حزب الله في الشرق الأوسط: بين حرب النفوذ وصراع اثبات الوجود


الانتصارات العسكرية التي حققها حزب الله في السنوات الأخيرة في حربه المستمرة ضد تنظيم داعش الإرهابي في سوريا، اثارت قلق ومخاوف إسرائيل وأمريكا وبعض دول الخليج العربي، ومنها المملكة العربية السعودية التي طالبت إنشاء تحالف دولي لمواجهة حزب الله اللبناني اهم واقوى حليف لايران في المنطقة. هذه التطورات دفعت وبحسب بعض المراقبين الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها الى اتخاذ إجراءات وخطوات تصعيديه جديدة ضد حزب الله الذي وضعته امريكا سابقا على قائمة الإرهاب، وتوقعت مصادر كثيرة ان تسعى ادارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، الى اتخاذ إجراءات جديدة تستهدف بنية الحزب التحتية، وقد رصدت واشنطن أيضا مكافآت مالية كبيرة تصل قيمتها إلى 12 مليون دولار لمن يزوّدها بمعلومات ترشدها لتحديد مكان بعض قادة حزب الله، يضاف الى ذلك ان الادارة الأمريكية بحسب البعض، قد سعت ايضا الى ايجاد قنوات مشتركة بين اسرائيل والسعودية للوقوف ضد حزب الله وإيران الداعم الأساسي لمحور المقاومة.

وكشفت بعض المصادر ومنها القناة التلفزيونية العاشرة في الكيان الإسرائيلي، وثيقة سرية صادرة عن وزارة خارجية كيان الاحتلال، تحث سفراء هذا الكيان على دعم السعودية، وتطالب بشن حملة إعلامية وسياسية على ما أسمته التمدد الشيعي في المنطقة، والتحرك لإقناع قادة العالم بمنع دمج حزب الله في أي حكومة لبنانية مستقبلية. وازداد غيظ وحقد السعودية والكيان الإسرائيلي على حزب الله خلال السنوات الأخيرة بسبب دوره الكبير في محاربة الجماعات الإرهابية في سوريا ولبنان، الأمر الذي حال دون تحقق المشروع الصهيوأمريكي الرامي إلى تمزيق المنطقة والعبث بمصيرها والاستحواذ على مقدراتها.

هذه التطورات ربما قد تكون سببا في خلق صراع جديد في المنطقة قد يثر سلباً وبحسب بعض الخبراء على الكثير من الدول، خصوصا وان حزب الله الذي اصبح اليوم يمتلك خبرات وقدرات عسكرية مهمة، حيث اكدت بعض التقارير إلى ان ترسانة حزب الله وعلى الرغم من الحرب الاخيرة في سوريا، قد ارتفعت من ٣٣ ألف صاروخ وقذيفة قبل عام ٢٠٠٦ إلى ١٥٠ ألفا تقريبا في الوقت الحاضر، وهذه الأسلحة أكثر تقدما اليوم وقد تسبب أضرارا جسيمة لإسرائيل.

عقوبات امريكية

وفي هذا الشأن قال عضو في البرلمان اللبناني من جماعة حزب الله إن العقوبات الجديدة التي طرحتها الولايات المتحدة ضد الجماعة تهدف لإثارة القلاقل في لبنان. وصدق مجلس النواب الأمريكي على فرض عقوبات جديدة على حزب الله المدعوم من إيران في إطار مساع لزيادة الضغط على طهران. ولم تصبح العقوبات الجديدة قانونا بعد.

وقال بيان لكتلة حزب الله في البرلمان قرأه النائب حسن فضل الله وبثه التلفزيون ”تدين الكتلة كل أشكال العدوان الأمريكي على لبنان وشعبه وسيادته وترى في قانون العقوبات المالية الذي صوت عليه مجلس النواب الأمريكي بالأمس تدخلا سافرا في الشأن اللبناني الداخلي وانتهاكا للسيادة الوطنية اللبنانية واستهدافا غير مقبول للشعب اللبناني“. وأضاف البيان ”إن الهدف الأمريكي من هذا السلوك العدواني المموه بالتشريع هو إخضاع لبنان وإثارة القلاقل فيه وحرمان شعبه من التنمية والتطوير وإقامة سيف التهديد مسلطا على حاضره ومستقبله“.

وحزب الله جزء من حكومة وحدة وطنية في لبنان ويحارب في صف الرئيس السوري بشار الأسد في الحرب الأهلية الدائرة منذ أكثر من ست سنوات. وتدرج واشنطن الجماعة في قائمة المنظمات الإرهابية ومرر مجلس النواب الأمريكي قرارا يحث الاتحاد الأوروبي على أن يحذو حذو واشنطن. ومن بين التشريعات التي مررها مجلس النواب تعديل يشدد قانونا سن في 2015 يهدف لقطع شبكات التمويل العالمية للجماعة. وعندما صدر هذا القانون أثار قلقا في بيروت إذ خشيت الحكومة أن يلحق ضررا بالغا بالقطاع المصرفي الذي يعد عماد اقتصاد البلاد.

لكن حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة قال إن بلاده لديها آليات قائمة للتعامل مع أي عقوبات جديدة. وقال سلامة أيضا إن الخزانة الأمريكية تبدو راضية عن الكيفية التي يطبق بها لبنان تشريعات العقوبات. وأضاف بعد زيارة للولايات المتحدة في بيان وزعه مكتب الرئاسة في لبنان أنهم يعتبرون أن الإجراءات التي طبقها مصرف لبنان المركزي كافية.

وتم إقرار ثلاثة إجراءات في تصويت جرى دون معارضة. وبموجب أول إجراء أقره مجلس النواب بشأن جماعة حزب الله تفرض عقوبات جديدة على أي كيانات يثبت دعمها للجماعة من خلال إمدادها بالأسلحة على سبيل المثال. أما الإجراء الثاني فيفرض عقوبات على إيران وحزب الله لاستخدامهما المدنيين كدروع بشرية. والإجراء الثالث هو قرار يدعو الاتحاد الأوروبي إلى تصنيف حزب الله تنظيما إرهابيا. بحسب رويترز.

وعرضت واشنطن مكافأة قدرها ملايين الدولارات للمساعدة في القبض على اثنين من مسؤولي جماعة حزب الله اللبنانية بينما تصيغ إدارة ترامب استراتيجية لمواجهة نفوذ إيران المتنامي بالمنطقة. وقال النائب إد رويس رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب ”هذه الإجراءات الضرورية ستفرض عقوبات جديدة تتصل بتمويل حزب الله ومحاسبته عن أعمال الموت والدمار التي يرتكبها“.

حزب الله والخصوم

من جهة اخرى وعندما أعلنت إيران النصر على تنظيم داعش في سوريا والعراق أشادت بالدور ”القوي والمحوري“ الذي لعبته جماعة حزب الله اللبنانية. وأكد الثناء الذي ورد في رسالة وجهها أحد أهم جنرالات إيران إلى المرشد الأعلى الإيراني في نوفمبر تشرين الثاني مكانة حزب الله في طليعة الجماعات الشيعية المدعومة من طهران والتي تساعد الجمهورية الإسلامية على توسيع نفوذها في الشرق الأوسط.

وبرز حزب الله كرابح كبير في خضم الاضطرابات التي اجتاحت العالم العربي، منذ الانتفاضات في عام 2011 والتي أطاحت بحكومات عدد من البلدان، سواء من خلال القتال في سوريا والعراق وتدريب مجموعات أخرى في هذين البلدين أو عن طريق إلهام قوى أخرى مثل حركة الحوثيين الحليفة لإيران التي تخوض حربا في اليمن. لكن قوتها المتنامية ساهمت في زيادة حدة التوتر الإقليمي وأزعجت إسرائيل والولايات المتحدة التي تعتبرها منظمة إرهابية كما أثارت قلق السعودية، المنافس الإقليمي لإيران، والتي تتهم حزب الله بلعب دور عسكري في اليمن المجاور.

وتخشى إسرائيل من أن يحافظ حزب الله وإيران على معسكرات دائمة في سوريا ودعت إلى اتخاذ إجراءات ضد ما وصفته ”بالعدوان الإيراني“. ومع تنامي قوة حزب الله أكثر من أي وقت مضى فإن كثيرا من المحللين في المنطقة يرون أن الحرب مع إسرائيل لا مفر منها إن عاجلا أو آجلا.

وقال قائد في تحالف إقليمي يقاتل في سوريا ”لقد اكتسب حزب الله من خبرة العمل مع الجيش وإدارة منظومة عدة أسلحة في وقت واحد... سلاح الجو والمدرعات ومنظومة المعلومات والطائرات بدون طيار وكافة اختصاصات الجيوش التقليدية“. وأضاف ”حزب الله بات الآن جيشا نشطا يجمع بين نظم حرب العصابات ونظم قتال الجيوش“.

وتجلت مكانة حزب الله بين حلفاء إيران في المنطقة في نوفمبر تشرين الثاني أثناء جنازة حسن سليماني والد الميجر جنرال قاسم سليماني الذي كتب الرسالة مشيدا بالدور القتالي لحزب الله في سوريا والعراق. وقال مسؤول حضر الجنازة في طهران إن وفد حزب الله الذي كان يترأسه هاشم صفي الدين الشخصية البارزة في الحزب تولى مسؤولية ترتيب المشاورات بين مختلف حلفاء إيران الموجودين على هامش الجنازة. وقال المسؤول ”كل فصائل محور المقاومة كان متواجدا في العزاء وكان حزب الله هو المنسق والموجه والمنظم للاجتماعات والمشاورات التي جرت على هامش العزاء“.

وكان الحرس الثوري الإيراني قد أسس حزب الله القوي من أجل محاربة القوات الإسرائيلية التي اجتاحت لبنان عام 1982 ولتصدير الثورة الإسلامية الإيرانية. وذهبت قوات حزب الله بعيدا عن معسكرات سهل البقاع في شرق البلاد حيث تم تدريب مقاتلي الحزب في الأيام الأولى لتأسيسه. فقد شكل هؤلاء المقاتلون رأس حربة للهجوم على البوكمال وهي مدينة سورية على الحدود العراقية خلال نوفمبر تشرين الثاني مما أنهى مقاومة الدولة الإسلامية في معاقلها الأخيرة بالمناطق الحضرية في البلاد.

وقال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله إن معركة البوكمال كانت بقيادة قاسم سليماني قائد ذراع الحرس الثوري الإيراني المسوؤلة عن العمليات في الخارج. وكانت قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران قد عبرت الحدود إلى سوريا للمساعدة في المعركة. وكان للهجوم أهمية رمزية واستراتيجية ضخمة بالنسبة لإيران وحلفائها الإقليميين حيث أعادوا فتح الطريق البري الذي يربط بين طهران ودمشق وبغداد وهو ما يسميه أعداء إيران الإقليميين ”الهلال الشيعي“.

وفي أواخر أكتوبر تشرين الأول قال مستشار الأمن القومي الأمريكي إتش آر مكماستر إن الولايات المتحدة قالت إن إيران ”تطبق ما يمكن أن تسميه نموذج حزب الله في منطقة الشرق الأوسط حيث يريدون أن تكون الحكومات ضعيفة وتعتمد على إيران للحصول على الدعم“. وقال لقناة الحرة وهي شبكة إخبارية ناطقة باللغة العربية تمولها الولايات المتحدة ”الأمر الأكثر أهمية ليس للولايات المتحدة فحسب بل لجميع الدول هو مواجهة آفة حزب الله ولمواجهة آفة الإيرانيين والحرس الثوري الإيراني الذي يعزز عمليات حزب الله“.

وبرز الدور الأكبر لحزب الله خارج لبنان في سوريا على الرغم من أن دوره كان سريا للغاية عندما ذهب مقاتلوه إلى هناك لأول مرة في منتصف عام 2012. والهدف الأول كان للدفاع عن مقام السيدة زينب وهو مكان للزوار الشيعة قرب دمشق. ولكن مع خسارة الرئيس بشار الأسد مزيدا من الأراضي أرسل حزب الله المزيد من المقاتلين من أجل مساعدة القوات السورية التي كانت غير مؤهلة لهذا النوع من القتال.

ويعد دور حزب الله محوريا في إلحاق الهزيمة بكثير من المقاتلين الذين كانوا يحاربون بدعم من أعدائه الإقليميين مما ساعد الأسد في استعادة مدينتي حمص وحلب وغيرها من المناطق. وقال القيادي في التحالف الإقليمي الذي يقاتل في سوريا إن دور حزب الله المعلن دعما للأسد واكب جهودا لتأسيس جماعات شيعية جديدة قاتلت إلى جانبه. وأضاف القيادي أن حزب الله فقد أكثر من 1500 شخص من مقاتليه في سوريا بينهم قادة كبار. لكنه اكتسب خبرة عسكرية تضاف إلى خبراته في حرب العصابات وهي الحرب التقليدية بفضل التنسيق مع الجيشين السوري والروسي والحرس الثوري.

وتابع القيادي بالتحالف قائلا إن حزب الله تمكن بدعم إيراني من جمع وتدريب جماعات شيعية جديدة من بينها قوات الدفاع الوطني التي تقدر أعدادها بعشرات الألوف وكذلك قوات شيعية تعرف باسم قوة الرضا التي تشكلت من أبناء القرى الشيعية. كما كان لحزب الله دور قيادي في حرب المعلومات مع وجود الخدمة الإخبارية العسكرية التي تعرف باسم وحدة الإعلام الحربي التي كثيرا ما كانت تبلغ عن المعارك قبل الإعلام الرسمي السوري.

وتخشى الولايات المتحدة والسعودية من أن يحاول حزب الله وإيران تكرار استراتيجيتهما في اليمن عن طريق دعم الحوثيين ضد التحالف العسكري الذي تقوده الرياض. وينفي حزب الله القتال في اليمن أو إرسال الأسلحة إلى الحوثيين أو إطلاق الصواريخ على السعودية من الأراضي اليمنية. لكنه لا يخفي دعمه السياسي لقضية الحوثيين. ويتصل القلق السعودي تجاه ما يحدث في اليمن اتصالا وثيقا بالأزمة السياسية التي هزت لبنان في نوفمبر تشرين الثاني. وينظر إلى استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري المفاجئة على نطاق واسع على أنها خطوة دبرتها السعودية لإثارة المتاعب لحزب الله في الداخل.

وقد تكون المخاوف المشتركة من حزب الله عاملا محفزا وراء الاتصالات بين السعودية وإسرائيل التي تم الإعلان عنها في الآونة الأخيرة. وقال نيك راسموسن مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب في أكتوبر تشرين الأول إن حزب الله يوسع ترسانته من الأسلحة التقليدية في لبنان، حيث يشكل جزءا من الحكومة، عن طريق شراء صواريخ وتكنولوجيا صواريخ متطورة مما يمثل ”تهديدا متزايدا في منطقة شرق المتوسط وشبه الجزيرة العربية“. بحسب رويترز.

وعلى الرغم من العقوبات الأمريكية الجديدة التي فرضت على حزب الله، فقد أبدى ثقة كبيرة في النفس. ومع هزيمة تنظيم داعش الآن في العراق قال نصر الله ”على ضوء هذا التقدم، سنقوم بمراجعة للموقف وإذا وجدنا أن الأمر قد أنجز ولم يكن هناك حاجة لوجود هؤلاء الأخوة هناك سيعودون للالتحاق في أي ساحة أخرى تتطلب منهم ذلك“. وأضاف أن جماعته ستواصل العمل أينما ترى ذلك مناسبا مكررا القول ”سنكون حيث يجب أن نكون“.

طائرات امريكية

من جانب اخر سلمت الولايات المتحدة للجيش اللبناني طائرتين هجوميتين خفيفتين من الطراز إيه-29 سوبر توكانو في مؤشر على استمرار الدعم الأمريكي رغم اتهام إسرائيل للجيش اللبناني بالخضوع لسيطرة جماعة حزب الله. وقال مصدر أمني لبناني إن الطائرتين ستستخدمان للمراقبة المسلحة مشيرا إلى أنهما تشكلان تحديثا كبيرا للقوات المسلحة اللبنانية. وكانت إسرائيل قالت في وقت سابق إن جماعة حزب الله الشيعية المدعومة من إيران تسيطر على الجيش اللبناني النظامي وهو اتهام نفاه الجيش.

وخاض حزب الله، الذي صنفته الولايات المتحدة منظمة إرهابية في عام 1997، حربا ضد إسرائيل في عام 2006. ولبنان في حالة حرب رسميا مع إسرائيل. وقالت السفيرة الأمريكية في لبنان إليزابيث ريتشارد ”الزيادة الكبيرة التي تمثلها الطائرتان في القدرات القتالية للقوات المسلحة اللبنانية ستضمن بقاء القوات المسلحة اللبنانية قوة وطنية للوحدة وحصنا ضد التطرف والإرهاب“. وقالت ريتشارد إنه خلال الأعوام العشرة الماضية أنفقت الحكومة الأمريكية أكثر من 1.5 مليار دولار على التدريب والتجهيز ودربت أكثر من 32 ألف جندي لبناني. بحسب رويترز.

وأضافت السفيرة ”أعلنا مؤخرا عن تمويل عسكري أجنبي آخر بقيمة 120 مليون دولار ليصل إجمالي الاستثمارات في القوات المسلحة اللبنانية إلى أكثر من 160 مليون دولار هذا العام فقط“. وسوف تسلم الولايات المتحدة أربع طائرات سوبر توكانو أخرى إلى لبنان. وقال قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون إن الطائرتين الجديدتين اللتين تملكان قدرات متطورة للقتال والمراقبة ستمثلان ”نقلة نوعية في مسار تعزيز قدرات القوات الجوية اللبنانية“.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تقارير)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك