الصدمة النفسية للعنف ضد الأطفال

4000 2017-08-06

يمر الانسان عبر صيرورته الحياتية بالعديد من المراحل ومن اهم هذه المراحل مرحلة الطفولة التي تتسم بانها حجر الأساس لبناء الانسان والمجتمع وفي هذه المرحلة التي تبدأ منذ الولادة وحتى السن التسع سنوات يعتمد الطفل فيها على الافراد الذين يتولون رعايته سواء أكانوا الوالدين ام الاخوة او الأقارب اذ انهم يساهمون في تطوير وتكوين مفاهيمه عن ذاته وعن العالم الخارجي المحيط به اذ ان الطفل يسلم امروه لوالدية والكبار من حوله ليكتسب من خلالهم المفاهيم والسلوكيات المختلفة وفي هذه المرحلة يتولى الوالدان مسؤولية تنشئة الطفل وتوجيههم له عن السلوكيات السلبية في الحياة ومخاطرها وقد يستخدم الانسان خلال عملية التنشئة العديد من الأساليب التي قد تتعدى حدود التوجيه والإرشاد لتصل الى حد الإساءة وأيضا الى الموت المفاجئ كاستخدام العنف بأشكاله المختلفة كنوع من ضبط السلوك والتنشئة اذ ان الاسرة كما يعتبرها علماء الاجتماع بانها الوحدة الاجتماعية الاولى التي يتربى فيها الطفل فهي تؤثر على النموه النفسي والاجتماعي والعقلي واللغوي وتكوين بناء شخصيته وتشكيل سلوكه.

ومن هنا فان هذه الدراسة سوف تتطرق الى مفهوم الصدمة النفسية وأيضا مفهوم العنف وأخيرا مفهوم الطفل وكذلك سوف نتناول أنواع الصدمات النفسية للعنف وأيضا أنواع العنف او اشكال العنف كما سوف نتطرق الى اهم العوارض اضطرابات الناتجة عن الصدمة النفسية للعنف وأخيرا وقبل الأخير سوف نتناول العوامل المؤدية للعنف ضد الطفل والصدمة النفسية للعنف ضد الأطفال دراسة سيكولوجية، ومن ثم نضع بعض التوصيات والمقترحات التي قد يمكن من خلالها الحد من ظاهر الصدمة النفسية للعنف ضد الأطفال.

أولا: مفهوم الصدمة النفسية

يشار اليها بانها حدث فجائي وغير متوقع يتسم بالحدة ويفجر الكيان الإنساني بحيث لا تستطيع وسائل الدفاع ان تسعف الانسان للتكيف معه(1). او تعرض الفرد إلى حدث مفاجئ وغير متوقع يتوافر فيه الشرطان الآتيان: أولا: خبر الفرد أو شهد أو جوبه بحدث أو أحداث تتضمن موتاً محققاً أو تهديداً به، أو إصابة خطيرة، أو تهديداً لسلامته أو سلامة الآخرين الجسدية، (مثل تعرض الشخص إلى الكوارث الطبيعية كالزلازل أو الفيضانات. أو إلى الكوارث البشرية كالحروب والأسر أو حوادث السيارات، أو السطو المسلح أو الاغتصاب الجنسي أو الحرائق…. الخ)، ثانيا: رد فعل الشخص يتضمن الخوف الشديد أو العجز أو الرعب(2).

بالإضافة الى ذك يمكن لنا القول بان الصدمة النفسية هي استجابة عنف نفسي من قبل الطفل تكون بمنزلة ردة فعل تجاه موقف فيه رعب، أو تهديد، أو خطر يتعرض له، وتتمثل هذه الاستجابة بظهور بعض الأعراض، منها: خوف والاكتئاب والقلق والتوتير وفقدان السيطرة على الانفعالات والعواطف وغيرها من الاعراض النفسية الناتجة عن العنف.

ثانياً: مفهوم العنف

يشير اليه على انه كل فعل ينطوي على إنكار للكرامة الإنسانية واحترام ألذات ويتراوح ما بين الإهانة بالكلام وبين القتل أو هو كل فعل مقصود يسبب إيلاماً بدنياً أو نفسياً لشخص آخر(3).

وفي إطار علم النفس استخدم مفهوم العنف ليشير إلى نمط من أنماط السلوك الذي ينتج عن حالة إحباط ويكون مصحوباً بعلامات التوتر، الغضب، والهياج والمعاداة، ويحتوي على نية مبيته لإلحاق ضرر بشخص آخر(4).

أما من الناحية الاجتماعية فقد عرف العنف بأنه سلوك أو فعل يتسم بالعدوانية، يصدر عن طرف قد يكون فرداً، جماعة، طبقة اجتماعية أو دولة بهدف استغلال وإخضاع طرف آخر في إطار علاقة قوة غير متكافئة اقتصادية، اجتماعية وسياسية، مما قد يتسبب في إحداث أضرار عديدة " (5).

وعلية يمكن القول ان العنف سلوك قوي يصدر من قبل شخص يؤدي او قد يؤدي الى حدوث ضرر مادي أو نفسي عن طريق استعمال وسائل القهر والقوة أو التهديد، ولغرض تحقيق أهداف مرفوضة اجتماعياً أو قانونياً مما يؤدي إلى أضرار مادية ومعنوية.

ثالثاً: مفهوم الطفولة(الطفل)

هو كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشر، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المطبق عليه.

والطفل عند علماء الاجتماع يعرف في ثلاثة أوجه هي: -

الأولى: هي من مرحلة التكوين ونمو الشخصية وتبدأ من الميلاد حتى طور البلوغ.

الثانية: إن الطفولة تتحدد حسب السن حيث يسمى طفلاً من لحظة الميلاد حتى سن الثانية عشر من عمره.

الثالثة: الطفولة هي مدة الحياة من الميلاد الى الرشد، وتختلف من ثقافة الى أخرى وقد تنتهي عند البلوغ أو عند الزواج (6)

والطفل عند علماء النفس: إذ يعد علماء النفس إن الطفولة تبدأ من لحظة وجود الجنين في بطن أمه، وهذه الفترة تعتبر من أهم وأخطر مراحل عمره على الإطلاق، وعلى هذا تطور الطفولة يبدأ بالمرحلة الجينية وينتهي بالبلوغ الجنسي(7).

رابعاً: أنواع الصدمات النفسية

1-صدمة أولية: هي ان يتعرض الطفل الى الصدمة بشكل مباشر مثال: كأن يتعرض الطفل لحادث سيارة وإطلاق نار بمعنى انها تحدث وقت الحادث مباشرة او المرض المفاجئ.

2-صدمة ثانوية: هي ان يتعرض الطفل الى الصدمة بشكل غير مباشر أي بعد مرور ساعات من المرض او الإصابة وهي أخطر من الصدمة الأولية وهي الصدمة التي تتبع سببا اوليا او بعد فترة صامته مثال: كأن يسمع الطفل عن حدث صادم معين او يشاهده ويتأثر به بشكل مشابه لمن تعرض لهذه الاعراض.

خامساً: مراحله الصدمة النفسية

بعد ان يتعرض الطفل لحادث يمر بمراحل متعدد وهي:

1- مرحلة الكمون: تكون في شكل حالة من التوقف وعدم التصديق ، التأمل والتفكير المشتت والمركز حول الحادث ثم التذكر الدائم لظرف الحادث الصدمي، قد تدوم ساعات او تمتد الى بضعة اشهر في بعض الأحيان تكون نفطة تحضير لدفاعات الانا الصدمة المواجهة العنيفة، وخلال هذه المرحلة يجب حث الطفل على التعبير عن شعوره وحالته الداخلية محاولة للتحكم في الوضع عن طريق التعبير اللفظي ، والاصغاء والمساندة العاطفية وبمجرد بداية كلامه عن حيثيات الحادث الصدمي يمكن ان نعتبره مؤشر جيد عن بداية تنظيم الجهاز النفسي للسيطرة على التظاهرات الصدمة النفسية.

2- مرحلة متلازمة التكرار : أي اضطرار التكرار هنا يحدث للشخص المصدوم حالة من إعادة استحضار الحادث الصدمي في شكل معايشة خيالية وهوامية وذلك يظهر في الكوابيس المرعبة وحالات الهذيان المؤقت في بعض الأحيان، وحالة التأثر الوجداني الكبير هو السبب في ظهور هذا النوبات من الهلع والخوف الكبيرين وللتقليل من هذه الحالة ننصح دائما المختصين بان يكون منتبها لا احتمالية دخول الفرد في حالة مرضية حادة قد تؤثر في التشخيص الصحيح والمهدئات النفسية هي احسن تدخل مؤقت لهذه الحالة ونستطيع القول بان متلازمة التكرار في رمزيتها هي نوع من الرفض للحادث الصدم ومحاولة مواجهته مرة أخرى لتجاوز هوامياً وخيالياً.

3- مرحلة إعادة تنظيم الشخصية: بعد ان يكون الفرد قد عايش الحادث الصدمي يحدث نوع من التغير في بنية الشخص فتتغير عاداته اليومية وتصرفاته مع محيطة، تصوراته وحتى نشاطه الجنسي فيدخل في نوع من عدم الثقة مع المحيط والبحث عن الأمان وينظر الى الاستقلالية ومحاولة إعادة التنظيم بناء النفس من جديد على المختص ان يحاول مساندة فرد في هذه المرحلة يجعله يدرك حالة الأمان التي بحيث عنها بعيداً عن الحادث الصدمي وما نتجه عه من اهتزازات على مستوى الشخصية كل(8).

سادساً: عوارض اضطرابات ما بعد الصدمة النفسية

من اهم العوارض او الاضطرابات ما بعد الصدمة النفسية هي كالاتي:

1-ان يعيش الشخص حدثا يتخطى الإطار المألوف للتجربة الإنسانية وان يكون هذا الحدث مؤلما لدى أي شخص اخر مثل تهديد الشديد او الخطير على الحياة الشخصية او الجسد، التهديد الذي يتناول أحد الأبناء او أحد الاخوة او أحد افراد العائلة التدمير المفاجئ لمنزل، روية أحد ينزف دما او يقتل امام الشخص كنتيجة لحادث او لاعتداء جنسي.

2-ان يعيش الشخص الاحداث الصادمة بشكل دائم وعلى الأقل بإحدى الوسائل التالية او اكثر أولاً: عودة الذكريات المؤلمة (صور واحداث) للحدث (عند الأطفال الصغار، هناك اللعب المتكرر حيث يعبر الطفل بواسطته عن اشكال الصدمة ومتونها، ثانيا: الكوابيس المتعلقة بالحدث (الاحلام المخيفة) والتي تكون أحيانا ذات محتوى لا يمكن التعرف عليه ، ثالثاً: الفعل الفجائي او الشعور بان الحدث قد يعود من جديد شعور الشخص مثلا انه يعيش التجربة بالإضافة الى الأوهام والهلوسات وفترة من التفكك ومضات مثل التي تحدث اثناء اليقظة او في حالة التسمم، رابعاً: ضيق نفسي شديد عند التعرض لأحداث ترمز او تشابه في شكلها الحدث.

3- التجنب الدائم للمنبهات المرتبطة بالصدمة النفسية او الخمود في الاستجابة العامة وهذا التجنب يظهر في اشكال متعددة : اولاً: بذل الجهود لتجنب الأفكار والمشاعر المرتبطة بالصدمة، ثانياً: بذل الجهود لتجنب الأنشطة والوضعيات التي توقظ ذكريات الصدمة لدى الطفل، ثالثاً: عدم القدرة على تذكر الجزء الهام من الصدمة لأسباب نفسية أخرى، رابعاً: انخفاض ملحوظ في الاهتمام بأنشطة هامة مثلا عند الأطفال الصغار نلاحظ فقدان بعض المهارات المكتسبة حديثا مثل العناية بالنظافة البدنية والمهارات اللغوية)، خامساً: الشعور بالانفصال والنفور من الاخرين، والانحسار في المجار العاطفي.

4-عوارض دائمة من الاستثارة الزائدة (لم تكن موجودة قبل الصدمة) كما يشير اليها على النحو الاتي: أولاً: الصعوبة في النوم والاستغراق فيه، والاهتياج وهبات الغضب وصعوبة التركيز والاحتراز الزائد، ثانياً: ردة فعل فيسيولوجية ازاء التعرض للأحداث التي ترمز الى الصدمة او تشابه شكلا من اشكالها مثل مشادة طفل مقول عبر وسائل الاعلام او مواقع التواصل الاجتماعي(9)

ويرى علماء النفس ان هناك علامات او اعراض للصدمة النفسية على الفرد التي تنجم عن الحادث الصدمة النفسية ومن هذه العلامات او الاعراض لهذا الحاث هي اعراض عضوية وانفعالية ومعرفية وسلوكية والتي يمكن تفسيرها على النحو الاتي:

1- الاعراض العضوية هي (العرق، نوبات من الدوار، زيادة ضربات القلب، التنفس السريع وفقدان الشهية واضطرابات الكلام والتبول اللاإرادي والصداع).

2- الاعراض الانفعالية (الغضب، الأسى، الاكتئاب، القهر).

3- الاعراض المعرفية (صعوبة اتخاذ القرار، انخفاض التركيز، خلل في وظيفة الذاكرة).

4- الاعراض السلوكية (اضطرابات الاكل، اضطرابات النوم والاحلام المزعجة والكوابيس، اضطرابات الملبس، اضطرابات الخوف والقلق والتوتر والترقب والتوجس)(10).

سابعاً: اشكال العنف

قد يتعرض الأطفال في بعض الأسر إلى أشكال العنف ألبدني أو النفسي، سواء عن طريق الترهيب النفسي أم بالشتم والإهانة والتقليل من قيمتهم كإنسان وكذلك الأذى ألبدني، ويدخل في هذا الإطار أيضاً الضرب والاعتداء الجنسي على الأطفال، ومن الملاحظ أن سلوك الوالدان العنيف قد يتخذ شكلاً واحداً أو قد يتغير ويتبدل مع الوقت، إذ قد يؤدي إلى ازدياد احتمال ظهور العنف عنده بإشكاله المختلفة، وأشكال العنف ضد الأطفال كالآتي:

أولاً: العنف الجسدي: إن أكثر أنواع المعاملة السيئة مع الطفل شيوعاً هي العنف الجسدي والذي يشمل على الصفع باليد أو الضرب بأداة ما، أو الكي، أو الركل أو هز الطفل بعنف بالغ، أو رفعه إلى الأعلى ثم إلقائه على الأرض، وكثيراً ما تؤدي أشكال العنف هذه إلى إصابات وجروح جسدية، وقد تؤدي أحياناً إلى تعرضه لبعض الصدمات النفسية لكنه قد تؤدي في أحيان أخرى إلى الموت(11).

حيث يكشف تقرير الأمم المتحدة حول العنف ضد الأطفال إلى وجود (53000) طفل وطفلة قد توفوا على مستوى العالم عام (2003) نتيجة القتل، كما أشار التقرير إلى أن ما يتراوح بين 80 إلى 98% من الأطفال في العالم يعانون من العقوبة البدنية في منازلهم، وإن ثلث هذه النسبة تواجه عقوبات بدنية قاسية ناتجة عن استخدام أدوات مادية عنيفة للعقاب(12).

ثانياً : العنف النفسي: إن هذا النوع من العنف يشمل الإهمال العاطفي ، بمعنى حرمان الطفل من حب الوالدين وحنانه ، إضافة إلى الإزعاج اللفظي له ، أو تجنب التحدث إليه لمدة طويلة تعبيراً عن عدم الرضا عنه ، أو تباين معاملته بين العطف المفرط وإساءة المعاملة ، أو يتعرض الطفل لضغوط كبيرة من خلال تعكير صفوه وتوازنه النفسي ، أو التقليل من شأن الطفل أمام أخوته أو أقاربه، الأمر الذي يمكن أن ينتج عنه أن يتولد لدى الطفل شعور بالنقص في قيمته وعدم تقديره بما يستحق من قبل الآخرين وهذه المعاملة غالباً ما تنعكس سلباً على الطفل وتسبب رد فعل لديه يتجلى في التأخر الدراسي أو الهرب من المدرسة، وقد يتعرض الطفل أحياناً إلى نوع آخر من العنف النفسي، خاصة عندما يشعر بتفضيل أحد الوالدين أحد أخوتهِ عليه، إن هذه المعاملة تؤدي بالطفل إلى الإحساس بالإحباط وتعرضه إلى بعض الأمراض النفسية(13).

ثالثاً: العنف الجنسي: يعد استغلال الأطفال جنسياً شكلاً من أشكال العنف الممارس ضدهم وهو من أبشع أنواع الاضطهاد والعنف على الإطلاق بالنظر لمردوداته السيئة على المستقبل الشخصي والاجتماعي لذلك يعتبر العنف الجنسي مرضاً اجتماعياً طبياً(14).

ففي أشاره لتقرير الأمم المتحدة حول العنف ضد الأطفال أشار إلى عمليات الترهيب ألشفاهي أو ألبدني التي يتعرض لها الأطفال من البالغين المحيطين بهم، ومن أخطر ما عرض لهُ التقرير تلك الانتهاكات الجنسية التي يتعرض لها الأطفال وخاصة الإناث منهن، حيث كشف التقرير عن وجود ما يقارب من (150) مليون فتاة و (73) مليون صبي تحت سن الثامنة عشر عانوا من علاقات جنسية قسرية، أو أي شكل من أشكال العنف الجنسي أثناء عام (2002) (15).

رابعاً: العنف اللفظي: يعد العنف اللفظي نوع آخر من أنواع العنف الأسري ضد الأطفال، وقد تكون ممارسته يومية من خلال استخدام ألفاظ تجرح الأطفال وتحط من كرامتهم وآدمتهم في صيغ كلامية بذيئة وقاسية ويتجلى هذا في رفع الصـوت عنـد المخاطبــة (الإهانة ـ الشتـم ـ السـب ـ التحقير) المتمثلة بنعت الاطفال بألفاظ بذيئة والتي تعد أشد وقعاً من الضرب، وذلك من أجل الإيذاء وخلق جو من الخوف.

خامساً: الإهمال

إن الإهمال يعد نوعاً آخر من أنواع العنف الممارس ضد الأطفال داخل الأسرة ، وهو من أكثرها شيوعاً ، ان عدم تلبية حاجاته الأساسية كالملبس والرعاية والأشراف ومتابعة احتياجاته العاطفية مثل الحب والتعاطف والأمان إذ يشمل هذا النوع من العنف نبذ الطفل وتركه لفترة معينة دون رعايته وإهمال الأشراف عليه ، مما يولد لديه أنواعاً مختلفة من الأمراض النفسية يصعب على الطبيب المعالج تشخيصها في حالة عرض الطفل عليه، اذ إن الإهمال يبدأ أحياناً مع بدأ الحمل بالنسبة للأم وعدم توفير الرعاية الصحية لهُ ، وقد يتمثل في قبول الأم بأن تلد جنينها في البيت تحت أشراف نساء غير متخصصات إضافة إلى إهمال الطفل من الناحية الصحية وعدم إخضاعه للفحوصات الطبية الضرورية ( كاللقاحات الدورية الواجبة ، وهذا الإهمال قد يعرض الطفل إلى الكثير من الأمراض مستقبلاً )(16).

ثامناً: العوامل المؤدية للعنف ضد الأطفال

1-عوامل التنشئة الاسرية

تعد التنشئة الاسرية من اهم الوظائف الاجتماعية التي يتم بواسطتها تعلم الانسان، خاصة صغار السن، المعارف العلمية والفنية والادارية المختلفة داخل الاسرة، وتعرف التنشئة على اساس انها نقل ثقافة المجتمع واسلوب التعامل، بما في ذلك اللغة والعادات والتقاليد والقيم من الكبار الى الصغار، وبها يتحول الطفل الجديد في المجتمع من مجرد كائن عضوي الى كائن اجتماعي.

وعلى الرغم من إن الاسرة كانت وما زالت اقوى مؤسسة للتنشئة فهي تؤثر في مكتسبات الانسان المادية والمعنوية فالأسرة تقوم بدور اساسي في اصلاح الافراد او انحرافهم من خلال النماذج السلوكية التي تقدمها لصغارها وتتفاوت انماط التنشئة الاسرية بتفاوت خصائص الوالدين وطبيعة استخدامها للسلطة وتمارس الاسرة دورا مهما ورئيسيا في تشكيل شخصية الفرد ونمو ذاته نتتبع اساليب التنشئة السليمة ليتمكن افرادها من النمو النفسي والاجتماعي والثقافي السليم والاسرة التي لا تحسن استخدام اساليب التنشئة في التعامل مع الافراد ويكثر فيها التنافر والعنف لا شك ان ذلك سيؤدي الى هدم بناء الاسرة وخلق اثار سليبة عليها(17).

فأسلوب القسوة الوالدين الناتج من الضرب والتوبيخ في معالجة السلوك العدواني يؤدي إلى زيادة العدوان عند الأطفال وهو غالباً ما نجده في البيئات ذات المستوى الاقتصادي والثقافي المنخفض والمتوسط ويندر حدوثه في أسر الطبقات العليا ذات المستوى الاقتصادي والثقافي المرتفع، كما يتميز هذا الأسلوب(القسوة) ، بالضبط الصارم للطفل وإصدار الأوامر وإيقاع العقاب المتكرر ، سواء أكان عقاباً بدنياً كالضرب باليد والعصا ، أم عن طريق تجاهل رغباته وحرمانه من الحصول على بعض الامتيازات ذات القيمة بالنسبة له ، كالحصول على النقود أو الحلوى ، وفرض رأي الوالدين على الطفل والوقوف على رغباته التلقائية والحيلولة دون تحقيقها حتى لو كانت مشروعة مما يضر بالصحة النفسية للطفل ويدفعه لاتخاذ أساليب سلوكية توافقية غير سوية كالاستسلام والشعور بالتعاسة ، الانسحاب ، عدم الثقة بالنفس وبالآخرين ، العدائية ، التحصيل الدراسي المنخفض في مراحل العمر المقبلة(18).

اذ إن آباء وأمهات الأطفال الذين يظهرون كثيراً من العدوان يعالجون مشكلة استجابات الطفل العدوانية من دون ثبات فهم يشجعون أطفالهم على العدوان أحياناً بإظهار الرضا والاهتمام وأحياناً يعاقبونهم بالضرب والتوبيخ بالإضافة الى ذلك نجد الكثير من الأمهات من تعاقب طفلها على سلوك معين ( عندما يسب أو يشتم أخاه مثلاً ) ثم يجد الطفل أن أمه بعد ذلك تسلك السلوك نفسه ( كأن تسب أو تشتم أحد الجيران) وقد أثبتت الدراسات النفسية والاجتماعية بأن الأمهات اللواتي يلجأن الى أسلوب العقاب اللفظي ضبط سلوك أطفالهن ربين أطفالاً لا يلجأون الى الأسلوب نفسه في التعامل مع أقرانهم.

كما ان بعص الاسر تمارس اسلوب التدليل الزائد للأطفال ويتمثل هذا الأسلوب بالإسراف في الحماية الزائدة وخوف الوالدين الشديد أو أحدهما على صحة الطفل الجسمية والنفسية ، لذلك نجد الوالدين يسيطرون على الطفل سيطرة تامة ويصرون على أن يطيعهما طاعة كاملة ، فيقيدون أوجه نشاطه ، أذ تقوم الأم بإطعامه وتنظيفه ، وتحاول جعله ينام بجانبها حتى بعد بلوغه السن التي تهيؤه للقيام بهذه الفعاليات بنفسه ، كما تقوم الأم بمنع الطفل من الخروج إلى الشارع وتصاحبه في جولاته كلما أمكن ذلك وتعين له وقت لعبه وتراقبهُ أثناء اللعب حتى يكون هادئاً ونتيجة هذا الأسلوب تظهر على الطفل أنواع من السلوك غير المرغوب فيه ، كالميل الشديد لإخضاع الأفراد المحيطين به لسلوكه العدواني وأنانيته وتمركزه حول ذاته ، ورفض حقوق الغير ، اصطناع الحيل لجذب نظر الآخرين إليه عن طريق العصيان ورفض الطعام ، فضلاً عن اتكاله على غيره في قضاء حاجاته أو الدفاع عن حقوقه(19).

2- العوامل الاقتصادية: إن العوامل والظروف الاقتصادية تلعب دورا كبيرا في ظهور كثير من المشاكل الاجتماعية والنفسية وقد تصل إلى إتباع السلوك المنحرف والشاذ ويرى أصحاب المدرسة الاقتصادية إن العوامل الاقتصادية في المجتمع هي الأساس وان لها الأثر في حياة الأفراد والمجتمع في الجوانب كافة، وقد دلت الدراسات على وجود علاقة بين سوء الحالة الاقتصادية والجنوح والجريمة فالعوامل الاقتصادية تشكل ضاغطا يتحدى استعدادات الفرد للتكيف وترشحه لان يسلك بطريقة عدوانية، وان الأسر التي تعاني ظروفـا اقتصادية قاسية هي أكثر الأسر التي تدفع الأطفال إلى المعاناة النفسية كما أن فقر الأسرة وزيادة عددها ينمي السلوك العدواني لدى أطفالها، حيث الإحباط ونقص التنظيم وضعف رقابة الوالدين للأبناء ينشأ عنها العدوان، ولوحظ أن كثرة تغيير الأسرة لمحل إقامتها لا يعطي أفرادها فرصة لإقامة علاقات ثابتة مع الجيران مما يحبطهم ويجعلهم أكثر عدواناً، والتربية القاسية(20).

3-العوامل الاجتماعية

هناك جملة من العوامل الاجتماعية التي قد تؤدي الى احداث العنف ضد الاطفال

أ-وسائل الإعلام

تعددت الدراسات في مجال البحث عن دور وسائل الإعلام المرئية في نشر العنف والرعب ، مما يؤدى إلى تباين واختلاف النتائج من دراسة لأخرى ولكن معظمها انتهى إلى احتمال أن يدفع العنف على الشاشة إلى أعمال متشابهة في واقع الحياة بينما أوضحت بعضها أن ذلك يحدث في نطاق ضيق وظروف محدودة ، وبالرغم من ذلك أزادت الشكوى من العنف في أجهزة وسائل الإعلام منذ الثلاثينيات حين ظهر ما يسمى بعنف هوليود الجديد الذي ساد محتوى الأفلام في تلك الفترة وبانتشارها وبانتشار مشاهد التليفزيون حيث الأفلام والمسلسلات التي تعرض مشاهد العنف باعتبارها تساعد لا شعورياً على ارتكاب أعمال القسوة والتدمير والعنف ، وما يلفت النظر القلق والتكرار الواسع لأعمال العنف والمضامين التي تتضمن ظاهرة العنف من ناحية أخرى ، مما دفع الاهتمام بدراسة برامج وآثار العنف في وسائل الإعلام المرئية على المجتمع عامة والأفراد خاصة التي تقهر الطفل وتعاقبه بدنياً وتؤلمه نفسياً تنمي أيضاً العدوان لديه(21).

كما إن لوسائل الإعلام دوراً بارزاً في تنامي ظاهرة العنف لدى الأفراد، فالبرامج الإعلامية وخصوصاً التلفزيونية من حيث إنها تقدم لهم عينة من التصرفات الخاطئة، مثل العنف الذي يشاهده الفرد لمجرد التسلية والإثارة، قد ينقلب في نهاية التسلية والإثارة لواقع مؤلم بفعل التأثير السلبي القوي والفعال لوسائل الإعلام لتجسيد العنف بأنماطه السلوكية المختلفة. تعتبر وسائل الإعلام إذًا سلاحًا ذا حدين، فهي بمثابة أداة تبرز التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم من جهة، ووسيلة تساعد في انتشار السلوكيات الانحراف(22).

اذ أننا نعيش اليوم في عالم عدواني يتميز بطغيان العنف والجريمة والسلوك العدواني واليوم بعد أن أصبح للتلفزيون تأثيره الواسع في القيم والمعايير الاجتماعية واغلب أنماط السلوك والعادات الاجتماعية فقد استطاعت هذه الوسيلة الإعلامية بمفردها أن تشكل لدى أغلب المجتمعات الحضرية والصناعية ثقافة تلفزيونية خاصة وتنشئ جيلاً تلفزيونياً خاصاً ولاشك أن الناس في كل مكان وعلى اختلاف طبقاتهم بدأوا ينظرون إلى التلفزيون على أنه ظاهرة جديدة كمشكلة حضارية جديدة ذات آثار سلبية معينة ويكاد يجتمع الرأي على أننا نواجه اليوم حملة إعلامية شرعية تتضمن ما تعرضه بعض الوسائل الجماهيرية والتلفزيونية على وجه التحديد من مواد تحتوي على مشاهد من الرعب والعنف والجريمة السادية والعدوان بشكل هائل وفي زيادة مستمرة لا نجد في الأفق ما يبشر بنمط تنازلي يشير إلى الاعتدال أو النقصان كذلك فأن لعرض صور حياة الرفاهية والبذخ الكبير لدى بعض الطبقات الميسرة قد تضاعف الشعور بالرغبة الطاغية لبلوغ مثل هذه المستويات المرموقة العالية فأن تعذر بلوغها بالطرق المشروعة فلا بأس من بلوغها بطرق غير مشروعة (23).

ب-الحروب وانعدام الأمن الاجتماعي

تعد الحروب أحد أكبر الأخطار التي تهدد المجتمعات الإنسانية وتزعزع كيانها واستقرارها لما لها من نتائج سلبية وعميقة في حياة المجتمعات سواء كان ذلك في مدة الحرب أم فيما بعدها ، إذ تترك آثار سلبية طويلة على قيامها ، إذ أنها لا تخلف ورائها إلا ذكريات القتل والدمار فقط بل الأخطر من ذلك أنها تخلخل البناء الاجتماعي وتحدث فيه فجوات عميقة يصعب تجاوزها بسهولة الأمر الذي ينعكس على حياة أبناء المجتمع سلباً من خلال زيادة المشاكل التي يعانون منها وصعوبة تجاوزها بسبب الظروف غير الطبيعية التي آلمت بمجتمعهم ومن صورها السلوك العنيف إن الحرب تؤثر في أبناء المجتمع وفي أحكامهم حول قواعدهم القيمية وعاداتهم وتقاليدهم ، إذ قد تؤدي الحرب إلى عنف وعدوانية منفجرة أو ضروب في التحلل السلوكي والخلقي ، أي أنه يوجد حالة تشكل خطراً جدياً على التوازن النفسي والتكيف الاجتماعي وعلى التوجه نحو المستقبل.

وكما هو الحال في مجتمعنا العراقي في ظل الحروب والحصار ، إذ أدت هذه الظروف دوراً كبيراً في زعزعة أمن واستقرار المجتمع ، فخطورة الحرب لا تكمن في الخسائر المادية التي تخلقها أو في خسائر الأرواح فقط بل هناك مسألة مهمة وهي فقدان الأمن الاجتماعي الذي من الواجب على المجتمع توفيره لأفراده ، حيث ساعدت هذه الظروف على ظهور سلوكيات سلبية وجرائم لم يألفها مجتمعنا من قبل أو لم تكن بهذه الحرية ، وكان من أبرزها سرقة السيارات ، التهريب ، تزييف العملة ، غش المواد الغذائية ، السلب ، النهب والسطو المسلح كذلك ازدادت مشكلة لم تكن مألوفة من قبل وهي مشكلة العنف بإشكاله المختلفة سواء ضد المرأة ، ضد الأطفال ، ضد الممتلكات وضد الآخرين فقد أصبح من الطبيعي أن نلاحظ مشاجرات الإفراد داخل المنزل ، واستعمالهم للألفاظ العنيفة أو استعمال الأدوات الجارحة وبعض الأسلحة في تلك المشاجرات، وكذلك يمكن ملاحظة المشاجرات في المدارس وتخريبهم للأثاث المدرسي والممتلكات العامة ، فضلاً عن ممارسة العنف في سوق العمل إذ أوجدت الحرب قيم ومعايير جديدة تقوم على الفردية والتمركز حول الذات، مما نتج مجالاً عريضاً أمام تفشي السلوك العنيف واستباحة القانون إذ أن تلك الأوضاع تلقي بتأثيرها في عمل أنساق المجتمع ، مؤدية إلى حدوث تغيرات تنعكس على مختلف جوانب الحياة للأفراد ، ولا يمكن أن نستثني القيم من هذا التغير فقد سادت المجتمع قيماً فوضوية واليوم يعيش الطفل حالة من عدم الأمان والاستقرار بسبب الاحتلال الأمريكي للعراق والمعانات التي مازالت مستمرة مما أثر في روح الطفولة عند الأطفال بسبب المشاهد التي تعرضها وسائل الإعلام التي لا تخلو من أي مشهد من مشاهد العنف ، ولا يمكننا إلا أن نقول أن الطفولة في العراق هي طفولة مذبوحة ذنبها الوحيد هو أنها وقعت تحت يد سياسات لم تراعها وتعطها حقها في الحياة(24).

تاسعاً: الصدمة النفسية للعنف ضد الأطفال دراسة سيكولوجية

في كل يوم وفي كل بلد، هناك أطفال يشهدون ممارسات عنيفة أو يعانون منها والعنف ضد الأطفال يتخطى حدود الثقافة والطبقة والتعليم ويحدث في بيئات مختلفة، وبعض إشكال هذا العنف مسموح بها من الناحية القانونية والاجتماعية لأنها قد تكون راسخة في الممارسات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، مما قد تترك عواقب سلبية مدمرة لشخصية الأطفال وسلامتهم وصحتهم النفسية.

اذ فقد أصبح مجتمعنا اليوم يعيش أجواء مليئة بالتوتر بعد أن فقد الأمن والأمان، ولم يقتصر العنف على ما نشاهده في الشارع أو في وسائل الإعلام، لكنه امتد إلى أبعد من ذلك بكثير، إذ اخترق العنف جدران المنازل ليفرض نفسه على الأسرة، وعلى الرغم من ذلك يمكننا القول بأن العنف الذي نقرأ عنه في الصحف قد طفا على السطح، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أخفاء آثاره أو التعتيم على مضاره أو أخطاره، ولاسيما إذا وصلت هذه المشكلة إلى اسلوب ألضرب المفضي أحياناً الذي قد يؤدي إلى العاهة ألمستديمة.

اذ ان الاسرة لا تزال وستظل من اهم الوحدات الاجتماعية التي تلعب الدور الرئيسي في المحافظة على استمرار الحياة الاجتماعية وقد اهتم الباحثون في مختلف فروع العلوم لاجتماعية بدراسة مختلف الموضوعات المرتبطة بالأسرة الا ان العنف الذي يحدث داخل محيطاها لم يحظى بالاهتمام الذي يستحقه وعندما تقوم الأسرة بدورها في التربية وتلبية الاحتياجات الضرورية لأعضائها فإنها بذلك تتفاعل مع غيرها من مؤسسات التنشئة الاجتماعية في المجتمع لأنها لا تستطيع القيام بتلبية هذه الاحتياجات بمفردها أو بمعزل عن مؤسسات المجتمع التربوية وكما ذكرنا فإن الأسرة هي إحدى النظم الاجتماعية التي تعمل جميعها في تلبية احتياجات الإنسان في كل مجتمع وبهذا تعد الأسرة هي الوسيط والرابط بين الفرد ومجتمعه والحياة الاجتماعية. لذلك لم تعد الأسرة كما كانت عليه في الماضي نظرا لما تواجهه من تحديات داخلية أو خارجية أثرت بدورها على طبيعة هذه الأسرة وعلى طريقة التربية والتنشئة فيها وذلك عن طريق التغير الاجتماعي لأن المجتمع الإنساني دائما في حالة من التغير وعدم الثبات على وتيرة واحدة.

بالإضافة لذلك ان الأطفال يعتبرون ايضا من اهم العناصر البيولوجية والاجتماعية بالمجتمع وأكثرهم تعرضا للظروف القاسية الناتجة سواء كانت من الظروف الطبيعية او غير الطبيعية نتيجة لقلة خبرات تجاربهم في الحياة الاجتماعية التي تشهدها الكثير من الاحداث الاجرامية ولهذا فلابد من تحصنهم بوسائل الامن والأمان الكافية لذا فقد برزت الضرورية الملحة الى توفير رعاية خاصة للأطفال ولاسيما بعد تعرضهم للصدمات النفسية العنيفة الناتجة من قبل الوالدين.

اذ يعد العنف الموجهة من قبل الوالدين من اقسى أنواع العنف الذي يتعرض له الطفل في حياة الاجتماعية فهو اكثر مما يتعرض له من جراء الكوارث الطبيعية فهذا العنف سوف يترسخ بالذاكرة وتزداد الأمور اكثر صعوبة اذا تكررت الصدمات النفسية العنيفة لتتراكم في فترات متقاربة ومن معوقات الكشف عن هذه الحالات لدى الأطفال هو انه يصعب عليهم التعبير عن الشعور بالحالة النفسية التي يمرون بها بينما يختزلها العقل وتودي الى مشكلات نفسية عميقة خاصة اذا لم يتمكن الوالدين او البيئة المحيطة بهم من احتواء هذه الحالات ومساندة الطفل على تجاوزها.

فالمواقف الصدمة النفسية التي يتعرض لها الأطفال سواء من الإباء او من خارج اطار البيئة الاسرية قد تعد من العوامل الرئيسة للإصابة باضطراب نفسي قد يؤثر على شخصية الاطفال في حياة الاجتماعية لذا فان مرحلة الولادة أي مرحلة الطفولة تعد من اصعب المراحل وأخطرها تأثيرا في التكوين الشخصي لديه ولا يقتصر خطرها أيضا على انها مرحلة تأسيس بذور اضطرابات الشخصية المتنوعة في اشكالها البيولوجية والاجتماعية والنفسية بل تعد مرحلة توضع فيها أسس الشخصية السلمية الخالية من الصدمات النفسية اذ ان ما يكتسبه الفرد في هذه المرحلة من عادات واتجاهات وقيم عبر تنشئته وتربيته انما يميل الى الثبات النسبي ويصعب تغييره فيما بعد تعرضه للصدمة النفسية الناتجة من العنف الوالدين.

بالإضافة الى ذلك فان لبعض الظروف الطبيعية والحروب والموت المفاجئ لأفراد قريبين منه قد ترك اثارا خطير على حياتهم فضلا عن اعمال العنف والاعتداء الجنسي والاستغلال الجنسي والقتل والوحشية التي يتعرض لها الأطفال فان لها خطر في احداث الصدمات النفسية عليهم اذ انهم يتأثرون بالحدث غير المباشر من خلال التعلم من الجماعة والمشاهد عبر التلفزيون او المشاهدة عبر الانترنيت او من خلال سماع احداث إجرامية من قبل كبار الاسرة او انفعال الوالدين كل هذا المشاكل تؤدي الى حدوث الصدمة النفسية لدى الأطفال اذ فالظروف الصعبة التي يعيشها الأطفال العراق الان والتي تشتمل على الاستشهاد، والقصف، وتدمير البيوت، وتقسيم المناطق الجغرافية، والحصار الاقتصادي، وتدهور الوضع التعليمي، ظهرت كتربة خصبة للعديد من المشاكل النفسية كالإحباط واليأس والخوف والعدوان والكذب وقلة التركيز والقلق …. الخ عند جميع الأطفال علماً بأنهم معرضون بدرجة كبيرة للصدمة النفسية.

وعلى الرغم من ذلك ان الأطفال الذين يعيشون في ظل ظروف صعبة ناتجة من قتل وتشرد قد يصبحوا رهينة لهذه البيئة الصادمة المؤذية مما قد يؤدي أيضا الى ان يتبنى الأطفال وسائل غير مناسبة للتكيف مع هذه الأوضاع الى جانب ان هذه البيئة الصادمة النفسية التي يعيش بها الأطفال تدفعهم الى البحث عن الامن في بيئة غير امنة والبحث عن قدرات للسيطرة على وضع لا يسمح بذلك وعن قوة ذاتية في بيئة لا تساعد على ذلك فاذا لم يجد الأطفال من يساعدهم في تحقيق الامن واجادة قدرة السيطرة وخلق القوة الذاتية لهم فان ذلك يؤدي بالأطفال الى تطوير اليات دفاعية نفسية مرضية ووجد ان البيئة الصادمة النفسية التي تحيط بالطفل قد تدفعه الى تطوير قدرات غير عادية قد تكون إبداعية او تدميرية.

اذ ان الامن النفسي عند الاطفال داخل اسرتهم يظهر من خلال الشعور بأنهم محبوبون من قبل الاخرين ولهم مكانة بينهم ويدركون انهم يعيشون في بيئة صديقة غير محبطة ويشعرون وهم في هذه البيئة بالأمن والأمان وبانعدام التهديد والخطر والقلق لان الحاجة الى الامن تنمو مع الفرد منذ طفولة الأولى وزيادة على ذلك فان كل عنف له جانب رمزي يتم التعبير عنه في مختلف المراحل العمرية بطرق قد تختلف كلها عن حاجات معينة عنف الطفل الذي يبدو في مجملة نتيجة رد فعل للعنف الممارس علية يأخذ عدة اشكال فان لم يعبر عن حركيا فسيعبر عن جسميا وإذ لم يعبر عنه في الجسم فسيعبر عنه دماغيا في هذا الحالة فان اللاعدائية هي التي تجعل الطفل مختلفا ذهنيا تخلف الطفل هو عدائية لم يستطيع التعبير عنها لا بطريقة لفظية ولا بطريقة حركية فالعدائية لدى الطفل ناتجة من فقدان الاتصال مع الاخرين وأيضا ناتجة من قبل تعرضه المستمر للعنف من قبل الوالدين وهناك عنف ضد الطفل يأخذ شكل اخر هو عنف المرتبط بالشعور بعدم الاعتراف بالذات أي شعور بالتهديد ضد الهوية أي ضد شخصيته فهذا النوع من العنف له علاقة مباشرة بالمحيط الذي يعيش به الطفل او بمحيط المواقف والاستجابات الافراد الممثلين لهذا المحيط.

وأخيرا يمكننا القول ان ردود أفعال الأطفال للصدمات النفسية تأخذ ابعادا مختلفة اذ فالأطفال الذين يتمتعون عشية خبرات نفسية ناتجة من الصدمات العنيفة الموجهة من قبل الوالدين قد تظهر عندهم اعراض اضطراب للصدمة النفسية مثل اعراض اضطراب استرجاع الخبرة المؤلمة وردود الأفعال الاجرامية والاستثارة الزائدة، كما ان بعض الأطفال أيضا يخبرون عن المشاكل النفسية والغضب والوحدة ومشكلات الذاكرة والاكتئاب والقلق وقد يبدو الأطفال الصغار بعض السلوكيات المتمثلة بالسلوك التدميري وعلى الرغم من ان مظاهر اثار الصدمة النفسية عندهم تكون متماثلة فان ما يبدو من مشاكل لهذه الاثار ومن صفات لهذا الاضطراب قد تتباين وفقا للبعد البيولوجي أي وفقا لمتغير اعمار الأطفال وخصائصهم او صفاتهم النمو ومتطلباتهم ومشاكلهم في مراحل النمو المختلفة ، اذ ان ما يتحقق للأطفال من خبرات معرفية او انفعالية او اجتماعية اذ انها تؤثر على ردود افعالهم للصدمة النفسية، كما ان قوة وشدة الحدث الصدمي للعنف الإباء ومدته ومدى قرب الأطفال منهم ومقدار المساندة والدعم الاجتماعي الذي قدمه لهم اثناء المواقف الصادمة وبعدها كل هذه الظواهر والمشاكل تدخل في تأثير الصدمة النفسية عليهم.

ومع ان ردود الفعل من الصدمة النفسية هي ردود طبيعية لأوضاع غير طبيعية لذا لابد من اتخاذ إجراءات بأسرع ما يمكن للحد من المعاناة طويلة الأمد لان الأطفال اذا شهدوا او اختبروا وقوع إيذاء مادي او جسدي فان ذلك سيدمر كليا قناعتهم السابقة بعدم أمكانية تعرضهم للأذى ويحولها إلى خوف متصل من أن يتعرضوا للإيذاء وان تعرض الاطفال للصدمات النفسية الناجمة عن الحروب والنزاعات المسلحة وأعمال العنف والنزاعات المسلحة والكوارث الأخرى يتزايد باطراد يوما بعد أخر، بل ما يبرح الطفل ان يخرج من الصدمة حتى يدخل في صدمة أخرى، اذ تتوالى الصدمات الواحدة تلو الأخرى فالأحداث مستمرة وبالتالي الصدمات ما زالت مستمرة لدى الأطفال.

التوصيات والمقترحات

1) نوصي بضرورة الوالدين المحافظة على علاقتهم فيما بينهم والابتعاد عن أظهار الخلافات والمشاكل التي تحدث بينهم أمام الأبناء لأن ذلك يؤثر طبيعة العلاقات الداخلية التي تربط أفراد الأسرة.

2) ضرورة الابتعاد عن الأساليب الخاطئة في التنشئة الاجتماعية مثل أساليب التهديد والعقاب واللوم والتأنيب وغيرها من الأساليب التي قد تؤثر في سلوك الأبناء وبناء شخصياتهم التي تؤدي في بعض الأحيان إلى انحرافهم.

3) عدم تفضيل الذكور على الإناث وإعطاء كل فرد في الأسرة مركزه الاجتماعي الذي يتناسب مع جنسه وسنهِ والنظر إلى الجنس لا على أساس التفرقة وإنما على أساس المساواة مما يؤدي إلى تكوين علاقات أسرية وطيدة تسودها المحبة والتعاون والانسجام.

4) يجب التعاون بين الأسرة والمؤسسات الاجتماعية الأخرى كالمدرسة وغيرها من المؤسسات في العمل على توضيح الآثار السلبية لبعض القيم الدخيلة على مجتمعنا ومحاولة تأصيل القيم السامية والنبيلة المعبرة عن حقيقة وواقع مجتمعنا والمتمثلة باحترام الوالدين وأطاعتهما وإدامة روابط المحبة والتعاون بين أفراد الأسرة والمجتمع كله.

5) توجيه ولفت انتباه العاملون في المؤسسة الإعلامية العراقية على وجه الخصوص في الحد من نقل ونشر مظاهر الإرهاب والجريمة والعنف على مختلف أنماطه والتوجيه لابد من ذلك العمل على بث البرامج التعليمية والثقافية والترفيهية وخاصة تلك التي تجسد مبادئ الاحترام والتسامح وتقبل الاخر.

6) نقترح اجراء دراسات مقارنة بين الاحداث الذكور والاناث لمعرفة العوامل المؤدية لظاهرة العنف.

7) نقترح اجراء دراسة ميدانية عن الصدمة النفسية للعنف المجتمعي.

8) نقترح اجراء دراسة ميدانية عن دور الاعلام والحد من ظاهرة العنف ضد الأطفال.

9) إجراء ورش أعمال وندوات ومؤتمرات لتبادل الخبرات حول سبل التوعية والتثقيف نحو الصدمة النفسية للعنف العنف المجتمعي ضد الأطفال.

----------------------------
المصادر
(1) احمد الحواجري: مدى فاعلية برنامج ارشادي مقترح للتخفيف من اثار الصدمة، رسالة ماجستير منشورة، الجامعة الإسلامية، كلية التربية، قسم علم النفس، 2003، ص7.
(2) محمد محمود يونس: مدى فاعلية أسلوب الاسترخاء العضلي في خفض مستوى اعراض اضطراب ما بعد الصدمة النفسية لدى عينة من الطلبة في الجامعة الأردنية، مجلة دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد(32)، العدد(3)، 2005، ص581.
(3) كريم محمد حمزة، العوامل الاجتماعية لظاهرة العنف ضد الأطفال، بحث مقدم إلى مؤتمر رعاية الطفولة الذي نظمته وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، بغداد، ايلول، 2004، ص20.
(4) د. جليل وديع شكور، العنف والجريمة، بيروت، الدار العربية للعلوم، 1997، ص32.
(5) ليلى عبد الوهاب، العنف الأسري (الجريمة والعنف ضد المرأة)، دمشق، دار المدى، 1994، ص16.
(6) هبه ابراهيم القشقشي: بعض المتغيرات الشخصية المتعلقة بالإساءة للطفل، دراسة مقارنة، مؤتمر كلية العلوم الاجتماعية، الكويت ،1993، ص499.
(7) صالح حزين السيد: إساءة معاملة الأطفال، دراسة نفسية، ع4، الكويت ,1993، ص8.
(8) فرشيشي جلال: إثر الصدمات النفسية في حدوث الاضطرابات السيكوسوماتية لدى مرضى القصور الكلوي دراسة عياديه لـ(8) حالات بمستشفى محمد بوضياف بورقلية، جامعة قاصدي مرباح، بورقلية، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم علم النفسية وعلوم التربية، 2014، ص40.
(9) ميساء شعبان أبو شريفه: اضطراب ما بعد الصدمة وعلاقته بالتوجه نحو الدعاء لدى عينة من زوجات الشهداء في قطاع غزة، رسالة ماجستير منشور، جامعة الإسلامية، كلية التربية، قسم علم النفس، 2011، ص23-24.
(10) رشاد محمود موسى: العلاج الديني للأمراض النفسية: إثر الدعاء كأسلوب ارشادي نفسي في تخفيف بعض الاضطرابات السيكوسوماتية لدى عينة من طالبات الجامعة الملتزمات دينيا، دار الفاروق، القاهرة، 2000، ص29.
(11) فراس يوسف قنبر: العنف ضد الأطفال الإناث (دراسة ميدانية في مدينة بغداد)، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، قسم علم الاجتماع، 2008، ص24.
(12) تقرير الأمم المتحدة حول العنف ضد الأطفال، 22 كانون الأول، 2006، ديوان العرب، ص 2، ينظر الموقع الالكتروني: http://www.diwan alarab.com/spip.php/article7161.
(13) تفاقم مشكلة اضطهاد الأطفال، شبكة النبأ المعلوماتية، متاح على الموقع الالكتروني: http://www,annbaa.org/nba.new/80/60:htm.
(14) فراس يوسف قنبر: العنف ضد الأطفال الإناث (دراسة ميدانية في مدينة بغداد)، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، قسم علم الاجتماع، 2008، ص26.
(15) تقرير الأمم المتحدة حول العنف ضد الأطفال، مصدر سابق، ص2. ينظر إلى الموقع الالكتروني: http://www.diwanalarab.com/spip.php/article7161.
(16) فراس يوسف قنبر: العنف ضد الأطفال الإناث (دراسة ميدانية في مدينة بغداد)، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، قسم علم الاجتماع، 2008، ص28-29.
(17) منى يونس بحري، العنف الاسري، ط1، دار صفاء للنشر والتوزيع-عمان , 2011، ص31
(18) محمد عودة الريماوي، في علم نفس الطفل، ط1، عمان، الأردن، 1998، ص 226.
(19) فراس يوسف قنبر: العنف ضد الأطفال الإناث (دراسة ميدانية في مدينة بغداد)، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، قسم علم الاجتماع، 2008، ص75-77.
(20) أكرم نشأت إبراهيم، علم الاجتماع الجنائي، ط2، بغداد , 1998، ص93
(21) عاطف العبد، علاقة الطفل المصري بوسائل الاتصال، ط1، الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة، ١٩٨٩، ص ٢٦١
(22) د. عاطف العبد، علاقة الطفل المصري بوسائل الاتصال، ط1، الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة,1989، ص2.
(23) نجاة السنوسي: الأثر الذي يولده العنف على الأطفال ودور الجمعيات الأهلية في مواجهته، الجمعية المصرية العامة لحماية الأطفال بالإسكندرية، مصر، ينظر الموقع الالكتروني:
http://www.alriyad.com/2006/10/article197919.html.
(24) فراس يوسف قنبر: العنف ضد الأطفال الإناث (دراسة ميدانية في مدينة بغداد)، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، قسم علم الاجتماع، 2008، ص77.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (دراسات)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك