دور الخطاب الديني المعتدل في تحقيق التغير الاجتماعي


الخطاب الديني ليس مجرد كلمات تلقى، وعبارات متداولة على مر العصور الغاية منها الاشهار، وانما هو رسالة ذات مضمون فكري وديني واجتماعي له اهدافه وغايته ودلالاته المؤثرة على الفكر الانساني باعث عن التشكل في الفعل الانساني لدى الشخص المخاطب الافراد المخاطبين. حيث يعني الخطاب هو كل نطق او كتابة تحمل وجهة نظر معينة ومحددة من الشخص المتكلم بها او الكاتب للخطبة من حيث فرضها نية التأثير على السامع او القارئ للخطبة من حيث الاهتمام بالظروف والملابسات التي تمت بها وصيغت منها.

ان الخطاب الديني لا ينبغي ان يكون تقليدياً وانما يجب ان يكون خطاباً مواكباً لكل التطورات المتجددة والمتطورة التي تؤثر بالأفراد حيث يجب العمل على صقله واعادة صياغته حسب وجهة النظر المتجددة. في إطار يتناسب مع الزمان والمكان ومختلف الجماعات البشرية اي يكون ذلك الخطاب هو الخطاب الديني المتجدد اي الخطاب ذو التأثير الايجابي على المجتمع البشري وهو الذي يستفاد منه جميع افراد الامة الصاغين لتلك الخطابات والمتأثرين بها والسامعين لها بغية الحصول على التغير الاجتماعي المطلوب التي تسعى اليه كل امة وتود تحقيقه، حيث ان الركيزة الاساسية التي يستند عليها الخطاب الديني هي انطلاقه من رؤية فكرية تستند عليها أراء وافكار الخطيب حيث ان الخطاب قيمة علمية يجب ان يبنى على فهم عميق ونظرة موضوعية.

ومن خلال ذلك ان الغاية من تناولنا هذه الدراسة هي معرفة الدور الكبير للخطاب الديني في التغير الاجتماعي المطلوب كون الدين هو من اكبر الدعائم البشرية الداعمة للإصلاح والتغيير فهو قانون رباني قائم على الوحدة البشرية والعدالة الاجتماعية والابتعاد عن كل الفوارق الطبقية وتحقيق مجتمع متسامي قائم على الوحدة والاصلاح والتغير المتجدد الى الافضل في كل عصر من العصور. لكن تحتاج هذه العملية الى الترويج الصحيح بما يتفق مع دعائم الاسلام من خلال الامانة التي يحملها اصحابه والتي تحتاج الى الصدق والعدالة في الممارسة والابتعاد عن كل ما يعيق دور الدين وطريقه في الاصلاح فأن صلاح الامة هو من صلاح دينها وثباته. وسوف نتناول في دراستنا هذه الاتي:

اولاً: مفهوم الخطاب الديني و مفهوم التغير الاجتماعي

ثانياً: الخطاب الديني وثقافة التغيير ، ثالثاً: اخلاقيات الخطاب الديني وسماته

رابعاً: مهددات الخطاب الديني المعتدل، خامساً: الاعلام ودوره في نشر الخطاب الديني، سادساً: دور الخطاب الديني المعتدل في التغيير الاجتماعي (رؤية تحليلية)

مفهوم الخطاب الديني

هناك معنيين للخطاب الديني، احداهما عام والاخر خاص.

المعنى الأول: أن الخطاب الديني هو كل سلوك أو تصرف يكون الباعث عليه الانتماء إلى دين معين. سواء أكان خطاباً مسموعاً أو مكتوباً أو كان ممارسة عملية.

المعنى الثاني: أن الخطاب الديني يراد به ما يصدر عن رجال الدين من أقوال أو نصائح أو مواقف سياسية من قضايا العصر ويكون مستندهم فيها إلى الدين الذي يدينون به(1). وهذا الإطلاق أخص من الذي قبله، وأقرب للمعنى اللغوي.

ينحصر المعنى في مجمل التعريفات حول السعي لنشر دين الله عقيدة وشريعة وأخلاقاً، ومعاملات وبذل الوسع في ذلك، لتعليم الناس ما ينفعهم في الدارين وبذل أقصى الجهد والطاقة من اجل خدمة هذا الدين الحنيف وامتثالا لأمر الله تعالى وامر رسوله صلى الله عليه وسلم.(2)

ان المسلمون بصورة عامة لا يوجد في تراثهم ما يسمى(رجال الدين) وانما المصطلح الشائع عندهم هو اهل العلم والعلماء والمفكرين واهل الذكر وعلماء الشريعة الاسلامية اي اهل الاجتهاد واهل الفتوى المفتون اي انهم لا يوجد فرق بينهم من حيث الانتساب الى الدين فكلهم مسلمون وانما الفرق والتفاوت يحدث بين المجتهدين والمقلدين اي بين العلماء والعامة، اي المعنى من ذلك ان العلماء وحدهم هم الذين يحق لهم ان يتكلموا باسم الاسلام ويبينوا ويوضحوا احكامه للناس حي يتم الرجوع اليهم في كل القضايا الدينية اي المسائل التي لا تكون معلومة لدى عامة الأفراد.

مفهوم التغيير الاجتماعي

يعرف التغير الاجتماعي على انه ظاهرة طبيعية تخضع لها نواميس الكون وشؤون الحياة من خلال التفاعلات والعلاقات والتبادلات الاجتماعية المستمرة والتي تفضي الى تغير دائم.(3)

ويعرف التغير الاجتماعي على انه كل تحول يقع في التنظيم الاجتماعي سواء في بنائه أو في وظائفه خلال فترة زمنية معينة، والتغير الاجتماعي على هذا النحو ينصب على تغير يقع في التركيب السكاني للمجتمع أو في بنائه الطبقي، أو نظمه الاجتماعية، أو في أنماط العلاقات الاجتماعية أو في القيم والمعايير التي تؤثر في سلوك الأفراد والتي تحدد مكانتهم وأدوارهم في مختلف التنظيمات الاجتماعية التي ينتمون إليها.(4)

ثانياً: الخطاب الديني وثقافة التغيير

ان الخطاب الديني الفعال هو الخطاب الذي يمكن الأنسان من تحقيق الأهداف التي خلق لأجلها القائمة على القوانين الربانية العادلة وعمارة الأرض، حيث ان الخطاب الديني المعتدل القائم على النصوص الشرعية والاستدلال الصحيح هو أفضل طريقة يمكن للأفراد والدول استعمالها لعلاج جميع الانحرافات التي تعاني منها المجتمعات اليوم سواء كانت هذه الانحرافات عقدية ام فكرية. تعمل الامم والشعوب لتغيير واقعها المعاش من حيث توفر الفرصة المناسبة لتحقيق ذلك الانجاز والتغيير الذي يقودها الى الأفضل مما كانت عليه سابقاً ومن خلال تحقيق ذلك التغيير لابد من توفر ووجود الحوافز والاسباب التي تدعوا له وتعمل جاهدة على تحقيقه مهما كانت الظروف والنتائج.

حيث يعتبر الدين أحد وأهم عوامل التغيير في المجتمعات وهو من العوامل الرئيسية في تكوين الحضارات، حيث لا توجد دعوة دينية إلا وكان لها اتباع يؤمنون بها ويتبعون قواعدها الصالحة والمعمرة وان غاية واثر الدين الصحيح هي إصلاح القوم الذين خوطبوا به، ومشوا بطريقة على اسس مهمة في البناء والاكتمال للمجتمع ومن هذه الاسس هي العدالة وهي اساس البناء واعمار الارض وتغيير جميع بنى المجتمع من خلال القواعد الصالحة التي يسير عليها الخطاب الديني واسسه المعتدلة الفاعلة في بناء وتغيير المجتمع من خلال تغيير عقول افراده واخفاء الضلالة عنهم وتبصيرهم بكل ما يؤمن لهم السلام والعدالة المجتمعية كي يحتضنوا مجتمعاتهم ويعملوا على القضاء على كل ما يؤدي الى دمارها فكرياً واجتماعياً ودينياً.

من خلال انتشالهم من حضيض الانحطاط الى اوج السمو حيث ان لكل قضية دينية اتباع ومعارضين ومن هنا تبرز اهمية عملية التغيير التي تتم من خلال العمل على تبيان المكاسب الدنيوية عند اعتناق الدين الجديد، حيث ان للخطاب الديني دور كبير على ابقاء باب التغيير مفتوحاً ليتواءم مع التطورات من زمان لزمان ومن جيل لجيل وذلك من خلال النظر الى المستقبل بفكر منفتح وعقل قادر على التكيف مع متطلبات الزمان الذي يعيش فيه كون هذه الفترة الزمنية التي يمر بها مجتمعنا اليوم تحتاج الى ثقافة خطاب واعية قادرة ومتجددة على تغيير العقول الفردية ومن ثم تغير المجتمع الذي بدأ يتلاشى وينهار بسبب العصابات التكفيرية التي اصبحت جزءاً لا يتجزأ منه والذي بدأت تؤثر على العقول الفردية بشكل كبير جداً عمل على فقدانها مبادئها واصولها الدينية التي نمت وترعرعت عليها.

لذلك يجب الاكثار من الخطب الدينية المعتدلة التي لها الدور الكبير والنظم الواعية منذ عصور قديمة جداً في التجدد والتغيير واصلاح الامة كون الدين هو عماد المجتمع وصلاحه، كون التأُثير الروحي للدين مازال قائماً ليس عند العرب فقط بل في جميع انحاء العالم الاسلامي، وان كان هنالك دور في تراجع المجتمعات والكيانات الاسلامية على المستوى العلمي والسياسي.

ثالثاً: اخلاقيات الخطاب الديني وسماته

لعل من اهم المبادئ الأخلاقية للخطاب الديني الموضوعي، عدم اللعب بمشاعر العامة، بما يخدم ايديولوجيات معينة، تتخذ من هذه الشريحة الاجتماعية وسيلة لتحقيق مآربها، سواء على الصعيد السياسي أو الديني.(5) ان اهم سمة من سمات الخطاب الديني الربانية في المصدر والمنشأ، فالخطاب الديني يجب ان يكون ربانياً في مصدره ومنشأه يستمد مبادئه وقيمه من تعاليم الدين الحنيف والسنة النبوية الشريفة التي امر بها الله وامر بنشرها بين الناس جمعاء لأنقاد البشرية من الظلمات الى النور منوراً بنور سيد الخلق محمد (صلى الله عليه وعلى اله).

من خلال ذلك يجب العمل على تأسيس إعلام ديني موضوعي متسامح يعمل على اشاعة المفاهيم الدينية والانسانية المشتركة بين بني البشر كافة لا تميز بين فئة وفئة اخرى اي البشر جمعاء حيث اكدت على هذه التعاليم اي الاحكام العادلة بين بني البشر الكتب السماوية السابقة فضلاً عن خاتمها القرآن الكريم، حيث اكد على مواطن كثيرة ومهمة على اهمية الخطاب الديني وتعاليمه العادلة التي يجب ان يلتزم بها كل خطيب يؤدي هذه الامانة ولا يجب عليه الافساد ولو بركن واحد من اركان الخطاب العادل والمؤدي الى الصلاح والإصلاح بين بني البشر كافة، حيث يجب على الأعلام الديني ان يقوم على الحوار والاقناع بعيداً عن تزييف الحقائق وإضلال الجماهير التابعة له والمؤمنة بمصداقيته وابتعاده عن الاستمالة والإغراء والسيطرة على النفس الإنسانية، من خلال تزين ما تريده وتشويه ما تريد تشويهه ايضاً، وحتى يكون الخطاب الديني متوازن وايجابي اي يصب في مصلحة الكل دون التمييز بين جماعة واخرى، يجب ان يكون:-

1- سليماً وصحيحاً ويكون الهدف منه غاية الجميع اي استيعاب الرؤى والحقائق المتعالية التي من خلالها يتسامى المجتمع البشري وتعلوا قيمته الاخلاقية القائمة على العدل والمساواة من خلال ما يؤديه الخطاب الديني والعاملين به اي الاعلام الديني.

2- ومن اهم الامور التي يتسم بها الخطاب الديني هي ان يساهم في تهدئة الازمات التي تعرض ويتعرض لها المجتمع بصورة مستمرة وبالذات في هذه الفترة التي بدأ المجتمع ينهار بسببها والتي تمثلت بالأزمات الطائفية والعرقية وغيرها، وبعكس ذلك اذا ادى الخطاب الاعلامي الديني دوراً سلبياً في أدائه فأنه يخلق حالة من التوتر والقلق النفسي لدى أفراد المجتمع تحقيقاً لما يصبو إليه أعداؤه.

3- ومن اخلاقيات الخطاب الديني ايضاً يجب اشعار الفرد بممارسة حرية رأيه اي الحوار المفتوح للأفراد حيث ان انعدام الحوار وغلق الابواب امام الفرد وعدم التعبير عن الرأي يؤدي الى شعور الفرد بالكتمان والكبت والقمع مما يؤدي الى التنفيس عن همومه في أجواء مغلقة خلف ابواب موصده، حيث ان حرية الرأي والتعبير والحوار يؤدي الى تخفيف حدة التوتر وارساء أسس الانسجام والوئام بين الشعوب المعمرة والبلدان الاسلامية تمهيداً لسبل الارتقاء نحو مجتمع افضل وحضارة ارقى.

رابعاً: مهددات الخطاب الديني المعتدل

ان الدعوة الى الله تعالى ونشر القيم الصالحة والناقلة المجتمع من وضع بائس الى وضع افضل عبر الخطاب الديني المستقيم هي من افضل الاعمال، قال تعالى: ((ومن احسن قولاً ممن دعا الى الله وعمل صالحاً)) اي لأقول احسن من القول الصالح وقول الحق. ان الخطاب الديني عام لا يقتصر على جماعة وجماعة وانما واعظ لكل غافل وتعليم كل جاهل والدعوة الى مكارم الاخلاق ومحاسن الاعمال والسير وفق سلوك المنهج النبوي المعتدل الذي هو الاساس في الدعوة الى التعليم و الاصلاح والتغيير والتصحيح والعلاج.

مثلما توجد مقومات وشروط صحيحة يجب ان يتحلى بها الخطاب الديني لكي يكون خطاباً سليماً مثمراً فأن هنالك في المقابل مهددات سلبية تسئ له وتعمل على تشويهه حيث يجب تجنبها والحذر منها، حيث ان هذه المنحرفات او المهددات لها الاثر الكبير وهو مانعاني منه اليوم بصورة كبيرة جداً في مجتمعاتنا وبالأخص المجتمع العراقي من تشويه في الخطاب ونبذ الحقيقة والاتيان بتعاليم تحرف الشباب والداعية عن طريق الوسطية والاعتدال وتزج بهم في متاهات الفراط والتفريط. وبسبب كثرة هذ المهددات اليوم نتيجة الانجرار وراء العصابات التكفيرية التي تنبعث لنا في كل حين واخر بنوع جديد من الافكار المشوهة والرذيلة التي تزج بمجتمعاتنا في الهلاك. من مهددات الخطاب الديني:-

اولاً:- تحريف اهداف الخطاب الديني، ومن صور ذلك الغلو في مسائل السياسة والحكم والإمامة والخلافة، واعتبارها الغاية الأولى والأساس، حتى رأينا المغالين يعتبرون تحقيق هذه الأمور من اول الواجبات على المكلفين والعاملين في الدعوة. حيث ان هذا الغلو شنيع في بناء الشرع والذي يبين ان الغاية الأساس من الدعوة الى الله هي هداية الناس وتحبيبهم في عبادة الله وتوحيده وتقواه، حيث غرر المتشددون الكثير من الشباب في هذا الباب، حتى اوهموهم بأن الحكومات القائمة اليوم كافرة وان الأرض اليوم مطبقة بالكفر والردة.(6)

عافانا الله من هذه المعتقدات الفاسدة التي بدأت تنتشر اليوم بشكل كبير جداً بين فئات المجتمع نتيجة مما يعاني منه المجتمع اليوم من كثرة العصابات التي تدعوا الى هذه الافكار الرديئة المهددة بالنظام المجتمعي والمغرية لأهم فئه فيه وهي فئة الشباب التي تعتبر القوة الاساسية والداعمة لتطويره وانهيارها يعني انهيار المجتمع بأكمله.

ثانياً: ظهور بعض الجماعات المتشددة والمنسوبة الى الدعوة الدينية والخطاب الديني ظلماً وبهتاناً، من خلال عدم وضوح ورؤية الاتجاهات الإسلامية وتضاربها وعدم او قلة التعامل مع قضايا العصر ومتطلباته فضلاً عن الانانية وحب الذات اي بسبب اعجاب المنتسبين الى الدعوة الدينية بنفسه وعدم رؤية مصلحة الأفراد والمجتمعات اي تفضيل مصالحهم الشخصية على المصلحة الفردية اي مصلحة الجماعة من خلال الجهل بالمقاصد الشرعية والتغاضي عنها، والخلل في ترتيب الأولويات.

ثالثاً: الاعتماد كلياً على العقل اي القوانين العقلية الحاكمة دون الانجرار وراء العاطفة الهائجة من دون انضباط بالشرع حيث تعتبر هذه من الاسباب التي توقع في شرك الاعتقاد قبل الاستدلال بما هو ينفع وما هو يضر وما الذي يجب ان يكون صحيحاً، حيث ان العقل ممكن ان يعتريه ضعف في المدارك وقصور في التفكير والوقوع في الحيرة والاضطراب وسيطرة الخرافات عليه وغير ذلك من الآفات التي تجر به في الضلالة، حيث ان العواطف الهائجة تمنع صاحبها عن رؤية الحق والصواب فقد يراه ولا يستجيب له او بالأحرى لا يقوى على رده او صده عندما يرى الكثير يكتبون عن موانع التفكير ويحاضرون بها فهم لا يقدروا على صد تلك الامور لشدة استحكام تلك العواطف والانفعالات في نفسياتهم.

واخيراً لا يسعني الا ان اقول: اذا اردنا خطاباً دينياً متطوراً داعياً الى الاصلاح والتغيير المجتمعي فيجب علينا اتباع القرآن الكريم وسنة النبي لأن الاسلام لم يدع لأتباعه حجة في التضليل او التحريف او التغاضي عن الحق، فلذلك يجب على كل من يعرف قيمة الدين وغايته الاساسية واهدافه الحسنة يجب عليه ان يتعامل معه بخطاب يتناسب ومكانته السامية ومقداره الرفيع، حيث لا يوجد عاصم من الانحراف والتضليل في الخطاب الديني والسلامة من اي عامل سلبي مؤثر فيه إلا بالتمسك بالكتاب والسنة النبوية التي تهدي العقول وتضبط العواطف.

خامساً: الاعلام ودوره في نشر الخطاب الديني

ان العلاقة بين الاعلام والخطاب الديني علاقة مهمة جداً من حيث ان الاعلام هو الأداة التي تسوق الكلام وتنشره، من خلال دوره الكبير في نشر وتظهير الخطاب الديني وقياس اهميته وتأثيراته السياسية والاجتماعية وكيفية تعاطيه مع الواقع الاجتماعي والسياسي من خلال دور الاعلام في صناعة السلام وتعزيز فرص انضاج الحلول في مجتمعات منقسمة، حيث ان مبادرة طرح موضوع الخطاب الديني ودرس تأثيراته وفاعليته من خلال وسائل الاعلام ودوره في معرفة كيفية استخدام الخطاب وفنية توظيفه لخدمة اهداف سياسية او طائفية بعيداً عن المعنى الروحي والبعد الانساني لمضامين الخطاب.(7)

الخطاب الديني لا يمكن أن يُحقِّق مقاصده، ولا أن يَبْلُغ هدفه بلا إعلام يُركِّز على الثوابت فيه ويركز على محاسن الدين ويدعم محاور الاتفاق ويَنْتَقِى حاملي الرسالة من الأتقياء. حيث ان للإعلام الوطني دور كبير في التصدِّي للإرهاب، علمًا بأنه لا يمكن ان يختلف أي اثنان في أنّ للإعلام وسيلة مزدوجةُ الاستخدام؛ فقد تكون وسيلةَ بناءٍ وارتقاءٍ بالأوطان، وقد تكون وسيلة هدم وتفتيت للشعوب وللقيم، وكونها كذلك فهذا يدعو لمراجعة كل ما يصدر عن هذه الوسائل ومَن يتحدثون فيها، ويلقون الخطب الدينية او غيرها حيث للإعلام دور كبير في التشويه والرياء او البناء والتعمير.

ونتيجة لنقل تلك الافكار الهادمة لمجتمعنا فقد أصابنا ما أصابنا من جرَّائها تشكيكًا في ديننا وتشتيتًا لأفكارنا، وقد اتَّضح جليًّا أنَّ الإسلام دين التسامح ونبيه نَبِيُّ الرحمة وهما بَرِيئانِ ممَّا يحدث من قتل وإرهاب وتطرُّف؛ ومن ثَمَّ لا مجالَ لاتهام الإسلام أو التعرُّض لتعاليمه، حتى وإن وردت أو فهمت خطأ بعض النصوص في بعض كتب التراث، والإسلام له ثوابت وأصول تُسْتَقَى من مصادره المعروفة، وانما يكون السبب في تلك التشوهات والأفكار الهادمة هي الصورة الغير صحيحة التي تنقل للمجتمع والتي يسير على غراراها لذلك فان للعلام دور كبير أي علاقة قوية بينة وبين الخطاب الديني من خلال الصورة الحقيقية والواعية التي ينقلها للمجتمع والتي يتخذها جميع افراده ويسيرون على غرارها.

ان الفكر الإسلامي هو اجتهادات العلماء، يُؤخَذ منه ويرد عليه، ووجب على الإعلام أن يتَّقِى الله في دِين الله، وأَوْلى بالإعلام التركيز على قيم الإسلام السمحة وغرس الانتماء والمشتركات الإنسانية التي تجمَعُ ولا تُفرِّق وتُوحِّد ولا تُمزق. حيث مرَّت بلادنا بحالةٍ من استغلال المنابر لترويج فكرٍ أو لمصلحة جماعة، وهذه الحالة لا يضبطها إلا قانون، وأعتقد أنَّ الوضع الآن أصبح أفضل بكثيرٍ من سابقه، غير أننا نحتاج دعم المؤسسات الدينية على جميع المستويات، وبخاصة من وسائل الإعلام، والوقوف صفًّا واحدًا خلف مساجدنا ومنابرنا الداعية الى ذلك والمروجة للقواعد والاسس الدينية السمحة والداعية كل الأفراد الالتزام بها والابتعاد عن نقل الصورة الغير حقيقية لمجتمعاتنا.

سادساً: دور الخطاب الديني المعتدل في التغيير الاجتماعي

لا يخفى على احد ان للخطاب الديني اثر كبير في توجيه الإنسان وتهيئة طاقاته لمواجهة مختلف تغيرات الحياة نحو الكمال الخلقي، فلقد جاء الخطاب الديني اي الدين بصورة عامة لتقويم افكار الناس وسلوكهم وتطوير مستوى حياتهم وحثهم على الالتزام بالقيم الحميدة والابتعاد عن المحرمات والخبائث التي تضر وتخرب البلاد وتفسد العقول والضمائر. حيث كانت من ابرز مقومات الخطاب الديني المعتدل كي يحقق التغيير المجتمعي المتكامل هي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لملاحقة النواقص والانحرافات في كل مجالات الحياة ومواجهتها بالتغيير والاصلاح بشكل مستمر لا يتيح لها فرصة النمو والاستفحال.

حيث ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الاعظم في الدين، حيث ان التغيير الاجتماعي ضرورة حياة لا بد ان يسعى اليها كل مجتمع حيث ان هذا التغيير للمفاسد والتناقضات لن يتم إلا من خلال التغيير النفسي ولهذا كانت من ابرز خصائص الخطاب الديني هي ان يبدأ ببناء الفرد بناءاً متكاملاً حتى يكون اللبنة الأولى في البناء والتغيير الاجتماعي حيث يكون ذلك البناء دائماً قوياً ما دامت لبناته الاساسية سليمة.

ومن خلال ما نلاحظه اليوم في دعوات الاصلاح والتغيير هي التركيز على الفرد كون الفرد هو اللبنة الاساسية التي يتكون منها البناء الاجتماعي كله فهو خلية في جسد المجتمع الكبير وان سلامته تعني سلامة المجتمع بأكمله ولهذا اشتدت عناية الاسلام بالفرد في كل مراحل حياته لأنه اساس الاسرة والمجتمع فإذا صلح الفرد صلحت الاسرة واذا صلحت الاسرة صلح المجتمع وان صلاح المجتمع هو من صلاح الامة، حيث ان تغيير الأفراد له اهمية كبيرة في التغيير الاجتماعي. ولذلك فأن من ابرز ما يقوم به الخطاب الديني المعتدل لتحقيق التغيير المجتمعي ما يلي:-

أ‌- نشر العلم وتعليم الافراد والجماعات التعاليم الدينية، من خلال امداد الفرد بالإطار السلوكي القائم على التعاليم الدينية.

ب‌- تنمية الوازع الديني ودعم روح الأخوة والتعارف بين الأفراد من خلال توحيد السلوك الاجتماعي وتنمية روح التكافل الاجتماعي من خلال الأعمال الخيرية.

بسبب الواقع البئيس الذي يعيشه العالم اليوم اجمع وبالأخص المجتمع العراقي نتيجة فقدان الاسس الدينية التي يبنى عليها اي مجتمع من المجتمعات ولأن الدين عماد الامة لذلك يجب على المسلمين كافة ان ينشروا الخير الذي عندهم والذي يقدم الحلول الناجعة لمشاكل العالم اليوم مستخدمين في ذلك ادوات العصر ولغته في مخاطبة الناس، من خلال دوره الفعال في التجدد والابتكار لكل ما هو افضل للناس جميعاً وتقديم ما يخدم الانسانية وما ينقذها من براثين الجهل والغواية والضلالة والعمل على نبذ الانانية والعيش على معاناة الاخرين.

من خلال دوره في تحقيق المجتمع الفاضل الذي يسوده التكافل والتراحم والتعاطف. فالعدل اساس بناء المجتمع وتغييره. حيث يجب توجيه الخطاب الديني الى وضع الحلول والبدائل الاسلامية لجميع الظواهر التي تعمل على تدميره وانحطاطه ومن هذه الظواهر المتداولة بشكل كبير والمنتشرة اليوم في كل المجتمعات هي ظاهرة البطالة اي دوره في كيفية القضاء على هذه الظاهرة التي لها الدور الكبير في جلب الفساد والسرقة والتشرد والقتل والانتحار وجميع الامور والظواهر التي تؤدي الى انهيار المجتمع وتشتته فأن للخطاب الديني دور كبير القضاء على هذه الظاهرة المنتشرة والمتفاقمة في اصقاع المعمورة.

للخطاب الديني المعتدل دور كبير في محاربة الافكار الهدامة الداعية الى الاخلال بالأمن والسلم المجتمعي حيث ان الأمن مطلب لبقاء البشرية ومطلب للبناء وتعمير الأرض ودوره للنهوض بمجتمع متزن من خلال اصلاح مناهج التعليم بتأصيل العلوم والمعارف الطبيعية، وبتقديم القدوة الصالحة في الخطاب الديني بمختلف أنواعه من قيادات لها كارزمة، وبإدخال الوسائط الحديثة في تقديم الخطاب، وبحث الأذكياء على الخطابة وبمعالجة الخطاب الديني بالفكر وليس بالعنف.

الاستنتاجات

1ـــــ نستنتج من الدراسة الحالية مدى اسهام الخطاب الديني المعتدل في عملية التغيير الاجتماعي حيث يسعى من ورائه الى العمل على بناء المجتمع المسلم الاخلاقي الخاضع لأوامر الله والقيم الاخلاقية السامية لما لها من دور فعال في توجيه افراد المجتمع وتحقيق بناء المجتمع العامل المقدس المهتم بالعلم كأساس للرقي والتطور.

2ـــــ يقصد بالخطاب الديني هو كل ما يصدر عن رجال الدين من اقوال او افعال او نصائح او مواقف سياسية واجتماعية من قضايا العصر حيث يكون الغاية او الدافع منها واليها هو انتمائهم الى الدين الذي يدينون به ويمشون على خطاه والغاية منه نشر السلام والتغيير المطلوب بعيداً عن المشي به في عماية او ضلالة.

3- نستنتج من دراستنا هذه ان الخطاب الديني المعتدل هو الخطاب الذي يسير وفق ضوابط معينة ترجع الى صفة الخطاب والتي من اهمها الوضوح بحيث يتمكن عامة الناس من فهمه، من خلال توافر السند الشرعي له ومراعاة حال المخاطبين والعمل على ترتيب الاحكام بحسب اهميتها واولويتها وسيره على اسس صحيحة.

4- ان كثرة الدعوة الى تجديد الخطاب الديني في الآونة الاخيرة اي السنوات الاخيرة المقصود منها هو نبذ التعصب للمذاهب والطوائف الدينية التي بدأت تنسب كل ما تفعله الى اسم الدين واحكام الله فيجب ان يقوم الخطاب الديني على اسس العلم والعدالة وفقه النفس ومعرفة مقاصد الشريعة واحوال الناس وبذل غاية الجهد في معرفة الحق.

توصيات ومقترحات

1ــــــ اننا بحاجة الى خطاب ديني يؤكد على ضرورة التعامل الايجابي مع الآخر اي التعامل السليم مع افراد المجتمع من خلال تفهم الآراء والافكار ودراسة السلوك النفسية والاجتماعية للأفراد بعيداً عن الانغلاق الذاتي الذي لا يحترم السلم الاجتماعي.

2ـــــ العمل على تجديد الفكر والرؤية بكل ما هو جديد ونعمل على تطوير خطابنا الديني كي يلقي اذاناً صاغية وقلوباً واعية والعمل على ممارسة الاجتهاد الفقهي بكل ثقة وبخلاف ذلك فأننا نبقى من حيث نحن لا نتغير ولا نتجدد وقانعين بالتبعية والتخلف والطائفية والتطرف وكل ما يسئ لنا ويعمل على دمارنا دينياً واخلاقياً تمر بنا مواكب الامم وهي حاملة السيادة والقيادة ونحن نكتفي بمجرد اعلان السخط والرفض والانكار.

3ــــــ أن يكون الخطاب الديني إيجابياً في كل مناحي الحياة وينفع جميع الناس من خلال تحقيق التنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، والقضاء على البطالة، والاهتمام بالبيئة والمحافظة عليها. حيث إن الخطاب الدينيّ هو جزء من الدين الإسلاميّ الكامل والشامل لكل ما يحتاجه الناس في حياتهم. منوع ومتجدد، لذلك لا بد أن يكون الخطاب مناسباً للجميع من مفكرين ومثقفين ورياضيين وعلماء ومتعلّمين وأغنياء وفقراء. ودرء المفاسد قبل جلب المصالح.

4- يجب على الخطاب الديني ان ينطلق من القاعدة الاساسية التي تتضمن جلب المصالح وتكميلها ودفع المفاسد وتقليلها التي جاءت بها الشريعة الاسلامية أي يجب على الخطاب الديني ان يراعي كل ما اتت به الشريعة الاسلامية والقوانين الدينية العادلة أي يعطي كل حكم ما يستحقه من الاهتمام ويفرق بين ثوابت الدين واصوله التي لا يدخلها تغيير لا في الشكل ولا في المضمون.

5ـــــــ تجنب سلبيات الخطاب الديني من اجل نشر الخير بشكل افضل وميسر وسهل من خلال التزامه بمبادئ الدين والشريعة ودعوة الناس لذلك، من خلال البحث في موروثنا الاسلامي واستشراف المستقبل فمن لا ماضي له لا حاضر له ايضاً من خلال التوسط والاعتدال وجعلهما منهج حياتنا لأنهما يقودانا الى بر الامان.

-----------------------------------
المصادر
1ــــــ د. عياض بن نامي السلمي، تجديد الخطاب الديني مفهومه وضوابطه، جامعة الإمام مهدي بن سعود الاسلامية، ص4.
2ــــــــــ موقع الانترنت ـhttp://www.assakina.com/news/news1/27831.html#ixzz4myuhKdDj
3ــــــ إبراهيم العسل، الأسس النظرية والأساليب التطبيقية في علم الاجتماع، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1997، ص75.
4ـــــ احمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، انكليزي – فرنسي- عربي، مكتبة لبنان، ساحة رياض الصلح، بيروت، 1982، ص382.
5ــــــ الألوسي، د. حسام الدين، حوارين الفلاسفة والمتكلمين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1982، ص132.
6- مهددات الخطاب الديني ، موقع الانترنت http://www.baynoona.net/ar/article/81/12.
7- د. جورج كلاس، الاعلام والخطاب الديني في لبنان، موقع الانترنت، http://www.elnashra.com/news/show/955422/.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (دراسات)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك