام: 1/422]
ان الاعتقاد بوجود الخالق وما يستتبع من وجوب اتصافه بصفات الكمال ونفي النقائص عنه، لهو من البديهيات اليقينية التي لا ينبغي أن يتسلل إليها الشك، ولذلك جاء التعبير القرآني بصيغة الاستفهام التعجبي لمن يشك في الله تعالى بقوله(أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). [إبراهيم/10].
وقد جاءت الآيات الكريمة وأحاديث المعصومين في مجال العقيدة ذامّة للشّكاك مع وجود الدلائل والبراهين والمعلومات الفطرية أو اليقينية. أو لكونهم تركوا ما تيقن الى ما هو مشكوك.
قال تعالى(جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ). [ابراهيم/9]
وقال تعالى(بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ) [النمل/66]
وقال تعالى (أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي) [ص/8]
وقال تعالى (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ).[غافر/34]
وقال تعالى (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ). [فصلت/45]
وقال تعالى (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ).[الشورى/14]
وقد روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قوله (عجبت لمن شك في الله وهو يرى خلق الله). [نهج البلاغة: 4/30].
[71] أي كفر بالآية بذاتها مع قطع النظر عن شيء آخر.
[72] أي كفر بالآية بما هي دال وعلامة.
[73] وفي الدرجات اللاحقة منكر العدل ومنكر الإمامة على حسب تعدد إطلاق الكفر. (منه دام ظله).
[74] التوحيد والنبوة والمعاد.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (القرآن الكريم)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك