الحداثة الأدبية في ميزان النقد الاسلامي


تعريف الحداثة:

لقد أبدى كثير من النقاد الإسلاميين اهتمامهم بموضوع الحداثة أثناء معالجتهم لنظرية الأدب والنقد الإسلامي فضلاً عما خصصه بعضهم من دراسات مستقلة في هذا المجال. وأول ما يلفت النظر في نقدنا للحداثة وما بعدها هو عدم وجود تعريف ثابت لهما إذ إن التعريفات التي أعطيت للحداثة لدى المفكرين والفلاسفة الغربيين، كانت تعريفات متعددة تدل على عدم وجود اتفاق أو انسجام حول مفهوم الحداثة في الغرب نفسه، فمن قائل انها النهوض بأسباب العقل والتقدم والتحرر، ومن قائل انها ممارسة السيادات الثلاث عن طريق العلم والتقنية: السيادة على الطبيعة والسيادة على المجتمع والسيادة على الذات، ومنهم من يقول إنها قطع الصلة بالتراث أو انها طلب الجديد أو محو القدسية من العالم أو العقلنة أو الديمقراطية...الخ ومن ثم فهي بحسب رأي الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، مشروع غير مكتمل (1).

و"يظل مصطلح الحداثة من أكثر المصطلحات إشكالاً وغموضاً بسبب سفره من تربته الاصلية وارتباطه بأمكنة ذات خصوصية سوسيو ثقافية تختلف جذرياً عن منبته الأصلي، وأيضاً بسبب توزيعه وتغطيته لمجموعة هائلة من الحقول المعرفية السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الفكرية، العسكرية والادبية "(2) لذلك فقد أجمع كل الباحثين في حقل النقد الحداثي على استحالة وجود تعريف ثابت للحداثة مما يوحي "بأن الحداثة وان قسمت إلى حداثتين فإنها في الأخير تظل حداثة واحدة، وما مصطلح (ما بعد الحداثة) سوى نقد ومراجعة للحداثة ومحاولة لتجذيرها وتأكيد حضورها الأبدي حتى تحافظ على تفلتها من كل تحديد، فهي مشروع لم يكتمل بعد"(3).

وكلمة الحداثة في أصلها الاوربي مشتقة من لفظة: modern، وقد اخذت "في اوربا رواجاً تفاوت في الشدة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وتفاوت بين بلد وبلد في اوربا. فمن مقالات الناقد النرويجي جورج براندر سنة1883م تحت عنوان (رجال الاختراق الحديث) الى المختارات الشعرية التي نشرت في المانيا سنة 1885م تحت عنوان (شخصيات شعرية محدثة) تدعو إلى تحطيم كل ما هو قديم وتقليدي، إلى مقالة فرجينيا ولف سنة 1888م تحت عنوان (أحدث التيارات الادبية ومبدأ الحداثة) ثم انطلقت لفظة الحداثة ومشتقاتها وأقبل الناس عليها من خلال نزاع شديد حول مفهومها حتى صدر كتاب (رحيل الحداثة) سنة 1909م لصاموئيل لبلنسكي، في برلين. ولكن امتدت الحداثة بعد ذلك على انماط مختلفة وحركات عدة حتى كانت سنة 1922م حين صدرت قصائد وروايات متعددة لشعراء وكتاب ارتبط اسمهم بالحداثة: قصيدة الارض اليباب لإليوت، ورواية يوليسيس لجويس وأناشيد رلكة ومسرحيات ومراثٍ وغير ذلك، مما جعل الناقد هاري لفين يعتبر سنة 1922سنة المعجزات وامتدت الحداثة بعد ذلك لتكتسب مع السنين معاني متعددة "(4). ودخلت إلى العالم الإسلامي وتسللت إلى الفكر والادب والحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية واختلفت مصطلحاتها وترجمتها. وقد احدث تعريب مصطلحي modernity و modernism ارباكاً لدى القاريء العربي، إذ يبدوان مصطلحاً واحداً فتم تعريبهما بكلمة واحدة هي (الحداثة) وميز آخرون بين الحداثة modernity والحداثوية أو الحداثانية modernism لأن المصطلح الاول لايتقيد باشتراطات مذهبية أو مفهومية في أدب أمة معينة، أما الثاني فإنه يدل على حركة ادبية ونقدية معينة لها سياقاتها التاريخية والمعرفية والفنية في الادب الغربي في حين ترجم الدكتور محمد مصطفى هدارة كلمة modernity بالمعاصرة أو العصرية معتبراً انها تعني إحداث تغيير وتجديد في المفاهيم السائدة والمتراكمة عبر الأجيال نتيجة تغيير اجتماعي أو فكري أحدثه اختلاف الزمن. أما كلمة modernism فقد ترجمها بـ(الحداثة) معتبراً انها مذهب أدبي، بل نظرية فكرية لاتستهدف الحركة الابداعية وحدها بل تدعوا إلى التمرد على الواقع بكل جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية (5).

وما يهمنا متابعته في نقد الحداثة هو هذا المفهوم الاخير لها المعبر عنه بمصطلح modernism وعلى هذا الاساس ينبغي أن نفرّق بين هذين المصطلحين الاجنبيين اللذين يترجمان – للأسف – ترجمة واحدة هي (الحداثة) فيكون تركيزنا على مصطلح modernism الذي دخل بمفهومه الشاذّ إلى عالمنا الإسلامي وانتقل إلى ادبنا العربي الحديث وفُتن به الكثير من الادباء والنقاد العرب.

جذور الحداثة في الغرب:

فالحداثة لفظة تدل اليوم على مذهب فكري جديد يحمل جذوره وأصوله من الغرب بعيداً عن حياة المسلمين وحقيقة دينهم ونهج حياتهم، فلا يخفى على الباحث في تركيبة المجتمع الغربي مدى اليأس الذي وصل اليه الفرد الاوربي في القرن العشرين "فقد قادته كشوفات العلم التجريبي إلى طريق مسدود وأبواب موصدة. فلم يكن يملك ازاء هذا الوضع الذي قادته اليه الآلة-التي صنعها العقل والتجربة بدعوى جلب السعادة-إلا التمرد على كل يقين موضوعي، ليس بتصحيح مساره مراجعاً الادوات التي قادته إلى هذا المصير محاولاً تجاوزها بإحلال آليات جديدة مكانها أو التعديل فيها وجعلها لائقة وظروفه التي جدت، بل تحول من النقيض إلى النقيض، من سلطان العقل والتجريب إلى سجن الشك والعدمية.

هذه الاخيرة التي تكاد تكون ملازمة للمشروع الحداثي بل سمته الرئيسة وأحد عناوينه البارزة حيث يتم فيها انتقاد القيم العليا لقيمتها وغياب الاهداف الكبرى وانعدام الجواب عن السؤال البسيط: لماذا؟"(6) وبالاضافة إلى أثر العلوم التجريبية في ظهور الحداثة في العالم الغربي، فقد كانت تلك الحداثة امتداداً طبيعياً للتيه الذي دخلته أوربا منذ العصور الوثنية عند اليونان والرومان امتداداً إلى عصر الظلمات ثم العصور اللاحقة بكل امواج المذاهب والفلسفات المتناقضة المتصارعة، "فلم يعد في حياة الغربيّ إلاّ أن تنفجر هذه المذاهب انفجاراً رهيباً يحطّم كل قيمة، لتعلن يأس الانسان الغربيّ وفشله في أن يجد أمناً أو أماناً. لقد كانت الحداثة تمثل هذا الانفجار الرهيب، الانفجار اليائس، انفجار الانسان الذي لم يعرف الأمن في ذاته آلاف السنين. جرّب كلما أوحت به الشياطين، جرّب العلم والمال والطبيعة وغير ذلك، فما افادته بشيء. كفر بكل شيء وعبّر عن كفره ذلك بالحداثة"(7). ويتفق معظم الباحثين على أن "تاريخ الحداثة الحقيقية يبدأ من أواخر القرن التاسع عشر الميلادي مع الاتجاهات التي نبذت الادب الرومانسي وأزرت عليه إغرابه ودورانه في حلقة مفرغة من استعذاب الألم، وهي الاتجاهات التي قدست الفن ذاته ودارت في محرابه وقد تمثلت هذه الاتجاهات بالبرناسية والواقعية الطبيعية ثم مذهب الفن للفن الذي ولدت في احضانه الرمزية.

ويعد هؤلاء الباحثون (بودلير) على رأس دعاة الحداثة الذي اتجه إلى عبادة الفن لذاته، كما اتجه إلى تحطيم كل صلة تربط الاديب بالمجتمع أو الدين أو العادات، يُلاحظ ذلك في سلوكه الاجتماعي وفي شعره الذي تضمنه ديوانه (أزهار الشر) ومثله رامبو ومالارميه وغيرهم من شعراء الشذوذ والانفصام"(8) وقد تأثر هؤلاء برأس المدرسة الرمزية الامريكي إدغار الن بو الذي نادى" بأن يكون الادب كاشفاً عن الجمال ولاعلاقة له بالحق والأخلاق وبالفعل كانت حياته لاعلاقة لها بالحق ولا الاخلاق ولا الجمال أيضاً وكذلك شعره وأدبه، فقد كانت حياته موزعة بين القمار والخمور والفشل الدراسي والعلاقات الفاسدة ومحاولة الانتحار بالأفيون، حتى قيل عنه عند موته في احدى الصحف الامريكية: (ومما يبعث الاسى لموته هو – قبل كل شيء – الاعتراف بأن الفن الادبي قد فقد نجماً من أسطع نجومه ولكن من أمعنهم في الضلال).

وعلى خطى إدغار سار تلميذه بودلير استاذ الحداثيين ممعناً في الضلال وبعيداً عن الحق والاخلاق "(9) فقد نشأ في "أحضان المخدّرات والمسكرات والشهوة الجنسية الفاجرة بين اليهودية سارة وزنجية أخرى ونشأ في أحضان اليتم في مجتمع قاس مضطرب هائج لايجد فيه حنان الأبوة والأمومة، ولاحنان المجتمع ولاحنان الانسان. لم يجد إلاّ حنان الجنس الداعر والخدر الفاجر فقذف بودلير مآسيه كلها وفجوره وسكره وعهره في ديوانه الذي سماه (ازهار الشر) "(10) وقد اصدر بودلير هذا الديوان عام 1857م فأثار فضيحة أخلاقية نجم عنها تحويله إلى المحاكمة ومنع الكتاب من الانتشار(11) وقال مصطفى السحرتي عن بودلير في مقدمة ترجمة لديوانه " لقد كانت مراحل حياته منذ الطفولة نموذجاً للضياع والشذوذ، ثم بعد نيل الثانوية قضى فترة في الحي اللاتيني حيث عاش عيشة فسوق وانحلال، وهناك أصيب بداء الزهري،عاش في شبابه عيشة تبذل وعلاقات شاذة مع مومسات باريس ولاذ في المرحلة الاخيرة من حياته بالمخدرات والشراب. ويقول ابراهيم ناجي مترجم ديوان (أزهار الشر) لبودلير: إن بودلير كان يحب تعذيب الآخرين ويتلذذ به وكان يعيش مصاباً بمرض انفصام الشخصية. ويكفي للدلالة على خسته أن فرنسا على مافيها من انحلال وميوعة ومجون وفساد، منعت نشر بعض قصائده عند طبع ديوانه في باريس سنة 1957م. ويقول عنه كاتب أوربي: إن بودلير شيطان من طراز خاص. ويقول عنه آخر: إنك لاتشم في اشعاره الأدب والفن وإنما تشم منها رائحة الافيون. هذا هو بودلير أبو الحداثة الذي تسود صفحات صحفنا بالحديث عنه والاستشهاد بأقواله وأشعاره "(12). وكان من روّاد الحداثة الغربية بعد بودلير، رامبو الذي دعا إلى هدم عقلاني لكل الحواس وأشكال الحب والعذاب والجنون كما دعا إلى التمرد على التراث والماضي وقطع أية صلة مع المباديء الاخلاقية والدينية، وتميز شعره بالغموض وتغييره لبنية التركيب والصياغة اللغوية عما وضعت له وتميز أيضاً بالصور المتباعدة المتناقضة الممزقة (13).

واذا أردنا متابعة أصول الحداثة في الغرب فلابد من معرفة أن جميع المذاهب الفكرية والفلسفية والاجتماعية والادبية التي ارتبطت بجذورها الوثنية اليونانية وما أضافته لنفسها من العتمة على مر العصوروالاجيال، قد أدّت إلى العتمة الحداثية وخصائصها من القلق والحيرة والشك، هذه السمات التي حملتها جميع مذاهب الحداثة: الرمزية، الانطباعية، المستقبلية، التعبيرية، الدادائية، السيريالية، الادب – المهنة، التصويرية، الذاتية، السميولوجية، البنيوية، وما بعد البنيوية، والتشريحية."جميع هذه الحركات حملت معها العتمة والتناقض والقلق والاضطراب. جميع هذه الحركات كانت للبحث عن إله تعبده من دون الله. وكل حركة كانت تأخذ جزئية في الحياة تحاول أن تجعل منها حقاً مطلقاً تفسر به الحياة كلها، وعندما تكتشف فشلها تصاب بالصدمة فتنهار، فتظهر حركة جديدة هي ردّ فعل للحركة السابقة تأخذ جزئية جديدة تحاول تعميمها فتصل إلى ما وصلت اليه سابقتها"(14). وسوف نقصر حديثنا في هذا البحث على نقد المذاهب التي جسّدت الحداثة الادبية بأتمّ خصائصها فكانت الممثّل الحقيقي للحداثة الغربية.

مذاهب الحداثة الغربية:

تأتي (المستقبلية) على رأس تلك الحركات والمذاهب الادبية، فقد "ظهرت بواكير الحركة المستقبلية في ايطاليا مع (البيان المستقبلي) سنة 1905 يعلنه فليبوتوماسومارينيتي من ميلانو. وأخذت البيانات المستقبلية تتوالى. لقد وعد المستقبليون بابتكار (الخيال اللاسلكي) الذي سيتمخض عن توليف متجانس لعناصر الكون التي يمكن احتواؤها عن طريق نظرة خاطفة واحدة ويمكن التعبير عنها بكلمات جوهرية... ووضع مارينيتي مع مقدمة كتابه المسمى (زانك تم تم) عنواناً للمقدمة: (تحطيم النحو – خيال لاسلكي – كلمات حرة). مع هذا الانفلات المهووس دفعت الحركة المستقبلية الحرب ضد اللغة خطوة أوسع ووسعت مدى الوهم والضياع ليغيب مع الخيال اللاسلكي، وأخذت تفرغ الكلمات من معانيها. واليد التي تكتب تنفصل عن الجسد وعن الدماغ حتى تكتب وهي منفلته لايضبطها ضابط وأخذ الشعر يتفلت من قواعده في هذا الجو المحموم ليمثل الشعر الحر ظاهرة المرض العنيف والثورة الهائجة والضياع الممتد "(15) ولم تقتصر المستقبلية الايطالية على ميدان الادب بل دخلت ميدان السياسة أيضاً حاملة الفساد والعدوان والاجرام باعثة روح العصبية والفاشية الايطالية إذ جاء بيانها سنة 1911م ليقول: يجب أن تسيطر كلمة إيطاليا على كلمة حرية."وأمضى مارينيتي واحداً وعشرين يوماً في السجن مع موسيليني وفيجي وآخرين ممن أسموهم بالمحاربين، بتهمة تكوين عصابات مسلحة. ومع أن مارينيتي ترك سنة 1920م جمعية المحاربين الفاشست إلاّ أن ضلالاتهم امتدت لتصبح رائداً وشريكاً منافساً للفاشية. وأخرج مارينيتي سنة 1915م كتاباً أسماه (الحرب هي العلاج الوحيد للعالم) وأصدر أبولينير سنة 1913كتابه (العداء المستقبلي للتراث) ليكشف عن اتجاه رئيسي للحداثة عامة"(16) وفي روسيا لبست الحركة المستقبلية الثوب الشيوعي المادي إذ اعطى فلاديمير ماياكوفسكي رأس الحركة المستقبلية في الأدب الروسي، أعطى نفسه لقب (زرادشت زماننا الصخاب) وهو لقب وثني يدل على مادية إلحادية تتجلّى بشكل أوضح في قصيدته (مغامرة خارقة قام بها فلاديمير ماياكوفسكي في كوخ صيفي) تتضمن دعوته للشمس إلى كوب من الشاي وذلك ليعيق شروقها وغروبها الأبديين تعبيراً عن حرب الحركة المستقبلية الروسية على السنن الكونية وكرههم للنظام والعدل والثبات ونفورهم من الماضي والحاضر والمستقبل وما يمثله القديم والدين والتراث وانطلاقاً من هذا التصور "أصدر ماياكوفسكي وخليبنكوف وكروجونيخ وديفيد برليوك، بيانهم سنة 1912 وأسموه (صفعة في وجه الذوق العام).

وحرصت المستقبلية على ابراز الارادة الانسانية كقوة قاهرة للطبيعة. وعاب تروتسكي على أن المستقبلية مع نبذها الماضي لم تكن ثورة بروليتارية. وجعلت المستقبلية محور قضيتها هو السعي إلى غسل الكلمات وتطهيرها من طلاء التراث الادبي"(17)، وهكذا تلتقي الفاشية والاشتراكية في الخصائص الاساسية للحداثة رغم تناقضهما في المباديء الفلسفية وقد تمثلت تلك الخصائص في الشعر الكونكريتي الذي كتبه فاسيلي كافسكي مصنوعاً من غير تدبر أو هدف سوى التهريج معتمداً لاعلى اللغة وبيانها ولكن على القراءة والصوت والتمثيل. وتمثّلت كذلك فيما قدمه خليبنكوف في قصيدته (تعويذة عن طريق الضحك) سنة 1910 من أسلوب لتحرير الكلمة من كل قواعدها باختياره كلمة يسعى لإقامة بناء لها لاوجود له في القواميس مستغلاّ جذور الكلمة وطبيعة تكوين الكلمات في اللغة الروسية.

وعند فهم هذا الاتجاه يسهل ادراك تبعية الحداثيين في بلادنا وهم يدعون إلى إفراغ الكلمات من معانيها وإلقاء القواميس وإلغاء النحو والصرف، ويسهل ادراك أصول ما يدعون اليه في تبعية مخدّرة ذليلة (18). وقد لاقى اتجاه الحركة المستقبلية في حربها على اللغة، ترحيباً وتمجيداً من قبل المدرسة الشكلانية التي استلهمت بعض قواعد العلوم اللغوية التي جاء بها دي سوسير، اذ اعتبر رومان ياكوبسون – في مقال له تحت عنوان (الشعر الروسي الاحدث) نشره سنة 1919 – أن الشعر الأحدث هو ما دفعته الحركة المستقبلية وضرب مثلاً بشعر خليبنكوف معتبراً لغة الشعر هي اللغة السامية منكراً أن يكون للمضمون أي وجود مميز، واستنتج أنه اذا كان المعنى سابقاً هو الذي يحدد القوافي في الشعر، فإن القوافي في شعر خليبنكوف وماياكوفسكي هي الآن تبحث عن معنى. والحق"أن كلمات ياكوبسون نفسها هي التي تبحث عن معاني بالرغم من حلاوة التعبير إلاّ أن يكون المعنى هو أن الكلمات قد فرغت من معانيها، في متاهة شيطانية واسعة حملت اسم العلم وبريقه. لم يكن لهذا الاضطراب الفكري والنفسي والادبي ان يظل ماضياً في غيه. فقد مات خليبنكوف وماتت بموته التجريبية الفوضوية وتوقفت بعض مجلاتهم عن الصدور، ثم انتحر ماياكوفسكي سنة1930.

وبالرغم من بعض المحاولات للتخفيف من الهجوم على الماضي وبالرغم من جهود كروجونيخ ومتابعته النشر إلاّ ان المستقبلية أعلنت افلاسها ووجد كروجونيخ نفسه شبه ضائع... وعلى كل حال فاذا كانت الحركة المستقبلية أعلنت افلاسها هنا وهناك فإن بذور الفتنة كانت لاتزال قائمة في المجتمعات بكل التناقضات والقلق والغموض والشك والثورة المتجددة، لتبعث حركة جديدة تحمل الفتنة نفسها تحت راية جديدة. ولم تكن الراية الجديدة إلاّ الحركة التعبيرية "(19) التي دعت إلى تفجير الواقع التقليدي في صورة تدميرية مفسدة لانهج فيها ولااصلاح ولامعنى من معاني الخير وأكتفى اتباعها بذلك أمام عجزهم الكبير وهم يقفون في شك وغموض وابهام وحيرة من قضية الروح والروحانية التي ينادون بها.

وقد ساقهم هذا العجز إلى التمادي في نهج التدمير فتناولوا اللغة بسلاحهم المدمر كما تناولته الحداثة السابقة لهم واصبح عدوانهم البشع على اللغة يمثل امتداداً طبيعياً لحركة الفساد السابقة اذ رأوا أن اللغة لما اصبحت اداة في خدمة اغراض نفعية فقد اصبحت عاجزة عن القيام بالمهام التعبيرية وعاجزة عن ان تكون إشارات دالة على القضايا الروحية لذلك انصب هجومهم على النحو التقليدي وأرادوا أن تتبادل اجزاء الكلام-الاسم والفعل والوصف- وظائفها، ولم تكن دعوتهم لتكوين اشياء روحانية جديدة بعد التدمير، إلاّ وهماً تمثل بعجزهم المتلاحق وفشلهم المتواصل فلم يكن امامهم إلاّ ان يحيطوا فكرهم وعملهم وشعاراتهم بضباب كثيف من الغموض يتوارون خلفه وزخارف كاذبة، مما أوقع الخلاف والصراع بين مذاهبهم التعبيرية وادّى إلى تفجيرهم انفسهم دون أن يفجروا الواقع، فاتجه فريق إلى اليسار المادي الشيوعي وتاه آخرون في نظريات اخرى وانتهت الحركة التعبيرية على هذا النحو ولكن في الوقت نفسه حملت هي نفسها بذور ولادة حركة افسادية جديدة لتمد خط الحداثة ولتحاول المحافظة على منهج الفساد(20) الذي جدّدت السير فيه الحركة الدادائية ثم السريالية.

عوامل ظهور الحداثة الغربية:

لقد ساعد على ظهور الحداثة في أوربا تاريخ ممتد شارك بمختلف عصوره وأحداثه في ولادة هذه الظاهرة، ويمكن اجمال اهم العوامل في ظهورها بالأثر الممتد للفكر الوثني اليوناني والروماني، وفشل المسيحية في تقديم التصور الايماني والتوحيد للمجتمع الاوربي، والتقدم العلمي السريع في مختلف ميادين العلوم التطبيقية، وعزل الدين عن المجتمع إلاّ بمقدار مايحتاج أصحاب المصالح إلى استغلاله وخاصة في العدوان على الشعوب الاخرى، ونمو العلوم الانسانية في اتجاهات بعيدة عن الدين فولّدت كبراً وغروراً ونصبت آلهة متعددة كالعقل والعلم، والثورة الصناعية في أوربا وما ولّدته من طبقة مستغِلّة وأخرى مستغَلّة وامتداد العدوان والظلم في الارض تقوده الطبقات المستغِلة المختفية وراء زخارف الديمقراطية او مزاعم الدكتاتورية ووراء زينة كاذبة من مبادئ مستحدثة ومذاهب جديدة كلها تخدر الناس وتبعد عنهم الحقائق. ومن العوامل ايضاً انتشار الفساد الخلقي والانحلال والتهتك وانفلات الشهوات الجنسية انفلاتاً يقوده اصحاب المصالح والمطامع تحت شعارات خادعة مثل الحرية الفردية المتفلتة في نطاق محدود ومساواة المرأة بالرجل مساواة تسهل الفتنة والفساد ولاتحمي الحقوق والحرمات(21).

انتقال الحداثة الى العالم الاسلامي:

وفدت الحداثة الى العالم الاسلامي بوساطة" البعثات التي عادت من اوربا أو الذين انطلقوا من انفسهم يطلبون العلم هناك أو يهاجرون إلى طلب الرزق في اوربا وأمريكا، أو الرجال الزاحفين علينا من بلاد الغرب زحفاً عسكرياً أو زحفاً نصرانياً أو عن طريق مؤسسات الفساد وأنديته كالماسونية والروتاري وغيرهما. قوى هائلة عملت على نقل الفكر الحداثي للعالم الإسلامي، قوىً خارجة عنّا وقوىًمنّا "(22) بدءاً من سلامة موسى الذي خطا في التبعية خطوة بعيدة تدعو إلى قطع الصلة مع ماضينا وأرضنا وديننا والارتماء كلية في تبعية وعبودية للغرب اذ يقول في كتابه (اليوم والغد): "كلما ازددت خبرة وتجربة وثقافة توضحت امامي أغراضي في الادب كما أزاوله. فهي تتلخّص في أنه يجب علينا أن نخرج من آسيا وأن نلتحق بأوربا. فإني كلما ازددت معرفة بأوربا زاد حبي لها وتعلقي بها وزاد شعوري بأنها مني وأنا منها"(23) ويهاجم سلامه موسى الثقافة العربية والاسلامية ويهاجم رجالها وادباءها وشعراءها وتاريخها هجوماً وقحاً.

وجاء طه حسين من فرنسا كذلك، بعد ذلك بسنوات قليلة ينشر الدعوة إلى تحطيم تاريخنا وديننا وأدبنا والى الالتحاق بأوربا وزخارف حضارتها. فنشر كتابه: (مستقبل الثقافة في مصر) نهج فيه نهج سلامة موسى ولكن بأسلوبه الخاص المتميز، مدعياً أن عقلية مصر عقلية يونانية وأنه لابد من أن تعود مصر إلى أحضان فلسفة اليونان وأن التعليم العالي الصحيح لايستقيم في بلد من البلاد الراقية إلاّ اذا اعتمد على اللاتينية واليونانية على انهما من الوسائل التي لايمكن إهمالها ولا الاستغناء عنها. ومن هنا انطلقت دعوات لتغيير اللغة في مصر وغيرها من البلاد العربية والاسلامية وبدأ هجوم شرس على الدين واللغة كأن رجالنا هنا ينقلون نقلاً عن هَوَس أوربا في تبعية ذليلة. إذ نسمع نزار قباني يسخر من المجامع اللغوية العربية، ويمجد طه حسين في انسلاخه من جلدة قومه. ونسمع يوسف السباعي يقول: "يجب أن نتحلل من هذه القيود السخيفة. لماذا كل هذا التعب؟ الان العرب منذ الف سنة رفعوا هذه ونصبوا تلك. لنسكّن آخر كل كلمة. ولنبطل التنوين ولنقل الجمع بالياء فقط، ولنحرم ادوات الجزم والنصب من سلطانها "(24) وامتد أثر الحداثة في واقعنا وعالمنا الإسلامي حين ظهر الشعر الحرّ يهدم أسساً متينة من اسس اللغة والادب والشعر تمهيداً لهدم اسس اخرى.

وتمضى الحداثة تنتشر في مجتمعاتنا تحت ستار الادب والقومية والعلم والتطور وغير ذلك، إذ حمل العائدون من اوربا الروح القومية التي فصلت البلاد وحطمت الخلافة ودعت علانية للتعاون مع المعتدين الظالمين ومضت في تنفيذ ذلك عملياً بتبعية نفسية وفكرية وخلقية وسياسية، استطاع اصحابها بمساعدة الاجانب والمغفلين من أمتنا والمنافقين منها ان يخدعوا الرأي العام ويسوقوه ليساهم في تنفيذ الجريمة وليستقبل الجيوش الغازية المحتلة في فرحة النصر البلهاء، ومضت الحداثة في بلادنا تشق طريقها وسط هذه المآسي والمجازر والاشلاء لا يطرف لها جفن ولا يحركها اسى ولا ندامة، تمضي الحداثة ويمضي رجالها يحتلون كل يوم موقعاً جديداً في ارض الاسلام هنا وهناك تحت ستار حيناً، وحيناً آخر في جلاء الميدان والدم المسفوك. وتمضي الحداثة تجرد المرأة من ثيابها وحجابها وخلقها في بلاد الإسلام وترميها في لهيب الفتنة حتى تحرق وتحترق ولتصبح المرأة عاملاً مساعداً في فتنة الحداثة ونشرها وتنفيذ جريمتها بين تصفيق المجرمين والمنافقين والمغفلين وتلتقي الشيوعية والرأسمالية، تلتقي ديكتاتورية البروليتاريا الروسية وديمقراطية الغرب في لقاء موثق على تنفيذ مآسينا وعلى صناعة رجال او اشباه رجال من قومنا يتولون هم تنفيذ الجريمة نيابة عن الغرب والشرق (25). وهكذا كانت الحداثة الادبية جزءاً من فتنة كبرى دخلت العالم الإسلامي من أبواب الفكر والادب والسياسة والاعلام.

خصائص الحداثة العربية:

إن دعاة الحداثة العرب أذاعوا لحداثتهم المستوردة خصائص محددة من الناحية النظرية وكانت محددة في الممارسة والسلوك والمواقف. فلم تكن الحداثة في الادب قضية تتعلق بالشكل الفني فقط، كما اعتقد بعضهم وظن بأنها تعطي لأدبنا نفحة من الحيوية التي تمكنه من التعبير عن هموم العصر، بل"الحقيقة المؤيدة بالبراهين والادلة القاطعة والواقع المنظور– بعد الموجة الاولى من تمريرمفهوم الحداثة– تثبت أن الحداثة ليست شكلاً فنياً حيادياً على الاطلاق. انها شكل مرتبط بفلسفة حياة ومنهج فكري محدد وموقف من الكون والحياة والإنسان. انها ارتبطت منذ البداية بتمرد الانسان الاوربي على الدين او ممثلي الدين وعلى القيم الاجتماعية والخلقية والسلوكية، انها توجه كامل نحو (تأليه) الانسان واحلال غرائزه وتصوراته محل شرائع الدين والاخلاق"(26) وبهذا تكون الحداثة نظرة شمولية جديدة للحياة كلها بمختلف جوانبها غير مقتصرة على الجانب الفني او التصورات الادبية، وهذا ما يؤكده دعاة الحداثة العربية انفسهم، ومنهم سعد البازعي حيث يقول: "الشيء الذي لا نزال نفتقده أو يفتقده قسم منا في تصوره للحداثة، هو أساسها الفلسفي الذي يمنحها اطاراً شمولياً، لا تمثل فيه التغيرات الادبية والفنية سوى جانب واحد... ان التصورات الادبية المعاصرة، شكل القصيدة أو اللوحة ليست الاّ جزءاً من كل، الحداثة رؤية شمولية للحياة. ويأتي القرشي ليؤكد هذا الكلام الذي قاله البازعي فيقول: الحداثة فعل شمولي بحياة الانسان، وكذلك الصيخان يقول: انها (أي الحداثة) موقف شمولي من العالم ونظرية تطوره ولا يمكن ان نفصل هنا بين تطور الفن وتطور الحياة"(27) ويؤكد السريحي هذا المعنى في قوله: "للحداثة مفهوم شمولي هو اوسع مما منح لنا ومما ارتضينا لأنفسنا، ذلك ان الحداثة نظرة للعالم اوسع من ان تؤطر بقالب للشعر وآخر للقصة وثالث للنقد، انها النظرة التي تمسك الحياة من كتفيها، تهزها هزاً وتمنحها هذا البعد الجديد"(28) ومثل قول السريحي يقول احمد عائل فقيه: "إننا في مجمل الاحوال نسير في اتجاه معاكس لما هو سائد ومكرس في بنية المجتمع وذلك هو المأزق الثقافي الشائك الذي لا تدري كيف يمكن بالكاد تجاوزه وتخطيه، انت في كل هذا تصطدم مرة اخرى بجملة حقائق ومسلمات اجتماعية ثابتة راسخة رسوخ الجبال الرواسي في أذهان الناس. ألاّ بديل لما هو سائد ومكرس ايضاً، اذاً كيف يمكنك تمرير ما تحلم به وما تود أن تقوله علناً؟"(29) ويأتي عثمان الصيني فيكون اكثرهم صراحة حين يقول: "ان الشمولية التي تميز الحداثة وتجعلها تتغلغل في جميع مناحي الانسان والحياة، هي التي تجعل منها ضرورة ملحة للوجود، فهي تعيد تركيب علاقة الانسان مع نفسه ومع العالم الخارجي، اما بالتعرف على الاشياء بصورة جديدة أو اعادة خلقها من جديد او بابتكار مغاير للسابق، وذلك نتيجة لما تقوم به من تعميق للوعي بمخاطر الثبات وسلبيات السكون وبالتالي الكشف عن الضرورة الملحة لمستويات التحرر المستمر من ربقة الالف والعادة وجنائزية تصنيف المدركات والتكييف الابدي لمعطيات الانسان والحياة وتتصف بشغف يصل الى حد الهاجس بالحالية المتغيرة، والدخول في تجربة التغيير المستمرة، فهي عملية تحرر مستمرة وثورة دائمة للوصول الى الفاعلية الحرة والنشاط المطلق، وبهذا التصور لا تصبح الحداثة استلاباً او اسقاطاً يعيشه الفرد والمجموع انما كينونة لا محيد عنها ووجود لا يتم إلا به "(30). ومن الواضح ان كلام الصيني يدعو الى إحلال منهج الحداثة محل الاسلام عقيدة وسلوكاً ونظاماً للحياة. ويسخر احمد عائل فقيه من اولئك الذين ما زالوا يظنون ان الحداثة منهج ادبي لا منهج فكري ويقول: "ان الحداثة ليست كتابة نص ابداعي فقط وانما هي موقف صارم وحاد ازاء الكثير مما هو راكد ومؤسي... ان مصطلح الحداثة اخذ شكلاً مطاطياً جعل انصاف المثقفين وجعل هؤلاء الذين يقفون ضد حركية الزمن يتحدثون دون وعي عن هذا المصطلح فهو عندهم لا يتجاوز القصيدة فقط وبوعي مثقوب و ممخور أيضاً، انهم لا يدركون أنها رؤية شمولية للعالم، للحياة، لأشياء ترى، لأشياء لاترى البتة"(31) وهذه الشهادة التي ادلى بها احد رموز الحداثة واضحة الدلالة على ان الحداثة ليست اسلوباً للكتابة فقط كما يظنها البعض. وكما حاول بعض دعاة الحداثة – مضطرين – أن يسلكوا طريق التعمية والغموض حتى لا تنكشف لعبتهم قبل أوان كشفها، فراحوا يقولون: " ان الحداثة منهج ادبي وأسلوب للكتابة لا علاقة له بالأفكار المطروحة، وان هذا المنهج يمكن ان يكتب به المسلم والملحد.

لكن يأبى الله إلاً ان يكشف زيفهم وتظهر رائحة افكارهم تزكم الانوف المؤمنة، وبين الغموض والمناورة والتطلع الى الدعوة لأفكارهم صراحة يظهر المخبوء"(32) كما هو ظاهر في قول رائدهم الى الحداثة العربية الملقب بأدونيس حيث يقول: "لا يكفي أن يتحدث الشاعر عن ضرورة الثورة على التقليد، وإنما عليه ان يتبنى الحداثة، وليست الحداثة ان يكتب قصيدة ذات شكل مستحدث، شكل لم يعرفه الماضي، بل الحداثة موقف وعقلية، انها طريقة نظر وطريقة فهم، وهي فوق ذلك وقبله ممارسة ومعاناة، انها قبول بكل مستلزمات الحداثة: الكشف والمغامرة واحتضان المجهول"(33).

ومن خلال ما تقدم من تصريحات الحداثيين انفسهم وشهاداتهم، يظهر ان الحداثة العربية عنوان لمذهب فكري مادي شامل يسعى الى تغيير جميع نواحي الحياة في العالم الاسلامي ويتخذ من الادب وسيلة الى ذلك التغيير، ويظهر التوجه المادي التغريبي لهذا المذهب من خلال تصريحات اصحابه ونتاجهم الادبي والنقدي، ومن خلال انتمائهم السياسي وثقافتهم الغربية. ويمكن القول بأن "السمة العامة الاولى لدى دعاة الحداثة هو احتذاء النموذج الغربي في الفكر والسلوك والأدب، والأخذ من الاوربيين ما يحسن منهم وما يعاب"(34) بالتقليد الأعمى لخصائص الحداثة الغربية وتقمص شخصياتها الشاذة والافتتان بنتاجها ومؤلفاتها "وليس من الصعب متابعة المصادر عند نقاد الحداثة، فهم يذكرونها ويكررونها ويتباهون بها، ونظرة الى ثبت المصادر في مؤلفاتهم او الى فهارس الاعلام عندهم تدل على المباهاة الشديدة بالمصادر الاجنبية، وعلى الولع بترديد الأعلام الافرنجية، وهم بذلك يريدون أن يظهروا بمظهر المتعالي على القراء يعرفون ما لا يعرف، ويرددون من المصطلحات ما لا يردد ويلوكون السنتهم بالأعلام الاعجمية ما لا تستطيعه ألسنة الآخرين ويضعون الكثير من الكلمات الاجنبية في مقابل الكلمات العربية، وتبدو الصفحة الواحدة عند بعضهم خليطاً عجيباً من الحروف العربية والاجنبية "(35)

ويبدو الافتتان بالغربيين والتقليد الاعمى لأدبهم لدى احد منظري الحداثة العربية ورموزها، حيث يقول: "ان المفاضلة بين الشعر التقليدي والشعر الحديث تصبح غير ذات موضوع، لانهما لا يملكان في حقيقة الامر من عناصر الارض المشتركة سوى اللغة، كما ان محاولة تبرير الشعر الحديث بميراثنا التاريخي من حركات التجديد في الشعر العربي، هي محاولة غير مجدية بل اصبحت ضارة الى حد ما، فالنقد الحديث الذي يود ان يرافق شعراءنا الجدد، عليه ان يلتفت الى جوهر القصيدة الغربية الحداثية اذا اراد ان يكتشف جوهر القصيدة العربية الحديثة "(36). ويؤكد هذا الناقد هوية التغريب في حداثة الشعراء العرب حين يقول: " وعندما أقول الشعراء الجدد، وأذكر مفهوم الحداثة عندهم... اتمثل كبار شعراء الحركة الحديثة من امثال ادونيس وبدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي وخليل حاوي... عند هؤلاء سوف نعثر على إليوت وإزرا باوند وربما على رواسب من رامبو وفاليري، وربما على ملامح من احدث شعراء العصر في اوربا وامريكا ولكنا لن نعثر على التراث العربي"(37) ويعترف بعض ادباء الحداثة العرب بهذا الارتماء في احضان الحداثة الغربية والاحساس بالتضاؤل امامها، كما نجد ذلك لدى انطوان ابي زيد حيث يقول: " يؤثر كثيرون (من الشعراء) عدم الكتابة الا انعكاساً كلياً لمرآة الحداثة الغربية، واذ نعترف بان الغرب اليوم يقدّم لنا غالبية عناصر الحداثة الادبية والشعرية، فان الانقياد والامّحاء الكلي امام نماذجه يحرماننا من تكوين لغاتنا الشعرية الخاصة "(38) وينعكس هذا الشعور بالنقص لدى أغلب أدباء الحداثة العرب، الى نوع من الغرور والعُجب والتعالي على الآخرين، يغريهم بذلك "إطلاع بعضهم على اللغات الاجنبية ونصف اطلاع للبعض الآخر، ومدد من السلطة الثقافية التي يمثلونها نيابة عن الحكومات (الحديثة) بحيث سيطروا على معظم الصحف والمجلات في العالم العربي فلم ينشروا الاّ ما يسير ومنطق الحداثة وتقنيتها. تستوي في ذلك المجلات الادبية اللبنانية(كالآداب) والمجلات المنتشرة هنا وهناك في العالم العربي. ومع هذا الغرور بالاطلاع على اللغات الاوربية ضعف وركاكة واساليب صحافية مستحدثة في لغتهم العربية. فلا هم اوربيون اقحاح ولا هم عرب اقحاح، وربما صدق عليهم مقولة (الغراب) الذي ضيع المشيتين!"(39) ومن اوضح ما يدل على روح الاستعلاء والغرور المقترن بالجهل لدى الحداثيين العرب ما صرح به احد رموزهم وهو الغذامي حيث يقول: (إما أن يكون المثقف حداثياً او لا يكون مثقفاً).

وقد علق الدكتور عوض القرني على هذا التصريح بقوله: " وهكذا بكل بساطة ألغى الغذامي كل ما في هذه البلاد من علماء ومفكرين واساتذة جامعات ما داموا لا يجرون خلف عربة الحداثة ويحرقون البخور حولها ولا يشيدون بالملاحدة والفجار الشاذين. واننا نسأل الغذامي متى اصبحت افكار بلزاك وبارت وبيرس وشتراوس وأمثاله من اساتذته معياراً وميزاناً لتصنيف المثقفين من غيرهم في بلادنا وتحديد مواصفات ومقاييس الثقافة؟! لقد حضرنا كثيراً من أمسيات الحداثيين المثقفين عند الغذامي ووجدنا بعضهم لا يفرقون بين الفاعل والمفعول، والاسم والحرف، بل رأينا وسمعنا بعضهم يسبقون الفعل المضارع بحرف الجر"(40).

القصيدة الحداثية:

ويتجلى جهل الحداثيين بالعربية وقواعدها في شعرهم المسمى حراً وحديثاً ومنثوراً، هذا الشعر الغارق في الاخطاء النحوية واللغوية فضلاً عن غرقه في الابهام والغمو ض"بما يشبه تماماً ادب الرمزية الاوربية في اغرب نتاجاتها، وهذا ما تلاحظه في القصائد التي تعج بها صحف الحداثة ومجلاتها بالاضافة الى الدواوين الشعرية الكثيرة حتى لتكاد العلاقة بين هذا الادب وجمهوره تنقطع تماماً، وحتى صار ينظر الى هذا الادب على انه نوع من (الهلوسة) أو هو نوع من (الجنون). ولا عجب فإن دعاة الحداثة الاوربيين انفسهم يُنسَبون الى هذا الشذوذ والجنون والصراع"(41). ويقرّ الحداثيون العرب بهذه الخصائص الفوضوية في ادبهم بل يفخرون بها حيث يقول احدهم: "اصبح من خصائص القصيدة ذلك التركيب غير العادي للعبارة من حيث التقديم والتأخير والذكر والحذف والفصل والوصل، وأصبحنا نجد الالفاظ تتناثر تناثراً عجيباً لا تربطها رابطة، اذ اختفت كثير من الادوات النحوية التي اعتدنا وصل الجمل بها وكذلك استعملت حروف كثيرة في غير معانيها التي وضعت لها وتوالت الضمائر من غير أن يكون هناك ذكر لمن تعود اليه، ومن شأن ذلك ان يزيد من غموض القصيدة الجديدة وانفصالها عن القاريء، وقد حرص الشاعر المحدث على كسر الاطار العام للتركيب اللغوي، خلال ثورته العارمة على الاتجاه العقلي الذي هيمن على اللغة "(42). ولم تكن نتيجة هذه الثورة الهوجاء الا مزيداً من الاسفاف والركاكة والهبوط في المعنى والمبنى، يقول احدهم وهو محمد جبر الحربي:

"شاغل خطوة البال منحرف السؤال

أقول كما قال جدي الذي ما انتهى

رأيت المدينة قانية

احمر كان وقت النبوءة

منسكباً أحمر كان أشعلتها

أين اللغة العربية، أين المعنى والمبنى، ماذا تعني (منسكباً احمر كان أشعلتها)، ما هذا التعرض للنبوة: (أحمر كان وقت النبوءة)، وماذا يعني: (شاغل خطوة البال منحرف السؤال)! تيه وإماتة للغة. واللغة العربية نثرها وشعرها من ذلك براء"(43). وقد ذكرنا قبل قليل بأن هذا الابهام والغموض يعود في جملته الى ما يسميه الحداثيون (كسر الاطار العام للتركيب اللغوي)، وحقيقة هذا التعبير هي التفكك في عناصر القصيدة والضياع لوحدتها العضوية، كما يشهد بذلك بعض نقادهم حيث يقول: "ومن الظاهرات التي نلمسها أيضاً أن الشاعر الجديد اليوم يكاد يتخلى عن ذلك المكسب الفني الذي اُطلق عليه يوماً اصطلاح (الوحدة العضوية للقصيدة) كثورة على الوحدة المقفلة للبيت الواحد. اننا نلاحظ كأن هناك عودة الى تفكك عناصر القصيدة في صور ورموز مقفلة – بدلاً من البيت المقفل – تستطيع ان تفصلها عن جسد القصيدة دون ان تشعر أن هناك عضواً ناقصاً مقطوعاً لافتقار القصيدة نفسها الى التلاحم في بنية متكاملة. فهل هذه الظاهرة هي مثلاً المعادل الفني لما يقال له تفكك العالم المعاصر وتعقده ولا معقولية احداثه احياناً؟ واذا كان همنا أن ننقل ما نراه من تفكك في العالم الى تفكيك في بناء العمل الفني نفسه، ألا نكون بهذا أقرب الى النقل الآلي والى ما يشبه الفوتوغرافيا الحديثة؟"(44) وحقيقة التساؤل الذي يطرحه هذا الناقد الحداثي، هي أن التفكك والتعقيد واللامعقولية أنما هي في اذهان ادباء الحداثة وليست في العالم الخارجي، إذ راحوا يصدرون في نتاجهم الادبي عن عالم اللاشعور وتعقيداته، حتى "إنك مع هذا الادب يمكن أن تقرأ القصيدة من بدايتها الى نهايتها أو من نهايتها الى بدايتها فالامر واحد، استغلاق في الدلالة الفكرية إلاّ الدلالة على عالم اللاشعور وطلاسمه التي تحتاج إلى أن يكون كل من المتلقين (فرويد) جديد!" (45)

وقد نبه بعض شعراء الحداثة أنفسهم إلى هذا المأخذ الكبير على القصيدة الحداثية في العالم العربي، ومنهم الشاعر المنصف المزغني حيث يقول: "فالشاعر العربي المعاصر لايبني قصيدته، فأنت لاتعرف متى ستنتهي هذه القصيدة لأن الشاعر يظل منساباً مع ذاكرته لايتفطّن لما يكتبه والذي يتحول إلى ركام... فالقصيدة العربية سائبة واذا أنت امسكت بقصيدة ما وحذفت منها مقطعاً هنا وغيّرت من وضعه هناك فإنها تبقى كما لو أن شيئاً لم يحدث. البؤرة الجمالية التي تتشكّل في نيرانها القصيدة وتتماسك تجربتها ورؤيتها، غير موجودة "(46). ويُرجع بعضهم هذا النقص إلى غياب المفهوم الحقيقي للشعر ومسؤولية الشاعر كما نجد ذلك عند محمد كشيك حيث يقول: "فهنا إذن وبالقطع أزمة حقيقية تواجه حركة الشعر العربي الحديث، تتبدّى مظاهرها بشكل واضح في غياب القصيدة نفسها وتقهقر دور الشاعر وانحسار دائرة التلقي وظهور فوضى التنظيرات التي تحاول وضع الشروط لكتابة قصيدة حداثية، إضافة إلى غياب مفهوم شامل حول دور الشعر ومسؤولية الشاعر، في عالم لايزال يرزح تحت اغلال جهنمية من تغريب وتخريب وتبعية "(47). ولعل الافتعال وعدم الصدق في التجربة هو العامل الاساس في ظهور هذه الازمة فقد"صار الأدب ليس تعبيراً عن تجربة يعيشها الأديب فعلاً، بل نوعاً من افتعال هذه التجربة بالعيش متسكعاً بين صفحات الروايات الاوربية أو العيش متسكعاً في شارع الحمراء البيروتي مثلما يتسكع الهيبز في شارع شانزليزيه بباريس أو ستوكهولم!" (48).

ويشير الشاعر فؤاد رفقة إلى هذا الافتعال في أدب الحداثة حيث يقول: "إن مفهوم الحداثة يحمل في الاساس مضمونه وشكله، لكن استخدامه بالخفّة التي عرفناها ونعرفها أدّى إلى حالة الفوضى التي سقط فيها هذا المفهوم بكل ابعاده ومعانيه، وبلغت بنا الفوضى حدّاً أننا صرنا نطلق على كل (صرعة) مفتعلة صفة الحداثة فمن قصيدة (البياض) إلى قصيدة (اللغة) إلى قصيدة (الرسم والتصوير) والى سواها من (الثورات) الشعرية الفارغة من كل نبضة كيانية"(49). وهكذا تحولت الحداثة العربية إلى غمر صاخب من (الحداثات) الزائفة، كما يقول محمد دكروب: " ومنذ اخذت هذه الحداثة – مع تتالي الهزائم القومية والانهيارات – تتحول إلى زيّ ومواصفات محددة وتقاليد وحذلقات مستعارة، واحياناً إلى مفازات هروب وأقنعة أمان – اخذت تتفتّت كتيار وتنقسم إلى مويجات موسمية هنا أوهناك وتدخل في العتمة "(50).

عداء الحداثيين للمجتمع ولغته الفصحى:

وكان من نتيجة الحذلقة والافتعال والغموض في أدب الحداثة ان انفصل هذا الأدب عن القرّاء وراح يجترّ أوهامه في عزلة عن المجتمع وهمومه. وقد اقرّ أدونيس رائد الحداثة العربية ومنذ زمن بعيد، بهذه العزلة وهذا التنافر بين الشاعر والقارئ وعدّ ذلك من ابرز خصائص الشعر الجديد واكثرها أصالة (51). وحقيقة الامر أن عزلة الشاعر الحداثي عن المجتمع انما هي ناتج طبيعي لما أصيب به هذا الشاعر من النرجسية وحب التعالي على الآخرين وعدم الشعور بالمسؤلية فضلاً عن روح العداء التي غُرست في نفسه لتراث هذا المجتمع ولغته، ودينه، بعد ان وقع فريسة للمخطط الغربي المعادي للأمة الاسلامية واستدرجته شياطين الغرب والشرق إلى جريمة كبرى بحق أمته، وخدعته بأن مايأتي به هو (الشعر الحديث)."لقد أضاع الشعر الحديث معنى الكلمة وجمال الصياغة وعبقرية الجرس. وربما اتى بعض (شعراء النثر) بكلام حسن التركيب نزعوا منه الوزن والقافية وسموه بعد ذلك شعراً، وحسبوا أن الامر سيقف عند الحد الذي بلغوه، وما دروا أنهم بخطواتهم تلك استدرجتهم شياطين الإنس والجن إلى عمل مهدوا به الدرب لجريمة أكبر وضلال أوسع، وكانت كل خطوة تزيد في عمق التيه وظلام المجهول حتى اصبحت العودة عليهم غير مأمونة والمضي هلاك محتوم! فإذا الجريمة لم تكن لتقف عند ذلك بل امتدت بعد حين لتقتل الكلمة والمعنى والتركيب ولتلغي القواميس ثم تلغي الفكر والدين والتاريخ "(52)!

وأصبح من اهداف الأدب الحداثي وغاياته "كسر الاطار العام للغة العربية وتحويلها مع مرور الزمن والايام، ومن خلال استبدال مفرداتها وتراكيبها ومعانيها، إلى لغة جديدة لاصلة لها باللغة العربية الفصحى المعروفة والمأثورة عند العرب – تماماً كما حصل للغة اللاتينية– التي تحولت مع مرور الزمن بهذه الطريقة إلى لغات كثيرة. ولك أن تتصور – لو حصل هذا لاقدّر الله – موقف الاجيال القادمة من كتاب الله وسنة نبيه (ص) وكتب التراث بصفة عامة، وأي كارثة يسعى الحداثيون إلى جرّ الامة اليها "(53) في دعواتهم المتكررة إلى الثورة على اللغة وتحطيم دلالاتها الوضعية كما نشهد ذلك لدى السريحي حيث يقول: "إن استخدام الشاعر للكلمة يبدأ بتحطيم الدلالة الوضعية لها لكي يتمكن من أن يطلق مايكمن فيها من طاقات شعرية... وذلك هو مايجب أن يأخذه الناقد في عين الاعتبار عند تعامله مع لغة المتن الشعري، لأن عمله يبدأ بتحرير المعاني التي غرسها الشاعر في اللغة عندما استحالت على يديه إلى رموز "(54). وليست المعاني هنا سوى تهويمات الشاعر الحداثي وصوره الفارغة من كل دلالة إذ لاشأن للمعنى في أدب الحداثة، وهذا مايؤكده عبد الله الغذامي بقوله: "وهذا كله فعالية لغوية، تركز كل التركيز على اللغة وما فيها من طاقة لفظية ولاشأن للمعنى هنا لأن المعنى هو قطب الدلالة النفعية وهذا شيء انحرفت عنه الرسالة وعزفت عنه، ولذلك فإنه لا بد من عزل المعنى وإبعاده عن تلقي النص الأدبي أو مناقشة حركة الابداع الادبي "(55) وهكذا يقتضي الابداع الادبي – في عرف الحداثيين – أن يشن الاديب حرباً على اللغة بنحوها وصرفها وبلاغتها وعروضها، وأن يتجه إلى هذا النمط اللغوي الهابط الذي نشهده في قصائد الشعر الحديث.

والذي يحفز الحداثيين العرب على محاربة لغة قومهم هو علمهم أن هذه اللغة هي وعاء الشرع خاصة والتراث عامة، وهي وسيلة فهم هذا الدين ومعرفته، لأن الهجوم على الدين مباشرة امر غير مقبول في بداية المعركة فلابد من التمهيد لذلك بالاعتداء على اللغة والتلاعب بها، وقد تجاوزوا هذه المرحلة التمهيدية في العديد من بلدان العالم الإسلامي، إلى حرب صريحة على الدين والتراث تدعمهم في ذلك بعض الحكومات العلمانية الحاقدة على الإسلام وحضارته وتراثه. وليس غريباً ماينهض به الحداثيون العرب من محاربة اللغة ومحاولة تحطيمها فقد سبقهم إلى ذلك اساتذتهم الغربيون فقد اشرنا فيما سبق إلى الحرب التي شنتها الحركة المستقبلية على اللغة اذ "جعل مارينيتي عنواناً لمقدمة كتابه على النحو التالي: (تحطيم النحو – خيال لاسلكي – كلمات حرة) وانتشرت لفظة (كلمات حرة) يريدون: من حرية الكلمات أن تكون وثيقة مرور لكل تيه وضياع وتحطيم للغة. كان كوستاف كان أول من ابتكر تعبير (الشعر الحر) فتلقف مارينيتي اللفظ والفكرة، وأخذ المستقبليون في ايطاليا يقولون: بعد الشعر الحر أصبح عندنا كلمات حرة. وأصبحت الكلمات عند مارينيتي أصواتاً مثل: سي سي، ورموزاً رياضية مثل: + ـــ + ـــ ـــ + ×. والحركة المستقبلية الروسية حاولت اعتماد الاصوات بدل الكلمات تمثلها ابيات شعرية لـ كروجونيخ في قصيدة حداثية روسية مترجمة إلى اللغة الانجليزية لتقدم اصواتاً تبحث عن معنى. يقول: (دربل اشكل، أببشكر، سكم، في سوبر، رل ينر)، ولقد طالب أحد بيانات المستقبليين بإعطاء الشعراء الحق في رفد مفردات الناس بكلمات مبتكرة لا أصل لها باللغة، واعلنوا الكراهية اللامحدودة للغة التي ورثوها "(56)

ولم تنقطع محاربة اللغة بإفلاس المستقبلية وسقوطها، بل استمرت فيما اعقبها من حركات الحداثة الغربية كالتعبيرية والدادائية والسريالية فقد "جاء تزارا في الحركة الدادائية ليتابع الحرب على اللغة وليكتب بلغة غير مترابطة ضارباً عرض الحائط بقواعد النحو والعقل مغرقاً بالفوضى والتناقض. وكان يرى أن على الحركة الدادائية أن تبقى شاردة غير قابلة للتدقيق. انها تموت اذا اتجهت إلى الجد والوضوح والاستقامة. ويسعى السرياليون بعد ذلك إلى محاولة اختراع لغة جديدة للناس. وطرحت من جميع حركات الحداثة، مع تناقضها فيما بينها، تعبيرات ومصطلحات عائمة كثيرة واشتقاقات جديدة محيّرة. وجاءت الحركة البنيوية وما بعد البنيوية والتشريحية لتحول تلك الحرب التي امتدت مع الحركات الحداثية، إلى نظريات وقواعد. المدرسة الشكلية واتجاه النقد الألسني والسيميولوجية وما تبنته من نظرية الدلالة والاشارة، دفع الغموض إلى مجالات اوسع"(57). وفي هذا المسار يقلد الحداثيون العرب قدواتهم الغربيين في عدائهم للغة ومحاولة تحطيمها، فنسمع ادونيس مثلاً يقول: "ان تحرير اللغة من مقاييس نظامها البراني والاستسلام لمدها الجوّاني يتضمنان الاستسلام بلا حدود إلى العالم... وهذا يؤدي إلى القضاء على علم المعاني"(58) ونسمع عبد الله الغذامي يقول: "النصّ اشارة حرة تمثل دالاّ عائماً يتوجه دائماً نحو مدلول غير محدود "(59). ويقول ايضاً: "وبمقدار ما تستطيع اشارات النص على الانعتاق من قيد المعنى المحدد تكون طاقتها على الابداع وعلى التنوع حسب ابنيتها الكلية داخل اعراق جنسها وسياقاتها"(60). ويقول كذلك: "ان الشاعر يحرّر الكلمة من معانيها، مما علق بها من غبار السنين فيطهّرها ويغسلها ويطلقها حرة تحلّق "(61). فهذه العبارات وأمثالها انما ينقلها نقّاد الحداثة العرب نقلاً عن حداثيي أوربا. ويأتي شعراء الحداثة العرب ليطبقوا هذا التنظير التدميري على لغتهم الشعرية، فلا نسمع منهم إلاّ هراءً وضجيجاً مزعجاً يبعثه تنافر الكلمات وضياع المعنى والجرس والموسيقى. فعند محمود درويش تموت الكلمة والتعبير والنحو والصرف واللغة ويموت الفكر والادب حيث يقول:

كلُّ الرواية في دمّي مفاصلها: تفضل الحقد كبريتاً على شفتي (62)

وحيث يقول ايضاً:

عسل شفاهك، واليدان كأسا خمور.. للآخرين.. الروح مروحة

وحرش السنديان مشط صغير للآخرين (63).

ولاغرابة أن نسمع هذا التهريج من شعرائنا المحدثين بعد أن اتخذوا من مهرّجي الغرب أسوة ومثالاً يقتدون به مثل لوركا الذي يقول:

في وسط الخافق الصخري، خناجر البسيط، جميلة من بدم المتنافسين، تلتمع وتهرج مثل الاسماك، ضوء قاس كورقة اللعب، ويقطع عبر الخضرة الهشة، خيول ثائرة وخطوط إطارية لراكبين، وفي كأس شجرة زيتون، ثمة امرأتان هرمتان تبكيان ثور العراك.. (64)

فهذا الهراء المسمى شعراً حراً، هو ما يفتن به شعراء الحداثة العرب ويقلدونه تقليداً اعمى، وهو صورة من صور الحرب على اللغة وتحطيم قواعدها الأساسية. فضلاً عن تصريحاتهم العدائية للغة العربية الفصحى كما نجد ذلك عند سعيد عقل الذي بايعه بعض النقاد والشعراء بإمارة الشعر، اذ خرج بعدها "ليعلن ان اللغة العربية لاتفي بالتعبير عن المشاعر ولابد من استبدالها باللغات (اللهجات) العامية وأن هناك مشكلة في كتابتها، فليست كل احرفها منطوقة وبعض كلماتها ينقصها احرف، ولهذا كتب ديوانه (يارا) بلغة عربية في أحرف لاتينية "(65). ولاغرابة ان نسمع هذه البغضاء من رجل (حراس الأرز) في لبنان، الذين جعلوا شعارهم قتل الغرباء أي قتل المسلمين، لأن العربية الفصحى هي خزانة العلم والادب والتراث الإسلامي عموماً فضلاً عن كونها لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

عداء الحداثيين للتراث:

ولايقف عداء الحداثيين العرب للتراث العربي والإسلامي عند حد اللغة المدوّن بها ذلك التراث، بل يتجاوزه إلى حرب معلنة ضد جميع الموروث فهم "لايفرقون في نظرتهم إلى التراث بين ما هو ديني مقدس، وبين ما هو نتاج البشر يصدق عليه الخطأ والصواب فكل هذا الموروث يجب التمرد عليه باعتباره من مخلفات الاقطاع والرجعية "(66).

ويتخذون لهذه الحرب اساليب ماكرة منها تشويه مفهوم التراث نفسه، كما نشهد ذلك لدى ادونيس حيث يقول: " فالتراث ليس النتاج كله الذي انتج في الماضي وإنما هو الطاقة الابداعية التي تجسدت في منجزات لاتستنفد بل فعّالة متوهجة وجزء من حركة التاريخ، ومن هنا ليس التراث كتلة موجودة في فضاء اسمه الماضي وعلينا العودة اليه والارتباط به، وانما هو حياتنا نفسها ونمونا نفسه وقد تمثلناه ليكون حضورنا نفسه واندفاعنا نفسه نحو المجهول "(67). بهذا الاسلوب يحاول ادونيس ان يختار من التراث ما يتواءم مع فكر الحداثة العليل وأمراضها النفسية وأهدافها التدميرية. ومن ذلك اختياره للزنادقة والفسّاق وغلاة الصوفية من دعاة وحدة الوجود وشعراء الإلحاد ودعاة الفلسفة الضالة، إذ القاسم المشترك بين هؤلاء جميعاً هو التمرد والانحراف عن دين الله والرفض لشريعته، وهو يحاول ان يتخذ من هذه الحركات المتطرفة جذوراً للحداثة في التراث العربي، فنسمعه يقول: "ومبدأ الحداثة هو الصراع بين النظام القائم على السلفية والرغبة العاملة لتغيير هذا النظام وقد تأسس هذا الصراع في اثناء العهدين الاموي والعباسي، حيث نرى تيارين للحداثة: الاول سياسي فكري يتمثل من جهة في الحركات الثورية ضد النظام القائم، بدءاً من الخوارج، وانتهاء بثورة الزنج مروراً بالقرامطة والحركات الثورية المتطرفة ويتمثل من جهة ثانية في الاعتزال والعقلانية الالحادية في الصوفية على الاخص.

أما التيار الثاني ففني وهو يهدف إلى الارتباط بالحياة اليومية كما عند ابي نواس، والى الخلق لاعلى مثال خارج التقليد وكل موروث... هكذا تولدت الحداثة في تاريخنا من التفاعل والتصادم بين موقفين أو عقليتين في مناخ من تغير الحياة ونشأة ظروف وأوضاع جديدة"(68) والصوفية التي يخصها ادونيس بالتأثير في حداثته ليست هي الصوفية الدينية الموافقة لروح الإسلام ومبادئه. بل هي الصوفية المتطرفة المنحرفة المشابهة لمذهب السريالية في الغرب، وأدونيس نفسه يعترف بذلك حيث يقول: "تأثرت بالحركة السريالية كنظرة، والسريالية هي التي قادتني إلى الصوفية، تأثرت بها أولاً ولكنني اكتشفت أنها موجودة بشكل طبيعي في التصوف العربي فعدت إلى التصوف"(69). ويؤكد هذا الامر في مقابلة اجريت معه قائلاً: "انا لاانكر اني متأثر بالنزعات الصوفية التي اعتقد انها اعمق ما في الفكر العربي وانا لست متأثراً بها دينياً وانما ابداعياً، انا مثقف لائكي (أي لاديني)... انا اتبنى تمييز الصوفيين بين ما يسمونه الشريعة وبين ما يسمونه الحقيقة، ان الشريعة هي التي تتناول شؤون الظاهر، والحقيقة هي التي يعبرون عنها بالخفي والمجهول والباطن، ولذلك فإن اهتمامي صوفي بالمجهول وبما يأتي ويتغير باستمرار، وهذا ما يتناقض مع الدين "(70) ومن الواضح ان ادونيس لم يتأثر بالصوفية بمفهومها الإسلامي الصحيح، وما يبدو في ظاهر نصوصه النقدية من هذا التأثر "فهو نوع من التمويه والتضليل الذي يمارسه الخطاب الادونيسي، فهو يستخدم المعجم الصوفي كتقنية أي يستغل مصطلحات الصوفية ويوظفها فيما يدعو اليه، ولعل من المصطلحات التي يستخدمها وهي من المعجم الصوفي – تمثيلاً لاحصراً – الكشف، السكر، السفر، الرحلة، الغياب، التوحد.. دون ان يكون شاعراً متصوفاً يتأثر بالصوفية فكراً وممارسة "(71) بل هو يؤمن بالسريالية كما يظهر من تصريحاته، وشتّان ما بينها وبين التصوّف الإسلامي الحق المسمى بالعرفان، اذ السريالية مذهب فني يهدف اصحابه إلى إحلال اللامنطق والغموض بدل العقل والوضوح ويدعون إلى استنفاد الطاقة الموجودة في ذات الانسان عن طريق التجربة الباطنية التي تعني استنفاد المخزون الغريزي عند الانسان وتصريف كل الطاقات المشحونة في الجسد وذلك بممارسة الشبقية والسكر والشعر والموسيقى والفن عموماً، وهذا ما يناقض التجربة الصوفية العرفانية القائمة على اقتصاد الطاقة والحفاظ على توتر الغريزة في عمق الذات.

وهكذا فإن رائد الحداثة العربية واتباعه يتبنون من التراث كل ما يتناقض مع الدين، أما ما يتوافق مع الدين وتعاليم الإسلام فهو عرضة للهجوم والسخرية فقد شهدنا ادونيس وهو يسخر من حادثة الإسراء في قصيدة (السماء الثامنة)."ومعين بسيسو الماركسي يهزأ بالتراث واعلام التاريخ ومن طريقة الاسناد في الحديث النبوي الشريف ويؤلف مقطوعة ساخرة:

حدثني ورّاق الكوفة – عن خمار البصرة – عن قاضٍ في بغداد

عن سائس خيل السلطان – عن جارية – عن احد الخصيان.. الخ "(72)

"ويتبع هذا سخرية بكل القيم والمقدسات حتى ولوكان اسم الجلالة، وهذا فضلاً عن كونه نزوعاً عن كفر واستخفاف بالدين، فهو (موضة) في الادب الغربي لابد للاديب العربي المسلم ان يركبها حتى يكون عصرياً جداً. بالاضافة إلى رفض التصورات الاسلامية للحياة والكون "(73)

اللاعقلانية في الفكر الحداثي:

لقد تبنّي الفكرالحداثي عند العرب"مشروع الفكر الغربي في الثورة والتمرد على كل سلطة يقينية وثوقية تجعل الانسان حبيس نمط تفكيرها، فمن الثورة على سلطة الكنيسة (الفكر الميتافيزيقي)، إلى الثورة على العقل الأداتي الذي كان بديلاً عن الفكر اللاهوتي، وكأن العقل الغربي يدور في حلقة مفرغة، يؤسس لفكر ثم يعلن الثورة عليه بما يناقضه ويعاديه. من العقل إلى اللاعقل أو من اليقين إلى الشك والعدمية... هذا الانقلاب الذي أحدثه العقل في اوربا جعل الفرد يعلن الثورة ضد كل يقين موضوعي، وبدل ان يحاول محاورة هذا العقل، تمرد عليه فكان الشك بديلاً ليجد هذا الانسان نفسه حبيس سجن آخر أدهى وأمرّ. إنه سجن العدمية الذي يتيه فيه كل يقين، يتحول فيه المقدس إلى مدنس والنظام إلى فوضى والمعنى إلى اللامعنى والحضور إلى غياب "(74) وهذه العدمية الغربية هي بعينها مفهوم الحداثة العربية التي يقدمها ادونيس بقوله: "انها تجاوز الواقع أو اللاعقلانية أي الثورة على قوانين المعرفة العقلية وعلى المنطق وعلى الشريعة من حيث هي احكام تقليدية تُعنى بالظاهر.. وهذه الثورة تعني التوكيد على الباطن وتعني الخلاص من المقدس وإباحة كل شيء "(75) بهذه الاباحية المنبعثة عن ضرب من الجنون يتكشف الابداع الادونيسي المزعوم متجاهلاً أن تجاوز الاطر المنطقية القديمة لا يتحقق بمجافاة المنطق ومجانبه العقلانية "بل بشحذ الذهن وتعميق المنطق، ولكل عمل ابداعي جدير باسمه منطقه الخاص الذي يتجاوز المنطق العادي لكنه لا يلغيه ولا يلغي العقل.

اما اتساع الرؤية وضيقها فمتعلق بالعقل، العقل هو وحده المؤهل لتوسيع رؤيتنا وسيبقى رغم انفتاحه محدوداً بعوامل زمانية ومكانية... والمسألة الاخطر شعرياً وفكرياً، مادياً وروحياً، هي وجود مسافة كبيرة بين تحرير العقل والاحساس من كل قيد وبين الغاء العقل والاحساس، وهذه المسافة التي لم يرها أدونيس هي سبب كل هذا الضياع والشطح في تنظيراته"(76) الحداثية التي تحمل التجاوز والخروج على التصور الإسلامي لله والكون والانسان والحياة وهي تستقي مصادرها المعرفية من متاهات الغرب وضلالاته منقطعة عن كل مصدر اسلامي أو ديني بشكل عام. وهذا هو مفهوم الحداثة الذي عبّر عنه كمال أبو ديب بقوله: "الحداثة انقطاع معرفي ذلك أن مصادرها المعرفية لاتكمن في المصادر المعرفية للتراث، في كتب ابن خلدون الاربعة أو في اللغة المؤسساتية والفكر الديني وكون الله مركز الوجود.. الحداثة انقطاع لأن مصادرها المعرفية هي اللغة البكر والفكر العلماني (اللاديني) وكون الانسان مركز الوجود وكون الشعب الخاضع للسلطة مدار النشاط الفني وكون الداخل مصدر المعرفة اليقينية اذا كان هناك معرفة يقينية "(77)

ارتباط الحداثة بالمادية الجدلية:

من الواضح ان المنهج الحداثي يستمد جذوره الفكرية من مناهج فلسفية مادية عانت منها البشرية طويلاً، وبنطلق من تصور منحرف للكون والحياة قديم في حياة الانسان " لم يكن كانت ولاهيجل ولاماركس اول من وضعه. انه ابتدأ عندما افترق الناس فريقين بعد ان كانوا أمة واحدة وبعد أن أرسل الله لعباده أول الرسل نوحاً عليه السلام.

ونجد في تاريخ الانسان تصوراً لهذا الانحراف يعود إلى أيام اليونان حين قال ديمقريط وأبيقور ان هذا العالم لم يخلقه احد. وتابع هذا الكفر رجال على مدّ التاريخ منهم الماديون الفرنسيون: لاميتري وغولباخ وديدرو والمادي الالماني لود فيج فيورباخ ثم جاء ماركس وانجلز"(78) بمبدأ النقيض والمادية الجدلية التي ترتبط بها الحداثة العربية ارتباطاً شديداً من خلال تبنيها لفكرة التطور المطلق باعتباره حركة تنتقل من تغيرات كمية ضئيلة وخفية إلى تغيرات ظاهرة كيفية سريعة فجائية وضرورية. "والمادية الجدلية حين أخذت بجزء من سنن الكون وهو الحركة وبجزء من سننه وهو التغير، الغت الثبات كله والغت الدين كله والغت التراث ودفعت بالكفر في اوضح صوره. والحداثة نصّت على هذه القضايا في اسسها وركائزها. فهي ترى الحياة والكون (حركة دائمة وتغيراً مستمراً).

انها نفس النصوص. ولكنها الحداثة، وهي تنشط حيناً في جانب واحد كالأدب حسب ماتتطلبه الظروف والحاجة، لاتتابع استنتاجات الفلسفة كلها، ولكنها تطبقها على اللغة والدين والكلمة. فتفرغ الكلمات من معانيها ويأتي الانطلاق في اللامحدود، وتلغي القواميس. انها تنص نصاً على انها تلغي القديم والثبات الغاء كاملاً، فتفقد الكلمات معانيها وتصبح في غيبوبة وعالم ثانٍ. وهذه القضية تكاد تكون اقوى قضية تربط الحداثة بالمادية الجدلية، فهذه القضية تستغل من حيث لا يدري الكثيرون للقول بعدم وجود إله ولتزين الكفر في زخرف لا حجة فيه ووهم لا علم معه وعواطف تخدر العقل وتبطله "(79). وقد نص كتاب الحداثة انفسهم على ارتباط فكر الحداثة بالمادية الجدلية والشيوعية، في نصوص كثيرة منها قول كمال ابو ديب: "فان القصيدة الجديدة تركيب جدلي "وقوله": وتختفي تحت هذه التفاعليات جدلية عميقة "(80) وحين يتذرع ادونيس بالصوفية لإيصال حداثته الماركسية، نسمعه يقول: " يطرح التصوف فكرة الانسان الكامل. ربما أمكن أن نقابلها بفكرة الانسان الكلي في الماركسية – الشيوعية. ويمكن ان يشار في هذه المقارنة الى تصور الحضارة والانسان والكون في الحدس الصوفي أصلاً لكل الذي يفعل الآن فعله الكبير متأثراً بالماركسية في الشعر العربي الجديد "(81).

واذا عدنا لقراءة كتب النقد الحداثية بإمعان، سيتضح لنا ارتباطها الوثيق بالفكر المادي الجدلي، حيث نرى فيها ان مبدأ النقيض – الذي اعتمدته المادية الجدلية – قد عرضته الحداثة قانوناً مطلقاً وبصيغ جديدة هي الثنائيات الضدية، والتعارض الثنائي، وعلاقات النفي السلبي، والتضاد المطلق..الخ." والتحول كما يسميه ادونيس، والثورة كما يسميه الدكتور كمال ابو ديب، والصراع كما يسميه الدكتور الغذامي، يؤدي هذا كله الى نفس التصور المادي الجدلي والمادي التاريخي. والنظرة المادية الجدلية لا تنحصر في اطار فلسفي ولكنها تمتد الى جميع نواحي الحياة: الفكرية والاجتماعية والادبية والاقتصادية من خلال قواعد وأسس لا يمكن عزلها عن بعضها. ان مبدأ النقيض الذي انتقل من فيشته الى هيجل ثم الى ماركس، تسعى المادية الجدلية الى تطبيقه على جميع ميادين الحياة. والنشاط الادبي من ابرز هذه الميادين"(82). وبأثر من هذا التصور المادي المنحرف لحقائق الكون والحياة، فقد جنح الكثير من رجال الحداثة العربية نحو الالحاد والعداء الصريح للأديان عموماً، والاسلام على وجه الخصوص. فهذا ادونيس يتذرع بالتصوف في تعديه على الحضرة الالهية المقدسة فيقول: "الله في التصور الاسلامي التقليدي نقطة ثابتة متعالية منفصلة عن الانسان. التصوف ذوب ثبات الالوهية، جعله حركة في النفس، في اغوارها. أزال الحاجز بينه وبين الانسان، وبهذا المعنى قتله (أي الله)، واعطى للانسان طاقاته. المتصوف يحيا في سكر يسكر بدوره العالم، وهذا السكر نابع من قدرته الكامنة على أن يكون هو والله واحداً. صارت المعجزة تتحرك بين يديه "(83).

فهنا يحاول هذا الحداثي التابع تقليد دعاوى نيتشة بموت الاله وتبني مقولاته تبنياً أعمى، وتبدو مقارنته للفكر الغربي بالفكر الاسلامي قائمة على الاسقاط والتلفيق دون ادنى تمحيص او ادراك للفوارق الجوهرية بين المنطلقات التي يقوم عليها المفهومان. فقد اسكرته الرغبة في اظهار حريته الماسونية التي تتجلى في قوله ايضاً: "ان الانسان حين يحرق المحرم يتساوى بالله ". ويتنامى المفهوم الماسوني لهذه الحرية الى صيغته التطبيقية الكاملة في قوله: "ان التساوي بالله يقود الى نفيه وقتله، فهذا التساوي يتضمن رفض العالم كما هو او كما نظمه الله. والرفض هنا يقف عن حدود هدمه ولا يتجاوزها الى إعادة بنائه، ومن هنا كان بناء عالم جديد يقتضي قتل الله نفسه مبدأ العالم القديم، وبتعبير آخر لا يمكن الارتفاع الى مستوى الله إلاّ بأن تهدم صورة العالم الراهن وقتل الله نفسه، مبدأ هذه الصورة هو الذي يسمح لنا بخلق عالم آخر، ذلك ان الانسان لا يقدر ان يخلق الا اذا كانت له سلطته الكاملة ولا تكون له هذه السلطة الاّ اذا قتل الكائن الذي سلبه إياها، اعني الله... وفي المجتمع العربي بخاصة حيث تقترن فكرة الله الكليّ القدرة في السماء بفكرة ظلّه الخليفة او الحاكم الكلي الظلم على الارض، لا تمكن الثورة على هاتين الفكرتين الاّ بتأسيس فكرة تناقضهما وتتجاوزهما في آن:

فكرة الانسان الكليّ الرفض والكليّ الحرية... ومن هنا كان رفض التقاليد، شرائع كانت او عادات، شكلاً من أشكال الأمل بنظام آخر ينتفي منه القمع بشتى انواعه، وفي مثل هذه اللحظات تكون سيادة الفوضى اكثر أهمية من سيادة النظام، لأن سيادة الفوضى هنا هي سيادة لقانون الحرية الفطرية على قانون الحرية الوضعية... والانسان ضعيف عابر على الارض صحيح هذا أيضاً، لكن لا لكي يعني هذا ان يتقلص الانسان مسافراً في وهم دار ثانية يقيم فيها الى الابد كما يعلّم الدين ايضاً، بل لكي يعني ان كونه ضعيفاً فرصة الوجود الوحيدة لكي يعيش حياته بملءٍ كامل... ان يحقق الانسان البراءة بالخطيئة نفسها، والدين بالمجون وان يحطّم القيود والقوانين معلناً شرع الحرية، ذلك هو ما يطمح اليه ابو نواس، واذا كان لنا ان نختار بين متدين تضعه الحرية في مأزق، وماجن يتخذ من هذا المأزق مخرجاً، فإننا نختار الثاني، لانه يعرف من الحقيقة اكثر مما يعرف الاول اعني انه اكثر قدرة على ان يساعد في تحرير الانسان "(84). وهكذا يتجرأ هذا الصعلوك الحداثي على اقدس مقدسات المسلمين والبشر عامة فيبارز جبار السماوات والارضين ويغتر بإملائه له ليزداد إثماً، في الوقت الذي يتوجس خيفة من بني الانسان على جرأته الغريبة الشاذة في الاساءة الى الذات الالهية العظيمة حيث يقول: " ومن اعقد مشكلاتنا مشكلة الله، وما يتصل بها مباشرة في الطبيعة وفيما بعدها، ونعرف جميعاً ماذا يهَيأ للذين يعالجونها باقل ما يمكن من الصراحة والجرأة "(85).

الالحاد في أدب الحداثة:

وقد تأسّى برائد الحداثة العربية المنحلّ (أدونيس) في إلحاده بعض من هو على شاكلته من شعراء الحداثة مثل صلاح عبد الصبور الذي يقول من قصيدة له تحت عنوان (الناس في بلادي)(86):

وأنت نافذ القضاء أيها الإله

وفي الجحيم دحرجت روح فلان

ياأيها الاله كم انت قاس ٍ موحش ياايها الاله

ومثل عبد العزيز المقالح الذي يقول، وبئس ما قال: (87)

صار الله رماداً، صمتاً

رعباً في كف الجلادين

حقلاً ينبت سبحات وعمائم بين الرب الاغنية الثروة والرب القادم من هوليود

ويبلغ هذا السفه الحداثي الالحادي قمته لدى البياتي حيث يقول: (88)

الله في مدينتي يبيعه اليهود

الله في مدينتي مشرد طريد

أراده الغزاة أن يكون لهم أجيراً شاعراً قواد

يخدع في قيثاره المذهّب العباد

لكنه اصيب بالجنون

تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. ولا غرابة ان نسمع هذا الهراء من اناس فتنتهم افكار ملحدي الغرب وفلسفاتهم الضالّة واحزابهم الشريرة فانخرط العديد منهم في تلك الاحزاب من قومية حاقدة على الاسلام والمسلمين، وماركسية شيوعية تعمل على تحطيم المقدسات وسحق كيان الامة المسلمة."ففي سورية كان علي احمد سعيد الذي زين له انطون سعادة أن يغير اسمه الى (أدونيس) منتمياً الى الحزب القومي السوري وهو حزب أعلن عداوته للاسلام والعروبة معاً، اذ دعا الى فينقة سورية، ثم تحول ادونيس الى مذهب اللامنتمي، وأدونيس هو القائل: ان السبب في العداء الذي يكنه العرب للابداع- كل ابداع- هو ان الثقافة العربية بشكلها الموروث هي ثقافة ذات معنى ديني. ويعرف الاستاذ ولسون في كتابه (اللامنتمي) هذا المصطلح بقوله: لا صلاح لهذا العالم المليء بالمتناقضات إلا بالثورة والغضب وعدم الانتماء الى أية قيمة اخلاقية من القيم الموروثة، بل لابد من مواجهة العالم بكل مشاعر الحقد والكراهية. ويقول محمد الماغوط من زملاء ادونيس: على اللامنتمي ان يحس باللاجدوى، لأن هذا الوجود بلا موقف ولا دليل ولا مستقر ولا مرشد. فليس للامنتمي موقف الا الاحساس بالسأم وتمني الموت والانانية الفردية ورفض كل المعطيات الخارجية "(89). وقد تمثلت هذه العدمية المقيتة في أفكار الحداثيين العرب ونقدهم وأدبهم، على اختلاف بينهم في صيغ ظهورها وأساليب التعبير عنها حتى لدى المنتمين الى الاحزاب اليسارية والحركات الثورية كالحزب الشيوعي وغيره من الاحزاب الوضعية العلمانية، وذلك لاضطراب ركائزها الفكرية وقصورها الفلسفي عن استيعاب حقائق الكون والحياة، وتخبطها في تقديم الإجابات الصائبة عن تساؤلات الانسان الفطرية الخالدة. ولذلك أحس الأدباء المنتمون لتلك الأحزاب بالفراغ العقائدي واضطربت عقولهم في وديان الحيرة والشك وتغلّبت عليهم أهواؤهم، فانتجوا ما انتجوا من ادب هزيل يفوح برائحة الحقد على جميع المقدسات الاسلامية، فضلاً عما يفوح به من رائحة الأفيون وغيره من المسكرات التي اعتادوها لتغيبهم عن وعيهم وضمائرهم واحساسهم بحقائق الكون والحياة والمجتمع من حولهم.

فأصبح الادب عندهم ثورة على هذه الحقائق ورفضاً لكل ما يبنى عليها من الدين والتراث واللغة والاخلاق ونظام المجتمع، وسعياً الى هدم ذلك كله دون بناء بديل سوى ما يطلقون عليه (الحداثة) الهشّة العائمة، وغير القائمة على أصول ثابتة وركائز واضحة يقتنع بها العقل المستقيم ويطمئن إليها القلب السليم. فعن هذه الثورة الهوجاء العابثة يصدر ادونيس في قوله: "ان القصيدة أو المسرحية أو القصة التي يحتاج إليها الجمهور العربي، ليست تلك التي تسليه أو تقدم له مادة استهلاكية، ليس تلك التي تسايره في حياته الجارية، وإنما هي التي تعارض هذه الحياة أي تصدمه، تخرجه من سباته، تفرغه من موروثه وتقذفه خارج نفسه، إنها التي تجابه السياسة ومؤسساتها، الدين ومؤسساته، العائلة ومؤسساتها، التراث ومؤسساته، وبنية المجتمع القائم كلها بجميع مظاهرها ومؤسساتها، وذلك من أجل تهديمها كلها، أي من أجل خلق الانسان العربي الجديد، هكذا يلزمنا ثورياً مسرح ضد مسرح، وشعر ضد الشعر، وقصة ضد القصة، يلزمنا تحطيم الموروث الثابت. فهنا يكمن العدو الاول للثورة "(90)

ولا عجب بعد هذا ان يلتجئ ادباء الحداثة العرب الى اعداء الاسلام والامة وينضّموا الى صفوفهم حتى لو كانوا من اسرائيل، فقد "عمل محمود درويش في جريدة الاتحاد ومجلة الجديد، وهما من صحف الحزب الشيوعي في اسرائيل "(91)، ويعترف درويش نفسه ويفخر بانضمامه لهذا الحزب الملحد فيقول: "وصرنا نقرأ مباديء الماركسية التي اشعلتنا حماساً وأملاً وتعمق شعورنا بضرورة الانتماء الى الحزب الشيوعي الذي كان يخوض المعارك دفاعاً عن الحقوق القومية ودفاعاً عن حقوق العمال الاجتماعية، وحين شعرت اني املك القدرة على أن أكون عضواً في الحزب دخلت اليه في عام1961م فتحددت معالم طريقي وازدادت رؤيتي وضوحاً وصرت انظر الى المستقبل بثقة وترك هذا الانتماء آثاراً حاسمة على سلوكي وعلى شعوري "(92). وعلى شاكلة درويش، افتتن عبد العزيز المقالح بماو الشيوعي الصيني، فراح يكتب تحت عنوان (قبلة الى بكين) (93):

متى امر تحت قوس النصر في ساحتك الحمراء

أرسم قبلة على الجبين

جبينك الاخضر يا بكين

أطلق باسم اليمن الخضراء حمامة بيضاء

متى اسير لو امتار

في الدرب حيث سارت رحلة النهار

رحلة ماو والرجال الانصار

ورحلة كل الطيبين

متى متى؟

وهكذا ينطلق فريق من شعراء الحداثة وكتّابها في إلحادهم وكفرهم، من افتتانهم بالفكر الماركسي الشيوعي المعادي للأديان عموماً.

اعتماد الأساطير في أدب الحداثة:

وفتن فريق من أدباء الحداثة بأساطير النصرانية وعقائدها الباطلة وراح يردد مصطلحاتها ورموزها في ادبه كالخطيئة والفداء والصلب والخلاص، نجد ذلك بكثرة لدى النصارى منهم كيوسف الخال وأمير اسكندر وجبرا ابراهيم جبرا وأسعد رزق ولويس عوض وخليل حاوي وتوفيق الصايغ وميشال طراد وميشال سليمان وسعيد عقل وموريس عواد وغيرهم، وحتى من انتسب الى مدرستهم ممن تسمى بالاسلام فقد استعمل تعبيراتهم النصرانية كما نجد ذلك عند السياب وصلاح عبد الصبور وغيرهما(94). ولم يكن استخدام هؤلاء الحداثيين للرموز المسيحية عن ايمان بالمسيحية كدين سماوي، بل انطلقوا في ذلك من روح العداء للاسلام ورموزه الخالدة وعمدوا الى قلبها وتشويه دلالتها. وهذه الروح العدائية جعلتهم لا يقتصرون على رموز المسيحية بل يستخدمون كذلك رموز التوراة وأساطيرها فضلاً عن الرموز الوثنية التي تقدم بدورها صورة من صور التناقض التي تعيش فيها الحداثة. "فحين تدعو الحداثة دعوة جماعية الى الانقطاع عن الماضي كله، عن التراث كله، تعود هي فتتصل بالماضي متناقضة مع نفسها ومبادئها. ولكنها لا تتصل مع الماضي كله وانما تتصل مع أسوأ ما في الماضي وتراثه، الاساطير والاوهام، وتترك الخير والحق الذي يمتد في تاريخ الانسان، تحمله النبوة مع العصور كلها والاجيال كلها، الحق الذي اكمله الله بالنبوة الخاتمة.

والادب الاسلامي وهو يرفض صيغة التناقض هذه وصيغ الاضطراب والشك والوهم والاسطورة يرفض كذلك الانقطاع عن الماضي أو تجاهل الحاضر أو السعي للمستقبل سعياً معزولاً عن الماضي والحاضر "(95). ومن الواضح ان انقطاع الحداثة عن سلامة التصور الايماني للكون والحياة والانسان، وانقطاعها عن مصادر المعرفة الحقة واعتمادها الاساطير وانقطاعها عن الماضي بما فيه من حق وخير، جعل الحداثيين يسيرون في خط معاكس ومغاير ومناقض لما في مجتمعنا من مثُل اسلامية وقيم ايمانية ووجدوا انفسهم في حيرة من امرهم كيف يمكنهم تغيير هذه القيم الاساسية في المجتمع وتجاوزها وتخطيها الى ما يريدونه من قيم اخرى، فصاروا يشعرون بالانفصال عن المجتمع والعزلة عن العالم وامتلأت دواوينهم وقصصهم بمشاعر الغربة والانطواء والحقد على الناس واحتقارهم.

حرية التدمير في أدب الحداثة:

وارتفعت اصواتهم بالدعوة الى تدمير القداسة وإلغاء الخطيئة وإحراق التراث، "وإلغاء الخطيئة يعني انه لا خطيئة في الحياة (الزنى، الربى، السرقة، العقوق...الخ) فيقولون كلمة الخطيئة يجب ان تشطب من قواميس اللغات "(96)، وحملهم تبنيهم الحداثة الغربية على مواجهة الادب العربي ذي الطابع الاسلامي منادين بالتحلل من جميع الضوابط الدينية والاخلاقية واللغوية والفنية، واطلاق حرية الاديب دون ادنى قيد من العقل او الشرع، حتى قال احدهم: " ينبغي ان نخلع جبة الاصول وقلنسوة الوعظ، لنترك للشاعر حرية مساءلة التجربة ونقض الماضي وتجاوزه، ولنترك لأنفسنا فسحة لنصغي لتجربته الجديدة وما تقترحه من اسئلة، ليس هذا من حق الشاعر فحسب ولكنه حق حياتنا المعاصرة علينا "(97).

ويرد الدكتور عوض القرني على هذا الرأي الحداثي بقوله: "تحت دعوة اتاحة الحرية يسعى الحداثيون لتدمير حياة الامة الفكرية وثوابتها العقدية، اذ كل شيء عندهم يجب ان نترك للشاعر الحرية ان ينقضه لا ان ينقده فقط وان يتجاوزه لا ان يقف عنده فقط لان الماضي عندهم ليس اكثر من تجربة يجب ان تزاح وتحل مكانها تجربة جديدة، وعندما نلتزم بنصيحة الحداثي المبدع ونخلع جبة الاصول ونحطم اللغة ونبتعد عن قلنسوة الوعظ، نصبح امة لا جذور لها ولا ثابت في فكرها ولا حياتها بل كل شيء قابل لان يتغير و يتبدل، العقائد والاخلاق والسلوك، وعند ذلك تكون الحداثة وأهلها قد أدوا دورهم كاملاً الذي لن يتحقق باذن الله ما دام في ارض الاسلام من يعي اساليبهم ويرد كيدهم في نحورهم"(98) فالواعون من أدباء الأمة المسلمة ونقّادها يدركون بأن هناك ثوابت ومتغيرات في مجال الفكر الاسلامي "ثوابت في مجال التشريع ومتغيرات في مجال التشريع ايضاً ومجال الحياة الاجتماعية والنشاطات الانسانية المختلفة ومنها الادب. ولكن لا ينبغي لهذه المتغيرات بحال ان تخرق شيئاً من الثوابت، فالاديب انسان حر في التعبير عن الثوابت والمتغيرات المعتمدة عليها، ثم هو حرّ في اتخاذ ما يشاء من الوسائل الفنية التي يرى أنها اقدر في التعبير عن أحاسيسه ورؤاه"(99).

اما ما رآه الحداثيون من حرية للاديب لا يحدها حد فقد كان وبالاً عليهم اذ أصابهم بالشذوذ عن الوسط الاجتماعي وأورثهم نفاقاً في التعامل مع الناس، وهذا ما يقرّ به السريحي حيث يقول: " من شأن البعد الإنساني الحر الذي تتسم به رؤيا الفنان أن يجعل انفصاله عن الجماعة امراً قدرياً لا مندوحه له عنه وان آمن في ظاهر الامر او باطنه بكل اعرافها وخضع لكل تقاليدها في حياته العامة "(100) وهذه احدى أزمات الحداثة الادبية التي تجسد "عدم القدرة على صهر الاجتماعي والسياسي في الجمالي بحيث تأتي صيغة الابداع قاصرة عن استيعاب الواقع في صميمها أو وصل الذاتي بالموضوعي"(101)، بل تصل هذه الازمة الى ذات الاديب الحداثي نفسها فتصيبها بالتصدع والانهيار وهو ما عبر عنه إليوت بالهروب من الذات حيث يقول: إن الموهبة ليست قدرة الفنان على التعبير عن ذاته بل على الهروب من هذه الذات. وهو كلام غريب، " فهل يستطيع انسان ان يهرب من ذاته؟! وهل عقل الفنان محايد كما يدعي اليوت؟ ان المؤمن لا ينفصل عن ذاته عند التعبير عن فكره وفنه وان آثاره الادبية ومعتقداته وأحلامه كلها ترتبط بتلك الذات القوية المتماسكة التي تربت وتشكلت ونمت في مدرسة النبوة وتشربت آدابها ومقاييسها الربانية العادلة، وليس معنى ذلك اهدار الموضوعية او الانسياق وراء الهوى ومجافاة العدالة، فالموضوعية الصحيحة أولاً واخيراً ترتبط بقواعد وأصول هي من صميم التكوين الصحيح للذات المؤمنة "(102).

وهذا التوازن الضروري هو ما يفتقده ادب الحداثة في الغرب والشرق اذ يخالف هذا الادب السنن الالهية في تكوين الذات الانسانية، كما يخالفها في تكوين المجتمع ونظام الكون والحياة. والحق ان هذه السنن تمثل رحمة من الله سبحانه وتعالى لكل المخلوقات ورحمة واسعة للانسان. فلو لم يكن للكون نظام ثابت لاستحال على الانسان ان يصل الى نتيجة يبني عليها خطوة لينتقل منها الى خطوة اخرى. "إن أساس النمو والتطور وأساس التجديد والابداع هو هذه السنن الربانية الثابتة والنظام الثابت. ويمضي العلم في حياة الانسان ليثبت كل يوم وجود هذه السنن الثابتة والقوانين... النمو والتطور، التحديث الطاهر والتجديد النافع، كل ذلك يقوم على أساس وجود السنن الربانية الثابتة ووجود النظام الكوني الثابت، هذه حقيقة يثبتها العلم ويعلمنا اياها الدين ويقر بها العقل الصاحي الذي لم تقتله المخدرات والمسكرات ولا الشهوات والنزوات "(103). ورغم مخالفة الحداثة لجميع قوانين التطور.

محاولة الحداثيين هدم الثوابت الاسلامية:

فقد ركب دعاة التحديث فكرة التقدم والتطور في تمرير الحداثة والتغريب، حتى اعتبروا ذلك اشبه ما يكون بالقانون والسنة الكونية وان من يقف امام هذا (التلاقح) بين الحضارات كأنما يقف في وجه عجلة التقدم الانساني المطّرد"(104) ولا يعدو أن يكون هذا اسلوباً لتمرير الغزو الفكري وتسويغه لأبناء الامة المسلمة. بدعوى اننا حين نأخذ من اوربا انما نأخذ من الحضارة الانسانية بشكل عام وان هذه الحضارة الانسانية انما هي ملك للشعوب وليست ملكاً لشعب واحد أو قارة واحدة! بل يغلو البعض الى القول بأن هذه الحضارة الاوربية نفسها هي حضارة شرقية الجذور، يقول الحداثيون هذا تسويغاً لمحاربتهم دين الله. وتمكيناً لهم من التسلل الى عقول الامة وهي مخدرة لا تحس ولا تعي فلا تبدي مقاومة او حركة، لذلك أخذوا ينشرون ويؤكدون ان دعوى الغزو الفكري الذي تتعرض له الامة الاسلامية دعوى لا دليل عليها، بل الدليل على خلافها، وأن هذه الدعوة هي من اهم اسباب تأخر الامة – كما يزعمون – هذا في الوقت الذي لم يعد فيه موضوع الغزو الفكري من الموضوعات الغامضة، والذي كان في الحقيقة آخر حلقة من حلقات الصراع بين المسلمين واعدائهم، بل كان هو الغاية من غزو ديار المسلمين ليتمكن العدو من تحويلهم عن دينهم ومع ذلك يخرج علينا عباقرة الحداثة بصرعة فكرية جديدة تسمي الغزو الفكري: (حوار الحضارات) ولا عجب في ذلك فان الحداثيين انفسهم من ادوات الغزو الفكري بل وجودهم في ديارنا دليل اكيد على وجود الغزو "(105) الذي يتجلى بأوضح صوره وأخطرها في مهاجمة مقدسات المسلمين وعلى رأسها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وقد اتخذ دعاة الحداثة لهذه المهمة الخطيرة اساليب ماكرة خبيثة ليبتعدوا بها عن اثارة الرأي العام واجهازه عليهم، فعمدوا – من جملة اساليبهم – الى اسلوب التأويل للنصوص القرآنية والاحاديث النبوية الشريفة، بما يتفق وأهدافهم الهدامة، مدعين ان مشكلة الحداثة ليست مع النص الأصل (القرآن والحديث)، وانما هي مع ما اسموه بالنص الثاني أي تفسير القرآن والحديث.

وفي هذا الصدد يقول ادونيس: " فهذا النص الثاني (التأويل القرآني السائد) يؤول الحداثة على انها خروج على النص الاول (القرآن والسنة)، بينما هي في الحقيقة خروج على النص الثاني نفسه بحيث تجعل منه نصاً لا يلزم احداً اليوم، وتحاول ان تقرأ النص الاول قراءتها الخاصة وتؤوله تأويلها الخاص فالحداثة ليست في الاساس مواجهة للنص الاول وانما هي مواجهة للنص الثاني. انها ترفض ان يحصر النص الاول في تأويل واحد تخطاه الزمن "(106). ومن الحق ان النص القرآني مفتوح يتجاوز حدود الزمان والمكان وقراءات المفسرين والمؤولين."لكن ليس بالمفهوم الذي يقوله الخطاب الادونيسي، حيث تترك (إرادة القوة) تعبث بالنص القرآني كيفما تشاء فيكون تأويلها في أفضل الأحوال اعتقاداً قد يكون مخالفاً لما أجمع عليه العلماء.

إذا كان لائقاً أن يطبق هذا المشروع على النص الابداعي، باعتباره ابداعاً انسانياً يحمل بين شقوقه نصوصاً سابقة عليه فليس هذا ما يليق بالنص القرآني، لأنه ببساطة قبل ان يكون نصاً لغوياً قابلاً للتأويل فهو نص تشريعي فيه من الأحكام ما يجعله غير قابل للتأويلات التي يخضع لها النص الابداعي "(107) وهذا الامر ينطبق كذلك على السنة النبوية المتواترة عن المعصومين عليهم السلام. فاذا كان التراث التأويلي – الذي يسميه ادونيس بالنص الثاني – قابلاً للأخذ والردّ، "فليس القرآن والسنة النبوية من هذا التراث البتة. إن القرآن والسنة هما صانعا التراث وليس لنا ازاءهما إلا القبول والتسليم والأخذ والتطبيق، وليس هما مما يمكن ان يقال معه نأخذ هذا وندع ذاك"(108). فأدونيس في دعواه حرية القراءة والتأويل للنص القرآني يكون قد تعامل معه تعامله مع التراث، وهذا هو الخطأ الكبير والمؤشر الخطير على تجاوزه لأنه "في دعواه هذه لا يختلف عما قام به الحاخامات اليهود، فهو يدعو الى الثورة على النص الثاني باعتباره معياراً يقيد الحداثة، حتى تتعدد التأويلات ويغيب النص الاصل وتصبح هذه التأويلات اللامتناهية بمثابة النص الاصل لانها الغته بمجرد أن فرضت نفسها كتفاسير تكمل بعضها، اذ كل قراءة إساءة قراءة. والحجة الواهية التي يتستر بها الخطاب الادونيسي هي كون النص القرآني نصاً مفتوحاً فتشيع بذلك الفوضى ويختلط المقدس بالمدنس وتغيب الحقيقة فتصبح حقائق ويسود الشك ويغيب اليقين ويصبح النص القرآني نصاً يفسره كل قاريء بأفق توقعه الخاص.

أليس هذا هو عينه ما فعله الحاخامات بالتوراة، فقد أحلوا التلمود مكانها وهي مجموعة تفاسير قام بها الحاخامات اليهود ليبقى المعنى / الحقيقة مؤجلاً هائماً الى ما لانهاية، لأن هذه التفاسير قد حجبت النص الأصل (التوراة) عن البروز، وحتى يتم الوصول الى التوراة يبقى المعنى مرجأ الى حين"(109). وبهذا يتضح هدف منفذي الغزو الفكري الحداثي، في الثورة على العقيدة الاسلامية من خلال بث الشكوك في نصوصها المقدسة وزعزعة اليقين بأصولها الثابتة، وقد لبس هذا الغزو لباس الادب والشعر والنقد الادبي وصولاً الى أهدافه الخبيئة من طريق خفي.

ولذلك يمكن القول بأن الحداثة "ليست دعوة مرحلية من دعوات التغريب في مجال الادب، ومن حيث تدخل في اطار السريالية والوجودية أو مذاهب الكلاسيكية والرومانسية والواقعية، وانما هي شيء اكبر من ذلك: انها ثورة على الثوابت الاسلامية الاساسية عن طريق خافت الضوء هو الشعر حتى لا تحدث ضجيجاً أو صياحاً يفسد عليها هدفها الذي تسير فيه حتى تصل الى غايتها الخطيرة. وهي تقصد أساساً الى محاربة القيم الاسلامية وازاحة فكرة الاصول الثابتة بهدف تغليب طوابع التطور المطلق والتغيير المتوالي الذي لا يعترف اساساً بالضوابط والحدود... فهي عند فحص كتابات الداعين لها وتعمق كتاباتهم (وخاصة ما نشر من ابحاث مؤتمرهم الذي جمعت ابحاثه لتكشف عن ابعاد هذا المخطط الخطير) يتبين أن وراء هذه الدعوة خطة رسمت بدقة وذكاء ومكر في نفس الوقت، قام عليها الحاقدون على كل شيء طيب كريم في دنيا الاسلام والعرب، وقد تعاقدت مطامحهم الى توجيه ضربة للصحوة الاسلامية عن غير الطريق الذي يتوقع منه الضربات، بل عن طريق مدخل ضيق قد لا يلتفت اليه الكثيرون وهو الشعر "(110). ولم يغب عن مخططاتهم دور المرأة في اشاعة الفساد والفجور والاباحية، فراحوا يعملون على دفعها الى ميدان غير ميدانها الذي خلقت له، حتى تخلع سترتها وتكشف عورتها وتصبح لهيب شهوة تخدر وتحرق وتفسد كما هو حالها في المجتمع الاوربي." وتبنى الادب الحداثي هذا الدور للمرأة وأصبح الحب في الادب الحداثي لا يعني إلاّ المرأة والجنس والشهوة الملوثة وطويت معاني الحب الصادق"(111).

خلاصة أصول الحداثة العربية:

وهكذا بنيت الحداثة العربية – كما هي عند ادونيس – على جملة اصول اولها نظرية التطوير المطلق المنقولة من فكر هيجل في دعوته الى الغاء الثوابت، وقد اصطنعتها القوى الصهيونية والماسونية لاحياء الفكر التلمودي وخلق نظرية تقول بأنه ليس هناك شيء ثابت أصلاً وأن كل شيء متطور، وذلك لهدم ثبات الاديان والاخلاق والقيم. ويرون ان الانسان هو محور العالم.

ومن اصول هذه الحداثة احياء الوثنيات القديمة كما يتبين ذلك من رسالة ادونيس التي كشفت عن تقديره الوافر لفكر ابي نواس واهتمامه بفكر الملاحدة واصحاب نظرية وحدة الوجود والحلول والاتحاد وإعادة إحيائها من جديد وهي الخطة التي وضع قواعدها المستشرق لويس ماسنيون. ومن أصولها ايضاً تحطيم اللغة العربية، وهدف تحطيم الفصحى لغة القرآن هدف قديم وقد شارك فيه منذ بدأت حركة التغريب والغزو الثقافي كل من ويلكوكس ولطفي السيد وسلامة موسى وسعيد عقل وغيرهم، أملاً من هؤلاء الدعاة بأن تحطيم اللغة العربية سيحولها الى المتحف ويفسح الطريق أمام تفرق الوحدة القرآنية الإسلامية الجامعة. ومن اصول هذه الحداثة ايضاً تحطيم عمود الشعر وذلك إيماناً منهم بأن عمود الشعر هو القاعدة الأساسية للأدب والبيان العربي بعد القرآن والسنة، ومن هنا جاءت الحملة على الخليل بن احمد وعلى كل الشعراء الملتزمين للنظم العربي الأصيل. ومن أصولها مهاجمة منهج الثبات والقيم وإطلاق اسم السلفية عليه، والسلفية هنا تعني المعتقد الديني، فالحداثة ترى ان الأفكار الباطنية والصوفية تحول من الثبات الديني بل تعتبر هذا التحول منطلقاً تاريخياً للحداثة العربية.

ومن اصول هذه الحداثة تغليب مفاهيم السريالية (النظرة التي لا يحكمها العقل) أو ما يسمى فوق الواقع وقوامها احتقار التراكيب العقلية والروابط المنطقية المعروفة والقواعد الاخلاقية والجمالية المألوفة والاعتماد على اللاشعور واللامعقول والرؤى والاحلام والحالات النفسية المرضية ولا سيما حالات التحلل النفسي ويعنون بالرغبات الجامحة. ومما يرتبط بهذا من اصولهم تغليب طوابع الجنس والاباحة استمداداً من مفهوم الاغريق وعبادة الجسد واباحيات الوجودية التي دعا اليها سارتر، ونظرية التحليل النفسي الجنسي التي دعا إليها فرويد ونظرية العلوم الاجتماعية لدوركايم وفتح ابواب المجون والجنس والاباحة والتحلل الاجتماعي. على ان يدور ذلك كله في اطار المادية التاريخية لماركس، فالمنهج الماركسي المادي الجدلي التاريخي هو من الاسس الايديولوجية البارزة للحداثة العربية (112). وهكذا تجتمع خصائص الحداثة – غربيةً وشرقية – في انها تمثل الصورة المنحرفة لسعي الانسان الى الجديد سعياً متفلتاً من الايمان والتوحيد غارقاً في ظلام الشرك والالحاد، سعياً يجمع خبرة آلاف السنين من الانحراف والشذوذ والامراض النفسية والعصبية والشر والفساد في الارض وطغيان الشهوة الجنسية الملتهبة وفورة سائر الشهوات وسيطرة الافيون والخمر والمخدرات، لتدفع هذه كلها ردود فعل نفسية عنيفة غير واعية، تظهر في الفكر والادب والسلوك في ثورة هائجة تحاول هدم الماضي والحاضر بصورة مستمرة متتالية مع القلق والخوف القاتل من المستقبل، في هجوم جنوني على الدين واللغة وعلى التراث كله بما فيه من خير وشر، وثورة على الحياة وعلى سنن الله في الكون بين قلق الشك والريبة وفجور الكبر والغرور. انها تمثل انحطاط الانسان الى اسفل سافلين "(113).

رفض المفكرين والنقاد لمذهب الحداثة:

لقد وقف المفكرون والنقاد المنصفون موقف الاستهجان والرفض لهذه الحداثة الهدامة. اذ نجد هذا الموقف عند الغربيين انفسهم مثل م.ج كونراد الذي افرغ تهكمه المرير على الحداثة بقوله: "الشعر الحقيقي الآن هو فن بارع في تحطيم الاعصاب... نحن سحرة العالم الشهواني. نحن الذين يباركنا العجز والحماقة.

إن رجالنا المتخصصين الآن لا يهمهم ما يقدمه إليهم المتخصصون في الحداثة من توافه. لا يهمهم إذا ما انتجت التفاهات في الكنائس أو في بيوت الدعارة، المهم انهم يعثرون على كلمات تنتهي بـ(ية – ism) كالرمزية والشيطانية والكلاسيكية الجديدة والهلوسية... إذا امدنا الله بالصبر الجميل سنجد بعد بضع سنوات ان كل هذه الثرثرة التي يمارسها أناس يسمون انفسهم زوراً وبهتاناً بالادباء او الفنانين ستنتهي الى زاوية الاهمال والاستهجان "(114). وامتد تصور كونراد سنين طويلة بعده. فـ(ليونيل تيرلنك) يقول: " إن ما تعنيه الحداثة لنا هو تقريباً خلاف ما كانت تعنيه لآرنولد. فالحداثة بالنسبة الينا تعني العدمية والموقف المعادي للحضارة وتعني كذلك التحرر من كل ما يمتّ الى الحضارة بصلة "(115). ويؤكد الباحثون الغربيون على ان الاتجاهات الفنية للحداثة " تتضمن تحطيم كل ما هو انساني، انها هدم تقدمي لكل القيم الانسانية التي كانت سائدة في الادب الرومانسي والطبيعي، انها لا تعيد صياغة الشكل بل تأخذ الفن الى ظلمات الفوضى واليأس وهذا يعني ان الحداثة لا تأخذ بيد الفن الى موطن الابداع وانما الى التهلكة... انها رحلة الى عوالم فنية مجهولة لا يمكن ان يكتب لها التوفيق "(116).

اما في عالمنا الاسلامي فنجد كذلك موقفاً اشد رفضاً واستنكاراً لهذه الحداثة الشاذة، يقفه مفكرون محنكون ونقاد متمرسون مثل الدكتور محمد مصطفى هدارة حيث يقول: "والحقيقة ان الحداثة أخطر من ذلك بكثير، فهي اتجاه فكري أشد خطورة من الليبرالية والعلمانية والماركسية وكل ما عرفته البشرية من مذاهب واتجاهات هدامة، ذلك انها تتضمن كل هذه المذاهب والاتجاهات، وهي لا تخص مجالات الابداع الفني أو النقد الادبي، ولكنها تعم الحياة الانسانية في كل مجالاتها المادية والفكرية على السواء... وهي بمفهومها الاصطلاحي اتجاه جديد بشكل ثورة كاملة على كل ما كان وما هو كائن في المجتمع "(117). ونجد هذا الموقف المخالف للحداثة والحداثيين لدى الدكتور شلتاغ عبود في قوله: "نستحدث ما نشاء ونحن آمنون في أن ما استحدثناه هو تعبير (حقيقي) واصل عما نؤمن وعما نحس، وليس عما يؤمن الآخرون ويحسون! واذا فعلنا ذلك فليست لدينا حساسية من مصطلح (الحداثة). اما الحداثة كما عرفناها لدى الاوربيين والمحدثين من العرب فنحن جدّ مختلفين معها ولدينا حساسية متوترة ازاءها"(118) ويتجلى هذا الموقف الرافض للحداثة بمفهومها الاوربي، في قول الدكتور شلتاغ عبود أيضاً: " والحق الذي لا شك فيه هو ان حداثة اوربا هي العقبة التي تقف امام نموّنا وتقدمنا لأن حداثة أوربا هي قوتها وهيمنتها واستكبارها ومحاولة جعل منجزاتها ذات صفات مطلقة، فقد بلغ بهم الغرور بأن صاروا يتحدثون عن (نهاية التاريخ) على ايدي الحداثة الاوربية باعتبارها نموذجاً خالداً رست عند شاطئه سفن الحضارات كلها وانه لا مفر ولا ملجأ إلاّ بالرسو عند الشاطيء الاوربي"(119). ويربط الاستاذ انور الجندي هذه الحداثة لدى العرب بما ظهر في تاريخهم من حركات مناهضة للاسلام فيقول: "ويمكن القول ان هذه المؤامرة قد وضعت قواعدها على اساس حركة الزندقة القديمة وجماعة المجان الذين كان على قيادتهم (الشاعر أبو نواس) الذي كان حاقداً على الاسلام والذي جندته قوى الباطنية والمجوسية والقرامطة ليهدم عن طريق الشعر جميع مقومات الثبات الاسلامي في البيئة العباسية، وقد أعانه على ذلك مجموعة من الزنادقة والشعوبيين الذين تركوا تراثاً مسموماً استطاع المستشرقون احياءه عن طريق شعوبي جديد يحمل في اعماقه جميع أحقاد المجوسية والباطنية "(120). وتؤكد الكاتبة سهيلة زين العابدين على خطورة هذا التوظيف الماكر للشعر الحداثي في محاربة عقيدة الامة المسلمة وتراثها ولغتها فتقول: "الحداثة من اخطر قضايا الشعر العربي المعاصر لأنها اعلنت الثورة والتمرد على كل ما هو ديني وإسلامي وأخلاقي، فهي ثورة على الدين، على التاريخ، على الماضي، على التراث، على اللغة، على الأخلاق. واتخذت من الثورة على الشكل التقليدي للقصيدة الشعرية العربية بروازاً تبروز به هذه الصورة الثورية الملحدة "(121).

ويتخذ هذا الرفض بعداً شرعياً لدى الدكتور عدنان النحوي حيث يقول: "أصبحت كلمة (أحدث) و(محدث) تدل على امر مرفوض شرعاً غير مقبول ولا مجال لتزيينه وزخرفته، لأنها منذ اول استعمالها هي ضد القديم.والقديم الثابت الممتد بعد ان استقر الاسلام هو الاسلام.فمن احدث فقد اتى بما يخالف الاسلام، والمحدث: الأمر المنكر الذي يرفضه الاسلام وفي لسان العرب: الحديث: نقيض القديم، محدثات الأمور: ما ابتدعه اهل الاهواء من الاشياء التي كان السلف الصالح على غيرها، المحدثة: ما لم يكن معروفاً في كتاب ولا سنة ولا اجماع.

يتضح من ذلك ان لفظة الحداثة اليوم، كما اتى بها اهل الحداثة العلمانيون تعني ما خالف الكتاب والسنة وما اتى به اهل الاهواء وما لم يكن عليه السلف الصالح من الامة "(122) ومع ذلك فقد يتساهل بعض الاسلاميين في اطلاق اسم (الحداثة) عن هذا التقييد الشرعي ويتوسع في اطلاقه على كل عمل ابداعي انساني أو إسلامي ويكتسب لفظ الحداثة لديه مفهوماً اسلامياً، ونجد مثل هذا التوسع لدى الدكتور شلتاغ عبود حيث يقول: " ان الحداثة في مفهومنا ليست ظاهرة اوربية أو قدراً اوربياً لقارات الارض كلها وللشعوب كلها، بل هي ظاهرة تاريخية إنسانية عامة توجد حيثما يوجد عمل ابداعي، كما توجد حيث توجد عقلانية أو استثمار أمثل لموارد الطبيعة، بل حيث نجد إنسانية الانسان متحققة نجد عملاً حداثياً.

ولهذا فلسنا أمام حداثة واحدة مقرها أوربا بل يمكن ان نجد حداثات متعددة في الصين واليابان وارض الاسلام وبهدى الاسلام ويبقى – من ثم – التفاوت في عطاء هذه الحداثات وتنافسها. فليفتح كل كتابه وليقدم برهانه وليطرح مقولاته وليظهر من أهدى سبيلاً وأصوب رأياً وأعدل حكماً وأوضح منهجاً وأحسن عملاً وأقوم أخلاقاً. هذه هي المعايير وليس لزمن فضل على زمن وليس لبيئة ميزة على بيئة أخرى"(123) وبناء على هذا فلا تعني المواقف الإسلامية الرافضة للحداثة الادبية بمفهومها الغربي، أن الاسلام يغلق جميع الأبواب بوجه الحضارة الغربية وثقافتها، بل يتبلور من خلال تلك المواقف وغيرها تيار إسلامي يتشبث بعقيدته وتراثه ولغته ومجتمعه بمقابل تيار متغرب يتنكر لكل ذلك مفتوناً بحضارة الغرب بجميع أبعادها المادية والمعنوية سواء كانت حقاً أم باطلاً. وعلى العكس من ذلك يرى دعاة التيار الاسلامي الاصلاحي وبأعين نافذة "أن الحضارة الغربية اذا كان لها سبقها في العلوم المادية فليس الامر كذلك في العلوم الانسانية، فقد جهلت هذه الحضارة الانسان والجانب الروحي فيه، ولم تستطع ان تقدم اليه ما يسعده سعادة حقيقية وما ينقذه من المهالك والمخاوف ولم تقدم اليه ما يزيده إلاّ ضياعاً وحيرة وتأخراً في ميزان الانسانية، وهكذا فالمدنية الغربية لا تؤخذ بكل ما فيها فهي ليست على حق في كل ما تدعو اليه "(124) وبناء على ما تقدم فقد "انطلق هذا التيار الإصلاحي في عمله من مبدأين:

الأول: هو العودة الى الذات وإحياء الهوية الثقافية التاريخية والإسلامية لأمتهم وشعبهم

الثاني: يقول بالتعامل الايجابي مع معطيات التمدن البشري وفي الوقت ذاته اتخاذ الحيطة والحذر في مقابل نزعة الغرب التوسعية وتوجهه الاستعماري وانحرافه الفكري والاجتماعي "(125) وبهذا يتضح ان منهج النقد الإسلامي يرفض الحداثة الادبية بمفهومها الغربي الهدّام وهو في الوقت ذاته يدعو الأديب الإسلامي الى تفعيل رؤاه وتصوراته الاسلامية بما ينسجم وواقع الحياة المعاصرة ابتعاداً عن جميع مظاهر الغربة النفسية السلبية التي يعيشها غيره من الادباء الارضيين، ويدعو هذا المنهج كذلك الى افادة الاديب الاسلامي من جميع منجزات العصر المنسجمة وحركة الاسلام في تطوير الحياة واتمام مشروعه الحضاري في ازالة مظاهر الانحراف وتحقيق التكامل الانساني.

* أ.م.د.عبد الكريم أحمد عاصي المحمود-جامعة الكوفة-كلية الفقه/قسم اللغة العربية

...................................

الهوامش

(1) ينظر: د. طه عبد الرحمن، روح الحداثة (المدخل إلى تأسيس الحداثة الاسلامية) /27
(2) ابراهيم القهوايجي، تأملات في الحداثة الادبية العربية. موقع رابطة ادباء الشام (نت)، لندن. تحديث 2005م
(3) عبد الغني باره، إشكالية تأصيل الحداثة /28
(4) د. عدنان علي رضا النحوي، تقويم نظرية الحداثة /29
(5) ينظر: المصدر السابق /27
(6) إشكالية تأصيل الحداثة /21
(7) د. عدنان علي رضا النحوي، الحداثة في منظور إيماني /25
(8) د. شلتاغ عبود، الادب والصراع لحضاري /10
(9) د. عوض بن محمد القرني، الحداثة في ميزان الإسلام /6
(10) الحداثة في منظور إيماني /30
(11) المعجم الادبي /125
(12) الحداثة في ميزان الإسلام /7
(13) ينظر: المصدر السابق /7
(14) تقويم نظرية الحداثة /156
(15) الحداثة في منظور ايماني /72
(16) المصدر السابق /73
(17) المصدر السابق /75
(18) ينظر: تقويم نظرية الحداثة /66
(19) الحداثة في منظور إيماني /78
(20) ينظر: تقويم نظرية الحداثة /68، وايضاً: الحداثة في منظور ايماني /81
(21) ينظر: تقويم نظرية الحداثة /56-57
(22) الحداثة في منظور إيماني /90
(23) المصدر السابق /92
(24) المصدر السابق /94
(25) ينظر: المصدر السابق/96
(26) الادب والصراع الحضاري/15
(27) الحداثة في ميزان الإسلام /25
(28) المصدر السابق /21
(29) المصدر السابق /21
(30) المصدر السابق /25
(31) المصدر السابق /24
(32) المصدر السابق /24
(33) ادونيس، زمن الشعر /88
(34) الادب والصراع الحضاري /16
(35) د. عبد الحميد ابراهيم، المصادر الغربية لنقاد الحداثة. موقع الإسلام اليوم (نت) تحديث 2006م.
(36) غالي شكري، شعرنا الحديث إلى أين /116
(37) المصدر السابق /117
(38) محمد دكروب، تساؤلات امام الحداثة والواقعية /51
(39) الادب والصراع الحضاري/19
(40) الحداثة في ميزان الإسلام /25
(41) الادب والصراع الحضاري /18
(42) الحداثة في ميزان الإسلام /15
(43) الحداثة في منظور إيماني /215
(44) تساؤلات أمام الحداثة والواقعية /65
(45) الأدب والصراع الحضاري /18
(46) غالي شكري، برج بابل –النقد والحداثة الشريدة /48
(47) تساؤلات أمام الحداثة والواقعية /43
(48) الأدب والصراع الحضاري /18
(49) تساؤلات امام الحداثة والواقعية /41
(50) المصدر السابق /35
(51) ينظر: زمن الشعر /22
(52) الحداثة في منظور إيماني /203
(53) الحداثة في ميزان الإسلام /15
(54) السريحي، الكتابة خارج الاقواس /87. نقلاً من الحداثة في ميزان الإسلام /19
(55) عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير /10
(56) تقويم نظرية الحداثة /165
(57) المصدر السابق /166
(58) ادونيس، مقدمة للشعر العربي /138
(59) عبد الله الغذامي، الموقف من الحداثة ومسائل اخرى /109
(60) المصدر السابق /11
(61) الخطيئة والتكفير /27
(62) محمود درويش، الديوان /9
(63) المصدر السابق /10
(64) كمال ابو ديب، جدلية الخفاء والتجلي /51
(65) انور الجندي، الحداثة /2
(66) الادب والصراع الحضاري /20
(67) ادونيس، كلام البدايات /144
(68) ادونيس، الثابت والمتحول 3/11
(69) عبد المجيد زراقط، الحداثة في النقد الادبي المعاصر/116
(70) محمد مصطفى هدارة، بحوث في الادب العربي الحديث /64
(71) إشكالية تأصيل الحداثة /171
(72) أنور الجندي، الحداثة /3، موقع منار الإسلام (نت) ربيع الاول 1406هـ. تحديث 2006م
(73) الادب والصراع الحضاري/19
(74) إشكالية تأصيل الحداثة/30
(75) مقدمة للشعر العربي /127
(76) ميخائيل عيد، أسئلة الحداثة بين الواقع والشطح /34
(77) كمال أبو ديب، الحداثة/السلطة/النص، مجلة فصول، مج 4، ع3، ص37
(78) تقويم نظرية الحداثة /119
(79) الحداثة في منظور ايماني /273
(80) جدلية الخفاء والتجلي /9
(81) مقدمة للشعر العربي /133
(82) الحداثة في منظور إيماني /263
(83) مقدمة للشعر العربي /131
(84) أدونيس، الثابت والمتحول 2/113- 115
(85) ادونيس، زمن الشعر /156
(86) صلاح عبد الصبور، الديوان /29
(87) المجلة العربية، ع شعبان 1405هـ ص 9. نقلاً من الحداثة في ميزان الإسلام /34
(88) عبد الوهاب البياتي، الديوان /526
(89) انور الجندي، الحداثة /2 موقع منار الإسلام (نت) ربيع الاول 1406هـ. تحديث 2006م.
(90) زمن الشعر /76
(91) رجاء النقاش، محمود درويش شاعر الارض المحتلة /113
(92) حسين مروة، دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي /360
(93) عبد العزيز المقالح، الديوان /139
(94) ينظر: انور الجندي، الحداثة /3. موقع منار الإسلام (نت) ربيع الاول 1406هـ تحديث 2006م.
(95) تقويم نظرية الحداثة /151
(96) انور الجندي، الحداثة /8. موقع منار الإسلام (نت) 1406هـ. تحديث 2006م.
(97) الحداثة في ميزان الاسلام /20
(98) المصدر السابق /20
(99) الادب والصراع الحضاري /21
(100) الحداثة في ميزان الإسلام /21
(101) تساؤلات امام الحداثة والواقعية /51
(102) د. نجيب الكيلاني، آفاق الادب الإسلامي /138
(103) الحداثة في منظور ايماني /36
(104) الادب والصراع الحضاري /17
(105) الحداثة في ميزان الاسلام /32
(106) أدونيس، كلام البدايات /187
(107) اشكالية تأصيل الحداثة /157
(108) الادب والصراع الحضاري /23
(109) اشكالية تأصيل الحداثة /158
(110) انور الجندي، الحداثة /1 موقع منار الإسلام (نت) ربيع الاول 1406 هـ. تحديث 2006م
(111) تقويم نظرية الحداثة /153
(112) ينظر: انور الجندي، الحداثة /4(نت) موقع منار الإسلام ربيع الاول 1406هـ. تحديث 2006م
(113) الحداثة في منظر ايماني /37
(114) مالكوم برادبري وجيمس ماكفرلن (محرران)، الحداثة/43
(115) المصدر السابق /42
(116) المصدر السابق /26
(117) د. محمد مصطفى هدارة، دراسات في النقد الأدبي /35
(118) الأدب والصراع الحضاري /23
(119) الثقافة الاسلامية بين التغريب والتأصيل /162
(120) انور الجندي، الحداثة /4. موقع منار الإسلام (نت) ربيع الاول 1406هـ. تحديث 2006م.
(121) جريدة الندوة، السعودية، ع8424 في 14/3/1407هـ. ص7
(122) د. عدنان علي رضا النحوي، الحداثة العربية. موقع دار النحوي للنشر (نت). تحديث 2005 م.
(123) الثقافة الاسلامية بين التغريب والتأصيل /167
(124) حيدر الجراح، بين الحداثة والتراث.. اين الطريق؟. مجلة النبأ – العددان (25-26) جمادى الثانية – رجب 1419هـ.
(125) المصدر السابق /43

المصادر والمراجع

1- آفاق الادب الإسلامي، د. نجيب الكيلاني، مؤسسة الرسالة – بيروت 1406هـ.
2- الأدب والصراع الحضاري، د. شلتاغ عبود شراد، دار المعرفة – دمشق 1995م
3- أسئلة الحداثة بين الواقع والشطح، ميخائيل عيد، منشورات إتحاد الكتّاب العرب 1998م.
4- إشكالية تأصيل الحداثة، عبد الغني باره، الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 2005م.
5- بحوث في الادب العربي الحديث، محمد مصطفى هدارة، دارالنهضة العربية – بيروت 1994م.
6- برج بابل. النقد والحداثة الشريدة، غالي شكري، دار رياض الريّس – لندن 1989م.
7- بين الحداثة والتراث.. اين الطريق؟. حيدر الجراح، مجلة النبأ – العددان (25-26) جمادى الثانية – رجب 1419هـ.
8- تأملات في الحداثة الادبية العربية. ابراهيم القهوايجي، موقع رابطة ادباء الشام (نت)، لندن. تحديث 2005م
9- تساؤلات أمام الحداثة والواقعية، محمد دكروب، دار المدى – دمشق 2001م.
10- تقويم نظرية الحداثة وموقف الأدب الاسلامي منها، د. عدنان علي رضا النحوي، دار النحوي للنشر والتوزيع – الرياض 1994م ط2.
11- الثابت والمتحول، أدونيس، دار العودة – بيروت 1978م.
12- الثقافة الاسلامية بين التغريب والتأصيل، د. شلتاغ عبود، دار الهادي – بيروت 2001م.
13- جدلية الخفاء والتجلي، د. كمال ابو ديب، دار العلم للملايين – بيروت 1984م.ط3.
14- جريدة الندوة، السعودية، ع8424 في 14/3/1407هـ.
15- الحداثة. انور الجندي، موقع منار الإسلام (نت) ربيع الاول 1406هـ. تحديث 2006م.
16- الحداثة. مالكوم برادبري وجيمس ماكفرلن (محرران)، ترجمة مؤيد حسن فوزي، دار المأمون للترجمة والنشر – بغداد 1987م.
17- الحداثة/السلطة/النص، كمال ابو ديب، مجلة فصول، مج4، ع3، س1984م.
18- الحداثة العربية، د. عدنان علي رضا النحوي، موقع دار النحوي للنشر (نت). تحديث 2005 م 19- الحداثة في منظور إيماني، د.عدنان علي رضا النحوي، دار النحوي لنشر والتوزيع – الرياض 1993م.
20- الحداثة في ميزان الاسلام، د. عوض بن محمد القرني، دار الهجرة – القاهرة 1988م.
21- الحداثة في النقد الادبي المعاصر، عبد المجيد زراقط، دار الحرف العربي – بيروت 1991م.
22- الخطيئة والتكفير، د.عبد الله محمد الغذامي، النادي الأدبي الثقافي – جدة /السعودية 1985م.
23- دراسات في النقد الأدبي، د. محمد مصطفى هدارة، الأندلسية للأوفست – الاسكندرية 1989م.
24- دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي، حسين مروة، مكتبة المعارف – بيروت 1988م.
25- ديوان صلاح عبد الصبور، دار العودة – بيروت 1972م.
26- ديوان عبد العزيزالمقالح، دار العودة – بيروت 1974م.
27- ديوان عبد الوهاب البياتي، دار العودة – بيروت 1972م.
28- ديوان محمود درويش، دار العودة – بيروت 1980م.
29- روح الحداثة (المدخل إلى تأسيس الحداثة الاسلامية)، د. طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء 2006م.
30- زمن الشعر، ادونيس، دار الآداب – بيروت 1972م.
31- شعرنا الحديث إلى أين، غالي شكري، دار الآفاق الجديدة – بيروت 1978م.
32- كلام البدايات، أدونيس، دار الآداب – بيروت 1989م.
33- محمود درويش شاعر الارض المحتلة، رجاء النقاش، دار الهلال ط2. د.ت.
34- المصادر الغربية لنقاد الحداثة، د. عبد الحميد ابراهيم، موقع الإسلام اليوم (نت) تحديث 2006م.
35- المعجم الادبي، جبور عبد النور، دار العلم للملايين – بيروت 1984م. ط2.
36- مقدمة للشعر العربي، ادونيس، دار الآداب – بيروت 1971م.
37- الموقف من الحداثة ومسائل اخرى، عبد الله الغذامي، دار الطليعة للطباعة والنشر1987م.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (دراسات)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك