مسؤوليات مؤسسات المجتمع المدني تجاه الدولة


يقول الله سبحانه تعالى في محكم كتابه الكريم:

(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[1]

مسؤولية إيجاد الموازن الاستراتیجي للدولة:

من المسؤوليات الرئيسة لمؤسسات المجتمع المدني أن تكون الموازن الاستراتيجي لقوة الدولة، كي لا تطغى؛ إذ(كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى٭أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى)، فالقدرة من طبيعتها أنها تميل نحو التمركز، هكذا دائماً، يعني أن كل شخص وكل عائلة و عشيرة أو حزب، وكل دولة تحب أن تزيد من قدراتها، قدرة على قدرة، وأن تسلب من الآخرين قواهم؛ لتضيف لقواها قوة على قوة، من غير فرق بين الإنسان المؤمن، وغير المؤمن، فهذه طبيعة القدرة، إنها تميل للتمركز وللتركز والتكرس والتكثف والازدياد والسعة والعمق، فإن مسؤوليات مؤسسات المجتمع المدني أن تكون درعاً حصيناً أمام طغيان قوة الدولة.

وإننا نرى أنه يجب أن تكون مؤسسات المجتمع المدني (السلطة الخامسة)؛ إذ عندنا سلطة القوة التنفيذية كسلطة أولى، والقوة التشريعية سلطة ثانية، والقوة القضائية سلطة ثالثة، والصحافة أو الإعلام هي السلطة الرابعة، والسلطة الخامسة هي مؤسسات المجتمع المدني، وقد تكون هي الموازن لتلك القوى بأجمعها، ولعلنا نفصل هذه النقطة في بحوث أخرى قادمة بإذن الله تعالى.

مسؤوليات المجتمع المدني الأربع تجاه الدولة:

إن مسؤوليات أربعاً تقع على عاتق هذه المؤسسات إزاء الدولة، وبالالتزام بها جميعاً ستكون حقاً الموازن الاستراتيجي للدولة:

المسؤولية الأولى: رصد الانتهاكات والخروقات التي تقوم بها الدولة بحق الأفراد والجماعات والجميع، أو المجموع، فهل مساجدنا وحسينياتنا – مثلاً - تقوم بذلك؟ لأن من مسؤوليتها أن ترصد انتهاكات الدولة لحقوق الله، ولحقوق الإنسان، ولحقوق الناس، إن الحسينيات والمساجد مسؤولة عن ذلك، لماذا؟ إذ (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) وحتى المكتبات والمدارس، بل وحتى المستشفيات، أي الهيئة الإدارية للمستشفى، فكيف بالنقابات والاتحادات والأحزاب والمنظمات؟

المسؤولية الثانية: سلب الشرعية، فإن على مؤسسات المجتمع المدني- كالهيئات والمساجد أو الحسينيات أو المكتبات أو الحوزات العلمية أو الجامعات أو المدارس أو النقابات أو الاتحادات- عندما ترى خروقات أن تقوم بالنصح أولاً، ثم بالتحذير ثانياً، ثم بالإنذار ثالثاً، فإذا لم تستجب الدولة فعلى المجتمع المدني أن يسلب الشرعية عنها، ولذلك مراحل ودرجات وسيطة وتفصيل نتركه لوقت آخر.

المسؤولية الثالثة: تقديم المقترحات واللوائح والأنظمة القانونية الإيجابية، التي تصب في طريق بناء الوطن واستقراره وازدهاره، لمجلس الأمة، علماً بإن مجلس الأمة أو البرلمان أو مجلس الشعب أو سواها، ليست لها صلاحية التشريع؛ لأن المشرِّع هو الله سبحانه وتعالى وحده، وإنما صلاحيتها هي التأطير وتطبيق الكليات على المصاديق، في بحث فصّله السيد الوالد في العديد من كتبه.

والحاصل: إن مؤسسات المجتمع المدني يمكن أن تسهم في بناء البلد عبر تقديم المقترحات البناءة، وعبر تقديم مسودات التشريعات أو التأطيرات، التي تنفع البلد، بل إن ذلك من مسؤوليات الحوزة العلمية، من قم والنجف إلى كربلاء والزينبية وإلى دول العالم كلها، حيث توجد الحوزات العلمية المباركة، وكذلك الجامعات، فإن عليها أن تسهم في هذا الحقل، ومسؤوليتها أن تقدم باستمرار للدولة مقترحات وتوصيات ومشاريع قوانين أو أنظمة، وهذا مما يسهم ويؤثر، بشكل كبير في تطوير أداء الدولة وفي استقامتها ونزاهتها.

المسؤولية الرابعة: أن تقوم هذه المؤسسات بمدّ يد المساعدة العملية الميدانية للدولة في تحقيق تلك الأهداف، فالمسؤولية الثالثة هي البعد النظري، والرابعة هي البعد العملي، وسنكمل التفصيل لاحقاً إن شاء الله.

دليل آخر على خطأ قيد (غير إرثية):

وعوداً إلى ما ذكره علماء الاجتماع من تعريفات للمجتمع المدني نقول: إنَّ التعريفات التي ذكرها عدد من كبار علماء الاجتماع، لمؤسسات المجتمع المدني، هي تعريفات ناقصة، وبعضها خاطئ، ومنها هذا التعريف: (مجمل التنظيمات الاجتماعية التطوعية غير الإرثية وغير الحكومية)، وقد تقدم بيان أن قيد (غير الإرثية) خطأ تماماً، وقد سبق البرهان على ذلك، وسنوضحه أكثر إن شاء الله.

وهناك عالم آخر من علماء الاجتماع يذكر من شروط تكوين مؤسسات المجتمع المدني (أن تكون منظمات غير إرثية)، أي أن كثيراً من العضوية فيها لا تتوارث عبر العائلة أو العشيرة أو الطائفة أو المذهب، وهذا يعني أنَّ كثيراً من علماء الاجتماع- في بحث مؤسسات المجتمع المدني- يلغون العشيرة بشكل كامل من دائرة مؤسسات المجتمع المدني، وكذلك يلغون العائلة والطوائف والمذاهب من هذه الدائرة، وهذا خطأ سبق تأكيده في البحث، وقد سبقت بعض وجوهه.

والوجه الآخر الذي نضيفه ههنا، يتجلى عندما نلاحظ مجموعة مهام مؤسسات المجتمع المدني، وأولها: (بناء المجتمع)، ذلك إن من الخطأ أن تعزل العشيرة عن بناء المجتمع، بل على العكس تستطيع العشيرة أن تساهم في بناء المجتمع أفضل مساهمة، وكذا العائلة؛ لأن المجتمع كله يتألف من العوائل، والعوائل هي القاعدة التي يبتني عليها المجتمع، فالمجتمع في الواقع يقوم على أكتاف العوائل و العشائر والطوائف، المذاهب، وليس من الحكمة أبداً أن تعزل هذه الشرائح الهامة، والطاقات الجبارة فيها عن عملية البناء.

والمهمة الثانية هي توفير الخدمات، ولا شك أن العشائر تقوم بدور رئيس في ذلك، وكذلك العوائل تقوم بأدوار في هذا الحقل، وفي سائر الحقول، وكذلك الطوائف والمذاهب.

والمهمة الثالثة من مهام المجتمع المدني أن تكون الموازن الاستراتيجي للدولة، فتحول دون دكتاتورية الدولة، وقهرها وجبروتها، والسلطة الهائجة لها، والعشائر هي أفضل موازن استراتيجي لقدرة الدولة التي تستند إلى الجيش، والتي تريد من خلال الجيش أن تستعلي على الأمة، وتتحكم في مصيرها بيد من حديد، بل إن الطوائف والمذاهب توجد بدورها توازناً في داخل البلد.

والمحصلة النهائية إنه بملاحظة العلة الغائية، والهدف والغاية المتوخاة من مؤسسات المجتمع المدني، نجد أنَّ العشائر والقبائل والعوائل والمذاهب تستطيع أن تكون- بل هي بالفعل كذلك- مساهماً رئيساً في كل هذه المهام، فلا يجوز إقصاؤها عن دائرة مؤسسات المجتمع المدني أبداً.

بل قد يقال بضرورة أن لا نحمل المسألة على حسن الظن؛ إذ يوجد هنالك غرض خفي من وراء ذلك؛ إذ إن هذا الإقصاء يصب في طريق استبداد الدولة، وتكريس نفوذها وقوتها، وتكريس الاستعمار من وراء ذلك، ذلك لأن الاستعمار في بلادنا -عادة- استند إلى دول تتكئ على الجيش، فإذا كانت العشائر موجودة وذات شرعية واعُترِف بها رسمياً وبقوة كافية كانت الموازن الطبيعي للجيش، لكن الاستعمار قد نصّب قادة مستبدين في بلادنا، وهذا القائد المستبد يستند إلى جيش من المرتزقة، جيش من الموظفين الذين لا يعرفون إلا أن يسبحوا بحمد هذا السلطان الجائر، ولا يخيفه شيء أكثر من(العشائر المسلحة).

ومن هنا نعرف أن هذا القيد-(غير الإرثية)- غير صحيح على الإطلاق، بل هو مناقض تماماً للأهداف التي لأجلها يجب أن نرشِّد ونقوِّي مؤسسات المجتمع المدني.

 وبذلك يظهر أن التعليل بضرورة أن تتميز المنظمات التقليدية عن مؤسسات المجتمع المدني، التي لها صفة الحداثة والحداثوية أيضاً غير صحيح، إذ لا يبرر ذلك إلغاءها وإقصاءها، بل ما دامت الأهداف الثلاثة السابقة للعشائر والعوائل فيها أكبر الأدوار، فلتكن المؤسسات تقليدية، فما الذي يضر؟ ذلك إن هذه تسهم وتلك تسهم في بناء الوطن، وهذه توفر الخدمات، وتلك توفر الخدمات، وليكن هنالك تنافس بينهم، فهذه تحدّ من سلطان الدولة، وتلك تحد من سلطان الدولة وعنجهيتها.

وإذا اتضح عندنا هذا المقياس فسيتضح وجه عدم صحة الكثير من القيود التي ذكروها، كما أشرنا إلى بعضها في المبحث الماضي.

«هيجل» والمجتمع المدني والقانون المدني:

نضيف ههنا ما ذكره الفيلسوف المعروف(هيجل) في العام 1812، حيث ذكر في كتابه (مبادئ فلسفة الحق): (إن المجتمع المدني يقع بين الأسرة والدولة)، وقد ذكرنا إن هذا خطأ؛ لأن المجتمع المدني يتضمن الأسرة أيضاً، وإنه يتكون من الأفراد والطبقات والجماعات والمؤسسات، وأما القول بـ(وتنتظم كلها داخل القانون المدني) فقد ذكرنا دليلاً، بل أكثر على أنه خطأ، ونضيف الآن دليلاً آخر، وهو إننا نلاحظ في الكثير من دول العالم الإسلامي أن الناس قد نهضوا في وجه استبداد حكوماتهم، من مصر إلى تونس إلى اليمن إلى ليبيا إلى سوريا والبحرين إلى غير ذلك، فمن الذي نهض؟ إن المؤسسات هي التي نهضت، والآحاد طبعاً؛ لأن آحاد الناس قد نهضوا وكذلك العوائل والقبائل.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن المؤسسات والمنظمات التي قد نهضت وثارت وانتفضت هذه كلها أو كثير منها لم تنتظم في داخل دائرة القانون المدني، فعندما نقيد القانون المدني بهذا القيد فذلك يعني إنك أعطيت الشرعية للسلطات الجائرة، وهذا ليس صحيحاً أبداً؛ لأن هذه السلطات بمجالسها النيابية الديكورية قد وضعت قوانين مدنية، فأية انتفاضة في مقابل هذه الدولة عندما لا تخضع لهذا القانون المدني فهي مدانة، وهي على غير حق، كونها تتحرك خارج إطار ضوابط مؤسسات المجتمع المدني، وهذا مما حدانا - أيضاً- لتغيير التسمية إلى(مؤسسات المجتمع الإيماني)؛ لأن باعث الانطلاقة هو الإيمان، وإلى (مؤسسات لمجتمع الإنساني)؛ لأن باعث الانطلاقة هو الإنسانية، فالقوانين الإنسانية إذن هي التي تشكل ضوابط مؤسسات المجتمع المدني، وليس القوانين المدنية التي خلقتها المدينة، والبحث في هذا الحقل طويل.

مواجهة السلطان الجائر واجب على المجتمع المدني:

وسنستعرض في هذا المقام رواية فيها الكثير من الفائدة في هذا الحقل، إن شاء الله؛ إذ قد ذكرنا بأن مؤسسات المجتمع المدني تهدف إلی أمور ثلاثة: إلى أن تكون الموازن الاستراتيجي لقدرة الدولة، وتكون درعاً حصيناً أمام اخترقات الدولة لحقوق الإنسان، ومانعاً أن تنهتك حقوق الناس، فلنلاحظ الرواية التالية:

ففي كتاب الوسائل، وعن كتاب السرائر، عن الإمام الباقر(عليه السلام) قال: (من مشى إلى سلطان جائر فأمره بتقوى الله ووعظه وخوّفه، كان له مثل أجر الثقلين الجن والأنس، ومثل أعمالهم).

والظاهر إن (من مشى) بإطلاقها[2] تشمل أن يمشي شخص واحد إلى سلطان جائر، أو أن تمشي مجموعة، ولا فرق في ذلك بين أنواع المشي للجائر فتشمل المظاهرات، هذه كلها مشمولة بهذه الرواية، إما لفظاً وإما مناطاً وملاكاً، وفي الوقت الحاضر لا يسمح السلطان الجائر لآحاد الناس وللمؤسسات أو المنظمات أن تمشي وتدخل إلى قصره، أو مكتبه أو وزارته أو دائرته، فإن أكثر المستبدين هم هكذا، بل كلهم أجمعون، فإن الآحاد من الناس، بل حتى المفكرين والعلماء والسياسيين لا يستطيع أحدهم أن يذهب ويطرق باب الحاكم الجائر، في ليبيا أو في البحرين أو في إيران أو في مكان آخر، ويكلمه عن حقوق الناس وواجباته، أو ٲن يخوفه من الله سبحانه وتعالى، بدون أن يرمى في السجن، أو يلاحق فيما بعد، بل لا يسمح له بأن يدخل إلى قصر الحاكم، ولا يسمح للناس أن يخرجوا زرافات ووحداناً في مظاهرات عامة ضد ذلك الحاكم الجائر.

ولنتذكر الحديث مرة أخرى: (من مشى إلى سلطان جائر فأمره بتقوى الله ووعظه وخوفه، كان له مثل أجر الثقلين الجن والأنس ومثل أعمالهم)، ولعمري فإن ذلك أجر عظيم، قد يكون من أسباب هذا الأجر العظيم شجيع الناس على ذلك؛ لأن الناس يتثاقلون، وكثير منهم يخافون من أن يذهب أحدهم إلى السلطان الجائر ويناقشه ويحاسبه ويعاتبه، بل ويعاقبه أيضاً، لذا قرر الله سبحانه وتعالى أجراً عظيماً.

وهناك روايات كثيرة في هذا الحقل، لكن نقتصر في هذه العجالة على هذا المقدار.

وصفوة القول: إن من أهداف مؤسسات المجتمع المدني أن تكون درعاً أمام السلطات الجائرة، ومانعاً من أن تنتهك حقوق الناس.

يقول الله سبحانه (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ[3] إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) إن ممن ينبغي أن يؤمروا بالمعروف هو الحاكم الجائر، بل هو من أجلى المصاديق.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،

وصلاة الله على محمد وآله الطاهرين.

* فصل من كتاب "معالم المجتمع المدني" في الفكر الإسلامي
والكتاب سلسلة محاضرات ألقيت في الحوزة العلمية الزينبية
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/news/maqalat/writeres/mortadashirazi.htm

............................................
[1] سورة التوبة، الآیة ۷١.
[2] وعلی فرض التنزل فبملاكھا.
[3] أما غيرهم، فهل سيرحمهم الله؟ الظاهر: كلا.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (دراسات)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك