الفرد العلماني والبعد الجماعي الديني

دلالات العلمانية والدينية.. اتفاقات واختلافات

3431 2016-03-06

تقوم فلسفة العلمانية وتتأسس الدلالة فيها على مفهوم وحدة اللاوس (laos) المأخوذ من الكلمة اليونانية وتعني الشعب وتدل على وحدة السكان وهي دلالة تتشكل فيها أو ينتج عنها مبدأ الحرية والمساواة (العلمانية، هنري بيتاروث، ترجمة د. رحيم منصور الأحرش،ص19).

فالفرد العلماني وبوحي تلك الدلالة لايتميز عن أفراد اللاوس الآخرين، لكن له الحق أن ينفرد عن هؤلاء الأفراد بحقوق مصانة بحق طبيعي تتعلق بالضمير والقناعة وحرية المعتقد.

وينتج عن الحرية والمساواة في مجتمعات العلمانية ان تتعرض فكرة الامتيازات بمختلف صورها، دينية أو اجتماعية أو طبيعية الى إزاحة عن مركزيات ثقافة هذه المجتمعات، وفي صور الإزاحة الأشد تطرفا تتكون أفكار المشاعية أو المساواة المطلقة وغير المبررة، وهي تعكس في هذه الصورة حقيقة إيمان بدائي بالجماعة يتنازل الفرد بموجبه عن حقوقه للجماعة ويتكون عنه عقد اجتماعي يفضي نظريا الى فكرة الدولة.

ولكن في مستوى أكثر وعيا لحقيقة وحدة اللاوس تتأسس فكرة المساواة عن مفهوم حق الفرد ضمن جماعة الأفراد التي لكل فرد فيها عين الحقوق وبتساوٍ وينتقل الى أداء الواجب، حيث يتكون مفهومه بأثر مفهوم الحق ويحل في مرتبة بعدية له في مجتمعات العلمانية والديمقراطية. بينما يحل الواجب في مرتبة قبلية قد تستحوذ على تراتبية الحقوق الثانوية في المجتمعات البدائية والمشاعية أو الجماعية التقليدية. فالمجتمع العلماني هو مجتمع أفراد قبل أن يكون مجتمع جماعات، وهي قناعات يوفر لها المجتمع الكثير من التوظيف المعرفي الأيديولوجي فيها، لأنها نقطة التحول المهمة في تاريخ هذا المجتمع الحضاري والثقافي، وكذلك هي رصيد لحظة انبعاثه التاريخية ورهانه في ديمومة حركته الاجتماعية.

واذا كانت قناعته تلك هي التي سمحت له بالهيمنة الثقافية والسياسية، فأنه ودفاعا عن تلك الهيمنة المبررة بنتائجها الطيبة بالنسبة لهذا المجتمع، لا يسمح لأي قناعة تناقض هذا التأسيس في قناعته أن تهيمن أو تفرض معتقدا على مجتمع العلمانية، لكن لكل قناعة الحق ان تحيا وتمارس نشاطا ثقافيا وسلوكيا في مجال الشأن العام حتى وان ناقضت قناعة التأسيس في المجتمع العلماني، وهذا يعود في جانبه الأهم الى إيمان المجتمع العلماني بمساواة نظام القناعات لدى أعضائه، لكن القناعات بطبيعتها تسعى الى الاستحواذ على الأفكار، ويمارس أصحابها نشاط دعوي الى الإيمان، وهو حق اذا لم يمارس بوسائل الإكراه والضغط الجسدي والنفسي أو محاولة الانفراد بهذه الامتيازات في الدعوة، فأنه مسموح به في ظل إزدهارات العلمانية في مجتمعاتها وثقتها بنظامها الاجتماعي والسياسي.

ولعل نجاح الدعويين الإسلاميين في مجتمعات الغرب العلمانية في نشر الاسلام بينها الى أواخر السبعينات، يشير الى إمكانية التلاقي بين الدين والعلمانية، لكن تطلع الأديان البديهي الى الاستحواذ الجماعي هو ما يثير قلق العلمانية، ويشدد أحيانا في مواجهتها مع الدين، بينما لا يثير البعد الجماعي في الأديان -خلافا لكثيرين- أية مخاوف من جانب العلمانية، لأنها تدرك أهمية وأولوية هذا البعد في الأديان، ولأن الفرق بين الاستحواذ والبعد الجماعي في الأديان هو أن محاولة الاستحواذ قد تفضي الى منافسة العلمانية على السلطة والدولة، وتخلفها عن توفير الفرص المتساوية والمتكافئة لكل الأديان والجماعات في مجال الضمير، مما يقود الى صدام بين الأديان ينتجه احتكار الضمير من قبل دين في موقع السلطة في البناء النظري الاستراتيجي عند العلمانيين، أما البعد الجماعي في الأديان فأنه ليس بالضرورة يقود الى مخاصمة العلمانية ناهيك عن ضرورة مخاصمة الأديان بعد أن تتمحور الأديان حول عقيدة الآخرة وانزوائها عن طلب الدنيا الذي تتمثله العلمانية وتتبناه بامتياز، فالجماعة الدينية سائرة نحو الخلاص الأخروي وحتى في خلاصها الدنيوي فأنه يدخل في منظور النجاة ـ المسيح والمهدي المنتظر ـ وكذلك في تضافر الجماعة بعلاقات المودة والمحبة والأخوة في الدين تلتمس الأديان هذا الخلاص، وتسعى بهده العناصر اليه، وهنا يكمن البعد الجماعي في الأديان، فهو أخوة ومودة ومحبة قد تستثمرها العلمانية في ترويج سيادة السلم المدني في مجتمعات متنوعة العقائد والأديان.

إن العلمانية واستنادا الى دلالة وحدة اللاوس، تنظر الى الخيار الروحي بعد أن تفصله عن الخيار السياسي على أنه شأن جماعي بعد أن تتوثق حقيقة البعد الجماعي في الأديان من وجهة نظر علمانية، لكن العلمانية تمنع الدين في شأنه الجماعي ان يتحدث عن المجتمع لأنه يصادر حقوق الجماعات الأخرى في التعبير عن وجهة نظرها، فينشأ مجتمع سياسي غير محايد، وهي نظرة متأثرة الى حد كبير واساسي بتنوع الجماعات الدينية في المجتمعات العلمانية التاريخية والصراعات التي تولدت فيها بفعل احتكار الضمير والسلطة معا من قبل جماعات دينية مسيحية هي في الغالب كاثوليكية في تجربة تاريخية مريرة، الا أن هويات جماعات دينية نافذة في مجتمعات لا علمانية ومتنفذة على مستوى الثقافة والاجتماع تجعل من تطبيق هذا المبدأ العلماني في الحرية والمساواة أمرا بالغ الصعوبة في هذا المجتمع، وخصوصا الإسلامية منها.

ورغم ما تطرحه تلك الجماعات الدينية من تبريرات تستند الى الثقافة والتاريخ، لكنها تغض النظر عن الاجتماع، وهي في رأيها تبريرات تكفل ضمان حرية الآخر وتحقيق المساواة فيما بينها وبين الأخر، الا أنها لا تتجاوز أو تغض من حقيقة احتكار الضمير أو السلطة بآن واحد، بل تعدها بديهية دينية وحقيقة تاريخية أنتجت في تلك المجتمعات الإسلامية مشكلة الأقليات وحتى الإسلامية منها، وهي حالة تنطبق على مجتمعات اسلامية سنية وشيعية بعد أن تعلن تلك السياسات ما يبررها في عقيدة الفرقة الناجية على مستوى المجتمع، وفي مقولة أن الله مصدر السلطات على مستوى الدولة وعلى الضد مما تذهب اليه العلمانية في مصدرية الشعب للسلطات، على الرغم من أنها لا تضاد المجتمع الديني في عقيدة الفرقة الناجية وهو أهمّ ما تخلص اليه دلالات العلمانية في رفض الحكومة الدينية.

(الدلالات الدينية السياسية)

على أساس هذا التضاد بين مقولة الله مصدر السلطات ومقولة الشعب هو مصدر السلطات، نشهد افتراقا واضحا واساسيا بين العلمانية والدينية يوسع من شقه الخلاف بينهما ويقلل من امكانية فرص اللقاء، الا ان الفكر السياسي الإسلامي الذي تبنى مقولة مصدرية الله للسلطات لا يستند الى نص صريح او حكم فقهي يدخل في عداد الأحكام الأولية فيما يذهب اليه من تأسيس على هذه المقولة، بل حتى في أصل هذه المقولة فهي مجرد بناء فكري اكثر مما هو فقهي تأصلي يستند الى حقيقة دينية كبرى في مصدرية الله تعالى للتشريعات فيه، وقد وردت الفاظ (شرع وشريعة) في سياقات توكيد هوية القرآن، فهو دستور عبادة، وفي تعريف القرآن بذاته المقدسة وصف كتاب بأنه هدى وأختص بالهدى قوم دون غيرهم حيث قال عز من قائل (ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين) فاختصاصه يكشف عن تشريع في الهداية، لكن الخطاب فيه موجه للناس كافة.

وبلحاظ هذه المسافة الفاصلة نستطيع ان نؤشر بنية الدين في التشريع، وتحديد موضع السلطة الدينية التاريخية في السياسة التي لا يمكن حصر الدين في حدودها الدنيوية الضيقة، فالكتابات الدينية المقدسة هي كتابات تشريعية، وحتى أحكام الحدود والقصاص فيها انما هي مشمولة بمنظور التشريع وليس بمنظور سلطة دينية، مع ملاحظة ان التوراة والقرآن وباستثناء الانجيل، قد تضمن أحكاما وحدودا، وطالما استشهد الفكر السياسي ـ الإسلامي بمسألة الحدود وأحكامها والقصاص على أولوية أو وجوب تطبيق نظام سياسي إسلامي، تكون له مقاليد السلطة والحكم في بلاد صنع الاسلام السلطة السياسية فيها منذ ظهوره في القرن السابع الميلادي، وعلى أساسه تكونت دولته التي استمرت حتى منافسة التوجهات العلمانية لها، واستفحال قوتها بعد الحرب العالمية الأولى على أثر سقوط أخر دولة هي الدولة العثمانية والقاجارية، ونشأة الدولة القطرية ذات التوجهات العصرية التي سعت الى علمنة سياستها وقوانينها، لكنها اصطدمت بقوة بمرتكزات الفكر الديني في مجتمعاتنا، فعمدت الى تعديل خططها او خطها العلماني، لكنها لم تتخل عن مواجهة مظاهر الفكر الديني السياسية، وهي مواجهة وصلت أحيانا الى صور من الدموية المتبادلة بين الدول وتنظيمات هذا الفكر.

ان مقولة الله مصدر السلطات وهي مقولة السياسة، تهدد استقلال الجماعات التي لا ينبني إيمانها الديني أو الوضعي في منظومة هذه المقولة العقدية، وهي مقولة تشدد في النظر الى الفروقات بين الجماعات، بينما لم تثر مقولة الإسلام وإيمانه العقدي بمصدرية الله للتشريعات وعلى صعيد النظام الاجتماعي في تاريخ الإسلام أية تهديدات أمام التعايش السلمي والوئام الاجتماعي بين الجماعات الدينية الأخرى وأهل الإسلام، بل كانت علاقات يحكمها تواصل اجتماعي يدعمه قبول الإسلام لفكرة الديانات السابقة عليه، وتبني مفهوم الذمة في التعامل مع هذه الجماعات من يهود ومسيحيين ومجوس وصابئة، وهو مفهوم يستبطن مسؤولية شرعية وأخلاقية.

فالذمة قيمة اجتماعية وعرفية أخلاقية كانت بالنسبة للعرب قبل الإسلام معيارا للشرف الاجتماعي فأشبعها الإسلام بالحس الديني، وأطّرها بالواجب الشرعي، فأصبحت أحد وسائل الدمج الاجتماعي والتكيف النفسي في مجتمع صاغته تعاليم الإسلام. وتشهد ظاهرة الأعياد والأديرة في تاريخ الاسلام على حجم هذا التواصل وتوطيده في المجتمع الإسلامي، لكن حين دخلت السياسة أحالت الذمة الى مفهوم من التبعية والإذلال يحصر الذمي في نطاق من ثانوية الشخص الديني أو الغائه بالكامل، وفي لحظة هذا الدخول المربك للدين والذي مارسته السياسة المسماة (الشرعية) وفق مقتضيات تحول خطير طرأ على مفهوم الخلافة العملي، تحول الدين بموجبه الى حارس أيديولوجي للخلافة كان ينقطع التواصل الاجتماعي وتهدر دماء أهل الذمة بل حقوق ودماء المسلمين، وأدلجة الخلافة الدينية تقوم على فكرة أن الخليفة ظل الله في الأرض اقترنت طاعته بطاعة الله ورسوله وصيغة الأمر الوارد في الآية دعت السياسة التي تسمى شرعية في تاريخ الإسلام الى تفريع سلطة ولي الأمر الخليفة عمليا على أصل السلطة في التكوين وهو مفهوم أشارت اليه الآية (وما خلقت الجن والأنس الا ليعبدون) وتمام طاعته في أصل الخلق والتكوين عبادته، ولم تتفرع الطاعة في السياسة الشرعية على أصل الطاعة في التشريع الا نظريا، وفيه نفسر عمل معاوية بتغيير مسمى بيت مال المسلمين الى مسمى مال الله في رسائله وكتبه ومحادثاته.

فالمال الذي تستوجب الطاعة في التشريع تقسيمه بالسوية والعدل بين المسلمين وحتى غير المسلمين، صار امتيازا سلطويا يتفيأ ظل الله في الأرض والموكول حراسته الى الدين، وسياسة الخلافة بعد ان تحولت الى ملك عضوض بانتهاء الفترة التي سبقتها، وفي تراجع التشريع هذا ودور الدين في قيادة الدولة، نظر البعض الى هذه الدولة على أنها (معلمنة) حين اجترح الخليفة الأموي المجال السياسي وفصله عن المجال الديني، فصار أمراء الدولة هم القادة وعلماء الدين هم الأتباع، بعد ان كان أولئك العلماء هم القادة وهؤلاء الأمراء هم الأتباع، كما يذهب الى ذلك (د. محمد عابد الجابري).

ويفسر أصحاب السياسة الشرعية من الفقهاء ومنظرو الدولة الإسلامية، وهم بمثابة مصممي أو مهندسي استراتيجية هذه الدولة، بأن عوامل تكوين الدولة هي ضرورة الاجتماع ويقتربون كثيرا من فكرة العقد الاجتماعي الوضعية، فالدولة في نظرهم نتاج حاجة تاريخية واجتماعية الى نظم تؤمّن إشباع تلك الحاجة في مجتمع ما قبل الدولة، ولم نشهد تفسيرا إسلاميا واحدا للدولة يتضمنه الفقه السياسي في الإسلام ينظر الى الدولة بحكم الوجوب الشرعي، بل هي ضرورة تمر عبر الدين ولا يمكن وصفها بأنها ضرورة دينية، بل حتى الإمامة عند الشيعة لا تنحصر في مفهوم الدولة، وهو مامهد الى علمنة الدولة الإسلامية منذ بواكيرها الأولى التي تمتد في نظر البعض الى (الفترة الراشدة) كما يذهب الى ذلك الرأي الشيخ الأزهري (علي عبد الرازق) في كتابه الإسلام وأصول الحكم، ويؤكد عليه صراحة عبده الأنصاري الذي يقطع التواصل بين مسلك الرسول ومسلك الرجال الذين خلفوه على رأس الجماعة (الإسلام المعاصر والديمقراطية، مركز دراسات فلسفة الدين،ص123) ثم ان تراجع التشريع الذي سيتطور تاريخيا الى تراجع في الاجتهاد ستمر به مذاهب المسلمين وما أفرزه من استقالة للعقل الكلامي، خصوصا ما يتعلق منه بفقه الدولة وفقه السياسة والمجتمع، فأدى ذلك بدول الإسلام لاحقا الى الاستعانة بقوانين وضعية ومستوردة من خارج الإطار الإسلامي العام، وشرعت في مناشئها السياسة على أساس المواجهة الكبرى بين الدين والعلمانية في أوربا منذ القرن الثامن عشر الميلادي وظهور الدولة القومية بعد انقطاع عصر الاقطاع والغاء السلطة الدينية، وقد اغرت نجاحات التطبيق لها في الدولة القومية الحديثة في أوربا دولا إسلامية كانت في طور التأسيس والظهور.

وبهذا فان السياسة في الدولة الإسلامية انعقدت في مؤسسة الخلافة، وأنتفت فيها الثنائية التي تحدث عنها كوثراني وغيره من الباحثين في معرض التمييز بين السلطة الشرعية المتمثلة بالقضاة والفقهاء وعلماء الدين، والسلطة السياسية التي عبرت عنها وامتازت بها مؤسسة الخلافة أو الهيئة الشرعية والهيئة السلطانية، فمؤسسة الخلافة قد احتوت كلا السلطتين، وقد احتوتها بصفتها السياسية وليس الدينية بعد انقياد العلماء الى الأمراء واحتكار المجال السياسي من جانب دولة الخلفاء، فلم يتبق للفقهاء سوى القضاء والإفتاء والتعليم الذي غالبا ما يوظف في خدمة الدولة، وتمر الترشيحات الى تلك المناصب عبر السلطة السياسية وأحيانا بترشيح مباشر من قبل الخليفة أو نائبه السلطان، وبهذا تلحق إرادة السلطة الشرعية بإرادة السلطة السياسية.

وأما التمييز المفترض بين التجربتين الإسلامية والمسيحية، فان الديانة المسيحية قادت الدولة والمجتمع سياسيا واجتماعيا ودينيا، وقد عبّرت تابعية الدولة الرومانية وتنصيب شارلمان إمبراطورا من قبل الكنيسة عن انقياد للدولة والمجتمع للكنيسة، بينما كان الأمراء والخلفاء ينصّبون في الدولة الإسلامية بوسيلة التوريث السياسي ومنطق القوة والغلبة، أو بطريق العصبة الخلدونية، وفي مرحلة لاحقة تضفى شرعية الملك والأمرة من قبل الفقهاء وأهل الحل والعقد وبوسيلة البيعة المتبعة في تنظيم الملك الإسلامي، وهو مايقود الى تفسير الاستبداد في عالمنا الإسلامي بأنه سياسي بامتياز وليس ديني باقتصار.

ويكشف عن دمج السياسي للدين بمعنى أن السياسة تسعى الى دمج الدين في مسارها وليس دمج الديني للسياسي، بمعنى أن الدين يسعى الى دمج السياسة في مساره، ان الدمج الأول يعبر عن سعي سياسي بينما يعبر الدمج الثاني عن سعي ديني حاولت فئات خارج السلطة في المجتمع الإسلامي أن تمارسه بتضمين مطاليبها الاجتماعية مضامين لا تعدم لها صلة بالدين، بل تتقوم بمسألة القسمة بالسوية والعدل في الرعية، الذي نصت عليه بيعة زعماء هذه الحركات من فقهاء وعلماء، وقد مارست السلطة مثل هذا التضمين الديني للبيعة بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله، الا ان تجيير المضمون الديني لصالح السياسة كان واضحا.

ونتيجة ارتباك هذا التمييز بين سعي الدين وسعي السياسة، فهمت التجربة الإسلامية على أنها دمج سياسي يمارسه الدين ويسعى اليه في تكوين دولته التي اقترنت بخلافة الرسول فيها ووراثة حكم تجربته الأولى في المدينة، وهو فهم استشراقي يقاربه فهم أيديولوجي إسلامي سياسي عزز من تصورات فكرية حول الفصل بين الإسلام والعلمانية استنادا الى دينية مفهوم الخلافة ودينية سياسة الدولة الإسلامية المعبر عنها في المدونات الفقهية بالسياسة الشرعية، وهي تصورات تشدد في اختلاف الإسلام مع المسيحية التي انفصلت فيها السلطتين وفق هذه التصورات، الى زمنية وروحية أو سياسية ودينية، وإمكانية قبول العلمانية في المجتمعات المسيحية ورفضها في المجتمعات الإسلامية.

إن الإقرار بثنائية المركز الديني والمركز السياسي في الثقافة والحضارة الإسلامية لا يشترط العلمنة الصارخة والحادة في الفصل بين الدين والسياسة، وإنما يؤشر فصلا واضح المعالم بين الدين والسياسة في التجربة الإسلامية، فالإسلام له مقاربات كبرى في السياسة وعنه نتجت جزئيا هوية الدولة الإسلامية السياسية في تاريخه، فمفاهيم مثل الإمامة والولاية والطاعة وخلافة الله في الأرض، وهي غير الخلافة التاريخية وإن استفادت منها في الطرح الديني المؤدلج، ومفهوم الحدود والقصاص، بل وفهم الشريعة على أنها قانون الهي، يولد هذا الاقتراب من فكرة الدولة لكن دون شرط التماهي بها، فالإسلام دين الأمة في قبال الدولة والسلطة. وتظهر محاولة المفيد الفقهية في تطبيق أحكام الشريعة ونظرية التفويض، وهي تعني تخويل الفقيه الجامع للشرائط وتفويضه إقامة الحدود دون الدماء ان استطاع في ظل دولة لا ينظر اليها على أنها شرعية وفق شرائط الشيعة في الدولة الدينية، وموقف المفيد هذا يستثني في تصوره الفقهي المماهات بين الإسلام والدولة، فالدين والفقه وفق هذا التصور مجاله الأمة وليس ضرورة الدولة، وينتج هذا عن فهم للأمة في دلالة دينية ينفصل بها عن الدولة على مستوى العقيدة والنص، في الوقت الذي تتجسد فيه الأمة وبدلالة علمانية في الدولة.

لكن يبقى الحقل التاريخي أو الفهم التاريخي في اتصال الأمة بالدولة في الإسلام مثلها مثل التبني العلماني للدولة مفهوما ونشأة، وهنا نشهد توافق كلا الدلالتين الدينية والعلمانية في تبني مفهوم الدولة ذات البعد التاريخي الجوهري. وتنتج مقاربة أخرى للإسلام في السياسة التي أخذت أحيانا وبشكل ظاهر ومؤثر منحى المعارضة الدينية والسياسية في ظل الدولة المدعوة تاريخيا (إسلامية)، ويلجأ كوثراني الى التاريخ وتجربة دولة الإسلام فيه الى تفنيد مقولة وحدة السلطة أو اندماج الدين كليا بالسياسة دون تفحص النص الديني ومناقشة تأويلاته المتعددة، معتبرا أن المرجعية النصية والحدثية الانتقائية، ويعني بها مختارات نبوية وصحابية وامامية حسب وصفه، لتبرير رؤية أو موقف الإسلام من العلمانية، سواء الدعوة لها عند بعض العلمانيين أم رفضها، بل يشدد على مرجعية المنطق التاريخي ومساره واحتمالاته في ضوء نظرة شاملة للتاريخ الإنساني تقوم على التاريخ المقارن في تناول تاريخ الحضارات وأسباب وعوامل تكونه ومؤثراته، وعلى ضوء هذا المنهج نشهد له مقارنة مهمة بين التاريخين الدينيين الإسلامي والمسيحي، فيخلص الى نتيجة تتشابه فيها محصلة كلا التاريخين في ثنائية الهيئتين التشريعية ـ الدينية والسياسية ـ العلمانية مستنتجا أن مكانة الدين في كلا التاريخين بالنسبة للدولة هو مجرد الاستقواء والتوسل الذرائعي له في السياسة، وقد امتدت في نظرة تلك السياسة الذرائعية في تاريخ الإسلام حتى الى السلطات المدعوة مدنية أو حديثة، وفي منهج الاستقواء يتساوى الحكام المدنيون والعسكريون والدينيون في تعاملهم مع الدين في مجال السياسة (السلطان والفقيه وجيه كوثراني، ص12).

وكانت معبرا لهم في التخلص من الزامات العلمانية في الديمقراطية وحقوق الإنسان وتبرير استمرارية الحكم وأنظمته الدكتاتورية.

وأخيرا يؤكد كوثراني على أهمية المسار التاريخي في ارساء العلمانية والديمقراطية في تجربتنا المعاصرة، لكنه يبدأ بقراءة جديدة للتاريخ تعبر عن انهمامه المعرفي بالتاريخ حتى ينتهي الى ضرورة ثقافة مدنية توطأ للانتقال الى تاريخ جديد (م ن ص13).

لكن هل تستطيع تلك القراءة أن تتجاوز القدرة على فهم التاريخ وتأويله دون المرور بالنص الذي يؤخر كوثراني أهميته في تكوين الفهم لثقافتنا وضروراتنا الفكرية والاجتماعية باستغنائه بالتاريخ، لاسيما وأن تاريخنا عبارة عن صور من التأويل المقنن للنص والمشبع بالتعدد والتنوع والاختلاف الفكري، وهو يقف خلف الكثير من الحدث الإسلامي وتناقضاته وصراعاته. فالنص هو المسؤول في تاريخ الإسلام الثقافي والاجتماعي عن إشاعة ثقافة وفكر لا تلبث أن تدخل في صراعات فكرية وتأويلية نتيجة تعدد واختلاف التأويلات، لكن عبر الاحتكاك والاختلافات ونزاع المصالح وتطويع التأويل باتجاه هذا النزاع وتضاد الغايات الدنيوية. ويحدد الشهرستاني عوامل الصراع الإسلامي في تأويلات الإمامة الفكرية وفي اشاعته من انقسامات فكرية تحولت بفعل ضغط المصالح الى عقائد في الدين ويرى أنها (ماسلّ سيف في الإسلام الا بسببها) الشهرستاني.

انها ملاحظة تكشف عن عمق المسار الثقافي والفكري في توجيه تاريخنا وانخراط صراع المصالح في مساره، واحتكامها في القبول والرفض الى أيديولوجياته. إن مفهوم الفداء والتضحية والشهادة تنخرط مجددا في مسالك الوجهة الأيديولوجية لهذا المذهب أو ذاك من مذاهب المسلمين، بعد أن حركت المواجهة الفكرية في علم الكلام أيديولوجيات هذه المذاهب باتجاه الصراع من أجل الاستحواذ على السلطة السياسية، بعد أن استحوذت مواجهة الفكر على الإيمان واحتكاره وتكفير الأخر ورفضه، وهي وسائل لم تقتصر على مذاهب الدين عند المسلمين، بل امتدت الى العلمانيين فأورثت العداوة والإلغاء في صفوف اليسار العربي والقومي.

وفي حلقة تكتمل بإعادة قراءة التاريخ، ما أحوجنا الى اعادة قراءة النص وحتى العلماني منه على ضوء هدفنا المعاصر ومتطلبات المعاصرة وضرورات الحداثة، هكذا يكون الثقافي هو المهيمن في استقصاء ماضينا وتاريخنا وحاضرنا.

مسيرة العلمنة في البلاد الإسلامية

وفدت العلمانية الى البلاد العربية والإسلامية في ظل أجواء من أزمة خانقة مرت بها العلاقات بين الغرب الأوربي والعالم الإسلامي، والسعي الحثيث من جانب الدول الأوربية للاستحواذ على ممتلكات الدولة العثمانية، وكان جزء من هذه المحاولات الضغط على هذه الدولة باتجاه تعديل قوانينها المتعلقة بأتباع الديانات الأخرى ونظام الامتيازات الأجنبية، وجاءت استجابة الدولة العثمانية في مرحلة من تراجع القوة السياسية والعسكرية التي امتازت بها هذه الدولة في مراحل سابقة، فشرعت قوانين شكلت أول تخل إسلامي عن تطبيق الشريعة، وفسحت المجال أمام ضغوط أخرى أخذت تتحول الى حاجات إصلاحية وضرورية مهدت لها بقوة التعديلات التي أجرتها حكومة مصر في العام 1805م بإصدار الوالي محمد علي باشا حاكم مصر أمرا بأنشاء ديوان باسم (ديوان الوالي) له الحق في الفصل بين المصريين والأجانب ويكون فيه أربعة علماء من المذاهب الإسلامية الأربعة ينظر في مسائل المواريث والأوصياء والجنايات الكبرى، وتقتصر مهمة قضاة هذه المذاهب في النظر في هذه المسائل حصرا مما هدد بانحسار سلطة الشريعة الإسلامية باعتبارها حجر الزاوية في النظام العام (العلمانية، الشيخ محمد مهدي شمس الدين،ص9).

وفي سنة 1826م أنشا مجلس تجار الإسكندرية وضم 12 عضوا ثلاثة منهم من الأوربيين، ثم أنشأ على غراره مجلس تجاري في مصر سنة 1827م وكان وجود الأجانب في هذه المجالس أول تدخل مارسه الأجانب في القضاء المصري، واستمرت تلك التعديلات حتى أنشأت محاكم مختلطة وصدرت مجموعة قوانينها سنة 1875م ثم وضع قانون مدني وتجاري وقانون للمرافعات وصدرت هذه القوانين سنة 1883 وشكلت المحاكم الأهلية ومارست عملها سنة 1884 وشملت مصر (م.ن، ص90) كلها سنة1889م، أعقبها صدور لائحة للأحوال الشخصية سنة 1897م، وبذلك فصلت الأحوال الشخصية عن غيرها من شؤون الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مصر، وفي التعديلات التي أجريت بعد ذلك على تلك القوانين لم ترد الإشارة الى مصدرية الشريعة الإسلامية بل حتى كمصدر احتياطي، وإنما وضعت العرف بعد تشريعات القانون الوضعي الذي سرت نصوصه على جميع المسائل التي تناولها، وبعد العرف يصار الى حكم ومقتضى القانون الطبيعي وقواعد العدالة، ثم اضطر المشرع المصري الى اجراء تعديل قانوني قضى بموجبه اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا تشريعيا احتياطيا ثالثا بعد نصوص القانون الوضعي والعرف (م.ن،ص93). وهو ما عملت به التشريعات الوضعية العراقية حيث جاء وبالترتيب التشريع الوضعي أولا والعرف ثانيا ثم الفقه الإسلامي ثالثا وبعد ذلك قواعد العدل رابعا، وقد تأثر المشرع العراقي كليا بالقانون المدني المصري وهو حال القانون السوري وغالبية البلاد العربية التي أقتدت بمصر في تشريعاتها القانونية.

وكان أخطر اعلان لإلغاء الشريعة الإسلامية بإعلان الغاء الخلافة الإسلامية سنة1922م ورفع شعار (لتحطم الأصنام) الذي رفعه الراديكاليون الكماليون وطبقوه سنة 1922 بإرغام المواطنين الاتراك على خلع غطاء الراس ذو السمه الاسلامية واستبداله بالقبعة الأوربية وحلت جماعات الدراويش من اجل قطع صلتها الشعبية بالجماهير البسيطة وهي صلة ذات منحى ديني، وعمد الكماليون الى اغلاق التكايا وهدم القبور الإسلامية وثبتوا التقويم الغريغوري الذي بدأ العمل به سنة 1926 م، واستبدلت الطريقة الإسلامية في تحديد اليوم الجديد والذي يبدأ بصلاة العشاء بالساعة الدولية، فكانت في نظر الراديكاليين الكماليين افضل قنوات للاتصال بالعالم الخارجي والبدء بتحديث الدولة التركية.

وامعانا في التشبه بالعالم الأوربي الحديث، اعتبر يوم الأحد هو يوم العطلة الرسمية منذ العام 1935م وكان الشيء الثاني الذي نظروا اليه على أنه صنم آخر هو القانون الإسلامي أو الشريعة، والتي استمر العمل بها حتى العام 1926م أي بعد الغاء الخلافة وفي زمن الجمهورية، فأدخل القانون المدني السويسري وقانون العقوبات الإيطالي وقانونا للتجارة يستند الى التشريع الألماني والإيطالي الى تركيا (صنع تركيا الحديثة، فيروز احمد، ص182 ـ 183) على يد كمال أتاتورك وجماعته من الحداثويين ـ العلمانيين الذين كانوا ينظرون الى الاستعانة بالحرف اللاتيني في كتابة اللغة التركية بديلا عن الحرف العربي أهم وسائل الإصلاح في تحطيم الموروث الديني والسياسي والاجتماعي الذي خلفته الحقبة العثمانية ـ الإسلامية، وهي عمليا تكشف عن أهمية التعليم ودوره في محاولات علمنة الواقع الإسلامي سياسيا ـ اجتماعيا وثقافيا.

وهناك مسألة تعود الى رمزية هذا الحرف الدينية باعتباره الحرف الذي خط به القرآن والذي لم تطقه علمانية أتاتوك المتطرفة، والتي جاءت نتيجة ضغط الحداثة المتطرفة والمبكرة في اختراق عالمنا الإسلامي وربيبتها الفكرية والسياسية (العلمانية) التي اختزلت نتيجة التطرف بمعنى واحد يقترب بها من مصطلح (اللائكية) الذي يتميز عن مفهوم الدنيوية بإحالته الى مفاهيم معادية للدين وتمارس فهما اختزاليا للدين، وقد تبددت بجواره كل المعاني الممكنة والمحتملة بل والمقبولة أحيانا دينيا وإسلاميا فيما تذهب اليه العلمانية وتحمله من معان ممكنة وخصوصا على مستوى الدولة.

وينضاف الى ضغط الحداثة الضغط الاجتماعي والسياسي الناشئ عن تفكك الدولة الإسلامية العثمانية، والحاجة الملحة الى مؤسسات حديثة تستجيب الى متغيرات العصر بعد الأزمة التي شهدتها تركيا في مطلع العقد الثاني من القرن العشرين. واما بالنسبة الى العالم العربي فان تلك الضغوط أخذت تتحول الى هم ثقافي وجدل فكري وضعت الأمة على مفترق النظر الديني والجدل العلماني منذ مفتتح القرن العشرين حول هوية الدولة المنشودة في هذا العصر وكان السؤال المركزي في هوية الدولة: ما هو الأساس الذي تقوم عليه؟ وكيف يتم التعامل مع مفهوم الجنسية والمعني به القومية في اطار هذه الدولة الحديثة؟ وهو مفهوم يدخل في عناصر التأسيس النظري والقانوني وحتى التاريخي في الدولة الحديثة التي تبنت نظامها وسياستها أوربا بعد زوال عصر الاقطاع وبداية عصر البرجوازية التي تنتسب اليها الدولة الأوربية الحديثة.

لقد كانت معضلة أرقت الجدل الاجتماعي الإسلامي حولها وطرح السؤال حوله صراحة كل من رشيد رضا وشكيب أرسلان قبل منتصف القرن العشرين (الإسلام والديمقراطية، مركز دراسات فلسفة الدين،ص96) ولازالت تغذي المنافسة الكلامية والمماحكات الأيديولوجية بين العلمانيين والدينيين بعد تأرجح نموذج الدولة بين تاريخ غابر خاص لم يعد له حضور الا ثقافيا يعيش انفصامه مع الواقع، وبين تاريخ حديث عام لم يطو واقعنا مراحل تطوره أو الدخول في عملية تحولاته، بل هو أنموذج وفق التصور العلماني جاهز للنقل والتطبيق ومن صورها الدولة الوطنية التي أعقبت الدولة العثمانية والتي صارت محنة بالنسبة للأمة وخصوصا بعد ما يسمى بعصر الاستقلال منذ خمسينات القرن العشرين، وظهور دكتاتوريات إعتاشت وبشكل طفيلي على العلمنة من جانب والدين من جانب آخر، فأساءت الى كلا الطرفين وعمّقت من الأزمة وتبادل الاتهامات بينهما، لكن قدّر ان تورث هذه الأزمة نوعا من التفهم بين الجانبين فأعقبه تفاهم بين أصحاب المشروعين اليساري والديني في البلاد العربية، فقد خفف العلمانيون من وطأة النقد للدين وتراجعوا عن فكرة إقصائه عن حياة المجتمع بعد أن سلموا ببداهة إقصائه عن الدولة وفق منحى أيديولوجي يساري ـ علماني، وكذلك تراجع الإسلاميون عن حتمية قيام الدولة الدينية فعمدوا الى المشاركة في الانتخابات ورفع شعار الديمقراطية وبما يناقض القيمة المبدئية لأيديولوجيا الإسلام السياسي.

المعاني المتصلة بالدولة بين العلمانية والدينية

تتحدد الدولة وفق تعريف بها أكثر مما هو مجرد قانوني من معان تتصل وتصنع منها هوية اجتماعية تعبر عن الأمة التي تجسدها، ويتصدر بدء هذه المعاني السياسي ثم الإداري والقانوني، وتستند كلها في تحديد هوية الدولة الى المعنى المترسب عن التاريخي.

فالتاريخ يستمد سلطته في الدولة التي تأسست ونمت في مناخاته وعبر تراكمات الحدث فيه، هكذا يكون التاريخ بالنسبة لدولة تؤمن بالهوية التاريخية ـ الاجتماعية قبل الهوية السياسية في التعريف لها، واذا كان السياسي هو الذي يتصدر فأنه يتزود ويتعمق بالتاريخ بأيديولوجياته الفاعلة في مجتمعاتنا، ولان تاريخنا ديني فالسؤال هو الى اي مدى تستطيع السياسة ان تندمج بالدين او تنفصل عنه، او بعبارة اخرى الى أي مدى نستطيع علمنة واقعنا السياسي وتحديدا منه على مستوى الدولة؟

وبالعودة الى مستويات المعاني المتصلة بالدولة وتحديد وظيفة كل منها وإرهاصه في تنفيذ وتطبيق تعريفه للدولة، فأن السياسي تكمن وظيفته في رسم مخطط أيديولوجية الدولة وأساليب التعامل مع مقتضيات المصلحة التي تنبني عليها استراتيجيات بناء الدولة وحمايتها ومن ثم ديمومتها، فالمصلحة جوهر السياسة وغايتها التي تنصاع اليها كل إرادة باتجاه النفعية والمصلحية، حتى المبادئ في السياسة فأنها تتجه في بناء الدولة الى التكيف مع المصلحة، واحيانا التحول الى الانصياع التام وفق ما تمليه إرادة السياسة في تبرير الوسيلة استجابة الى غاية في المصلحة.

ثم أن السياسة هي تنشيط يمارس في تفعيل السلطة التي ينظر اليها على أنها قوة على استخدام القدرة العامة وتبدو متلبسة بمفهوم السلطة كثيرا، واستخدامها للقدرة العامة هو الذي يقود الدولة الى فرض سلطة التكيف والتحول بالانصياع الى مخطط الدولة في المصلحة، الا أن الدين مبادئ غير قابلة ذاتيا للتحول، وقاعدة تتشكل فيها سلطة من نوع آخر هي سلطة الضمير التي تقاوم اغراء السياسة والشد باتجاه الانصياع، وبهذا نشهد افتراق أو ضرورة افتراق الدين عن الانصياع الى إرادة السياسة وتابعيته في الانصياع الى الدولة، فالدين متبوع مفترض في الدولة والمجتمع. وهنا نستطيع أن نفسر حجة الأمام علي "ع" أو رغبته في أن يكون وزيرا للدولة وليس أميرا، فالإستيزار خروج عن التابعية ومعادلة في الموقع للدولة يفرض للدين عدم انصياعه، هكذا يبدو الإستيزار عند علي "ع" في مهمة توجيه واستشارة، وأما الأمارة المتصورة من قبل علي "ع" فهي انصياع تام للدين من قبل الدولة، نظر علي "ع" الى استحالته في حالة الدولة الإسلامية التي خبر بيئتها وطبيعتها وطبيعة الأمة التي تتجسد في هذه الدولة.

فعلي "ع" يريد حكما دينيا خالصا يرى الواقع العام للمسلمين غير مهيأ له، ولا يؤمن علي "ع" بفرض الصلاح الديني بالقوة فأنه مفسدة للنفس في قوله (لو شئت لأصلحتكم بقائم سيفي ولكن لا أفسد نفسي بصلاحكم).

ولعل الوزارة المتصورة في رأي علي (ع) تكفل له دور ناصح يوافق وضع السياسة المتحول استجابة الى غاية في المصلحة وهي حتمية، تخلق منازعات الدولة وحروبها المتوقعة دائما مع تضاد المصالح وانقسام المواقف حولها، وضمها على الصعيد الداخلي حين تهدد انقسامات تستظل بمظلة المصالح وتتحرك بالتضاد مع النظام السياسي القائم في الدولة، وهنا يكون افتراق الدين عن السياسة في الدولة مثلما جسدته فكرة الأمارة والإستيزار عند علي (ع)، يجد له معادلا موضوعيا وإن كان مختلفا في العلمانية بما تتبنى من بديل للنظم السياسية ـ الدينية، فهي تباعد المسافة بين الخلافات التي تنتجها او تستوجبها المصالح وتمكن وضع الحلول لها بتبادل التنازلات وتحقيق الممكن من المصالح في السياسة، وبين الخلافات التي تنشأ تحت وطأة الإحساس باحتكار الحقيقة الذي تؤسس له أيديولوجيات ليس بالضرورة يغذيها الدين فحسب، بل كل أيديولوجيا تنبني على رؤية احادية حتى وان كانت بشرية، لكن أيديولوجيات دينية احتلت مساحة أكبر في الاحتكار نتيجة إيمانها باحتكار الضمير وامتياز التعبير عن كلام الله في النصوص المقدسة.

فالعلمانية وبالقدر الذي ترى فيه الدلالة الدينية التطبيق الكامل والنافذ وغير الناقص للدين، واستحالة التطبيق له في التجربة السياسية الإسلامية والمسيحية، تؤمن بتحييد الدين في الدولة عن طريق عدم منحه أي امتياز اجتماعي ـ سياسي يعبر عن هوية الدولة، وتطرح العلمانية مفهوم أو مبدأ حرية الضمير بديلا عن امتياز الدين، وتقصد من وراء ذلك وبسبب تعدد الأديان في المجتمعات الإنسانية، الى منع احتكار الدولة من قبل جماعة دينية محددة تقود السلطة فيها بالنتيجة الى صدامات مع جماعات دينية أخرى.

من هنا يأتي اهتمام العلمانية بفكرة الشعب المتجانس بعيدا عن لا تجانس الأديان، وهو مجال واسع تتحرك فيه علمنة الدولة وتقف الدلالة الدينية فيه على مستوى النموذج المؤسس في الأمة، فالإسلام دين في الأمة وهي حقيقة لا تجرؤ العلمانية على تجاوزها وضرورة أن تهتم بمراعاتها في تطبيقاتها السياسية والقانونية بعد ان تؤمّن كفالة الحريات الدينية والشخصية وتجنب الدولة سياسات الشد الديني باتجاه نبذ أو أقصاء أو الحرب على الآخر والاستعانة بالعلمنة السلم المدني وسياسات السلم الدولي.

وأما المعنى الذي تصاغ به الدولة وفق نظام اداري فهو نتاج فكرة المؤسسة، والمؤسسة نتاج فكرة تنبثق عن الحاجات التي تتطلب الإشباع، حاجات الذات وحاجات الآخرين، وتكون وظيفة الدولة هي تأمين تلك الحاجات ومن اجل ذلك فأنها ترسخ بنية من العلاقات والقرارات تجعل مفهوم الإدارة ومهمته توجيه مجمل النشاطات في تلك العلاقات والقرارات نحو أهداف المؤسسة ـ الدولة، وهو ما أدى الى ابتكار علم الإدارة الذي يحدد المبادئ الإدارية الضرورية لإدارة الموارد الإنسانية، وكذلك تحديد صبغ وأشكال التنظيم في العمل المؤسسي، وهو تنظيم في الغالب لا يثير مشاكل النزاع او عوامل التحرك المضاد، بل تكمن وظيفته في تسيير العمل المؤسسي في الدولة، وبهذا فهو لا يصطدم والدينية لافتقاد موضوع التواصل والتضاد، بل ان كثيرا من الدول تهتم بالطابع العلماني من العلم في تسيير نظمها الإدارية دون أن تكون دولا علمانية.

وأما المعنى التاريخي المتصل بالدولة فأنه يمنح الوجدان الوطني ويؤسس للانتماء الذي يصير هوية الفرد، وفي بعد إنساني أكثر وجودية يصير الانتماء وجودا محضا تنمو في ثقافته مفاهيم الفداء والتضحية، وهي غالبا ما لا تخلو منها ثقافة مجتمع ارتبط بوشائج التاريخ مع أرضه وانتظمت في هذه الوشيجة دولته، ونتيجة هذا البعد الوجودي في قضية الدولة تناولت الفلسفة موضوعة الدولة مفهوما وفكرة ضمن ما اشتغلت عليه فلسفة التاريخ التي بلغت ذروتها في تضمينها بعدا وجوديا في فلسفة هيغل التي نظر فيها الى الدولة بالمعنى المطلق عبر احدى تجليات الروح المطلق في الدولة، وتجسدت هذه الدولة عند هيغل في بروسيا. وبعيدا عن ذلك المطلق في التاريخ أو فلسفة التاريخ عموما، فان التاريخ لا ينفك عن هوية الدولة في لحظة تأسيسها، فهو عمل مضمون هذه اللحظة الى القادم من أيامها وتقسيمات تاريخها في الحاضر والمستقبل، بعد ان تنحشر لحظة التأسيس في ماض تستحضره هوية الدولة في كل أدوار تاريخها.

فالدولة تاريخ ينضاف الى تعريفها بالسلطة والجغرافية والسكان. إنه زمان يلازم المكان ويصنع السلطة والسكان، وعلى هذا المنحى يشتغل ويتحرك الأثلام في حق الاحتفاظ بهوية دولته الى أنشأها وأسس لها، وهو حق شكل بالنسبة اليه امتياز احتفظ به حملته ودعاته من المؤمنين الأولين والفقهاء اللاحقين، ضمن تاريخية بشرية غالبا ما إراد زعماؤها منذ أن تحولت الى ملك دنيوي أن يكسبوها سمة فوق بشرية، لكنها كانت تزداد إنتماء الى الحقل البشري وتتجذر بتاريخية الحدث السياسي دون غياب للإسلام في إدارتها أو قياداتها يسمح لها بالانفكاك عن تجربتها التدشينية الأولى في المدينة.

هكذا كانت دولة الإسلام دنيوية برجالها وبخططها، وبكل مصالحها مع الحضور المهيمن للإسلام على قواعدها وركائزها في المجتمع، ومنحه شرعية نظمها من خلال شكل ومضمون صيغة البيعة التي تعني العهد المأخوذ على الخليفة بالحكم بالكتاب والسنة من قبل اهل الإسلام وهو ما شكل ماهية هذه الدولة ولو على مستوى نظري لم تغيبه المخالفات لهذا العهد على نطاق التطبيقات التي شهدت انحرافا دائما وكبيرا من السلطة تجاه الزامات البيعة وميثاق العهد.

فالدولة لم تنفصل عن ماهيتها وادارتها وقوانينها الإسلامية، بل حتى مع انهيار الخلافة الإسلامية وسقوط بغداد على أيدي المغول سنة 1258هـ ظلت هذه الدولة حاضرة بماهيتها الإسلامية، وقد سمح المغول ببقاء الحال على ما هو عليه نزولا عند أمر واقع وهو حضور الإسلام المهيمن على روح الدولة والأمة بأن واحد، بل ان الإسلام قد احتوى هذه الأمم الغازية وجعل منها طيعة لأمر دولته ومن أمراءها وأفرادها قادة ومؤسسين لها في مراحل من تاريخ اتصالها بالإسلام، واستمرت هيمنة الإسلام على الروح المؤسس للدولة في تاريخ الإسلام حتى العقد الثاني من القرن العشرين بسقوط الدولة العثمانية والغاء الخلافة الإسلامية بعد الحرب العالمية الأولى وظهور الدولة القطرية، التي لم تستطع الانفكاك عن الهوية الإسلامية رغم السعي المحموم الى علمنتها وإسباغها طابع الحداثة.

وبالتالي فان التجربة أثبتت وخصوصا بعد مرحلة العلمنة أن الدولة هي أحدى تجليات الروح الإسلامي، وان العلمنة فهمت من قبل المسلمين على أنها صورة من صور الاغتراب الاجتماعي الذي مرت به الأمة في لحظة العلمنة، أو الاغتراب الذاتي الذي جسّده ضعف صلة المسلمين بالدين من وجهة نظر أيدلوجيوية إسلامية.

وهي إفرازات تدعو البحث والفكر الإسلاميين الى تناول هذا البعد الماهوي والجذري في الدولة القطرية المعاصرة في تاريخ الإسلام، وإمكانية ترويض الحضور العلماني المتطرف والأيديولوجي الإسلامي باتجاه تأصيل الذات والهوية عبر تشكيلات ثقافية تؤمن بالتواصل مع الآخر، باعتبار همّ العلمانية هو الآخر. وتستند هذه الثقافة الإسلامية في الرؤية والموقف الى النص الأول مباشرة باعتباره نصا مؤسسا يؤسس لعالم حديث في واقعنا الإسلامي، وهي مهمة معرفية وفكرية تلقى على عاتق علم التفسير الذي يقتضي تحديث طرائقه في العمل المعرفي والفكري تناول مناهج ومفاهيم العلوم الحديثة وتأكيدا منها علوم الفلسفة والاجتماع، لأن القران في نظر الإسلام فلسفة وجود وطريقة أو شريعة في الاجتماع البشري.

إن مقتضى ضرورات الاجتماع البشري تجعل من التنظيم القانوني أو تقنين علاقات هذا الاجتماع واستمرار مسيرته، واذا كانت الدولة تتشكل من معان تتراوح بين السياسي والإداري والتاريخي، فأن المعنى القانوني الذي يعبر عن الدولة أو يعرفها بأنها كيان تتوافر فيه شروط المكان والسكان والسلطة ويسبق الدولة اعتباريا في الوجود باعتباره هو الذي يشرع التعريف لها ويؤسس لها الحق القانوني في الوجود السياسي، لكن القانون يسن أو يظهر على أثر قيام الدولة فهو تاريخيا أو زمنيا تابع في نشأته الى الدولة، فالدولة لها شخصية اعتبارية يكفلها امتلاكها للشخصية القانونية ويمنحها واقعا مستقلا بضمانة الوجود القانوني لها وفيه تندرج مسألة السيادة التي ترتهن بها هوية وتحققها.

وأول استقلال تحققه الدولة بهذه الشخصية الاعتبارية هو ديمومتها وتجاوزها أزمة انتهاء الحكم وأنظمته بطرق التغيير المتعددة ـ انقلابات ـ ثورات ـ انتخابات ـ وهذا يعود في جزء مهم منه الى ارتباط الدولة بالأمة، وهي علاقة تمر من خلال التمثيل القانوني والسياسي للأمة في الدولة واستمرار اعتبارها من موازاتها أو تجسيدها للأمة، وهو ما يبرر امتلاكها للحقوق والواجبات وسلطة التشريعات فيها وقدرتها على التصرف بالمصلحة العامة بما يمنحه حق التمثيل القانوني لها من القدرة العامة الذي تحتكر بموجبه القوة، وكذلك يسوغ لها حق امتلاك أو التصرف بالأملاك العامة، وبما أنها ذات شخصية قانونية فأنه يحق لها أن تلجأ الى القضاء (الدولة مغامرة غير أكيدة، جاك باغنار، ترجمة نور الدين اللباد،ص62ـ63)، وتطالب بحقوقها في حالة التعرض لها من قبل أدعياء حق في الأفراد أو الجهات العامة. وبما أن أممنا مشبعة بروح الإسلام وتنبثق في خلفيتها أو مرجعتيها التاريخية والاجتماعية والثقافية عن الإسلام، أو أنها تشكل امتدادا للحضور الثقافي ـ الديني العام في الإسلام، فان الإسلام والحالة هذه يتموضع بشكل جذري أو طبيعي في الدولة التي تجسد هذه الأمة، انها ليست مجرد محاولة أيديولوجية تدخل في ما يعرف بمشروع الأسلمة الذي تتبناه حركات وأصوليات إسلامية بل هي من صلب تكوينات الدولة في العالم الإسلامي.

واذا كانت الشخصية الاعتبارية صفة غير مقصورة على الدولة، بل هي من حق أشخاص يرتبطون بالحق الخاص مثل الشركات والمؤسسات غير الرسمية اضافة الى الجماعات الإقليمية والمنشآت العامة، فأن الدولة تمتاز عنها وينضاف الى شخصيتها الاعتبارية صفة السيادة، وهي مبدأ مجرد تقترن حيازته بسلطة مشروعة تكفل له الإذعان للقوانين من قبل الأفراد والجهات التابعة والخاضعة للسلطة، وتمنح سيادة الدولة ذاتها سلطة مطلقة تجعلها من دون منافس وغير مسؤولة أمام جهة وغير محتاجة الى التبرير فالمبرر الأول والأخير لها هو اسم الدولة (المصدر نفسه، ص65).

وقد اقترنت السيادة في الدولة بنشأة الدولة ومفهوم الحكم ـ نظام الحكم ـ الذي انتقل الى التقنين ـ إصدار القوانين ـ مكتسبا صفة الديمومة والثبات في توطيد مسألة الحكم، وبذلك تحولت السيادة الى مصدر للتشريعات وليس مجرد مصدر للسلطات، وعبر عنه نظام العلمانية في انحيازه الضمني الى هذا التحول، من خلال تبرير العلمنة لواقعة السيادة الممنوحة الى إرادة بشرية تجسدت في إيمان الأمة البشري بالدولة معبرة عن طبيعتها وإرادتها وسلب كل إرادة ما فوق بشرية من هذا الحق، وتشتمل على إرادة الله في الأديان التوحيدية الكبرى، وهي إرادة تنص على نوع آخر من السيادة يوازي سيادة الأمة بمفهومها الأممي ويتمثل في سيادة النوع الإنساني والتي عبر عنها القران بمفهوم الخلافة، وهي دلالة دينية تتجاوز البعد القانوني والسياسي في مسألة السيادة المرتبطة بمفهوم الدولة رغم محاولات الفكر السياسي ـ الإسلامي أدراجها في سياقاته السياسية والأيديولوجية وهنا تكمن نقطة اختلاف جوهري في الدلالة الدينية عن الدلالة العلمانية في تبني مسألة أو مفهوم السيادة.

وبالقدر الذي ينمو فيه مبدأ السيادة في ظل الديمقراطيات الحديثة كمعبّر عن سيادة الأمة وبصورة أكثر تجذيرا في تداوله وشعبيته من الدول القديمة، فانه يسير باتجاه لا صلة له سلبا أو أيجابا بوجهة الأديان، وفي غياب شكل الدولة في الإسلام وعموم الأديان التوحيدية ـ الإبراهيمية، فأن منطقة المباح تتسع في قبول كل أشكال الدولة وصور النظم فيها، لكن المعيار الديني يبقى هو ذاته في توثيق عدالة السماء في الأرض وتجلي صفة الله في العدل في نظام المعاملات النبوي، ورغم إشتمال الإسلام على نظام المعاملات فأنه يبقى خارج سياق الدولة ونظام الحكم فيها.

إن ضرورة الواقع الذي يعيشه الإنسان تفرض دولة ذات انهمام دنيوي، وفي مجادلة نظرية فأن الدولة لازالت تعيش أرتباك الحق المؤسس لها، فكل نظرية تفسر نشأة الدولة تلجأ الى استثناء خاص بالدولة في تبرير وجودها وعلاقته العضوية بالحق وافتراض تابعيته له، فالدولة في التصور الماركسي هي التي يرتبط بها الحق، بينما يذهب التصور الطبيعي للحقوق الى خضوع الدولة الى منطق القانون الطبيعي والمعبر عن الزامات متأصلة وشاملة، وفي التصور الليبرالي فأن الدولة لا تخضع بدءا للحق، بل هي تقرر خضوعها بشكل ذاتي للحق (المصدر نفسه ـ ص68).

من هنا نستطيع تفسير تجاوز الأديان ومنها الإسلام شكل الدولة ونظامها في أطروحته الوجودية والكلية، واستنادا الى قاعدة إحالة الإباحة في الإسلام، فأن الدولة شكلا وتوظيفا ونظاما موكولة الى الناس في كل عصر، وهو ما يعزز عنصر الاختيار في الحالة الإسلامية ـ السياسية، ويدع الخيارات متعددة أمام المسلمين في اختيار شكل الدولة ونظام الحكم فيها.

واكتفت ضمانة الحق ـ إنسانيا في الدولة على تكوين مفهوم دولة الحق باعتبارها كافلة للحقوق في الحرية والمساواة، وعمليا التزامها بإعلان حقوق الإنسان وتطبيقاته الدستورية.

ان القانون الإسلامي يؤكد في تشريعه وتنظيمه على الاجتماع قبل الدولة، ويسعى في تطبيقات الى الاعتماد على سلطة الضمير قبل سلطة الدولة. من هنا تنشأ الحاجة الى قناعة أو اقتناع هذا الاجتماع بمضمون وغاية القانون الإسلامي، او ما يعبّر عن هذا الشرط دينيا بالإيمان، وضرورة أن يتوافر شرط تفاعل الطرح الإسلامي مع المسار الحداثوي، وتلك مهمة الاجتهاد الفقهي الذي هو بنفسه بحاجة الى تجديد أو تحديث على مستوى الطريقة والمنهج والموضوع والرؤية.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (دراسات)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك