ترانيم لاجئ: عندما يغتال البحر الامنيات


هذه الليلة موحشة، ليس كباقي الليالي، أتصفح فيها وجه القمر لعله يرسم بعض ملامح الهدوء، بي رغبة قاتلة لرؤيتها، ظلمة النجوم غربلت الصورة، لم تعد تلك الملامح بارزة، حتى البحر لم يظهر صورة القمر بل أخفى جمالها، وارتفع صوت الأمواج وهي تعزف لحن الشجن، كل شيء هنا مختلف، السماء والبحر وحتى الأصوات، النجوم كئيبة تركت لمعانها وبقيت معلقة تنتظر ذلك الشيء.

جلستُ عند صخرة كبيرة بالقرب من البحر، أنتظر قدوم القارب، في عتمة المكان كنت أظن أنني الوحيد هنا، الصمت يستبيح المكان، شعرت بالخوف، وفي هذه الأجواء، قالوا لي، توجد على شواطئ هذا البحر المئات من العوائل التي تنتظر القارب، لكن لم أجد غيري هنا، بندول الساعة كان متوقفاً، لا أعرف كم الساعة اﻵن، ما أعرفه هو أنني في منتصف الليل، أخرجت من حقيبتي بعض أشيائي وأمسكت بقلمي وأوراقي لأكتب رسالة، فلم أجد غير هذه الأوراق التي أوثق فيها قصتي، بعد أن عجز الجميع عن الاستماع إلى حزني ووجعي.

فلا أحد هنا ينصت إليك، وينظرون لك بنظرة لاجئ هرب من بلده، يتاجرون بك وأنت من تدفع ثمن هذه التجارة، لا تملك اي وسيلة سوى هذا البحر لينقذ أحلامك، وإن فشلت في تحقيقها ستكون تجارة خاسرة،. جسدي يرتعش وتصطك أسناني، وبين الفينة والأخرى انظر الى البحر، أطلقُ حسرة وأعود الى القلم، أتجاهل الخوف والبرد، والوحدة، وأنشد ما كانت أمي تنشده لي في طفولتي، ترانيم لاجئ على البحر، ضوء خافت يأتي من بعيد، ينبئني بذاك الحلم، حاولت أن انهي كتابة الرسالة، وفكرت في تركها هنا على اليابسة، لعل أحدهم يقرأها، ويعرف ما حصل معي، أول كلمة خطتها يدي هي بسم الله ومن دون اسم الله لا أعيش، وبعدها رمقت عيني القمر وكتبت كلمة أمي، دمعت عيني وانتظرت كثيرا حتى أكملت الجملة، أمي أنا الآن في أحضان البحر انتظر وصول القارب، في عتمة هذا المكان كنت ابحث عن نور عينيك، وحنان يدك، ونبضة قلبك التي تشعرني بالأمان، تعلمين يا أمي كل يوم أتصفح وجهك في صورة القمر. لكن هذه الليلة لم تظهر لي ملامحك البدوية، حزنت كثيرا كيف لي أن أغوص في هذا البحر من دون أن احتفظ ببعض تفاصيل وجهك، من لي غير طيفك يواسيني في هذا الظلام، حبست دموعي داخل مقلتي وأكملت.. امي عندما تصل إليك هذه الرسالة اعلمي أنني قد غرقت في البحر.

عندما غرق القارب خدعوني وقالوا لي ان هذا القارب يحمل الكثير لكنه لم يحمل سوى الجثث، لا اعرف من اين جاءت العائلات فبمجرد سماعها صوت الصفارة، امتلأ القارب ولم يستطع أن يغوص في البحر أكثر، دخل الماء إليه وبدأت العوائل تصرخ، أنا أول من سقط، كنت اشعر أن أمواج البحر ترغب في احتضاني، فرميت جسدي كانت الأمواج القاسية تقذف بي يمينا وشمالا، مسكت بقطعة لا اعرف ما هي ﻷن عيني كانت مغلقة، تلمستها جيدا، عرفت انها جثة صغيرة، ابتلعها البحر أيضا، لا تخافي القرش كان ارحم من جلاوزة بلدي، لم يمزقني كثيرا اكتفى بقطعة لحم واحدة، أيها البحر دعني فأمي تنتظر، استجمعت ما تبقى لي من جسدي، في منظر أجساد تملأ قاع البحر، اسماك تأكل بعضا منها، قطع متناثرة تبحث عن أصحابها، منظر مرعب يا أمي، فلقد بعث في نفسي خوف غريب، لا أحد يسمع صوتك، ويرى مكانك، لم أملك سوى انتظار الموت، شيء يأكل أطرافي، الوجع كبير يا أمي.

كانت قدمي تتأرجح في أعماق البحر، وشيء ما يسحبها للقاع، أنفاسي كانت تسابق الوقت لتنقذني من الاختناق، لكنها فشلت هي اﻷخرى، وأنا لا حول لي ولا قوة، تركت جسدي للماء، وسلمت روحي للقدر، بعد ثلاثة أيام رفع الماء جثتي وجعلها علامة لبقية الأجساد الخاوية، والى الآن لم يأت احد ويرفع جثتي، هذه هي رحلتي يا أمي، سامحيني لأنني لا املك قبرا تجلسين عليه، لم أرسل لكم بعثة لجوء، لطالما عشت بالشتات، بلا أمان، بلا حلم، بكيت كثيرا وتألمت لأني وثقت في البحر ولم أثق في وطني، لكن عندما غرقت وشعرت بالموت عرفت ما معنى أن الوطن أم، والذي لا وطن له يتيم.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (حقوق)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك