الإيماءة – اللغة – التدوين – الخطاب الشفهي – الخطاب المكتوب – الخطاب الصوري، ومن ثم الصورة العينية – الصورة الذهنية – الصورة الشعرية – الصورة التشكيلية – الصورة الفوتوغرافية – الصورة المرئية.

يحتم المنطق العقلي على أن يكون التفكير في آلية الخطاب التاريخي بهذا الشكل، وفي كل مرحلة من هذه المراحل البشرية للخطاب كانت الطريقة تختلف في الإرسال والاستقبال، وحيث ما تم أنسنة الإنسان لينشق عن الحيوان، بدأت خصوصيته تبرز وتكون لها حدود حتى إذا ما ظهرت الحاجة ليكون اجتماعي، بدأت أدوات الاتصال تتطور حتى أصبح علم قائم بحد ذاته .

تلك الأدوات هي "المرسل – الرسالة – الوسيلة – المستقبل"، ثم أضيف لها رجع الصدى حيث مرت هذه الأدوات بمراحل أجرى عليها الكثير من التطور والتعديل حتى اكتشاف السينما ومن ثم التلفزيون، وهنا تغير وجه العالم من خلال اكتشاف الصورة لأنها غزت كل دقائق أمور الحياة، ودخلت في كل أماكن تواجد البشر، لتصبح قرينة لا يمكن الاستغناء عنها، وبعد اكتشاف الفضائيات أصبحنا جزء منها تؤثر علينا وتقودنا الى حيث تشاء، فالخطاب بعمومه هو عبارة عن "لغة تصدر من المرسل الى المستقبل، وعادة ما تكون بصيغة إشارة، أو أيماءة أو حركة، أو صوت، يهدف من ورائها المرسل إخبار أو تبليغ المستقبل بشيء ما، أو بحدث ما أو بخبر ما، وكذلك إقناعه بوجهة نظر معينة" .

نعم أنه الخطاب التلفزيوني بشقيه (الدرامي واللادرامي) وفي كلتا الحالتين فهو يعتمد على المرسل أي الخطاب وبين المتلقي، حيث يكون المرسل هنا ذا مواصفات (سمع، بصر، سمع) لا يمكن مقاومتها أو الوقوف على الحياد بل الانحراف نحوها ففي البرامج اللادرامية توجد نقطتان أساسيتان تتحكمان في الكتابة لجميع وسائل الاتصال هما : تحديد الهدف وتحديد العينة المخاطبة، فكل برنامج مهما كان نوعه، له هدف معين وبدون تحديده لا يمكن للكاتب أن يبدأ الكتابة بشكلها السليم، وعلى حد تعبير الكاتب المسرحي (بريخت) من دون وجهة نظر وهدف محدد وقصد معلوم لا يمكن للمرء أن يصنع تصوراته، ويمكن القول إن النص الناجح في أي حقل من حقول الكتابة هو النص الذي يلائم بصورة أولى الهدف الذي كتب من أجله، أما تحديد الهدف فله أهمية قصوى بالنسبة لكتابة البرامج وعليه يتوقف بناء المضمون وأسلوب الإعداد، أي إبتكار شكل فني له بحيث يأتي متفقاً مع إمكانات الوسيلة وطبيعة الهدف .

لكن المشكلة الحقيقية التي تواجه المرسل في كون إن الصورة بحد ذاتها هي كيان مستقل، فالصورة "تشكيل شكل الجسم أو المنظر بطريقة قابلة للدوام ويمكن رؤيته مباشرة، أو عن طريق جهاز يسمح بالرؤية" ، وكذلك هي "هيئة الشيء أو شبهه" وهي بذلك تعتبر أداة للمخاطبة وأهم مصدر للمعلومات لتوجيه المجتمع أيديولوجياً، بمعنى إنها لا تقول للناس كيف يفكرون، لكنها تقرر الأشياء التي تعرض لهم وهي بذلك تقرر الأشياء التي يجب أن يفكروا بها وبذلك يتم إعدادهم من خلال تلك الصورة، إذ أن الفن هو علاقة بين الفكرة والصورة، فما هي الشروط الواجب توفرها في الفكرة لكي تتحول الى خطاب إعلامي عن طريق الإعداد، في الوقت نفسه ما هي الشروط الواجب توفرها في الفكرة لكي تتحول الى خطاب عن طريق السيناريو ؟ من هنا نعرف إن الخطاب التلفزيوني من أقوى الخطابات التي تواجهها المجتمعات، ومن أكثر الأدوات تأثيراً في تشكل أنماط المجتمع الثقافية والاجتماعية والسياسية ...الخ، مما يتطلب منا مبادرة الرد فعل في تكوين خطاب تلفزيوني مقابل ما يتم استقباله بما يوازيه بالحقيقة والمصداقية من خلال مطابقة الصورة للواقع المعاش والطموح المتمنى .

فلقد أطلق يوكاهاما صرخته المدوية في صروح السياسيين عندما قال (لقد وصلنا الى نهاية التاريخ)، فبعد أن أصبح الأثير يصل الى كل أصقاع العالم، لم يعد بالإنسان حاجة لاعتناق أيديولوجية ومن ثم يبرر لها، فقد أصبح العالم قرية صغيرة تدور فيها الأفكار وكأنها داخل العقل البشري الواحد، وبالتالي فقد تحول الإنسان الى مفهوم عالمي لا تحده حدود أو قناعات فكرية، فكل الأفكار والمعتقدات نسبية وقابلة للتداول، وكل ما هو حقيقة اليوم قد يصبح عكس ذلك في المستقبل، وكل ذلك بفضل الصورة التي اخترقت كل مفاصل الحياة، لذلك توجب على المهتمين بالجهاز الإعلامي والفني أن يراعوا تلك القفزة الإعلامية التي أصبحت تهتم اللآن بكل ما هو مهمش أو يقف على الهامش دون تسليط الضوء على المركز الذي ظل مسيطراً على الصورة طيلة العقود الماضية، حتى أصبحت الصورة غير مشاهدة أو مقبولة ؟ وخير مثال على ذلك هو برنامج (أوبرا، د.فيليب ...) وغيرها ممن تهتم بالناس البسطاء (الشعبين) بمعنى أن الصورة هي الآن تتصدر القيادة، أو القنوات التي تبث بالعربية كالـ(الحرة) من خلالها برامجها (حكايات مصرية، حكايات مغربية ...الخ) بدل الصفوة من السياسيين والمثقفين المعتقين وغيرهم من الذين استعبدوا الصورة، حيث يتحد كل أطياف المجتمع تحت عنوان واحد هو المشاهدة لصورة واحدة تبث في آن واحد، معلومات متسلسلة أي يتساوى فيها المتعلم وغير المتعلم، الرجل والمرأة والطفل ... وكل ذلك يتم عن طريق الصورة، ما يعني كل ذلك وجود متخصصين في تحويل الكلمة الى صورة ناطقة بالحياة، وحيث إن لكل كلمة بعدين (مادي ومعنوي) وعندما يتعلق الأمر بالتعبير الإعلامي ونقل المعلومات، فإن البعد المعنوي للكلمات يكون ذا أهمية كبيرة، ما يعني إن على رجل الإعلام أن يعي بدقة، أسلوب الاتصال اللغوي وأن يضع في حساباته قضية فهم الجمهور لأننا كما يقول (ولبر شرام) : عندما نتصل بغيرنا نحاول أن نقيم مشاركة مع من نتصل به، وهنا لابد من الإشارة الى تحقيق المشاركة مع المتلقي من خلال معرفة مدى حاجة المتلقي للبرنامج وبشكل عام نستطيع القول أن الكتابة لأي برنامج مهما كان نوعه يتطلب دراسة فكرته دراسة وافية، ومن ثم تحديد هدف البرنامج ومعرفة طبيعة الجمهور لتحديد اللغة المناسبة، واختيار المضمون الملائم له، والوقت المناسب لبثه، والمدة التي يستغرقها، وأسلوب العرض الذي يتفق مع فكرة البرنامج وهدفه .

مواصفات الخطاب التلفزيوني

1- البساطة والسهولة والقصر.

2- المفاجئة والمباغتة.

3- التلقائية والسرعة والتجدد.

4- مصاحبة الصورة للصوت، وليس الصوت للصورة.

5- متناول من قبل الجميع (أمي، متعلم، رجل، امرأة ...)

6- متوفر في كل الأوقات.

7- لكل فرد هناك خطاب خاص به (المرأة، الطفل، الشاب ..)

8- لا يحتاج الى وسيط فهو الرسالة والوسيلة والمرسل.

9- الآنية مع المصداقية بمعنى أن الصورة حية وتتكلم.

10- يقدم التلفزيون من خلال خطابه شخصيات محبوبة ومقربة لنفوس المشاهدين مما يجعل تأثيرها أكبر.

11- الفردانية

12- الخطاب التلفزيوني اللادرامي يميل الى المباشرة والوضوح، أما الخطاب الدرامي فيميل الى الإيحاء والغموض.

13- يناقش الخطاب التلفزيوني كل ما يخص الإنسان من النواحي الوجدانية، عندها يحصل التطهير، ومن الناحية الاقتصادية فيحصل الوعي والنمو والعكس، والناحية السياسية فينمي الوعي بالوضع العام، والناحية الاجتماعية فيعلم حقوق الإنسان والمواطنة، وغيرها من المجلات الأخرى.

14- ينقل الخطاب التلفزيوني المشاهد من القراءة والتفسير الى المشاهدة والتأويل .

15- يحمل الخطاب التلفزيوني الأضداد ما بين المتعة والتعاسة، الحب والبغض، الهامش والمركز، التطرف والاعتدال ...

16- تحمل الصورة بذرة الصراع داخلها، فهي ما أن تخرج حتى تنقضها الصورة التي بعدها وبالتالي فهو الصراع من أجل الاستمرار.

17- يهتم الخطاب التلفزيوني بالعين كأهم أداة في فعل الإرسال والتأثير مما ينعكس على ظهور الصورة بأحلى أشكالها كمغرية ومقتحمة.

إيجابيات الخطاب التلفزيوني

1- يستطيع أن يخاطب كل فئات المجتمع

2- لا يحتاج الى القراءة والكتابة، بل السماع والرؤيا، وهو بذلك لا يحتاج الى وسيط.

3- لا يحتاج المشاهد الى ثقافة مسبقة لفهم ما يجري من خلال المعروض أمامه.

4- يزيد الوعي الإنساني بكل تشكلاته، من خلال ضخ المعلومات المستمر.

5- يكشف عيوب الخطاب الوطني.

6- يسلط الضوء على المهمش والكثير ممن لم تسنح لهم الظروف من الظهور على الساحة.

7- على الرغم من أن الخطاب التلفزيوني خطاب ذكوري إلا أنه لم يغفل دور المرأة.

8- يُوجد المتعة والمنافسة في عرض الأجود المستمر.

9- يعد الخطاب التلفزيوني وسيلة ثقافية.

10- يعتمد الخطاب التلفزيوني على المباشرة واللحظية.

سلبيات الخطاب التلفزيوني

1- أنه عاجز عن الثبات فهو متغير باستمرار فلربما يحمل الخطاب التلفزيوني اليوم فكرة قد ينقضها ليلاً أو في الصباح، وهو بذلك يحمل أفكار متجاورة في آن واحد من الرفض والقبول.

2- يخلق ثقافات هشة ذات مرجعيات غير مرتكزة، من خلال تكرار الصورة أي نسخها ومن ثم إلغائها.

3- يسيطر على الخطاب التلفزيوني الكثير من أصحاب رؤوس الأموال من المتطرفين ممن يميلون لأيديولوجية واحدة.

4- يساعد على ظهور وانتشار الكثير من القيم العولمية والبعيدة بل والمتنافية عن القيم الموروثة.

5- طغيان العامية لتنتقل من الشوارع الى الصورة كخطاب شعبي.

6- يحول الإنسان الى مستهلك إعلامي صوري دائم وبصورة سيئة ومدمنة.

7- يخلق عالم نموذجي بعيد عن الواقع، مما يؤدي الى تصادم بين الواقع والمتخيل.

8- "يساعد على الغزو الثقافي الأجنبي وتوجه الرغبة الى حاجات مصطنعة وغير مناسبة وتؤدي الى إيجاد عقليات غير متماشية مع إمكانات المجتمع ومناخه الطبيعي" .

9- "يزاحم التلفزيون مزاحمة شديدة وسائل التعبير التقليدية، مثل المنتديات الشعرية والرقص والموسيقى، وهو بذلك يمثل خطرا على المجتمع نظراً لوجود تآلف عميق بين هذه الوسائل التقليدية وبين النسيج الاجتماعي لأي مجموعة بشرية" .

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1