مستقبل الفقر في العراق: بين الوضع القائم والحل الأمثل

542 2017-12-05

د.حسين قاسم محمد الياسري

 

تتناول هذه الدراسة مشكلة الفقر وتحليلها ومستقبلها بعد تحرير العراق من كيان داعش الإرهابي التي تُعد من الظواهر المعقدة والمتشابكة التي لها انعكاسات على أحوال الناس ولا تنحصر في الأبعاد المادية وإنما تتعدى إلى الحرمان من العاطفة والصحة والتعليم، وحتى السكن اللائق وكذلك حق الإنسان في التعبير عن الرأي والمشاركة في القرار، ولهذه الظاهرة آثار وأبعاد مؤثرة في سياسة الدولة وتحقيق امنها واستقرارها في المستقبل؛ ويشير مفهوم البنك الدولي للفقر إلى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية ذات المضمون الثقافي، فالفقر في اطار التنمية البشرية التي تتعلق بتوسيع نطاق الخيارات يعني انعدام الفرص والخيارات التي تعد اكثر من أساسية بالنسبة إلى تنمية راس المال البشري.

والفقر عدة أنواع وهي الفقر المدقع الذي يعني انخفاض مستوى الدخل الذي لا يستطيع عنده الفرد الإنفاق على المواد الغذائية الأساسية، والفقر المطلق وهو دخل الفرد الذي لا يكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية من غذاء وكساء ومسكن وتامين الوصول إلى التعليم الأساسي والرعاية الصحية، ووسائل الرعاية الاجتماعية، ويوجد خط يسمى خط الفقر والذي يمكن من خلاله معرفة عدد الفقراء ونسبتهم في المجتمع، وهنالك خطان للفقر وهما : الخط الوطني للفقر، وهو يقيس الفقر حسب مستوى الدولة، والخط الدولي للفقر ويستخدم للمقارنات الدولية .

وللفقر عدة أسباب منها الحروب مع دول الجوار التي أدت إلى تدهور في أوضاع السكان لاسيما الحدودية في الوسط والجنوب إذ بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (3176 دولار) عام 1988، واخذ بالتراجع إلى (161 دولار) عام 1995 بسبب غزو الكويت وما نتج عنها من حصار اقتصادي، وفي عام 2003 تفاقمت نسبة البطالة، وتوقف (80%) من المشاريع الصناعية، وتم سرقة (22 مليار دولار) من البنك المركزي، وتجميد أرصدة العراق في الخارج، كما أدى الإرهاب ومحاربته إلى استنزاف الموارد المادية وتدميره للبنى الاقتصادية التحتية , وخلق بيئة طاردة للاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر، وما نجم عنه من زيادة في أعداد النازحين، وساهم نظام الحكم المبني على أساس المحاصصة في إشاعة الفساد والرشوة، وتعطيل المشاريع وإقرار القوانين، وحل بعض المؤسسات الرسمية وضعف الرقابة الداخلية، ولا توجد استراتيجية واضحة متوسطة أو طويلة الأجل.

وهناك أسباب اقتصادية من أهمها الأزمات الاقتصادية التي اجتاحت العالم مثل أزمة الغذاء، والأزمة المالية لعام 2008، والاحتباس الحراري وآثاره السلبية في التصحر، والنقص في المساعدات الدولية، وقلة القروض للدول النامية، فضلاً عن التقلبات والتراجع في أسعار النفط، وتسببت البطالة في زيادة في عدد من يقعون تحت خط الفقر لعدم تنوع النشاط الاقتصادي من جهة، وضعف مساهمة القطاع الخاص من جهة أخرى، وعدم كفاءة السياسة المالية التي أخفقت في السيطرة على معدلات التضخم، وتحقيق استقرار سعر الصرف، وأدى الانخفاض بالناتج المحلي الإجمالي إلى تفاقم الفقر إذ انخفض من (192772 مليون دولار) عام 2014 إلى (143413 مليون دولار) عام 2015، وانخفض معدل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من (5355 - 3883 الف دولار/فرد) وسجل معدل النمو للمدة من 2014-2015 معدلاً سالباً إذ بلغ (-27.5%).

وساهمت الزيادة السكانية في ارتفاع معدلات الفقر فقد أرتفع عدد سكان العراق عام 2017 إلى (38654287 نسمة) وبمعدل نمو بلغ (2.7%) وهذه الزيادة لا تتناسب مع معدلات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن الجفاف وتدني معدلات تصريف المياه في الأنهار، وارتفاع كلف الإنتاج وتدهور مشاريع الري، ووسائل الري الحديثة وعدم توفر التقنيات الحديثة في الإنتاج والاستثمار الزراعي، وقيام السكان بممارسات وسلوكيات مدمرة للبيئة مثل الإفراط في صيد الأسماك والطيور، كذلك أدى الزحف العمراني باتجاه الأراضي الزراعية إلى تدهور الإنتاج الزراعي وتدني في الأمن الغذائي.

ويؤثر الفقر على مستويات المشاركة السياسية، فالفقر عندما يقترن بالأمية لا يشجع المواطنين على المشاركة السياسية، ويؤدي الفقر إلى التبعية الاقتصادية للدول والشعوب المانحة للقروض والديون، كما تزداد الديون والقروض الفردية لسد الضروريات والحاجيات الاستهلاكية، وبالتالي انخفاض الدخل والاستثمار، والادخار، وللفقر آثار الاجتماعية : ومنها زيادة حالات الطلاق، وانحراف الأحداث، وارتفاع مستويات الجريمة، التسول والتشرد، كما ينجم عنها انخفاض المستوى الصحي، والتعليمي والثقافي، وارتفاع معدلات الهجرة من الريف إلى المدينة، وانتشار العشوائيات التي بلغت نسبة سكانها (7%) من مجموع سكان العراق .

لا تتوافر إحصائيات عن الفقر في العراق في الماضي إلا أن بعض الدراسات توصلت إلى أن الفقر المطلق في العراق للأعوام 1988 و1993 و2007 بلغ (27، 81.3، 36.6%) على التوالي، وفي عام 2012 انخفضت نسبة الفقر في العراق إلى (18.9%) ثم ارتفعت عام 2014 إلى (22.5%)، وظهرت نسبة الفقر متدنية في بغداد، وإقليم كردستان، وكركوك، في حين ظهرت أعلى في المحافظات الجنوبية (ميسان، والبصرة، وذي قار)، والمناطق المتأثرة بسيطرة داعش وهي (نينوى، والانيار، وصلاح الدين، وديالى)، وقد شهدت المحافظات التي تأثرت باحتلال داعش الإرهابي بعد عام 2014، ارتفاعاً في نسبة الفقر، إذ بلغت (41%) بعد أن كانت (20%)، وارتفعت في محافظتي كركوك، وديالى إلى (18%) في حين انخفضت في محافظات الجنوب إلى (5.3 %)، وفي محافظات الوسط (17%)، عام 2015، وبالرغم من أن الاستراتيجية الأولى التي اطلقتها الوزارة للسنوات 2010‐2014 نجحت في تحقيق هدفها بخفض نسبة الفقر من (23 %) إلى اقل من (16%) في النصف الأول من عام 2014، وبسبب تداعيات الأزمتين الأمنية والاقتصادية عاودت مؤشرات الفقر إلى الارتفاع لتبلغ (22.5%) على المستوى الوطني، وفي عام 2016 أشارت تقديرات نسبة الفقر في إقليم كوردستان عام 2016 إلى ارتفاع النسبة في العراق إلى (30%) وفي إقليم كوردستان (15%) . ويشير دليل التنمية البشرية إلى أن العراق مازال يصنف ضمن الدول متوسطة التنمية عام 2015، وبسبب الأزمة المالية تدنت السيولة المالية إلى (-9%) عام 2015 وارتفع معدل تضخم أسعار المستهلك عام 2017 إلى (2%) مقارنة بعام 2016 الذي بلغ (1.8%) .

وقد أسهم الخلل وعدم التوافق بين سوق العمل ومخرجات التعليم في ضعف إنتاجية العمل واختلال هيكل الأجور وتفشي البطالة وتدهور الأجور الحقيقية، وتتناسب البطالة في العراق مع ارتفاع المستوى التعليمي لفئة الشباب (15- 29 سنة) إذ تتزايد في التعليم الجامعي , فقد بلغت نسبة بطالة الشهادات الجامعية (31.6%) وبلغت نسبة التسرب خلال المدة 2003-2013 في المرحلة الابتدائية إلى (33%) أما في الجانب الصحي، فقد كان للعقوبات الاقتصادية اثرها في تخلف الواقع الصحي.

وقامت الحكومة العراقية بعدة إجراءات للتخفيف من نسبة الفقر من أهمها البطاقة التموينية التي تراجع أداؤها بسبب عدم تمييزها بين الفقراء وغيرهم، ووجود أسماء وهمية، وقلة ما يصل منها إلى المواطن، أما شبكة الحماية الاجتماعية فقد برزت نقاط ضعف في تطبيقها منها غياب التخطيط، ووجود أعداد كبيرة وهمية غير فقيرة مشمولة بهذا النظام، في حين إن برنامج القروض نجح إلى حد ما بهدف الحد من الفقر من خلال توفير السيولة النقدية للفئات الاجتماعية المحرومة لتأسيس مشاريع صغيرة، ووضعت العديد من الاستراتيجيات التي لم تحقق هدفها في التخفيف من الفقر منها استراتيجية التخفيف من الفقر عام 2015 التي كان هدفها تخفيض معدل الأمية إلى النصف، وتقليل التفاوت بين الجنسين بنسبة (98%)، وفي مجال الصحة تم إعداد استراتيجية لتطوير النظام الصحي وتحسين المراكز الصحية للمواطنين، وتخفيض معدلات الأمراض ووفيات الأطفال والأمهات والسيطرة على الأمراض الانتقالية وخفض معدلات سوء التغذية . واتخذت الحكومة استراتيجيات عديدة لمكافحة الفساد من خلال تشكيل هيئة النزاهة العامة عام 2004، و تعيين مفتش عام في كل وزارة، وشكلت لجنة سياسات التخفيف من الفقر في 24/11/2009 من خلال عقد اتفاقية بين العراق والبنك الدولي وتم الاتفاق على تنفيذها في اربع مراحل وتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية التي أدت إلى تحسن في مؤشرات التنمية البشرية وخفض معدل الفقر (30%) للمدة من 2010-2014، واطلق الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات في وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي للمدة من 2010-2014 استراتيجية شملت مجموعة من الجهات وكان من اهم أهدافها تقليص معدل الفقر بنسبة (16%) على المستوى الوطني، وخفض معدل الأمية وتقليص عدد المشمولين بنظام الإعانة الشهرية ليشمل من هم تحت خط الفقر، أما استراتيجية التخفيف من الفقر 2017-2021 التي بدأت أعمالها في أربيل من شباط 2017 بالتعاون مع البنك الدولي، ومن اهم أولوياتها دعم الاستقرار في المناطق المحررة والعمل لتهيئة البيئة والظروف المناسبة لمواطني المناطق المحررة، ومن ابرز التحديات التي تواجه تنفيذ الاستراتيجية هي الدمار الذي خلفته الحرب ضد الإرهاب التي كلفت الموازنة أموالا طائلة تؤثر على التخصيصات التي يمكن توجيهها نحو دعم مشاريع التخفيف من الفقر في ظل تراجع معدلات النمو الاقتصادي وغياب المنافسة القوية وتباطؤ عملية الإصلاح ودخول العراق في اتفاقية الائتمان المالي مع صندوق النقد الدولي، وتراجع أسعار النفط، ويمكن مواجهه هذه التحديات بما يمتلكه من ثروات معدنية أخرى والسياحة الدينية، وتأسيس الصندوق الاجتماعي للتنمية كمؤسسة مستقلة، وتأسيس جمعيات محلية لصغار الفلاحين، ودعم الخريجين من خلال منحهم قطع أراضي زراعية بهدف زيادة الإنتاج، إقامة مشاريع زراعية صغيرة ومتوسطة ، وبناء مجمعات سكنية واطئة الكلفة للفقراء، والعمل على توفير الطاقة الكهربائية للفقراء بواسطة الألواح الشمسية . كما سن مجلس النواب العراقي تشريعات عديدة للحد من ظاهرة الفقر بين الأسر العراقية الفقيرة ومنها دعم طلاب الجامعات العراقية بمنحة دراسية تعينهم على إكمال دراستهم طبقت للأعوام 2013 و 2014، ودعم النازحين العراقيين جراء العمليات الإرهابية وتعويض المتضررين منهم، فضلاً عن قروض الإسكان والقروض الزراعية التي لم تساهم في الحد من الفقر بسبب الفساد المالي والإداري .

ولا يمكن إعطاء رؤية مستقبلية للفقر في العراق لان المستقبل الاقتصادي للعراق يرتبط بمجموعة من المتغيرات السياسية والاقتصادية التي تؤثر في الملامح المستقبلية للاقتصاد العراقي منها ما يتعلق بالوضع الأمني وحجم الإيرادات النفطية وتقلبات أسعاره وكيفية التعامل مع الديون والتعويضات، وحجم الاستثمار المتوقع في العراق، ويمكن القضاء على الفقر في العراق بعدة مقترحات وهي

1-وضع استراتيجية وطنية تعالج مشكلة البطالة وتوفير التدريب والوصول إلى الموارد الإنتاجية بالاعتماد على إجراءات كفيلة لزيادة الدخل، ويمكن القيام بذلك عن طريق زيادة النمو الاقتصادي، وتنويع وتوزيع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية بشكل متوازن بين المحافظات، وعدم الاعتماد على النفط كسلعة واحدة .

2-سن التشريعات والقوانين، والاستفادة المتوازنة من المنافع والخدمات ومحاربة الفساد المالي والإداري، ومصادر الدخل غير المشروع، ومعالجة أوضاع المسرحين من العمل في الدوائر المنحلة.

3-وجود شبكات أمان اجتماعي فعالة تعمل على اتجاهات متعددة من أهمها : تقديم القروض والمنح للمشاريع الفردية الصغيرة، وتنفيذ برنامج لمنح الإعانات الطارئة للأسر الفقيرة في حالات المرض والوفاة والكوارث وغيرها، وتنفيذ برنامج لمساعدة الطلبة الفقراء، وشمول المعاقين والأرامل والأيتام وذوي الشهداء، العمل على رفع سقف الإعانة الاجتماعية للأفراد إلى ما فوق خط الفقر .

4-توفير قاعدة بيانات عن الفقر بشكل دوري، وإنشاء مركز للبحوث يعنى بشؤون الفقر .

5-رفع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج القومي الإجمالي بدعم مستلزمات الإنتاج، وتنمية الأنشطة الزراعية، استصلاح الأراضي، فضلاً عن توزيع الأراضي ذات الملكية العامة على الكفاءات المحلية بنظام التأجير الميسر.

6-وضع سياسة سكانية واضحة للحد من النمو السكاني، وقيام مشاريع إسكانية جديدة للفقراء .

7-تتشجع القطاع الخاص على تفعيل دوره في النشاط الاقتصادي، وتعزيز القدرة على حفز وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية القادرة على توليد فرص عمل جديدة .

8- إعادة النازحين إلى مناطقهم، وإعمارها بالتعاون مع المنظمات الدولية، وتعويض المتضررين .

المدرس الدكتور: حسين قاسم محمد الياسري
جامعة البصرة /مركز دراسات البصرة والخليج العربي /قسم الدراسات الجغرافية

........................................
* بحث مقدم لمؤتمر الاستقرار الأمني والمجتمعي في العراق لمرحلة ما بعد داعش، الذي عقد من قبل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية جامعة بغداد، وبالتعاون مع مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام بتاريخ 23/10/2017.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (دراسات)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك