مفهوم الاختلال والتدفق الإخباري


أولاً : مفهوم الاختلال: ( Discripaucy)

ربما تكون هذه المعادلة متلازمة في الإعلام، ولاسيما الإعلام الذي ينبني على طرفين غير متكافئين، فالاختلال والتدفق الإخباريان يأتيان من مصدر متمكن ومتلقٍ غير متمكن، ولا يوجد من ينكر حقيقة وجود اختلال (Imbalance) في تدفق الأخبار دولياً؛ لأن هذه الحقيقة ماثلة للعيان بوصفها راسخة أمام الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية التي تواجه هذا الاختلال. وتمثل مشكلة الاختلال الإخباري في مستوياته المتعددة إحدى مشكلات الاتصال الأساسية في عالم اليوم، وتعد أحد مخرجات التفاوت في القدرات السياسية والاقتصادية والاتصالية عموماً.

إن الاختلال الإخباري على النطاق الدولي أحد مظاهر التفاوت القائم على المستوى الدولي في شتى المجالات وومعطياته التي تمنح الدول الأقوى مزايا كثيرة يمكن وصفها بالقدرة على السيطرة وتوجيه وإدارة النظام الدولي لصالحها، تعرقل في الوقت ذاته أطرافاً أخرى في المجتمع الدولي في سعيها لتحقيق معدلات التنمية التي توافر لسكانها الحد الأدنى من متطلبات الحياة. والاختلال يحدث بين مَنْ يصنعون الأخبار وبين مَنْ يتلقونها، هو ناجم عن وجود وكالات ذات قدرات كبيرة ومتلقٍ متواضع القدرات كما أسلفنا. وتتمثل مشكلة الاختلال في تبادل الأخبار بالفرق في كمية الأخبار المرسلة من العالم الصناعي إلى العالم النامي، وبين كمية الأخبار المتدفقة في الاتجاه العكسي، حيث لا تخصص وكالات الأنباء الدولية إلا نسبة ضئيلة من أنبائها للعالم النامي كله. كما أن الاختلال في الأخبار على المستوى الدولي ظاهرة تاريخية لا تزال تعكس الحقائق الاجتماعية والسياسية للمجتمعات، وأن الإعلام قد تأثر بالتكوين الحالي للمجتمعات، كما تأثر ـ في الوقت نفسه ـ بانحسار الاستعمارية وبالجهود التي يبذلها عدد كبير من الدول النامية للحصول على الاستقلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، لأن الإعلام في العالم الحديث يتسم باختلالات أساسية تعكس انعدام التوازن العام الذي يسود المجتمع الدولي، وهذه تتجسد في المجالات السياسية والقانونية والفنية والمالية. وعليه فأن الاختلال هو تباين تدفق الأخبار بين الدول المتقدمة والدول النامية، ولا تمثل مشكلة الاختلال في الأخبار على النطاق الدولي أخطر المشكلات التي تتناول وسائل الاتصال والإعلام فحسب، ولكنها تمتد لتشمل كل البنى والعلاقات الدولية بجميع أنواعها، وتمس مستقبل النظام الدولي ذاته على نحو مباشر.

وربما أن الاختلال الإخباري يمثل أحد أوجه الاختلال الإعلامي الذي تعاني منه الدول النامية في علاقتها مع الدول الصناعية فأن الجدل بشأن الاختلال الإخباري قد ازدادت حدته بسبب مسألة التدفق الدولي للأخبار وسيطرة وكالات الأنباء الدولية على جمع الأخبار ونشرها ، وذلك لأن عملياتها الواسعة على نطاق العالم شبيهة بالاحتكار في مجال نشر الأخبار على الصعيد الدولي( ).وهذا الاختلال جاء نتيجة مترتبة على عدم التوازن في القوى الاقتصادية والتقنية والعلمية وغيرها بين الجانبين ، وذلك لصالح الدول الصناعية ، الأمر الذي ترتب عليه اختلال كبير في الوضع الإعلامي الدولي فجاء الاختلال الإخباري ليمثل جزءاً منه.

وترجع الأصول الغامضة بعض الشيء لمفهوم الاختلال إلى الخمسينيات من القرن الماضي ، ثم غدت أكثر تحديداً في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات ( ). ففي ذلك الحين كان الاختلال في تدفق الأخبار بين البلاد الصناعية والنامية موضوعاً رئيسياً في الاجتماعات الدولية باعتباره أحد عناصر الحوار الخاص بالقضايا الاقتصادية والسياسية الأساسية في العالم المعاصر ، ولا يكاد يوجد مَنْ يشك في حقيقة هذا الاختلال، بيد أنه لا يوجد اتفاق عام بشأن التطبيقات الملموسة لهذا المفهوم، ناهيك عن حلول المشكلة والسياسات المرغوبة، ولهذا السبب أصبحت مفاهيم التدفق الحر، والتدفق في اتجاه واحد، والتوازن والاختلال قضايا للجدل بل وموضوعاً لنزاع دولي( ).والذي لا شك فيه أن الدول النامية بما فيها العرب عاجزون عن فهم طبيعة هذا الاختلال وأسبابه وإمكانية علاجه، وأول مظاهر سوء الفهم هو انسياق الكتّاب وأساتذة الإعلام وخبرائه وراء تفسيرات إيديولوجية للاختلال مع إغفالهم أو عدم الوقوف على السبب الحقيقي وحتى التفسيرات الإيديولوجية هي الأخرى منقولة عن الآخرين، إذ إن هناك مؤشر يمكن رصده بوضوح في مجال الاتصال وهو إلقاء تبعات عجز ( الدول الإقليمية ) على الآخرين( ).

أشكال الاختلال الإخباري ومستوياته:

تؤكد لجنة ماكبرايد أن الاختلال في توزيع الأخبار ظاهرة معقدة ومتشعبة، فقد يكون الاختلال في الكم، وقد يكون في الكيف وقد يحدث على مستويات مختلفة ويتخذ أشكالاً معينة( ):

1ـ بين البلاد المتقدمة والبلاد النامية بقدر ما يتحدد التدفق الإعلامي بوجود البنى الأساسية الملائمة أو عدم وجودها.

2ـ بين البلاد ذات النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة.

3ـ بين الدول المتقدمة المنتمية إلى النظام السياسي نفسه وبخاصة بين الصغرى والدولية منها.

4ـ بين البلدان النامية ذاتها.

5ـ بين الأخبار السياسية، والأخبار المتعلقة بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلاد، التي تناضل ضد مساوئ التخلف.

6ـ بين ما جرى العرف على تسميته بالخبر السار ، والخبر السيئ ، مثال ذلك أخبار الكوارث والصراع والانتكاس والحماقات والتصرف المتطرف.

7ـ بين الأخبار المتعلقة بالأحداث الجارية والمعلومات التي تتناول بمزيد من العمق موضوعات لها أهميتها في الحياة اليومية للشعوب والأمم.

8ـ بين البلد الواحد نفسه في الحضر والريف.

9ـ بين أطراف دول الشمال ذاتها ونعني بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وأوروبا من جهة أخرى( ).

أما محمد الجزائري، فقد أشار إلى اختلالات أخرى تتخذ مظاهر عدة منها( ) :

1ـ اختلال كلي صارخ بين (الشمال) و(الجنوب)، نشأ عن التفاوت بين حجم الأخبار الصادرة عن العالم المتقدم والموجهة إلى البلدان النامية ، وحجم التدفق في الاتجاه المضاد.

2ـ عدم وجود مساواة في توزيع طيف الذبذبات الإذاعية بين البلدان المتقدمة والنامية ، فالأولى تسيطر على نحو 90% من أصل الطيف.

3ـ التلفاز : إذ إن 45% من البلدان النامية لا تمتلك محطة تلفاز خاصة بها.

4ـ انتشار الفضائيات والإمكانيات المتوافرة لديها في مواكبة الأحداث أول بأول.

أوجه الاختلال :

لما كان كل مجتمع ينتج أساساً المعلومات التي يحتاج إليها ، فقد نشأ اختلال بين كم الأخبار المعروضة والمطلوبة ونوعها في سوق المعلومات الدولي. ومن هنا تبرز مشكلة التداول الإخباري التي تكمن في إرسال الأخبار في اتجاه واحد فقط من الشمال إلى الجنوب أو من الدول الغربية المتقدمة إلى باقي دول العالم مع ندرة المواد المنقولة من الجنوب إلى الشمال أو من الدول النامية إلى الدول المتقدمة. وعليه فأن الاختلال يأتي بعدة وجوه أبرزها :

1ـ اختلال نوعي ( Qualitative) : أي إن محتوى الأخبار والطريقة التي تعالج بها أخبار البلدان النامية تكون متحيزة ضده.

2ـ اختلال كمي : هو الاختلال في كمية الأخبار المتداولة بين الأطراف الدولية المختلفة.. في حين يعني الاختلال الكيفي توجه مضمون الاتصال نحو اهتمامات معينة ، وإغفاله لاهتمامات أخرى. أي إن عدم التوازن الكمي ( Quantitative) تعني التفاوت أو عدم الانسجام في كمية ما يبث من أخبار، وهو يتضمن كم التغطيات الإخبارية التي توردها وكالات الأنباء الدولية عن الدول النامية التي تُعدُّ أقل بكثير بالمقارنة مع أخبار الدول الصناعية ، كما أن الاختلال الكمي هو أيضاً اختلال نوعي ، وله تأثير في العقل يوصف بأنه محدد للتكيف. أما الاختلال النوعي فيتضمن نوعية التغطيات الإخبارية السلبية التي توردها من الدول النامية في أكثر تغطياتها عن هذه البلدان والذي يعد أكثر وضوحاً في تدفق الأخبار ، والسبب فيه يرجع إلى عوامل التشويه والتحريف. وترتبط الآثار الكمية ـ النوعية لهذا الاختلال ارتباطاً وثيقاً ، وتؤدي إلى التبعية من ناحية وإلى السيطرة من ناحية أخرى.

3ـ اختلال بين قطاعات الإعلام المختلفة : أي بين وسائل الاتصال حيث يتطور انتشار التلفاز بسرعة أكثر من الصحافة المكتوبة أو الكتاب. وهذا يظهر بوضوح في انتشار الأعداد الهائلة للقنوات الفضائية.

4ـ اختلال القوة في عالمي السياسة والاقتصاد.

5ـ اختلال في القيم الإخبارية: إذ لا تقتصر مظاهر الاختلال على الجوانب الكمية في مجال التدفق الإعلامي فحسب بل يتضمن ـ أيضاً ـ نوعية الرسائل الإعلامية واختلال قيمها الإخبارية.

وبالرغم من كل ما تقدم فأنه لا خلاف على وجود الاختلال الكيفي ولكن الخلاف يدور حول حجم المشكلة وتفسير المشكلة ذاتها ، إذ إن هناك :

1ـ الاختلال بين الدول.

2ـ الاختلال بين وسائل الاتصال.

3ـ الاختلال بين ما يحصل عليه القراء في كل دولة من أخبار.

وكذلك يقسم الاختلال الإخباري كالآتي :

1ـ الدول الصناعية ( دول الشمال ) في ما بينها.

2ـ الدوال الصناعية مع الدول الجنوبية.

3ـ دول الجنوب ( النامية ) مع بعضها.

4ـ الدول العربية في ما بينها.

5ـ الدول العربية مع دول الشمال.

6ـ الدول العربية مع دول الجنوب.

فشعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية هي الشعوب التي يمكن أن نطلق عليها بأنها شعوب لم تنجح في عملية الاتصال الجماهيري. ومشكلة الإعلام العربي تكمن أيضاً في عدم وجود توازن في توجه النشاط الإعلامي العربي لخدمة ثلاث مصالح أساسية تفعل في هذا النشاط وتتفاعل معه ألا وهي:

أ ـ المصلحة العامة ( أو مصلحة المواطن ).

ب ـ مصلحة مؤسسات الدولة ( أوالقطاع العام ).

ج ـ مصلحة القطاع الخاص.

وهذه المصالح ـ إذا أردنا البحث في طبيعتها ودراسة مشكلاتها ـ لا تمثل توازناً منطقياً في ما بينها مما يبقي المشكلة الإعلامية العربية قائمة ، وتظل الأزمة قائمة في الاختلال الإخباري الذي تتعرض له الدول العربية بصورة خاصة والدول النامية بصورة عامة. ومن الأسباب الرئيسية للاختلال الإخباري هو ضمور الرؤية الموحدة للإعلام العربي والتشابك في تحديد سلم العمل المشترك وطغيان التناقضات الثانوية على التناقضات الأساسية داخل المجتمع الواحد.

مواقف الدول الغربية من الاختلال الإخباري :

تبرز مواقف الدول الغربية من الاختلال الإخباري بعدة نقاط أهمها:

1ـ إن ظروف العمل السيئة في الدول النامية هي التي تمنعها من إرسال مراسلين بإعداد كبيرة.

2ـ أنها تستعين بعاملين من الدول النامية لتغطية الأخبار.

3ـ إن الدول النامية ترغب في فرض مزيد من السيطرة على الإعلام.

ويفسر دكتور هستر ( Hester) عملية التغطية الإخبارية من الدول النامية فيلاحظ أن تدفق مثل هذه الأخبار ودراسات حارس البوابة تصبح ذات أهمية قصوى عندما تتناول تدفق الأخبار إلى الدول النامية ومنها.

ويستطرد قائلاً : إن حجم الرسائل الإخبارية التي تنقل إلى الدول النامية ومنها يقل كثيراً عن الأخبار لمتداولة بين القوى الصناعية الغربية الدولية وهكذا فأن عملية الاختيار التي تحدد ما يتدفق من خلال البوابات قد تحجب التدفق الإخباري حجباً كاملاً إذا كان حجم الرسائل الإخبارية قليلاً.

وقد نبه وورن آكي( Warren Agee) إلى ضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة لمعالجة مشكلة الاختلال الإخباري إذ إن التقييم الشامل للموقف يشير إلى وجوب زيادة الجهود المبذولة زيادة هائلة لتنبيه محرري وسائل الإعلام الغربية وأصحابها والجمهور العام ، من مستقبل الدول الديمقراطية الصناعية الذي يظهر للمتأمل بحيث إن مناطق واسعة جداً من العالم قد تغلق بوجه الصحفيين الغربيين ، أو أن تقوم بتغطيتها نحو انفرادي للوكالات الوطنية التي تسيطر عليها الدولة ، ذلك بالضبط هو الاحتمال الوارد في حالة فشل وسائل الإعلام الغربية في محاولاتها لتصحيح عدم التوازن الإخباري بين العالمين الأول والثالث وضمن الدول الأقل تقدماً.

ومما لا جدال فيه أن الاختلال الإخباري الخطير الحاصل في العالم تتحدد ملامحه الأساسية على الخارطة الإعلامية بـ ( ) :

1ـ الخلل في وضع وسائل الإعلام في العالم وتوزيعها.

2ـ سيطرة وكالات الأنباء الدولية على السوق العالمية للأخبار.

3ـ هيمنة سلاسل المحطات الإذاعية والتلفازية على الأثير الدولي. إذ إن الدول الصناعية المتقدمة تستعمل (92%) من الطيف اللاسلكي ، ومن المدار الذي تطلق إليه الأقمار الصناعية ، وإن هذه الدول تملك (98%) من إمكانات الحاسب الآلي ، وأن 70% من سكان العالم ، وهم أبناء الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لا يملكون سوى ( 40% ) من الصحف الصادرة في العالم و (22%) فقط من عدد النسخ المتداولة ، وأن (48%) من أجهزة الراديو توجد في أمريكا الشمالية و (32%) في أوروبا ، في حين لا يزيد نصيب آسيا على (12%) وأمريكا اللاتينية عن (5%) وأفريقيا (3%) فقط ، وبالنسبة لأجهزة التلفاز ، فهي تصل إلى ( 37%) في أمريكا الشمالية و ( 34%) في أوروبا و (16%) في آسيا و (9%) في أمريكا اللاتينية و (3%) فقط في أفريقيا ، أما في مجال إنتاج الكتاب فأن الولايات المتحدة وأوروبا ( والاتحاد السوفيتي السابق ) وكندا واستراليا ونيوزيلندا واليابان ، تنتج (81%) من مجموع الكتب في العالم ، في حين لا تضم هذه الدول أكثر من (30%) من مجموع سكان العالم ، مما يدل على أن ( 70%) من سكان العالم من أنباء الدول النامية لا ينتجون سوى (19%) فقط من مجموع الكتب الصادرة سنوياً. ويتضح من الجدول التالي أن معظم الدول النامية تعاني من قصور فاضح في الاتصالات ويتضح من ناحية امتلاكها لأجهزة الراديو والتلفاز والهاتف والاتصالات والمواصلات وذلك إذا ما قورنت بالدول الصناعية.

جدول يبين الاتصالات في العالم النامي

الدولة

أجهزة الراديو            ( لكل 1000 نسمة) 1994

أجهزة التلفاز            ( لكل 1000نسمة) 1996

أجهزة الهاتف           ( لكل 100 نسمة ) 1996

أذربيجان

 

212

8.5

الأردن

234

175

6.00

أفغانستان

118

10

0.14

البلنيا

10

173

1.90

الإمارات العربية

312

282

42.50

إندونيسيا

148

232

2.10

أوزبكستان

81

190

7.60

أوغندا

107

26

0.20

إيران

237

164

9.50

باكستان

88

24

1.80

البحرين

556

429

24.10

بروناي دار السلام

271

417

26.30

بنجلاديش

47

7

0.30

ينين

91

73

0.60

بوركينافاسو

28

6

0.30

تركمانستان

 

163

7.4

تركيا

162

309

22.4

تشاد

246

2

0.1

توجو

212

14

0.6

تونس

199

15

6.40

الجابون

147

76

3.20

جامبيا

163

 

1.90

الجزائر

236

68

4.40

جيبوتي

81

73

1.32

السعودية

294

263

10.60

السنغال

117

38

1.10

السودان

258

80

0.40

سوريا

257

91

8.20

سورينام

680

208

13.2

سيراليون

233

17

0.4

الصومال

41

14

0.15

طاجكستان

 

279

4.20

العراق

218

78

3.30

سلطنة عمان

583

591

8.6

غينيا

43

8

0.20

غينيا بيساو

40

00

0.70

كازاخستان

376

275

11.80

قرقيزيا

 

238

7.50

قطر

428

538

23.90

الدولة

أجهزة الراديو            ( لكل 1000 نسمة) 1994

أجهزة التلفاز            ( لكل 1000نسمة) 1996

أجهزة الهاتف           ( لكل 100 نسمة ) 1996

جزر القمر

129

5

0.79

الكاميرون

148

75

0.50

الكويت

445

373

23.20

لبنان

889

355

14.90

ليبيا

226

143

5.90

المالديف

118

39

6.30

مالي

44

11

0.20

ماليزيا

432

228

18.30

مصر

307

126

5.00

المغرب

219

145

4.50

موريتانيا

147

82

0.40

موزمبيق

37

3

0.30

النيجر

61

23

0.20

اليمن

32

278

1.30

 

ويبقى الاختلال قائماً في تدفق الأخبار والمعلومات والسبب في ذلك وكالات الأنباء الدولية على الصعيد الدولي ، فقد أكدت دراسة أجريت عام 1979 وتناولت (14) صحيفة من كبريات صحف أمريكا اللاتينية أن ( 90.7%) من أخبارها العالمية مصدرها وكالات الأنباء الدولية ، وهذا ما ينطبق ـ بالضرورة ـ على الدول النامية ومنها الدول العربية.

وتظهر نتائج عدد من الدراسات التي أجريت على صحف تنتمي إلى دول من البلدان النامية ، أن هذه الصحف تعتمد اعتماداً كبيراً في نشر الأخبار غير المحلية بخاصة على وكالات الأنباء الدولية وتحديداً ما تسمى وكالات الأنباء الأربع الكبار (Big Four) وهي وكالة أنباء رويترز ، وكالة الأنباء الفرنسية ( AFP) ، وكالة أنباء اسيوشيتدبرس (AP) ووكالة أنباء يونايتدبرس انترناشنونال(UPA).

آليات التحكم في مسيرة الإعلام الدولي وتأثيرها في الاختلال الإخباري:

هناك مجموعة من الآليات التي مكنت الدول الصناعية من التحكم في مسيرة الإعلام الدولي وإبقاء الاختلال الإخباري حالة قائماً ومستمراً ، يمكن أن نلخصها بما يأتي :

1ـ وكالات الأنباء الدولية :

التي نعني بها الثلاث الدولية ( رويترز ، فرانس برس AFP ، الاسيوشيتدبرس ) وتمثل هذه الوكالات مصدراً مهماً وكبيراً للأخبار بالنسبة إلى مختلف وسائل الإعلام في العالم ، فهذه الوكالات تمثل عملاقاً إعلامياً منتشراً في مختلف الأحداث العالمية في مجموعة كبيرة من عواصم العالم ومدنه.

2ـ وسائل الإعلام الدولية :

ونقصد بها الصحف والمجلات ذات الانتشار العالمي الواسع ، ومحطات الإذاعة وشبكات التلفزة التي تثبت لبلدان عديدة في العالم ، وتقوم بدور في الاختلال الإخباري بين دول الشمال ودول الجنوب ، وهذه الوسائل الإعلامية متركزة في الدول الصناعية ، ولا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ،وهذه الوسائل ( وسائل الإعلام الدولية ) لها قدرة كبيرة على الوصول إلى مختلف دول العالم وذلك بتوزيعها الكبير للصحف والمجلات ولوصول بثها لبلدان كثيرة في بقاع العالم المختلفة في ما يتعلق بمحطات الإذاعة وشبكات التلفزة ، وذلك بفضل توافر الإمكانيات المادية الكبيرة لديها وما توظفه من تقنيات إعلامية متطورة في عملها وبفضل خدماتها الإعلامية المتطورة التي تقدمها لجمهورها ، مما جعلها تصل إلى جماهير متنوعة وكبيرة في العالم.

3ـ التقنيات الإعلامية :

تمثل التقنيات الإعلامية المتطورة الموظفة في العمل الإعلامي أحد العوامل المساعدة في إيجاد الاختلال الإخباري بين دول الشمال ودول الجنوب.

ثانياً : مفهوم التدفق الإخباري :

وهي عملية انطلاق الأخبار من مصادرها إلى متلقيها عبر وسائل الاتصال المتنوعة ، ومن أنواعه :

1ـ التدفق الحر :

إن مفهوم التدفق الحر للأخبار ظهر في ميثاق حقوق الإنسان عام 1948 ، لكن هذا المبدأ قد ظهر لأول مرة عند صياغة دستور اليونسكو في 16 تشرين الثاني عام 1945 حين نصت المادة (1) من هذا الدستور على أن الوظيفة الأولى لليونسكو هي التوصل إلى اتفاق دولي بشأن زيادة التدفق الحر للأفكار بالكلمة والصورة ( The Free Flow Of Ideas By Word and Image).

ومع أن هذا المبدأ لم يظهر في ميثاق الأمم المتحدة، إلا أن المادة (19) من ميثاق حقوق الإنسان الصادر عام 1948 قد جاءت لتوسع هذا المبدأ إذ نصت هذه المادة على أن لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير ، والحق في أعتناق الآراء من دون التدخل والبحث عن المعلومات والأفكار وتلقيها وإذاعتها باستعمال وسائل الإعلام دون التقيد بالحدود الجغرافية ،ويأتي التساؤل الذي لابد منه ، لماذا ظهر هذا المبدأ بعد عام 1945؟ فنقول بأن هذا المبدأ كان تعبيراً عن تزايد قوة الولايات المتحدة الأمريكية ، وزيادة دورها في صياغة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية ، إذ إن أمريكا ودول أوروبا هي التي صممت النظام الدولي عقب هذه الحرب ، ولذلك أصرت على أن هذا المبدأ الذي يعبر عن مبادئ الديمقراطية الليبرالية وعن التجارة الحرة. وقد عُدَّ هذا المبدأ محرماً بالنسبة إلى لسياسة الأمريكية وكان دفاعها عن مبدأ التدفق الحر للأخبار يرمي إلى تحقيق أكثر من مرمى ، منها ما هو سياسي تمثل في دعم القيم الأمريكية في أنحاء المجتمع العالمي لتحقيق إستراتيجية لسيطرة وتعميق صورة الحياة الأمريكية لدى شعوب العالم ، ومنها ما هو هدف اقتصادي تمثل في تحقيق زيادة أرباح الاحتكارات الإعلامية الأمريكية وتوسيع شبكات الأعمال الأمريكية لأغراض اقتصادية وسياسية معاً. ويُعدّ التدفق الحر للأخبار مثل مفهوم التجارة الحرة ينتهي دائماً في صالح الدول التي لديها شبكات إعلامية أقوى. ولقد أصرت الولايات المتحدة الأمريكية على فرض هذا المبدأ والعمل على إحاطته بأكبر قدر ممكن من الاتفاق الدولي ، ومواجهة أية تحديات له ، لأنها تعرف المكاسب الاقتصادية التي يمكن أن تجنيها منه ، فهي تتمتع بمميزات كبيرة في صناعات الإعلام الدولي ، وأن هذا المبدأ يسع لشركاتها الاقتصادية والإعلامية والاتصالية بالتوسع تحت مظلة التدفق الحر ولذا كان هذا المبدأ امتداداً لمبدأ حرية السوق والتجارة وتدفق السلع والخدمات وتوسع الشركات الأمريكية عبر الحدود القومية وهذا مما قاد إلى فرضه كمبدأ عالمي، وكان الغرض منه توفير الأساس للشركات الاتصالية والإعلامية الأمريكية أن تعمل عالمياً بدون تدخل الحكومات. ولم تكن الدول التي كانت تخضع للاستعمار واستقلت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي تستطيع أن تفيد من هذا المبدأ ، أو تتمتع بحرية التدفق ، فقد كان ضعفها الإعلامي يجعلها مجرد متلقٍ سلبي لتدفق الأخبار على المستوى الدولي ، ومتلقٍ سلبي للمنتجات الثقافية الغربية ، والتي يأتي معظمها من الولايات المتحدة وبريطانيا. ويأتي التعبير عن تدفق الأخبار مقروناً بأجواء الحرية وقد أصبح التدفق الحر للأخبار ( Free Flow Of in News) صيغة ثابتة تعبر عن مضمون معين مستمر من الحقوق الإنسانية للفرد ومما تبلور من فلسفات تتعلق بالإنسان ككائن حي يمتاز من غيره بأجواء الحرية والتمتع بحقوقه الأساسية. ولذلك فأن الحرية هي الحق الأول وما بعدها يكملها ، والمعلومات وتداولها وانسيابها لا بد وأن يكون في إطار من أجواء الحرية التي لا تنتهي إلا عند بداية حرية الآخرين وحقوقهم.

عيوب نظرية التدفق الحر للأخبار :

تزايد الوعي بعيوب نظرية التدفق الحر للأخبار ولا سيما في النصف الثاني من القرن العشرين ، وعمق منتقدوه من نظرتهم وشددوا ملاحظاتهم ، إلا أنه من المهم أن نفرق بوضوح بين مَنْ يريدون أن يقيدوا من حرية هذا التدفق ، ومن يعارضونه سعياً إلى مزيد من حرية الإعلام ، كما يجب أن نفرق بين مَنْ يدافعون عن التدفق الحر ولكنهم لا يسعون تحت أي مسمى لاحتكار التدفق الإخباري، ومن يصممون على الحفاظ على المراكز الاحتكارية وتوسيع نطاقها ، وكذلك الوضع القائم في وسائل الاتصال الدولية ويستخدمون مبدأ التدفق الحر لإضعاف انتقادات البلدان النامية( ) ويقول دعاة() التدفق الحر للأخبار بأن هناك علاقة وثيقة بين حرية هذا التدفق وبين التنمية ، وأن التبعية تنشأ عندما تحصل الدول المتقدمة على المهارات والتقنيات التي لا تستطيع الدول النامية الحصول عليها وهكذا فأن الاستقلال يتعزز بتدفق غير مقيد للإعلام بين الدول ، الأمر الذي يتيح للدول النامية أن تحصل على أي إنتاج فكري أو ثقافي تريده بأقل ثمن ممكن ،وكلما كان تدفق الأخبار حراً ،كلما أتسع مجال الفرص أمام هذه الدول. أما المناهضون لمبدأ التدفق الحر للأخبار فهم ينظرون إليه كواحد من الأعمدة الرئيسية لاستراتيجية عالمية شاملة للسيطرة الإعلامية ، وأنه استعمل كأداة في أيدي الأقوياء للتغلغل في ثقافات الضعفاء وتلويثها( ). ولقد نجم عن تعارض الموقفين بين نظرتي كل من وسائل الاتصال الغربية والمؤسسات المماثلة في البلدان النامية أن طرحت الدول النامية مبدأ التدفق المتوازن للأخبار ، وقد تبنت اليونسكو في عهد إدارتها السابقة برئاسة السنغالي مختار أميو هذا المفهوم ، ولذلك وقفت معظم الدول النامية ضد مبدأ التدفق الحر للأخبار موقفاً ناقداً ولا سيما ضد وكالات الأنباء الدولية التبي كان اتهامها يتلخص بثلاث نقاط هي:

1ـ إن ملف الأنباء الأجنبية لدى هذه الوكالات يبتعد عن محور اهتمامات الدول النامية فضلاً عن أنه لا يلائمها وحاجاتها.

2ـ إن الدول النامية لا تحصل على المعلومات المناسبة والكافية عن بلادهم وأقاليمهم المختلفة من وكالات الأنباء الدولية.

3ـ إن وكالات الأنباء الغربية تبرز للعالم صورة خاطئة منحازة وغير منصفة للدول النامية وتميل إلى التركيز على الأزمات والكوارث والحوادث المثيرة والأحداث الشاذة وكل ما هو سلبي في أخبار هذا العالم.

لكن الاتهامات التي وجهت للوكالات القوية تحتاج إلى مراجعة ، بخاصة من هؤلاء الشاكين في العالم فالاتهامات بـ ( الغلبة ) و ( القوة ) و ( التغلغل) تكاد تكون مدائح عندما يتعلق الأمر بوسيلة الإعلام ، كما أن الاتهامات بالترويج لسياسات وثقافات معينة وتطويع البنى الخبرية لمعايير السوق تكاد تكون توصيفاً وسرداً لواقع أكثر من كونها اتهاماً ، ذلك أن من يدعو لإنشاء وكالة أنباء عربية أو إسلامية أو وطنية قوية يضع هذين الاتهامين في مقدمة نصائحه لتلك الوكالات المفترضة أو المتمناة. وثمة اتهام آخر يتعلق بمنع هذه الوكالات أو الأنظمة التي تعمل بواسطتها مد الآخرين أو مساعدتهم بالتقنية والخبرات اللازمة ،وهذا أمر مردود عليه بالنظر إلى أن التغيرات المتسارعة التي عرفها العالم أخيراً في مجال الإعلام ووسائله التقنية والمهنية كلها مطروحة في الأسواق بل أن بعض وسائل الإعلام العربية أمتلك أحدث ما وصلت إليه التقنيات الغربية في مجال الإعلام ، واستعان بملاك وخبرات من تلك الوسائل ـ فالسوق في هذا المجال ـ مفتوحة ،والمسألة عرض وطلب ، والفرق يكمن في كيفية استعمال تلك الوسائل لا في الحصول عليها ، طالما كانت الأموال والإدارة متوافرة، إنه لم يلاقِ التأييد في الغرب ، وجوبه المفهوم بالنقد والتشكيك وإضفاء الطابع السياسي ـ الإيديولوجي، عليه بدعوى أن هذه المقترحات من بنات أفكار الدول الشيوعية أو الماركسية، فضلاً عن أن من شأن هذا المفهوم من وجهة نظر الغرب ، أن يبسط سطوة الحكومات على الإعلام ويجيز تدخلها بحجة المحافظة على ( التوازن) الأمر الذي بنت عليه وجهة النظر الغربية الزعم بأنه يهدد حرية الإعلام برمتها.

دور الجمعية العامة للأمم المتحدة في حرية تداول الأخبار :

لقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن حرية تداول الأخبار من حقوق الإنسان الأساسية ، وهي المعيار الذي تقاس به جميع الحريات التي تكرس الأمم المتحدة جهودها لحمايتها إذ إن حرية تداول الأخبار تتطلب بالضرورة ممن يتمتعون بمزاياها أن تتوافر لديهم الإرادة والقدرة على عدم إساءة استعمالها ، فالالتزام الأدبي بتقصي الحقائق دون انحياز وبنشر المعلومات دون قصد سيئ يُعد إحدى الأسس المهمة لحرية تدفق الأخبار إذا كنا نتحدث فعلاً عن حق الاتصال بكونه حقاً جديداً أو تطوراً لحق الإنسان في حرية التعبير والبحث عن المعلومات والأخبار وإيصالها إلى الآخرين وتلقيها منهم برغم الحواجز والسدود.ولابد هنا من تأكيد العلاقة بين التدفق والحرية بكونهما علاقة متلازمة لا تنفك أبداً. وتأتي هنا مسؤولية المؤسسات في توفير حريات الممارسة لأصحاب الحق وهذه العلاقة واضحة لا لبس فيها أو غموض ولا يمكن أن ينال منها سوى من لا يؤمن بمبادئ حق الاتصال وحق الأفراد في ممارسة حياتهم بحرية مكفولة ولا يجوز لأحد أن يستبعدهم ويجردهم من حقهم في الحرية والحياة الكريمة ليست بالقول بل بالممارسة ، وتعني ـ أيضاً ـ توفير الإمكانات لتمكين الناس من الإفادة منها وبما يؤكد إسهامهم في أداء المؤسسات القائدة لوسائل الاتصال التي بدونها لا يستطيع الإنسان أن يصل إلى الطرف الآخر ، فالإتاحة والإسهام والمشاركة هي جماعة الحرية التي لا بد منها للتدفق الحر للأخبار.

النتائج المترتبة على سيادة نظرية التدفق الحر للأخبار :

والتدفق الإعلامي ( أي الرسالة ) أو ( المضمون الإعلامي ) الذي تحمله مختلف أقنية التقنية المتطورة ، والتي تتجه من الغرب إلى الشرق وإلى الجنوب حاملة معها ثقافات وقيماً جديدة تعمل على إحداث التغيير في البنية الاجتماعية والاقتصادية لشعوب البلدان النامية التي تستقبلها عبر التدفق الإعلامي.

ويعرفّ تقرير اللجنة العربية لدراسة قضايا الإعلام والاتصال في البلدان العربية التدفق الإعلامي بأنه تدفق المنتجات الإعلامية والتقانية والمعلومات التي تعتمد عليها وسائل الاتصال الجماهيري ، ويدخل في هذا النطاق، الخبر والتعليق والصورة والبرنامج الإذاعي والبرنامج التلفازي، والفيلم السينمائي والمعلومات والبيانات. واعتمد تدفق المواد الإعلامية مبدأ يقوم على ضرورة انتقال الرسالة الإعلامية بحرية عبر الحدود القومية. وفد ترتبت مجموعة من النتائج السلبية على سيادة نظرية التدفق الحر للأخبار بالنسبة إلى الدول النامية أبرزها:

1ـ قصور التغطية الإعلامية لأحداث البلدان النامية.

2ـ تحريف المضامين الإعلامية.

3ـ تبعية الأساليب الإعلامية في البلدان النامية.

إذاً مبدأ التدفق الحر قد أسيء استعماله من جانب الدول الصناعية المتقدمة وكثيراً ما استعملته هذه الدول كأداة اقتصادية وإيديولوجية للسيطرة على شعوب الدول النامية ، فقد حاولت بعض الحكومات الغربية ـ بالتعاون مع الشركات متعددة الجنسية ـ اتخاذ مبدأ التدفق الحر كمظلة للتدخل في شؤون الدول النامية سعياً لانتهاك سيادتها القومية وضرب سياساتها الإنمائية وتخريب ثقافاتها القومية( ).

واستعمل هذا المبدأ كوسيلة سياسية في الصراع بين الدول الاشتراكية بقيادة ( الاتحاد السوفييتي السابق ) ، والدول الرأسمالية المتطورة ( بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ) ، أبان سنوات الحرب الباردة ووسيلة اقتصادية من الدول الغنية لتحقيق أغراض سياستها الخارجية في الدول النامية ، ولهذا رأت الدول النامية في مبدأ التدفق الحر للأخبار ، تأكيداً لسيطرة عدد قليل من الدول الصناعية المتقدمة على سيل المعلومات المتدفقة إلى الدول النامية ، وترى أن حرية الإعلام تعني أن يكون تدفق المعلومات باتجاهين ، تأكيداً للعدالة في التبادل الإعلامي الدولي( ). ويعني هذا بالمطلق حرية المعلومات إلى كل الناس وهو ما نصت عليه شرعية حقوق الإنسان وما يتناسب مع مفهوم الديمقراطية ومشاركة الناس بالمعرفة وبالاطلاع ، إلا أن هذا الغرض البين في إيجابياته تحول في ظل اختلال التوازن بين مؤسسات الإعلام في الدول المتقدمة من جهة والدول الفقيرة من جهة أخرى إلى تدفق حر باتجاه واحد من المؤسسة الدولية إلى الصغرى ضمن البلد الواحد ومن الدول المتقدمة إلى الفقيرة ، الأمر الذي أسقط إيجابياته وحوله إلى أداة لسيطرة المؤسسات الدولية الكبرى على الصغرى وسيطرة الدول الغنية على الفقيرة( ).

ويمكننا هنا أن نشير إلى أن هناك ثورة في تدفق الأخبار قد حدثت في العالم، وأساس هذه الثورة وما يدفعها إلى الأمام هما مدّان قويان يهزان بنى السلطة في العالم، أولهما: الزيادة الهائلة والتوزيع واسع الانتشار للمعرفة والمعلومات من جميع الأصناف، وثانيهما: الأهمية المتزايدة للمعرفة في إنتاج الثروة والهبوط النسبي لقيمة المصادر المادية( ).

والتدفق الحر هنا هو مبدأ مشبع بالهمِّ الديمقراطي والمساواة حملته الوكالات الأمريكية لمواجهة احتكار الوكالات الأوروبية وأصبح الآن مبدأ يخفي كل مظاهر الاحتكار الذي تمارسه المؤسسات الإعلامية عبر الوطنية ويواجه باعتراضات واسعة، ويتخذ التدفق الحر في عمل المؤسسات الإعلامية عبر الوطنية طابع التدفق باتجاه واحد ونوعين هما( ) :

1ـ التدفق الحر من القائمين على وسائل الإعلام العالمية وهم رجال أعمال كبار وشركات صناعية أو تجارية عابرة للبلدان ، إلى الطبقات الأخرى في المجتمع.

2ـ التدفق الحر من الدول الحاضنة لهذه المؤسسات وهي الدول الصناعية الدولية إلى كل العالم.

ويجب أن لا توضع المسؤولية الكاملة للتدفق الإعلامي في اتجاه واحد على مؤسسات التوزيع مثل وكالات الأنباء ذلك أن توجه تدفق الأخبار في اتجاه واحد هو أمر واضح في مضامين الرسائل الإخبارية وفي اختيار الموضوعات وفي الأحكام القيمية الذاتية التي ينطوي عليها تقديم واختيار الأخبار.

وبنظر البلدان النامية ومنها الوطن العربي بات من الواضح بصورة متزايدة أن تدفق الأخبار عبارة بدت منطوية على حركة شاملة للأفكار والمواقف ذات الاتجاه الواحد من البلدان الغنية إلى البلدان الفقيرة.

وينكر ( فرانسيس بال ) تلك الشكوى المتصلة من لدن الجنوب في ما يخص المطالبة بـ ( التوازن) و ( الموضوعية ) ويعد تلك الشكوى مجرد تذكر ورد فعل عابر ، ذلك أن أحالات الخبراء لهذه اللاموضوعية واللاتوازن التي تحكم فعالية الشمال الاتصالية ـ المعلوماتية باتجاه الجنوب إنما هي إحالات تصب في مدار حرية تدفق الأخبار. وهذا التدفق على درجة كبيرة من الأهمية لأن هذه الأخبار قد تكون الأساس الذي تبنى عليه السياسات الوطنية تجاه المسائل الخارجية أو التي تتقرر بناء عليها السياسات الداخلية. وتعد العلاقات الثقافية أحد العوامل التي تحدد التدفق الدولي للأخبار. فالأخبار تتدفق بين الدول ذات العلاقات الثقافية بصورة أكبر من تدفق الأخبار بين الدول التي لا يوجد بينها علاقات ثقافية ، كما تعدّ العلاقات الاقتصادية أيضاً أحد العوامل التي يمكن أن تحدد التدفق الدولي للأخبار ، فضلاً عن أن الأخبار تتدفق من الدول المستعمِرة ( الأم) إلى الدول المستعمَرة ، أو التي كانت مستعمرة من قبل ـ أكبر من التدفق في الاتجاه المضاد.

والتدفق الإخباري لا يعدو أن يكون إحدى الآليات التي يراد بها نشر نموذج النظام الرأسمالي ومن ثم إعادة إنتاج هيكلية على الصعيد العالمي. وفي ظل هذه السيطرة الغربية يمكن أن ـ نلاحظ ـ بوضوح الكثير من الآثار السلبية السيئة للتدفق الإخباري الاحتكاري الغربي على الدول النامية في ما تعاني من مشكلات كثيرة، منها على سبيل المثال مشكلة الاستهلاك الترفيهي ومحاكاة الدول المتقدمة من دون تقدير لظرف مراحل التنمية المختلفة وأولوياتها ، وأيضاً من دون مراعاة للقيم الاجتماعية والدينية والأخلاقية( ). ويرتبط التدفق الإخباري ، ونظام الاتصال الدولي والتبادل الإعلامي الدولي بمفاهيم متداخلة مثل ( حرية الإعلام ) و ( التدفق الحر للإعلام ) و ( التدفق المتوازن للإعلام ) و ( النمو الحر للوسائل الإعلامية ) التي جاءت ثماراً طبيعية للمبدأ الأساسي الخاص بحرية القول والرأي.

تأثيرات الاختلال المحتملة في تبادل الأخبار :

ومن أبرز تأثيرات الاختلال المحتملة في تبادل الأخبار والتدفق الإخباري هي:

1ـ اتضاح حدود للمسايرة والمغايرة السياسية.

2ـ تحول الأنظار إلى موضوعات سياسية محددة.

3ـ إثارة الشك السياسي.

4ـ الإغراق في الأخبار السياسية.

5ـ الوفرة الاتصالية السياسية.

6ـ الإحساس بضعف الدور السياسي العربي بالنسبة إلى الوطن العربي.

7ـ شيوع تسميات وتعميمات سياسية براقة.

8ـ شيوع الأفق الغربي في النظرة السياسية.

9ـ تكوين صورة جزئية ومتميزة عن وضع العالم السياسي.

10ـ المقارنة والتطلع السياسي.

أنواع التدفق الإخباري :

واستناداً إلى حقيقة الاختلال التي أشرنا إليها نستطيع أن نقول بأن هناك ثلاثة أنواع من التدفق الإخباري وهي :

1ـ التدفق الداخلي للأخبار.

2ـ التدفق العربي ـ العربي للأخبار.

3ـ التدفق العربي ـ الدولي للأخبار.

وقد تمكنت الولايات المتحدة من أن تكون أضخم ماكنة للتدفق الإخباري في العالم بسبب تركيز كبريات وسائل الإعلام ووكالات الأنباء فيها وتعدد شبكات اتصالاتها ومراسيلها. ولذلك فقد ظهر اختلال واضح أطلق عليه ( التدفق في اتجاه واحد) من الدول المتقدمة إلى الدول النامية ، أي من الدول التي تمتلك القوة الاقتصادية والتكنولوجية إلى الدول الأقل تقدماً. كما أن عملية التحكم في تدفق الأخبار هي ـ أساساً ـ بين المؤسسات الإخبارية الدولية التي تتخذ لها مقرات في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ، وهي الدول التي تتمركز فيها وكالات الأنباء الدولية ، كما أن مجمل الأخبار والمعلومات والنشاطات التي تقوم بها هذه الوكالات هي التي تجري في الدول الغربية الصناعية مع نسبة ضئيلة جداً من أخبار منتقاة من الدول النامية غالباً ما تكون سلبية بالنسبة لهذه الدول أو مشوهة أو اختيرت على نحو يحظى باهتمام الجمهور العام في المجتمعات الغربية ، أما أشكال التفاوت الناتجة فكانت تميل إلى رسم الإطار المناسب للمناقشة حتى داخل البلدان النامية ، إذ إن اضطلاع عالم الجنوب بمسؤولية المشاركة في تطوير القانون الدولي الإعلامي ، ومكافحة الحرب النفسية الإعلامية. مسألة ضرورية لإحداث التكافؤ في النظام الدولي، ولحماية مجتمعات الدول النامية من الانقسام والتهميش والتبعية.

مراحل التدفق الإخباري :

خلصت اليونسكو من واقع دراسة نشرتها وقومت فيها مراحل الدراسات الإعلامية الخاصة بعدم التوازن الإعلامي إلى وجود ثلاث مراحل للتدفق هي:

المرحلة الأولى: بدأت في الخمسينيات والستينيات وكانت تؤكد جوانب الرسالة ونتاجها على نحو يتخطى النمط التقليدي ، ويهتم بالعامل البشري ، إلا أن قصور هذه الدراسات تمثل في اكتفائها بالجانب التكنولوجي للرسالة الإعلامية وعدم تكامل التحليل الذي يتناول الجوانب الثقافية أو التعليمية أو العلمية التكنولوجية المؤثرة على التدفق كل بمعزل عن الآخر.

المرحلة الثانية : وقد تضمنت المرحلة الثانية ( عقد السبعينيات ) التناول النقدي لجوانب النتاج والتوزيع للرسالة ومضامينها ، وتعرضت للتدفق الإعلامي الدولي في سياقه السياسي ـ الاقتصادي من دون تناسٍ لطبيعة تلك المدة التحررية وزيادة الفاعلية في المجال الدولي وطفرة التكنولوجيا في مجال الاتصالات ومحاولات تأسيس شبكة اتصالات دولية وانسياب الأخبار وتدفقها وأنظمة الاتصال الخاصة بالأقمار الصناعية.

المرحلة الثالثة : أصطلح تسمية هذه المرحلة بعصر المعلومات ، والتي تشابكت فيها بشدة تكنولوجيا الاتصال ومفرداتها في مجال الكومبيوتر والمعدات والأجهزة والمنتجات مع الرسالة الإعلامية ، وفي التفاعل بين النشاط والسلوك الإنساني والاجتماعي ، أي أن الحاجة هنا أصبحت في تناول ظاهرة تدفق المعلومات والإعلام في نطاقها التكنولوجي والفردي ومستويات التدفق المحلي والدولي والكوني أو عصر الفضاء. برغم أن بعض الدول النامية و ( العربية بخاصة) قد أبدت تخوفاً مما كان يحدث من تحول لبعض وسائل الإعلام الغربية إلى الطابع المؤسسي الدولي الضخم ، وأن هذا التحول قد يهدد حرية التبادل الدولي للأنباء والمعلومات ، إلا أن العديد من الأصوات ارتفعت لتؤكد أن التدفق الهائل للمعلومات سوف يوازن بين سيطرة الاحتكارات على المؤسسات الإعلامية الدولية وبين حرية تبادل الأنباء والمعلومات ، وأن قدرة الأنباء والمعلومات على الانتشار سوف تقلل من هيمنة الاحتكارات المالكة لوسائل الإعلام الدولية( ).

سمات التدفق الإخباري :

ما يأتي أبرز سمات التدفق الإخباري التي يمكن رصدها :

1ـ اختلال التدفق الإخباري العالمي :

ليس اختلال التدفق الإخباري العالمي وليد اليوم أو تطورات طرأت على الوضع الدولي في السنوات الأخيرة وإنما هو سمة رئيسية لتدفق الأخبار منذ عقود طويلة ، وتظهر نتائج عدد من الدراسات()التي أجريت على صحف تنتمي إلى الدول النامية ، أن هذه الصحف تعتمد اعتماداً كبيراً في نشر الأخبار غير المحلية ولا سيما على وكالات الأنباء الدولية وتحديداً على ما تسمى وكالات الأنباء الأربع الكبار ( Big Four) وهي ( وكالة أنباء رويترز ، وكالة الأنباء الفرنسية AFP ، وكالة أنباء اسيوشيتدبرس AP ، ووكالة أنباء يونايتدبرس انترناشنال UPA)( ).

المخطط التالي يعبر عن حال التدفق الإخباري العالمي:

 شكل رقم (7)

 

 NORTH ( الشمال ) = الدول الغنية ، الصناعية ، بخاصة في أمريكا الشمالية وأوروبا ، فضلاً عن اليابان.

SOUTH ( الجنوب ) = الدول الصغيرة ، الفقيرة ـ التي تقع في نصف الكرة الجنوبي ، بخاصة في أفريقيا والمحيط الهادي وأمريكا اللاتينية وآسيا.

2ـ الاختلال لصالح الدول المتقدمة :

إن الاختلال في التدفق الإخباري العالمي نشأ عن التفاوت بين حجم الأنباء والمعلومات الصادرة من العالم المتقدم والموجهة إلى البلاد النامية وبين حجم التدفق في الاتجاه المعاكس ( وأن نحو 70 ـ 90% من التدفق الإخباري العالمي يأتي من الشمال إلى الجنوب ، مقابل من 10 ـ 30% فقط في الاتجاه المعاكس).

كما أن التدفق الدولي للأنباء ظل دوماً يتتبع تدفق الأموال بمعنى أن الأنباء تصنع وتخرج وتتجه إلى حيث تتركز الأموال : تجارة واستثمارات.

3ـ الاختلال لا يستثني دولاً متقدمة:

إن الكثير من الدراسات التي أجريت في مجال تدفق الأنباء أوضحت أن الدول المتقدمة أيضاً لا تستثنى من اختلال التدفق ، وأن صحفها تعاني من الاعتماد الكبير على الوكالات الدولية في نشر الأخبار الخارجية ، ولا يقتصر الخلل في التدفق الإخباري بين الدول المتقدمة بعضها لبعض على الجوانب الفنية المتعلقة بوسائل إعلام تلك الدول فقط ، لكنه يتعدى ذلك ليلقي بظلاله على مسائل ( الهوية ) وتنتج عنه دعوات تعتمد خطاب ( الغزو الثقافي ) و ( الهيمنة) ، ربما على نحو مساوٍ أو أكثر مما يصدر من الدول النامية. وعموماً فأن الاختلال لا يستثني دولاً متقدمة إذ تعاني دول متقدمة كثيرة تمثل المواقع الأمامية بين البلدان لجهة القدرات الصناعية والاقتصادية والتقنية ، ولجهة الثقافة والتاريخ تعاني من مشكلات هذا الاختلال الذي يظهر أنه ناشئ عن احتكار مؤسسات بعينها للمشهد الإخباري العالمي وليس دولاً بعينها. ويمكن اعتماد المخطط التالي للتعبير عن حال التدفق الإخباري العالمي الذي يراعي الاعتبارات السابق ذكرها.

المخطط رقم (8)

  

مخطط رقم (8) الاختلال المروج في التدفق الإخباري

(NORTH)( الشمال ) في الدائرة الكبيرة = الدول المتقدمة التي تمتلك وسائل إعلام كبيرة ولا سيما إحدى وكالات الأنباء الأربع الدولية ( الولايات المتحدة ، بريطانيا ، فرنسا).

(NORTH) الشمال في الدوائر الثلاث العلوية الصغيرة = الدول المتقدمة التي تملك وسائل إعلام أقل قدرة وتحديداً وكالات أنباء بين المحلية ونصف العالمية ( إسبانيا ، ألمانيا ، هولندا ، إيطاليا ، كندا ، … ).

(SOTH) ( الجنوب ) في الدائرة السفلية = الدول النامية.

4ـ الاختلال قابل للمعالجة :

مما يشجع على القول بأن الاختلال قابل للمعالجة هو التجارب الناجحة التي أسست لإمكانية معالجة الاختلال القائم في التدفق الإخباري العالمي وهو حالة وكالة أنباء الأسيوشبيدبرس ( AP) عندما اتهمت وكالات الأنباء الدولية (رويترز) و(هافاس) و ( وولف ) بأنها : تنقل للعالم أنباء حروبنا مع الهنود الحمر في الغرب ، وجرائم الغوغاء والرعاع في الجنوب ، وأعتى الجرائم الشاذة في الشمال ، ويصورون الولايات المتحدة في صورة بلد غارق في الصراعات العنصرية وأنها أكبر مسرح لحوادث القطارات والعواصف والفيضانات والجريمة ، إن الوكالات الدولية لم تنقل شيئاً عن الولايات المتحدة يمكن أن يجعل صورتها ناصعة. على أن أسيوشيتدبرس لم تقف عند حدود الشكوى ، لكنها بنت أكبر وكالة أنباء في الولايات المتحدة ، ثم توسعت شرقاً حتى صارت إحدى الوكالات الأربع الدولية بامتياز لتبدأ في تلقي اتهامات من النوع نفسه.

أما في ما يخص الإعلام العربي فأن العقد الأخير من القرن العشرين شهد ظهور عدد من المؤسسات الإعلامية التي استطاعت أن تحقق اختراقات نوعية في مستوى الأداء الإعلامي العربي واستطاعت أن تنافس وسائل إعلام دولية عريقة في القدم والتقدم وتجبرها على التعاون معها والنقل عنها في إطار أجواء من المنافسة والندية ، ووسائل الإعلام تلك ـ وإن كان بعضها برغم الملكية العربية له يصدر في أوروبا ـ تمثل الآن مواقع مهمة ومؤثرة ولها حضور ونفوذ قويان وهي : قناة الجزيرة الفضائية ( القطرية ). وقناة العربية الفضائية ( السعودية ). قناة ابو ظبي الفضائية ( ابو ظبي). صحيفة الحياة اللندنية ( سعودية). صحيفة الشرق الأوسط اللندنية (سعودية). كذلك نلاحظ تراجعاً لافتاً لسيادة الدولة في مجال الإعلام ، ولم يعد ممكناً إخفاء الخبر المحلي عن الرأي العام ، حتى ولو كانت الحكومة المعنية تعارض نشر هذا الخبر فها هي التقنية التلفازية تخترق الحدود في وقت قصير.

معوقات التدفق الإخباري :

إن من أبرز معوقات التدفق الإخباري هي :

1ـ طريقة العرض ، إذ لا يوجد التزام كامل بمبدأ عرض الحقائق على نحو دقيق وموضوعي ، إلا على نحو متفاوت ، إذ إن الطابع الأعم لعرض الأخبار المتدفقة تغلبه انفعالات التهليل والتضخيم والشحنات الكافية فيصبح الخبر ـ في معظم الأحيان ـ شكلياً ، وغير متوازن ، وغير كامل ، أي عاجزاً عن ممارسة وظيفته باعتباره يمثل سجلاً يومياً للأحداث المعاصرة ، ولوحظ أن القارئ قد تعّود على التعامل مع مثل هذه الأخبار على أنها دعاية.

2ـ طريقة عرض الأخبار وتوزيعها بحسب التقسيمات الجغرافية ، فالتقسيمات النوعية الجغرافية للخبر وأسلوب كتابته ويتضح بالنظر إلى القالب الفني لتحرير الأخبار لاحتكار وكالات الأنباء له ، كما احتكرت تعميمه على وسائل الإعلام الجماهيرية ، التي ينطبق عليها تعبير (الختم) ، والذي يكرس نصاً بيروقراطياً يحصر المهمة الصحفية بتوفير الإجابات المتغيرة عن أسئلة مَنْ ؟ ماذا ؟ وأين ومتى ؟ وترتيبها في الفراغات التقليدية الثابتة فضلاً عن أن هذه الصيغة أقرب إلى قالبي السرد الصحفي ، والزمن المعكوسين التقليديين اللذين واكبا ظهور وكالات الأنباء ، ومحاولات تحديد صيغ تحرير الأخبار منذ قرن ونصف.

التوازن في الأخبار:

هو التعادل بين طرفين في ما لهما من حقوق وواجبات متبادلة ، وفي ميدان الاتصال يعني التعادل بين الأخذ والعطاء والاهتمام المشترك بكل حقوق وقضايا كل طرف للطرف الآخر( ). كما أن التوازن في أوروبا المعاصرة مشروط بعمليتين مختلفتي الاتجاه : الوحدة والاختلاف على الصعيد الاقتصادي ، والخصوصية والاختلاف على الصعيد الثقافي( ). وقد نشأ عدم التوازن هذا بسبب التفاوت بين حجم الأخبار الصادرة من العالم المتقدم والموجهة إلى البلاد النامية.. وهذا التدفق يسير في اتجاه معاكس.. ولا تغطي وكالات الأنباء الدولية من أخبار الدول سوى نسبة قليلة ، على الرغم من أن هذه البلاد المتنامية تمثل ما يقرب من ثلاثة أرباع البشرية وهذا يؤدي إلى احتكار فعلي من جانب الدول المتقدمة.

وإطلاق كلمة توازن الاتصال تفترض وجود مشكلات وخلل في واقع الاتصال القائم ، وتسعى الأنظمة العربية التي وفرت ( واعية) أو ( غير واعية) المناخ المناسب للتدفق او لما يسمونه ( الغزو الإعلامي ) إلى استعمال هذه المقولة كشماعة جديدة تحمل الخيبات والاحباطات الإعلامية لهذه الأنظمة إذ إن هذا التدفق أو هذا الغزو ـ بحسب المصطلحات السائدة ـ يمثل حقيقة موضوعية تعكس توازن القوى على الصعيد الدولي وتجسده.

إن حرية التدفق الإخباري في العالم واقع لا يمكن تجاهله أو حتى الالتفاف حوله في المستقبل ، ومن تجليات ذلك انتشار إعلام الفضائيات وأجهزة استقباله ، وانتشار الإقبال على التعامل مع شبكة الانترنت وهو ما يتطلب ضرورة تخفيض لكلفة رسوم تمكين المواطن من الاطلاع والتعامل مع هذه الوسائل الإعلامية والإقدام على إنشاء انترنت عربي وشبكة معلومات عربية ، وهو الأمر الذي اهتمت به بلدان أخرى كالصين والهند وعدد من بلدان أمريكا اللاتينية. ولكي نعالج التدفق الحر للأخبار بين فئات المجتمع الواحد لابد أن نضع في الحسبان ليس حاجة الفرد إلى الأخبار فحسب بل صياغتها له في قالب يمكنه من فهمها واستيعابها والإفادة منها لأن القضية ليست تدفقاً عشوائياً للأخبار دون هدف أو إستراتيجية تقود إلى أحداث أثر معين في الفرد أو المجتمع لضمان الفعالية والتأثر الحسن والمحسوس ، ولا بد من مراعاة الفوارق الثقافية والاجتماعية بين مكونات المواطنين في المدينة والريف ووضع المعلومات في قالب يمكن لأقل الأفراد مستوى من التعرف عليها والتفاعل معها لذلك ينبغي إلا نغفل جانباً مهماً من السكان بحيث توجه العملية الاتصالية بالأسلوب الذي يناسب الريف فضلاً عن ما يحتاج الفرد في الريف صاحب الحق في أن يعلم ويتصل ويتلقى المعلومات ومع كل ذلك فأن الملاحظ على الأسلوب السائد في أجهزة الاتصال في البلدان النامية ، هو الاهتمام بسكان المدينة أما سكنة الريف فعليهم أن يتقبلوا ما يوجه لهم بلغة المدينة وهذا الأسلوب يؤثر ـ من دون شك ـ في حصيلة المعلومات التي يتلقونها عبر هذه الوسائل بالرغم من أنها تشير في اتجاه واحد ولا تحقق عدلاً وتوازناً في تدفق المعلومات. أنه تدفق يتم التحكم فيه ايديولوجياً لغرض ثقافة واحدة على شعوب مختلفة ، وعلى أمم لها حضارات وثقافات متنوعة ، فيؤدي هذا التدفق إلى تقييد حق هذه الأمم في المحافظة على شخصياتها الحضارية ، وذاتيتها الثقافية ، وحقها في المشاركة في الاتصال على المستوى العالمي ، والتعبير عن مواقفها من أحداث العالم.

والمخطط التالي يبين حجم التدفق الإخباري العالمي واتجاهه :

المميزات المشتركة للعالم العربي في تحديد الاختلال :

عندما نتحدث عن التدفق الحر للأخبار ، وعن الاختلال الناتج عن عدم التوازن في هذا التدفق ، وعن الأثر الذي ترتب على هذا الاختلال في المجتمعات النامية والمغلوبة على أمرها التي لا تملك القدرة على مواجهته ولا تستطيع الهرب منه فهو يلاحقها أينما كانت في كل زمان ومكان فيجب أن لا ننسى أن اختلال التوازن هذا قبل أن يكون بين العالم المتقدم والبلدان النامية ومنه الوطن العربي ، فهو مشكلة اجتماعية وسياسية واقتصادية خطيرة تعاني منها تلك الدول بينها بل ويعاني منها البلد الواحد بين فئات مجتمعاته المتعددة ويؤدي بالتالي إلى اختلال واضح في البناء القومي للأمة.. وإذا أخذنا العالم العربي كأنموذج ( لمجموعة من الدول النامية) تتكون من دول أو مجموعات لها ميزات مشتركة كثيرة لا توجد عند غيرها من دول هذا العالم مثل :

ـ الحدود الجغرافية المشتركة.

ـ اللغة والحضارة والتاريخ المشترك.

ـ المقومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المشتركة.

ـ المؤسسات السياسية المشتركة كالجامعة العربية والمنظمات التابعة لها والتي تمس كل جوانب النشاط الإنساني الذي يؤثر في الفرد العربي في كل البلدان.

ـ الإحساس بالخطر الموجه لكل العرب وضرورة التغلب عليه بالصلابة والوحدة والتكاتف بين جميع أفراد الأمة العربية.

ـ الشعور بضرورة التقارب والتفاهم بين المواطنين العرب في كل الدول العربية دعماً وتركيزاً لمفهوم الوحدة العربية في نفس المواطن العربي.

وإذا وضعنا كل ما سبق ـ على سبيل المثال لا للحصر ـ في الحسبان وحاولنا أن نمتحن التداول أو التدفق للأخبار بين هذا العالم بعضه مع بعض لوجدنا أن هناك اختلالاً ظاهراً وواضحاً للعيان يدعو إلى المعالجة السريعة وإلى وضع أسبقية تجعل منه متقدماً في المعالجة عما سواه إذا افترضنا أن ( الخطوات المتلاحقة ) هو الأسلوب الأمثل أو الممكن للمعالجة ، وأن إصلاح الاختلال بين الدول النامية وبينها وبين دول العالم المتطور لا يمكن أن ينجز في وقت واحد ، وبأسلوب متوازن ، إذ لا بد من وضع ترتيب وأولويات وأسبقيات في هذا الصدد.

وعندما نتناول في الحديث التداول والتدفق الحر للأخبار ينبغي أن لا ينصرف الذهن إلى وسائل الإعلام الجماهيري كالإذاعة والتلفاز والسينما والصحف والكتب والشريط … الخ ، بل أن التداول والتدفق الحر للأخبار في هذا السياق يشمل حتى الوسائل غير الجماهيرية وهي ما تسمى بالاتصال بين الأفراد ( Person and Person Communication ) مثل الرسائل والخطابات والمحادثات الهاتفية وغيرها مما يكون محصوراً بطبيعته بين الأفراد.

واقع التداول والتدفق للأخبار في العالم العربي :

إذا ما سلمنا بما سبق واتفقنا على الإطار الذي يحدد مفهوم التداول والتدفق يمكننا أن نستعرض واقع التداول الإخباري بين العالم العربي ، وهو استعراض أو مسح لا يقصد به الرصد أو الإحصاء المبني على المعلومات الرقمية ، بل ما هو جارٍ اليوم ولا سيما وسائل الإعلام الجماهيرية كوكالات الأنباء والصحف والإذاعة والتلفاز والسينما ومن الوسائل الأخرى كالهاتف والتلغراف والبريد ووكالة قومية للأخبار : وهي منشأة أساسية لجمع الأخبار المحلية وتوزيعها على أجهزة النشر المحلية كالصحف والإذاعة والتلفاز وبعض هذه الوكالات يعيد بث ما يتلقاه من أخبار إقليمية وعالمية عن طريق أدوات الالتقاط للوكالات الدولية التي تصل إشارتها إليها ومحطات الإذاعة ووكالات الأنباء الدولية التي تعد مصدراً أساسياً لأخبار العالم ، وفي كثير من الأحيان لأخبار الأجزاء الأخرى من الوطن العربي ، كل ذلك يصل إلى دور النشر عن طريق الوكالة القومية للأنباء ، ولكن حجم الإفادة من كل تلك الحصيلة الخبرية يتأثر بعوامل كثيرة وتتحكم فيها الظروف السياسية وطبيعة العلاقات بين بلدان العالم العربي سلباً وإيجاباً ، وهي ظروف غير مستقرة وتخضع لمتغيرات مستمرة.

ثالثاً : النظام الإعلامي العالمي الجديد ـ القديم :

هو نظام يقوم على تعديل أسلوب تدفق الإعلام الدولي لكي يكون أكثر عدلاً وتوازناً بين الدول المتقدمة والدول النامية، ولمواجهة المشكلات التي خلفها التدفق الإعلامي الدولي للدول النامية طالبت هذه الدول عبر المحافل الدولية بإقامة نظام عالمي جديد للتبادل الإعلامي الدولي. أكبر عدالة وفاعلية. ويعد النظام الإعلامي امتداداً للنظام الدولي. وتساءل أصحاب الحاجة في البلدان النامية عن أسباب عدم التوازن والتكافؤ؟ وهذا ما دفع إلى المطالبة بنظام إعلامي جديد يحقق العدالة والتوازن ويضمن حق الحصول على المعلومات الحرة المتدفقة وتوفير التكافؤ في الفرص والإمكانات التي توافر لإنسان البلدان النامية ما يحقق له التوازن ويمكنه من أن يدفع بما عنده من معلومات إلى الاتجاه الآخر وليس كما يحدث الآن من وجود تدفق هائل من المعلومات والأخبار من دول الشمال المتقدم إلى الجنوب ، البلدان النامية المتخلفة.

وكان لدعوة إلى إيجاد نظام عالمي جديد للإعلام أسباب تتمثل في اختلال حجم الأخبار التي يصدرها العالم المتقدم ويوجهها إلى البلدان النامية عن طريق وكالات الأنباء التي لم تكن تولي أنباء هذه الدول أهمية تذكر ، فإذا أوردت بعضاً منها ، فلا بد أن تدخل عليها التحوير والتشويه فتظهر مجتمعات البلدان النامية في مظهر غير لائق ، إذ لم يكن يعنيها من أخبار تلك البلدان سوى الانقلابات العسكرية والاضطرابات التي قد تحدث هنا وهناك ، والأزمات التي يتسبب الغرب نفسه في الكثير منها. وتظل البلدان النامية تنادي بهذا النظام لأن بروزه مرتبط بالسياسات والمبادرات في العالم المتطور والعالم النامي سواء بسواء( ). وقد تم تصميم النظام العالمي الإعلامي الجديد من أجل وضع كل شعوب العالم تحت نظام القانون العالمي، ويقوم على سيطرة نظام إعلامي دولي واحد ، وعلى هيمنة القطب الواحد( ). وظهرت فكرة وضعه في المؤتمر العام لليونسكو الذي أنعقد في نيروبي في عام 1976 ويستند هذا المطلب الذي طرحته البلدان النامية على حقيقة تقول أن البلدان الغنية تسيطر على شبكة الإعلام في العالم بينما استبعدت البلدان النامية من تبوء مكانها المناسب في هذا الميدان.

مضمون النظام الإعلامي الجديد:

نستطيع هنا القول بأن مضمون النظام الإعلامي الجديد يتحدد بـ:

1ـ ضرورة تعديل نظام التبادل الدولي للأنباء لكي يكون أكثر عدلاً وتوازناً بين الدول المتقدمة والدول النامية ، ولا بد أن يقوم ذلك على انسياب الأنباء والمعلومات في اتجاهين ، مما يمكن من تقديم صورة سليمة وموضوعية عن المجتمعات النامية.

2 ـ العمل على القضاء على عدم التكافؤ في مصادر الأخبار والمعلومات بين الدول ، وأن يرتبط ذلك بمعالجة الاحتكار في ملكية وسائل الاتصال وفي اعتماد مبدأ حرية تداول الأنباء والمعلومات ، والاعتراف بحق جميع الدول في الاتصال والإعلام.

ووجدت الدعوة لإقامة نظام إعلامي جديد آذاناً صاغية وتلقاها المجتمع الدولي بكل ما يملك من حسن نية وحماسة ، وكانت اليونسكو في مقدمة من أظهروا الحماسة له وشهدت مؤتمراتها واجتماعاتها العديدة حركة دائمة من أجل الوصول إلى الصيغة التي يمكن أن تحقق العدل الاجتماعي بين الناس بوسائل الاتصال وسبل تبادل المعلومات والمعرفة.

ومن المؤكد أن أدبيات علم الإعلام ، لم تعرف اصطلاح ( النظام الإعلامي الدولي ) حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، ولكن الاصطلاح بدأ يتردد في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات عندما شاع استعمال مصطلحات مشابهة في مجالات السياسة والاقتصاد وغيرها ، ثم سرعان ما أخذ الاصطلاح يشق طريقه إلى الكتابات الإعلامية والأكاديمية عقب المحاولة التي تبنتها منظمة اليونسكو في منتصف السبعينيات لمناقشة مشكلات الإعلام والاتصال الدولي ، وقد منيت المحاولة بالفشل لعدم واقعيتها من ناحية ، وبسبب مقاومة الدول الغربية لها من ناحية ثانية ، وانتهى الأمر بالإطاحة بأمين عام المنظمة الدولية الذي تبنى المحاولة. وبنظر البلدان النامية بات من الواضح بصورة متزايدة أن ( تدفق الأخبار ) عبارة بدت منطوية على حركة شاملة للأفكار والمواقف وذات اتجاه واحد من البلدان الغنية إلى البلدان الفقيرة كان خاضعاً لكيانات متعددة القوميات متمركزة في الدول الأكثر تسلطاً ،أما أنواع التفاوت الناتجة فكانت تميل إلى رسم الإطار المناسب للمناقشة حتى داخل البلدان النامية ، ومن الواضح أن الاستقلال السياسي لم يواكب بالاستقلال على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

ولكي نستوعب أبعاد هذه السيطرة الاستعمارية يكفي أن نعلم بأن أربع وكالات أنباء أوروبية وأمريكية فقط تحتكر إنتاج المادة الخام للأنباء وتوزعها للعالم كله. وقد استمرت دعوات دول العالم لإقامة هذا النظام وخاصة بعد الألفية الثالثة لأن النظام الإعلامي الحالي يتسم باختلال عميق بين البلدان المتقدمة التي تسيطر على دورة المعلومات من البداية إلى النهاية، وبرغم الجدل والمناقشات فأن الدول الصناعية وقفت موقفاً متشدداً من قضية النظام الإعلامي. وبما أن الدول التي دعت إلى إنشاء هذا النظام بغية تحقيق شيء من التوازن فأنها اختلفت حتى في تحديد مفهومه وتعريفه ، إذ يعبر عنه بعدة صياغات تنطوي على ضرب من التشابه والاختلاف في آنٍ واحد وبعض هذه التعبيرات:

1- New World Information Order.

2- New World Communication Order.

3- New World Communication and Information Order.

4- New Order.

وفي اللغة الإعلامية يستعمل مصطلح عام هو النظام الجديد.

ملامح النظام الإعلامي :

ويمكن تأشير أبرز ملامح النظام الإعلامي وتحديدها في عدة مواضع:

1ـ إن عدم التوازن الإعلامي هو حالة يؤشرها التفاوت الكبير في توزيع الإمكانات والموارد الإعلامية التي تتركز على نحو كبير في الدول المتقدمة وتغيب ويفتقر إليها في الدول النامية ، وهذا الوضع يؤدي إلى تدفق غير متوازن للإعلام والمعلومات يسير في اتجاه واحد من الشمال إلى الجنوب.

2ـ الإهمال الواضح والمتعمد لوكالات الأنباء في تغطية الأحداث والنشاطات التي تعكس الإنجازات التي تشهدها الدول النامية والمشاريع الكبيرة التي تديرها هذه الدول.

3ـ إن هذا الكم الهائل من المعلومات المستوردة من مصادرها العالمية أثار حفيظة الدول النامية وجعلها تشعر بالضآلة والعجز وبالنقص ولا سيما وأن المعلومات المستوردة تحمل قيماً ومفاهيم تنتمي لثقافات غريبة عن الكيان الثقافي الأصلي للمتلقين.

4ـ إن الرسائل الإعلامية المتدفقة من مصادرها العالمية باتجاه الدول النامية تتسم بانعدام العلاقة بينها وبين الواقع الاجتماعي السائد في مجتمعات الدول المتلقية.

5ـ إن أوضاع الإعلام الدولي الراهن لا تمثل وضعاً دولياً من الناحية المنطقية لأسباب تتعلق بالوضع ذاته في كون مدخلات هذا النظام كلها شمالية صرفة وهي اقتصادية وسياسية وعسكرية وقانونية وتقنية وطريقة اشتغاله وإدارته شمالية لكنه ذو مخرجات دولية وهي تمثل رغبة شمالية في الهيمنة التي تنتج عنها التبعية من الدول.

سمات النظام الإعلامي :

وفقاً للملامح السابقة يمكن أن نلخص أهم السمات لهذا النظام الذي يقع تحت وطأة جدلية محتدمة بين دول الشمال والجنوب:

1ـ هناك عدم تكافؤ في المصادر بين الشمال والجنوب ، إذ تتركز المصادر الإعلامية والثقافية من حيث الإنتاج والتوزيع بأنواعه كافة في الدول نفسها ، التي تحتكر مصادر القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية ، إذ بوجد عدم تناسب في توزيع مصادر الأخبار ، وعدد السكان واحتياجاتهم.

2ـ هناك دلائل على عدم تكافؤ في تدفق الأخبار بين الشمال والجنوب من الناحية الكمية ، والتي يمكن تقريرها على النحو الآتي : التدفق الإخباري من الشمال الذي يسكنه ثلث سكان العالم إلى الجنوب الذي يمثل ثلثي سكان العالم ، وهذا يشمل كذلك المسلسلات والبرامج والأفلام.

3ـ يتحدد مضمون الرسائل الإعلامية التي تبثها وسائل الإعلام في الشمال إلى الجنوب بانعدام مضمون المواد الإعلامية ،الواقع الاجتماعي والثقافي السائد في دول الجنوب ، أو طبيعة المشكلات التي تواجه هذه الدول ، مما يجعلنا نطلق على هذه المضامين ( مضمون المواد الإعلامية غير الثابتة ).

4ـ تأثير التغيرات العالمية ، التي حصلت في النظام الشرقي الشيوعي والتي من شأنها أن تقود إلى بعض التغيرات في النظام الإعلامي ، تلك الأنظمة التي انكمشت ، فلم تجد الدول النامية إلا الاتجاه إلى دول الشمال.

ومن جهة أخرى فأن النظام الإعلامي الدولي يعني ، إيجازاً ، التنافس الاقتصادي بين كتل كبرى ، والكتل الاقتصادية كما هي الآن : الولايات المتحدة وكندا، أوروبا الغربية ، بخاصة بعد وحدة ألمانيا ، أي الاتحاد الأوروبي مع احتمال أتساع هذه السوق وتطورها ،اليابان وبعض دول شرق آسيا ، وعلاقتها بالصين ، وأخيراً الاتحاد السوفيتي ( سابقاً) لذلك كان النفط أحد العناصر المهمة بالنسبة إلى كتل الاقتصادية المتنافسة فاليابان تستورد كامل حاجتها من الخارج ، وأوروبا تستورد الجزء الأعظم أيضاً من الخارج ، أما الولايات المتحدة التي تتحكم من خلال شركاتها وعلاقتها بالدول النفطية ـ بالقسم الأكبر من ملكية النفط وتجارته الدولية ـ مما يعزز وضعها الاقتصادي ، وبالتالي التنافسي ، وأيضاً لاحتفاظها بأموال النفط على كودائع وأسهم ، أو من مبيعات السلاح ، بخاصة للدول النفطية ، فأنها في وضع يمكنها من فرض صيغة للنظام الدولي الجديد ولاسيما عندما بدأت ملامح التذمر من النظام الحالي تظهر قبل انحسار المد الشيوعي وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم ، إذ جاءت الدعوة إلى نظام اقتصادي عالمي جديد تتساوى فيه الفرص ويزال الغبن عن الدول النامية ، فقد واجهت هذه الدعوة هجمة شرسة من القوى الرأسمالية.

النظام العالمي الجديد للمعلومات والاتصالات ( NWICO) :

تكمن فكرة هذا النظام في محاولة العديد من الدول مواجهة المشكلات المرتبطة بما أطلق عليه بعضهم ( الاستعمار المعلوماتي ) ( Information Imperialism).

فالاتصال نشاط محوري لجميع الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ويدعو النظام العالمي الجديد إلى أجراء تغييرات هيكلية في الاتصال على المستوى العالمي وصولاً إلى عدالة أكثر ومساواة أكثر وتفاعل أكثر بالنسبة إلى تبادل المعلومات ، فضلاً عن ضرورة مزيد من الاعتماد على الذات والحفاظ على الهوية الثقافية.

ومن أبرز خصائص النظام الدولي للمعلومات هي:

1ـ التسارع : تتسم التغييرات في المجتمعات بتزايد سرعتها باستمرار وما يخلق فجوة كبيرة تتزايد باستمرار بينها وبين الدول النامية.

2ـ الانفجار المعرفي : وتمثل الإفرازات البارزة لأطروحة الإمبريالية الثقافية بالدعوة الصارخة إلى ( نظام إعلامي عالمي جديد).. بادرت البلدان الأقل تطوراً إلى رفع شكواها الأستئنافية ضد هيمنة وسائل الإعلام الغربية أمام محكمة اليونسكو ومنابر الأمم المتحدة الأخرى ، مطالبة بغرض القيود على الدعاية الثقافية الغربية وبتوجيه سيل من المساعدات إلى المستعمرات السابقة لتحسين منظومات الاتصالات الناشئة فيها.

غير أن خطاب النظام الإعلامي العالمي الجديد لم يفض إلا إلى القليل من الإجراءات أو الخطوط الملموسة ،جزئياً لأن البلدان الأقل تطوراً ، قلعت عن الاهتمام بعد أن بادرت كثرة من الدول الجديدة إلى فرض التحكم المباشر بوسائل البث المسموع والمرئي في بلدانها وتحويل أجهزة الإذاعة ، التلفاز ، والصحف الرئيسية إلى تنفيذ السياسات والخطط الرسمية للحكومات.

الظواهر الآنية المرتبطة بالنظام الإعلامي الدولي :

وقد أصبح العالم يواجه بظاهرتين تحدثان في وقت واحد:

إحداهما: تطور النظام الإعلامي الدولي من طابع الثنائي إلى طابع النظام الواحد.

والأخرى: تنامي قدرات الولايات المتحدة وتعاظم نفوذها الإعلامي بحيث أصبحت القطب الواحد المهيمن على النظام العالمي مع وجود مراكز إعلامية أقل قدرة وأضعف نفوذاً مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان.

ومشكلة هذا النظام تكمن في أن هذه الكميات الهائلة من الطاقة العقلية التي تولدها تقنيات الإعلام تملك ، أو تدير ، غالبيتها العظمى مؤسسات إعلامية تعمل عبر الدول ( Transnational Corporations) وتتحكم هذه المؤسسات عبر الدول في قنوات الاتصال في الدول الساعية للنمو ، فتنساب الرسائل الإعلامية والثقافية من المركز ( أي من الدول المتقدمة) إلى الأطراف ( أي إلى الدول الساعية للنمو) وبالتالي تسهم وسائل الإعلام العاملة ضمن النظام العالمي الحالي في جعل الثقافة الوطنية غربية في بلدها ، يتم كل ذلك ضمن ما يسمى بـ( عملية التحديث) التي تقنن الثقافة واهتمامها بالعالميات من الأمور بحيث تتأثر القيم التقليدية والفنون التي تضفي على الثقافة طابعها ، فنرى الثقافة الشعبية الغربية تمتزج بثقافتنا ، بل وتبتلعها في بعض الأحيان( ).

رابعاً : حق الاتصال :

إن الحديث عن حق الاتصال في إطار النظام الإعلامي الجديد هو ما يجب أن يكون موضع اهتمام العالم والبلدان النامية كافة ( الوطن العربي أيضاً ) لكونه كتلة فعالة ومؤثرة وجزءاً أساسياً في البلدان النامية مما يزيد في قدراته على التأثير في الغير ويمنحه فرصة أوسع وحظاً أوفر بسبب الوضع الاقتصادي والاستراتيجي المتميز ولا سيما للعالم العربي في إطار الخريطة الدولية اليوم( ).

إن ظهور ما أصطلح على تسميته بـ ( حق الاتصال ) هو حق أو إطار يشمل فضلاً عن ما سبق إقراره تضمينه للمواثيق الدولية حق الفرد أو المجتمع في الانتفاع من المعلومات ( Access) وبالمشاركة في خلق تلك الوسائل ( Participation) وإدارتها وحق الفرد والمجتمع أيضاً في أن لا يكون تدفق المعلومات في اتجاه واحد ، وبذلك تتحقق العدالة في التوازن وبالتالي يسهم في توفير ما يساعد على التفاهم الدولي والإنساني.

وقد جاء الاعتراف بحق المواطن في حرية الرأي والتعبير الذي يعني الحق في إلا يزعج الفرد في آرائه ، وكذلك حقه في أن من يسعى دون أشياء متعلقة بالحدود للحقائق الإخبارية والآراء بجميع وسائل التعبير عنها وأن يستقبلها وأن ينشرها في المادة (19) من الإعلام العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 10 أيلول 1948 ، وأكمل هذا النص بالمادة (29) والتي أضحت من أكثر النصوص الدولية تداولاً بهذا الاتجاه في الكثير من الوثائق الدولية ، وهذا التطور قد قاد ولأول مرة إلى الاعتراف بحرية التعبير للفرد كحق من حقوق الإنسانية ، وما يعنيه هذا الحق من طرائق ووسائل التعبير عنه. ولقد برز مفهوم حق الاتصال للمرة الأولى في 1979 ، وكان جان دارسي أول من رسم بعضاً من خطوطه الدولية عندما دعا إلى حق أوسع نطاقاً من الحق في الإعلام وهو الحق في الاتصال وينطوي هذا الحق ـ ضمن أمور أخرى ـ على حق الإنسان في أن يسمع وأن يسمع وأن يعلم وأن يعلم، ولذا فأن حق الاتصال هو حق الفرد في الحصول على المعلومات والمعارف والإطلاع على تجارب الغير وحقه في التعبير وإيصال الحقيقة للآخرين والاتصال بهم ومناقشتهم. ولكن التطور السريع الذي جعل من العمل الإعلامي على بعض الكيانات السياسية الدولية التي أخذت تسعى تحت شعار مبدأ حرية الصحافة إلى احتكار وسائل الإعلام الدولية أو الهيمنة على نسبة مرتفعة من تداول المعلومات.

ولذا فأن العدالة لن تسود في الإعلام الدولي ما لم يعد تعريف حق الاتصال وتحديده على نطاق واسع. والاتصال قد اصبح حاجة اجتماعية عملية بالنسبة للدول النامية فمنذ أن اصبح النموذج المهيمن هو نموذج الانفتاح ، بعد انهيار النظام الاشتراكي بالذات ، إن على الصعيد التجاري وإن على صعيد التبادل والدبلوماسية ، فأن تقنيات الاتصال أدت دوراً ايجابياً ضرورياً. يعترف عدد كبير من الدساتير الوطنية على الصعيد العالمي بحق الاتصال والإعلام وحرية التعبير والإطلاع على الأخبار والمعلومات ، كما أن هذه الحقوق اصبحت موضوعاً لمختلف الأدوات القضائية الدولية إذ يجب تحديد تأثيرها الحقيقي وتعريفه. ولقد كان لإعلاميات الجنوب باع طويل في ميادين الحق في الاتصال ، وبذلت من أجل بلوغ هذا الحق جهوداً لا يستهان بها، وواكب الجهود استواء هذه الأجهزة الإعلامية مع استواء أوضاع البلدان تلك التي نالت تواً استقلالها لتجد نفسها مسلوبة الرأي، مسلوبة الصوت، ولا تطلق إشكاليات ( المصدر) و ( رجع الصدى ) وما كان انهيار المعسكر الاشتراكي وسقوط جدار برلين إلا علاقة التحول نحو الرأي والرأي الآخر والصوت والصوت الآخر، والمركز والمراكز الأخرى وعلى أمل انتهاء زمن المراكز والأطراف. ولكن المشهد اليوم يحمل في طياته نكوصاً قيمياً بينياً وتراجعاً موضوعياً في ما يتصل بهذه المعادلة وربما كانت صورة الجنوب ـ في عموميتها ـ تحتل مساحة واسعة في هذا المشهد.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
د. احمد هاشم
بغداد
2016-5-25
نحن كباحثين في المجال الاعلام بامس الحاجة لمثل هذه الدراسات الغنية بالمعلومات الدقيقة والعلمية تحية للكتورة المبدعة سهام الشجيري ولشبكة النبأ المعلوماتية التي نتمى من القائمين عليه رفدنا بمثل الدراسات ودراسات علمي في المجالات الاخرى دمتم منبر الابداع
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (دراسات)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك