كيف كانت حياة البشرية في عصور ما قبل التأريخ؟

9012 2016-03-10

تظهر الدراسات والبحوث في علم الحفريات ونشوء الانسان، ملامح الحياة البشرية في عصور ما قبل التأريخ، منها مؤشرات حول كيف كانت حياة الانسان في كوكبنا آنذاك، وكيف تطورات عبر العصور حتى عصرنا الراهن؟، يقول الخبراء ان هذه الاكتشافات بالغة الاهمية حيث تعكس مراحل نمو الانسان وتغيره الفسيولوجي عبر العصور، كما انها حلت كثير من الالغاز الاثرية حول الحياة البشرية البدائية وما اعقباها من تطورات، حيث تطرح الأبحاث -التي توضح حدوث تزاوج داخلي بين النوع البشري (هومو سابينس) أو الإنسان العاقل وإنسان النياندرتال منذ نحو 100 ألف عام- أدلة مثيرة على أن الإنسان الحديث ارتحل من القارة الأفريقية في وقت أقدم بكثير مما كان يعتقد من قبل على الرغم من أنه يبدو أن هذه الغزوة باءت بالفشل، فيما قال خبراء ان آثار الإنسان على كوكب الأرض ابررت تسمية عصر جيولوجي جديد، ويرى هؤلاء خبراء إن الآثار التي لا تمحي التي تركها الإنسان على وجه البسيطة باتت جلية بدرجة تبرر تسمية الحقبة الجيولوجية الجديدة التالية لظهوره (انثروبوسين) أو حقبة فجر ظهور البشر، كما يقول بعض الخبراء إن (انثروبوسين) بدأ مع انطلاق الثورة الصناعية في اوروبا في القرن الثامن عشر الميلادي فيما يقول آخرون إنه يبدأ مع انتشار حرفة الزراعة منذ آلاف السنين.

على صعيد ذي صلة، يبدو ان السلالة البشرية المسماة (الهوبيت) لأفراد قصار القامة عاشوا في حقبة ما قبل التاريخ على جزيرة فلوريس في إندونيسيا انتشروا على عدة جزر إندونيسية أخرى قبل وقت طويل من ظهور سلالة (هومو سابينس) الانسان العاقل الى حيز الوجود، ظل العلماء يتوقون إلى كشف غموض تاريخ معيشة الجنس البشري بهذه المنطقة وقد تمثل جزيرة سولاويزي نقطة انطلاق لأول أفراد من الجنس البشري يصلون إلى استراليا منذ نحو 50 ألف عام.

من جهته قال آثار إن انسان ما قبل التاريخ الذي كان يسكن الكهوف كان يتغذى على السلاحف البحرية المشوية في أصدافها كمقبلات أو كطبق جانبي، فقد عثر على أصداف السلاحف المكتشفة في المغارة على علامات تدل على الشواء وعلى ان الانسان قام بفتح الدرقة عنوة وعلامات قطع أخرى تشير الى ان الحيوان تعرض للذبح بمدي من الأحجار الصلدة ذات الحواف الحادة.

الى ذلك كشف تحليل جرى لحفريات تخص مخلوقا يكتنفه الغموض، وأطلق عليه العلماء اسم "الهوبيت"، أن لا صلة له بالإنسان الحديث، وذلك رغم بقاء بعض الشكوك القائمة حول الهوية الحقيقية له، في عام 2003، اكتشف العلماء حفريات لمخلوق صغير الحجم يكتنفه الغموض من أشباه البشر (الإنسان الأول) في جزيرة فلوريس الإندونيسية. أعطى العلماء لهذا المخلوق اسم "هومو فلورسينسس" (إنسان فلوريس)، ولكنه معروف أكثر بلقب أكثر جاذبية، ألا وهو "الهوبيت" (أو القزم).

وعلى مدار مليونيّ عام من تطور البشر، لم يُكتشف شيء مماثل لـ"الهوبيت". ومن بين السمات المتفردة لهذا الكشف، أن الطول المفترض لهذا المخلوق - الذي تفيد المؤشرات بأنه كان قد وصل لطور البلوغ - لا يزيد عن نحو 3.5 أقدام (110 سنتيمترا)، بينما تشير المعطيات إلى أن الوزن قد يصل إلى قرابة 25 كيلوغراما.

كما أن من بين السمات الأكثر غرابة التي يتصف بها هذا المخلوق صغر حجم جمجمته، إلى حد أن التقديرات تفيد بأن مخه لم يكن يزيد في طوله على طول مخ الشمبانزي المعاصر.

وربما يكون هذا المخلوق، وأترابه، قد عاشوا في فلوريس لنحو مئة ألف عام. ولكنهم اختفوا تماما، وللأبد، قبل ما يتراوح ما بين 15 – 18 ألف عام. ومن شأن ذلك أن يجعلهم أحدث المخلوقات الشبيهة بالبشر، التي عاشت على الأرض، في فترة كان فصيل ما يُعرف بـ"الإنسان الحديث" موجودا فيها أيضا.

ولا يزال الجدل محتدما بين علماء الأحياء المتخصصين في شؤون الإنسان البدائي حول ما إذا كان هذا المخلوق ينتمي إلى نوع حيوي متفرد بذاته أم لا. فالبعض يقول إنه لم يكن سوى كائن ينتمي تشريحيا لنوع "الإنسان الحديث"، ولكنه كان يعاني من نمط ما من التقزم.

وثمة من أشار إلى أن حجم "الهوبيت"، خاصة فيما يتعلق بصغر حجم الجمجمة، ربما يكون ناجما عن إصابة ذاك المخلوق بخلل وراثي مشابه للاختلالات التي يصاب بها بعض البشر مثل "صغر حجم الرأس" أو "متلازمة داون".

فضلا عن ذلك، هناك حقيقة مفادها أن هذا "الهوبيت" قد عاش منعزلا تماما عن العالم في جزيرة فلوريس، وهو ما يعني أن طبيعة ذاك الموئل المنعزل تمثل عاملا آخر، ربما يكون قد أدى لتطور ذلك المخلوق ليصبح بهذا الحجم الصغير. ولعل بوسعنا هنا ذكر أن الجزيرة نفسها كانت موطنا لحيوان قديم قزم يشكل أحد أسلاف الفيلة الحالية.

وتخضع هذه الأفكار لنقاشات مكثفة، كما استُخدمت طرقٌ لا حصر لها لتحليل شكل وحجم المخلوق الذي تنتمي إليه البقايا التي عُثر عليها، فيما يلي ادناه ابرز الدراسات والابحاث والاخبار حول الحياة البشرية عبر العصور القديمة.

كيف كشف غموض احتلال البشر لجزيرة إندونيسية؟

في سياق متصل، أعلن العلماء اكتشاف أدوات حجرية ترجع إلى 118 ألف عام على الأقل في موقع يسمى تاليبو على جزيرة سولاويزي ما يشير إلى وجود الانسان هناك. وقال العلماء إنهم لم يعثروا على حفريات لهؤلاء الأفراد قرب هذه الأدوات ما يجعل هوية صناع هذه الأدوات لغزا، وقال عالم الآثار جيريت فان دن بيرج من جامعة ولونجونج باستراليا "لدينا الآن دليل مباشر على انه عندما وصل الانسان الحديث إلى سولاويزي -ويفترض ان يكون ذلك قد حدث بين 60 و50 ألف عام وساعد على ذلك ابتكار المراكب- فقد وجد في طريقه مجموعة عتيقة من البشر كانت موجودة بالفعل على الجزيرة منذ وقت طويل". بحسب رويترز.

كانت الأوساط العلمية قد زلزلت عقب اكتشاف حفريات بكهف في جزيرة فلوريس عام 2004 للسلالة البشرية (هومو فلوريسينسيز) وهو نوع يصل طول قامته إلى 1.1 متر أتقن صناعة الأدوات وكان يتصيد صغار الفيلة، وقال فان دن بيرج "مثلها مثل فلوريس -حيث نشأ (هومو فلوريسينسيز) وترعرع في ظروف منعزلة خلال فترة تصل إلى مليون عام- يمكن ان تكون جزيرة سولاويزي قد احتضنت أيضا سلالة بشرية منعزلة أخرى. بات البحث عن البقايا الحفرية لصناع أدوات تاليبو مفتوحا الآن".

وقال فان دن بيرج "ربما تكون جزر رئيسية مثل فلوريس وسولاويزي ولوزون وجزر أخرى قد استخدمت كمناطق للتجارب البشرية الطبيعية في تطور الجنس البشري وقد تسلط أضواء جديدة على تطور الانسان بصفة عامة"، وقال إن السلالة التي صنعت الأدوات ربما تكون قد وصلت إلى سولاويزي من خلال الابحار في المحيط على اطلال تسونامي قديم.

ووصف الباحثون 311 من الأدوات الحجرية معظمها مصنوع من الحجر الجيري الصلد وقال عالم الآثار آدم بروم من جامعة جريفث الاسترالية إن الانسان صنعها من خلال احتكاك حجر بآخر واستعان بأجزاء حادة مثل السكين لنحتها، وقال بروم في الدراسة التي وردت بدورية (نيتشر) "معظمها يتكون من رقائق حجرية حادة الحواف كانت مهمة بلا شك في المهام الأساسية مثل قطع اللحوم وتشكيل القطع الخشبية وما إلى ذلك"، وعثر قرب هذه الأدوات على حفريات لسلالات من أقارب الفيلة المنقرضة وخنزير ضخم ذي قرنين.

عصر جيولوجي جديد

قال خبراء إن الآثار التي لا تمحي التي تركها الإنسان على وجه البسيطة باتت جلية بدرجة تبرر تسمية الحقبة الجيولوجية الجديدة التالية لظهوره (انثروبوسين) أو حقبة فجر ظهور البشر، تبدأ هذه الحقبة مع انتهاء (الهولوسين) أو العصر الحديث الذي يعتقد انه بدأ منذ 11700 سنة في اعقاب العصر الجليدي. والمصلح (انثروبوسين) الجديد اقترح عام 2000 وهو منحوت من اللفظ اليوناني (انثربوس) أي الانسان ثم مقطع (سين) أي عصر، وقال تقرير أورده فريق دولي تحت اشراف كولين ووترز من هيئة المسح الجيولوجي البريطانية في دورية (ساينس) "تركت الأنشطة البشرية توقيعا بارزا مستديما على الأرض"، وأضاف ووترز لرويترز "أصبحنا عنصرا جيولوجيا". بحسب رويترز.

وقال التقرير إن بداية هذا العصر وآثاره التي لا تمحى قد تكون في أواسط القرن العشرين. وقال التقرير إن العصر الذري -الذي بدأ بتجربة نووية في نيومكسيكو بالولايات المتحدة في 16 يوليو تموز من عام 1945- والقفزة التي تحققت في أعقاب الحرب العالمية الثانية في أنشطة التعدين والثورة الصناعية والزراعية واستخدام مواد من صنع الانسان منها الخرسانة واللدائن جميعها تركت آثارا جيولوجية.

وقال التقرير إن الخرسانة -التي ابتكرها الرومان- أصبحت واسعة الانتشار الآن لدرجة انها تشغل كيلوجراما واحدا في كل متر مربع على سطح الكوكب إذا تم نشر هذه الخرسانة بالتساوي على الأرض، وقال ووترز إن أي توصيات رسمية للموافقة على التسمية (انثروبوسين) كحقبة جيولوجية جديدة تستلزم اجراء المزيد من الدراسات الاضافية التي تستغرق السنوات لتحديد موعد بدء هذا العصر.

وقال سايمون لويس من كلية لندن الجامعية الذي لم يشارك في هذه الدراسة "أي تعريف يجب ان يسرد روايات عن تطور الانسان". وهو يحبذ ان تكون البداية في عام 1610 مع بدء النزعات الاستعمارية وانتشار الأمراض والتجارةوانتقالها من اوروبا الى الأمريكتين، وقال ايرل ايليس من جامعة ماريلاند الذي شارك في هذه الدراسة التي نشرت إن تحديد موعد بدء حقبة (انثروبوسين) سيحدث ثورة في فهمنا لدور الانسان على الكوكب، وقال "إنه تطور لا يقل شأنا عن الثورة الثانية الكوبرنيكية" في اشارة الى مصطلح عن الثورة على النظرية المعروفة بنموذج مركز الأرض التي كانت تقوم على فكرة أن الأرض هي مركز المجرة فيما يقول عالم الفلك البولندي نيكولاس كوبرنيكوس إن الشمس مركز المجموعة الشمسية.

إنسان ما قبل التاريخ كان يتغذى على مقبلات من السلاحف المشوية

قال ران باركاي عالم آثار إن انسان ما قبل التاريخ الذي كان يسكن الكهوف كان يتغذى على السلاحف البحرية المشوية في أصدافها كمقبلات أو كطبق جانبي، وأشرف باركاي على فريق بحثي عثر على عظام وأصداف سلاحف بحرية عمرها 400 ألف سنة في كهف باسرائيل أوضحت ان الإنسان الأول كان يذبح السلاحف البحرية ويقوم بطهيها ضمن وجبة تضم أيضا حيوانات كبيرة الحجم وخضروات.

وعثر على أصداف السلاحف المكتشفة في المغارة على علامات تدل على الشواء وعلى ان الانسان قام بفتح الدرقة عنوة وعلامات قطع أخرى تشير الى ان الحيوان تعرض للذبح بمدي من الأحجار الصلدة ذات الحواف الحادة.

وقال باركاي "عرفنا الآن انه كان يتغذى على السلاحف البحرية بصورة مستحدثة وكانت غذاء ثانويا أو مقبلات أو أطباقا جانبية علاوة على اللحوم والدهون من الحيوانات الكبيرة الحجم"، وعثر على هذا الكهف خلال حفر الأساسات لشق طريق عام 2000 ويعتقد انه كان مكانا للسكنى قبل نحو ألفي عام ما يعطي العلماء اطلالة نادرة على تطور السلالات البشرية واخضاع المعلومات للبحث العلمي. بحسب رويترز.

وتوحي العظام المتناثرة المكتشفة في الكهف بان الانسان الأول كان يأكل أيضا لحوم الخيول والأيائل والثور البري فيما أظهرت نتائج دراسة العام الماضي تستند الى آثار مترسبات على الأسنان ان سكان الكهف كانوا يتغذون على مواد نباتية، ونشرت نتائج دراسة فريق باركاي البحثي -الذي ضم أعضاء من اسبانيا وألمانيا- في دورية (ساينس ريفيو) الفصلية لهذا الاسبوع.

الإنسان العاقل ارتحل من أفريقيا وتزاوج مع إنسان النياندرتال

قال العلماء إن تحليلا للجينوم أو الطاقم الوراثي الخاص بأنثى من النياندرتال -عثر على حفريات لبقاياها في كهف بجبال أتلاي في جنوب سيبيريا قرب منطقة الحدود بين روسيا ومنغوليا- رصد بقايا من الحمض النووي (دي إن أيه) من الإنسان العاقل ما يبرهن على حدوث التزاوج الداخلي أو زواج الأقارب بين هذا الإنسان وأقرب أولاد عمومته من إنسان النياندرتال، وقال عالم الوراثة سيرجي كاستيلانو بمعهد ماكس بلانك لأنثروبولوجيا التطور بألمانيا إن بحوثا سابقة كانت قد أكدت حدوث تزاوج داخلي بين نوعي الإنسان العاقل وإنسان النياندرتال منذ نحو 50 إلى 60 ألف عام، وتوضح هذه الدراسة الحديثة التي وردت نتائجها بدورية (نيتشر) أن تزاوجا داخليا آخر حدث قبل ذلك بعشرات الآلاف من السنين. كان الجنس البشري قد نشأ في أفريقيا منذ نحو 200 ألف سنة ثم ارتحل في وقت لاحق إلى مناطق أخرى بالعالم.

قال عالم الوراثة مارتن كولفيلم بجامعة بومبيو فابرا باسبانيا –الذي شارك في الدراسة التي أجراها باحثو معهد ماكس بلانك- إن السيناريو الأكثر ترجيحا الذي يفسر وجود بقايا الحمض النووي للإنسان العاقل في جينوم أنثى النياندرتال هو أن عشائر محدودة من جنسنا البشري ارتحلت خارج أفريقيا وصادفت عشائر من النياندرتال في الشرق الأوسط وحدث التزاوج بين النوعين هناك، ويبدو أن هذه الرحلة قد كتب عليها الفشل حسب قول الباحثين وتشتت هذه العشائر عقب خروجها من أفريقيا ولم تتوجه أنسالها لاستعمار أوروبا أو آسيا أو بقاع أخرى أبعد من ذلك، وقال كولفيلم "لا ندري ما حدث لهم لكن يرجح أن هذه العشائر انقرضت إما بسبب التغيرات البيئية وإما نظرا لاحتمال حدوث منافسة مباشرة مع النياندرتال"، وأضاف "يبدو أن ذلك حدث خلال هجرة من أفريقيا أقدم كثيرا مما كان يعتقد من قبل وينطوي ذلك على أن الإنسان الحديث هاجر من أفريقيا في عدة موجات ربما يكون بعضها قد اندثر".

وازدهر إنسان النياندرتال المتين البنيان الكثيف شعر الحاجبين في ربوع قارتي أوروبا وآسيا منذ نحو 350 ألفا إلى 400 ألف عام وانقرض بعد وقت قليل من ظهور الإنسان العاقل واستقراره، وعلى الرغم من السمعة التي عفا عليها الزمن القائلة بأن إنسان النياندرتال كان أخرق ومتواضع القدرات الذهنية يقول العلماء إنه كان يتمتع بتوقد الذكاء وبقدرات ماهرة في الصيد وربما يكون قد استخدم لغة للتخاطب والتواصل والإشارات الرمزية علاوة على القدرة على استئناس النار، وترك زواج الأقارب بين إنسان النياندرتال والإنسان العاقل آثارا لا تمحى على الوراثة البشرية إذ كشفت دراسة نشرت الأسبوع الماضي بدورية (نيتشر) وجود صلة بين بقايا الحمض النووي في جينوم الإنسان الحديث ووجود سمات بالبشر مثل الاكتئاب وإدمان النيكوتين وتجلط الدم وحدوث تلف في البشرة.

كائن "الهوبيت" الغامض "لم يكن من البشر"

جمجمة مخلوق من نوع الهوبيت (يسار الصورة) أصغر من نظيرتها التي تخص "الإنسان الحديث"، لكن المشكلة، كما يقول أنطوان بولزو، من متحف التاريخ الطبيعي بفرنسا، هي أن العديد من هذه التأكيدات تركز على جوانب من الجمجمة، تتباين أبعادها من الأصل بشكل طبيعي ومعتاد لدى المخلوقات المنتمية إلى ما يُعرف باسم "أشباه البشر".

وقال بولزو لـ"بي بي سي إيرث" إنه ليس بوسع المرء القول "إن سمة تشريحية بعينها تشكل دليلا حاسما على الانتماء لـ(نوع حيوي بعينه) إذا ما كان من المعتاد رصدها في العديد من الحفريات" الخاصة بمخلوقات من أنواع أخرى، ومن بين الأمور الأخرى، كما يضيف الرجل، أن العديد من الباحثين الذين درسوا "الهوبيت" اعتمدوا على حفريات أخذت شكل سبائك، أو على مسوح إشعاعية منخفضة الدقة، وهو ما لا يحفظ أو يظهر التفاصيل التشريحية المهمة، ويعتبر بولزو أن بقايا "إنسان فلوريس" هي أهم الحفريات التي عُثر عليها خلال السنوات القليلة الماضية، وهو ما دفعه للسعي للتعرف على أساس وأصل بعض الأمور الجدلية المتعلقة بهوية المخلوقات التي تخصها هذه الحفريات، وهكذا عكف مع فيليب تشارليه، الباحث بجامعة باريس – ديكارت، على فحص صور عالية للدقة للجمجمة الوحيدة الموجودة ضمن مجموعة البقايا التي عُثر عليها في الجزيرة الإندونيسية، والتي تُعرف باسم "ليانغ بوا 1" (إل بي 1)، وذلك للتعرف على مختلف المعطيات الخاصة بسمك عظام هذه الجمجمة وتكوينها.

فمن شأن أي تغيرات طفيفة أو تنويعات محدودة في هذا الشأن، توفير أدلة ومؤشرات على طبيعة النوع البشري، الذي يقترب "الهوبيت" تشريحيا من تركيب مخلوقاته، أكثر من سواه.

وقد كانت دقة صور الأشعة التي استخدمها الباحثان أكثر دقة بنحو خمسٍ وعشرين مرة من تلك التي استُخدمت في الدراسات السابقة.

عكف العلماء على فحص التفاصيل التشريحية الكامنة في طبقات عظام جمجمة "الهوبيت"

وفي إطار الدراسة، فحص الرجلان كذلك الأجزاء الداخلية من الجمجمة، لرؤية كيفية تشابك الصفائح العظمية الموجودة فيها، ولكن، حسبما قال بولزو، لم يكن من شأن أيّ من السمات التشريحية الموجودة في الجمجمة تفسير "الشكل الغريب" الذي يتخذه هذا المخلوق، ويضيف: "شكل الجمجمة ليس بالقطع شكل جمجمة إنسان حديث"، حتى ولو كنا نتحدث عن شخص مُصاب بمرض ما.

وبشكل إجمالي، تشير نتائج هذه الدراسة - التي ستُنشر قريبا في "دورية التطور البشري" - إلى أنه لا يوجد في جمجمة "الهوبيت" ما يتلائم مع جمجمة أيٍ من الأفراد المنتمين للتجمعات البشرية، المعروف بأنها تنضوي تشريحياً تحت مظلة ما يُعرف بـ"الإنسان الحديث"، بعبارة أخرى، لا يشكل "الهوبيت" كائنا مريضا وأصغر حجما ينتمي للنوع التشريحي، الذي ننتمي إليه، والذي يحمل اسم "هومو سابينس" (الإنسان العاقل)، بل إنه شيء أكثر غرابة من ذلك بكثير، من الأمور الحاسمة هنا افتقار "الهوبيت" كذلك لوجود ذقن. وكما قيل سابقا فإن مجرد وجود الذقن يمثل سمة مميزة للنوع الذي ننتمي إليه، فلا يوجد ذقن في التركيب التشريحي لأيٍ من الكائنات الشبيهة بالإنسان.

وإذا ما كان لنا افتراض شيء ما بخصوص "الهوبيت"، فيمكن القول – حسبما يشير بولزو – إلى أنه أقرب ما يكون على ما يبدو إلى نوع "هومو إريكتوس" (الإنسان المنتصب)، منه إلى أيٍ من الأنواع الأخرى الشبيهة بالبشر، ويُشار إلى أن نوع (الإنسان المنتصب) هو نوع آخر للسلالات البدائية من البشر، يُعتقد أنه سلف النوع الذي ننتمي إليه كبشر. وتتلائم فكرة وجود هذه الصلة مع التصور القائل بأن الهوبيت هو نتاج لتطور تجمع كان ينتمي لنوع (الإنسان المنتصب) الذي عاش على الأرض قديما.

ولكن هذا لا ينفي أن تلك العينة التي عُثر عليها في فلوريس لا تزال تتسم بالغرابة. وهنا يقول أنطوان بولزو : "عيناه صغيرتان للغاية وشكله مختلف قليلا عن شكل (الكائنات المنتمية لنوع) هومو إريكتوس"، وبلغ الأمر أن ذهب علماء للقول إن (إنسان فلوريس) أكثر بدائية بكثير، من أن يكون ذا صلة بجنس (الهومو) الذي ننتمي إليه كبشر، من الأصل، فبعض سمات الهيكل العظمي لهذا المخلوق تشبه كثيرا ما يُلاحظ في مجموعة أكثر "بدائية" من نوع من القردة الشبيهة بالإنسان، يُطلق عليه اسم "أسترالوبيثكس"، ومن شأن ذلك جعل "الهوبيت" يمت بصلة قرابة وثيقة لحفرية شهيرة تُعرف باسم "لوسي"، وهي أكثر الحفريات شهرة لمخلوق ينتمي إلى جنس " أسترالوبيثكس".

لا يزال الغموض يكتنف الهوية الحقيقية لهذا المخلوق، ويرى بولوز أن "الكثيرين الذين يعتقدون أن (الهوبيت) ما هو إلا "إنسان حديث" ليسوا سوى أطباء معالجين، وهو ما يجعلهم يحددون تشخيصهم وفقا للخصائص المشتركة التي تميز (الإصابة) بمرض ما"، وعلى أي حال، فمن الممكن أن تجوز مثل هذه المقارنة، إذا ما كنا قد رأينا شخصا أو حفرية تُصنف تشريحيا على أنها من فصيلة "الإنسان الحديث" وتتسم بالصفات ذاتها التي يتصف بها "الهوبيت".ولكن إنساناً كهذا لم يُوجد – على حد علمنا – قط.

غير أن الباحث روبرت إيكارت من جامعة "بِن ستات" بالولايات المتحدة يصر على أن المخلوق الذي تنتمي له العينة (إل بي 1) هو من فصيلة "الإنسان الحديث"، ولكنه كان يعاني من حالة وراثية معينة، ويقول في هذا الشأن إن "الدراسة الجديدة لا تُظهر أن سمك جمجمة "إل بي 1" تجعل من الواجب تصنيف (هذا المخلوق) باعتباره ينتمي لنوع آخر". ويعزز ذلك عدم وجود أي دليل يشير إلى أن المخلوقات الـ 11 أو الـ 12 التي عُثر على بقاياها أيضا، واعتُبرت من "الهوبيت" بدورها، تبدو ذات شكل غير معتاد أو غير طبيعي.

بجانب ذلك، فإنه ليس لدينا علم بالشكل المحتمل لرؤوس تلك المخلوقات في ضوء أنه لم يُعثر سوى على جمجمة واحدة مكتملة لـ"الهوبيت". ويرى إيكارت أن من المربك الإعلان عن تصنيف مخلوق ما على أنه ينتمي لنوع بعينه اعتمادا على جمجمة واحدة مكتملة، من المؤكد على أي حال، أن الجدل القائم حول الهوية الحقيقية لـ"الهوبيت" سيظل مستمرا. ويعود ذلك جزئيا إلى تعدد الطرق والمناهج التي بُحث بها دراسة هذا الأمر، ومن جهته، يقول كريس سترينغر من متحف التاريخ الطبيعي بالعاصمة البريطانية لندن إن إجراء دراسات يتم في إطارها استخدام التحليل الكيمياوي لتحديد الحقبة التاريخية التي تنتمي إليها حفرية ما، قد توفر أفكارا ورؤى جديدة في هذا المضمار. ولكن في الوقت الحالي، لا مفر من الإقرار بعجزنا عن تأكيد وضع "الهوبيت" بشكل قاطع فيما يتعلق بتصنيفه الإحيائي.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
نهاد بشكون
الجزائر
2016-9-7
حياة الانسان قبل الميلاد
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (علوم)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك