المصالحة بين فتح وحماس: مقاربة براغماتية أم رضوخ لضغوطات؟


اتفاق مصالحة الذي تم توقيعه بين حماس وفتح برعاية مصرية ليضع حدا لعشر سنوات من الانقسام الفلسطيني، وكما يرى بعض المراقبين قد لا يستمر لفترة طويلة بسبب الملفات المعقدة واختلاف وجهات النظر بين الجانبين، وتواجه الاتفاق تحديات كبيرة، تتمثل بحسب بعض المصادر، في معاناة أكثر من مليوني فلسطيني يقيمون في القطاع الفقير والمحاصر. حيث يعاني القطاع منذ أكثر من عشر سنوات من حصار إسرائيلي خانق ونسبة بطالة عالية وندرة الكهرباء والماء ووضع اقتصادي صعب. يضاف الى ذلك الموقف الدولي و الاسرائيلي المتشدد ضد حركة حماس.

ويأمل المراقبون في ألا يلاقى الاتفاق الحالي مصير سابقيه، حيث فشلت كافة المحاولات السابقة في تحقيق المصالحة حتى الآن، وكان آخرها اتفاق وقع في مدينة القاهرة عام 2011. ويقول خبراء إن قادة حركة حماس انتهجوا في الفترة الأخيرة مقاربة أكثر براغماتية، نتيجة احتمال انفجار الوضع الداخلي في قطاع غزة، وتراجع الدعم القطري، لذلك رضخوا لضغوطات مصر. وتبقى مسألة السيطرة على الأمن في قطاع غزة من أكثر القضايا المثيرة للجدل. وتملك حماس جناحا عسكريا يضم قرابة 25 ألف مقاتل. ويبقى السؤال إن كانت مستعدة لتسليم أسلحتها إلى السلطة الوطنية. وكرر مسؤولون كبار في الحركة الإسلامية القول إن الأمر غير مطروح للنقاش. وحذر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قائلا "لن أقبل ولن أنسخ أو استنسخ تجربة حزب الله في لبنان".

ووقعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة فتح الفلسطينيتان اتفاقا للمصالحة بعد أن وافقت حماس على تسليم إدارة قطاع غزة بما في ذلك معبر رفح الحدودي الذي سيطرت عليه قبل عشر سنوات في اقتتال لم يستمر طويلا مع فتح. ويرأب الاتفاق الذي توسطت فيه مصر الصدع بين حركة فتح المدعومة من الغرب بزعامة الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحركة حماس التي يعتبرها الغرب وإسرائيل جماعة إرهابية. وقد تعزز الوحدة الفلسطينية موقف عباس في حالة إحياء المحادثات بشأن إقامة دولة فلسطينية على أراض تحتلها إسرائيل. وكان الصراع الداخلي الفلسطيني عقبة كبيرة في طريق صناعة السلام بينما خاضت حماس ثلاث حروب مع إسرائيل منذ 2008 وتواصل الدعوة لتدميرها.

وقوبل الاتفاق الفلسطيني بحذر من جانب إسرائيل. وقالت إسرائيل إن الاتفاق ينبغي أن يلتزم بالاتفاقات الدولية والشروط التي وضعتها اللجنة الرباعية للشرق الأوسط ومنها الاعتراف بإسرائيل ونزع سلاح حماس. وجاء في بيان أصدره مكتب نتنياهو ”ستتابع إسرائيل التطورات في هذا المجال وستتصرف وفقا لذلك“. وساعدت مصر في التوسط خلال عدة محاولات سابقة للمصالحة بين الحركتين وتشكيل حكومة وفاق وطني في غزة والضفة الغربية.

واتفقت حماس وفتح في 2014 على تشكيل حكومة وفاق وطني لكن سرعان ما انهار هذا الاتفاق وواصلت حماس السيطرة على غزة. ويدعو الاتفاق لأن يتولى الحرس الرئاسي التابع لعباس المسؤولية عن معبر رفح يوم الأول من نوفمبر تشرين الثاني وتسليم السلطة الإدارية بالكامل على غزة لحكومة الوحدة بحلول الأول من ديسمبر كانون الأول.

وقال محللون إن من المرجح أن يصمد هذا الاتفاق أكثر من الاتفاقات السابقة في ظل تزايد عزلة حماس وإدراكها لمدى صعوبة حكم وإعادة إعمار قطاع غزة الذي تعثر اقتصاده بسبب الحصار الحدودي ودُمرت بنيته التحتية بسبب الحروب مع إسرائيل. وساعد تعميق المشاركة المصرية، التي يعتقد أنها بدعم من السعودية ودول عربية أخرى، في إتمام الاتفاق.

فرحة وحذر

وفي هذا الشأن لم يستغرق الأمر طويلا بعدما انقشع دخان الألعاب النارية عن سماء غزة كي يبدأ بعض الفلسطينيين في التساؤل عما إذا كانت اتفاقية الوفاق الوطني بين أقوي فصيلين فلسطينيين ستصمد. وخرج آلاف إلى الشوارع للاحتفال بالاتفاق بين حركتي فتح وحماس الذي وقع في القاهرة. وانطلقت الأغاني الوطنية عبر مكبرات الصوت فيما لوح الشبان بالأعلام الفلسطينية والمصرية ورقصوا وتعانقوا.

وقال علي متولي مهندس الكمبيوتر البالغ من العمر 30 عاما ”أنا سعيد بل أنا أسعد واحد“ ومضى قائلا ”لكن هل أنا مش خايف ينتهي كل هاد بخيبة أمل؟ قادتنا علمونا أنه من السهل جدا يخيبوا أملنا، بتمنى أن لا يفعلوا هذه المرة“. وبموجب اتفاقية الوفاق الوطني الفلسطيني ستسلم حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) إدارة قطاع غزة ومن بين ذلك السيطرة على معبر رفح الحدودي إلى الحكومة التي تدعمها حركة فتح. وكان معبر رفح ذات يوم البوابة الرئيسية التي تربط مليوني فلسطيني يعيشون في غزة بالعالم الخارجي.

وقبل عشر سنوات سيطرت قوات حماس على قطاع غزة بعد اقتتال مع حركة فتح استمر فترة قصيرة. وأخفقت محاولات وساطة مصرية سابقة لتحقيق المصالحة بين الفصيلين المتنافسين في التوصل لنتائج دائمة. لكن أحدث محاولات القاهرة نجحت في اقتناص الاتفاق بعد حصار اقتصادي مطبق على حماس. ولا تتوقع هويدا الحديدي وهي أم لسبعة أطفال وتبلغ من العمر 34 عاما أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية سريعا. وزوج هويدا عاطل عن العمل مثل نحو 250 ألفا آخرين يعيشون في القطاع. ولا يمكن للأسرة أن تدفع إيجار المنزل لذا تعيش في خيمة منذ أن طردهم صاحب العقار قبل أيام. وقالت ”إن شاء الله الآن بعد ما وقعوا المصالحة الحصار بيرتفع وبيصير في شغل للناس وبيقدروا يعيشوا أولادهم“.

وتناقش حماس وفتح أيضا الموعد المحتمل للانتخابات الرئاسية والتشريعية وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية المسؤولة عن مساعي السلام مع إسرائيل المتعثرة منذ فترة طويلة. وأجريت آخر انتخابات تشريعية فلسطينية في 2006 وحققت فيها حماس فوزا مفاجئا. وأجج هذا الشقاق السياسي بين حماس وفتح مما أدى لاندلاع الاقتتال بينهما في غزة. ويرى المعلق السياسي مصطفى إبراهيم أن على الفلسطينيين توخي الحذر نظرا لأن هناك قضايا رئيسية مثل موعد الانتخابات والاتفاق على أجندة سياسية واحدة ما زالت عالقة. وكتب على فيسبوك ”سنظل ننتظر الرئيس وقلبه الكبير، وهذا غير مبشر ويدعونا للحذر“. بحسب رويترز.

وأضاف ”كيف سيدعم المواطنون المصالحة ولم يتم إنهاء الانقسام بشكل جذري وقضايا وتفاصيل مهمة مؤجلة وقابلة للتأويل والخلاف“. وقالت حماس إنها لن تتخلى عن ”أسلحة المقاومة“ وتصر إسرائيل على نزع أسلحة الحركة وإلا ستفقد المصالحة معناها. وخاضت حماس ثلاث حروب مع إسرائيل منذ 2008 ويعتبرها الغرب منظمة إرهابية.

قضايا مهمة

من جهة اخرى فقد كان معبر رفح الحدودي من أهم التفاصيل التي جرت مناقشتها. وكان المعبر بوابة إلى العالم لنحو مليوني شخص يعيشون في القطاع الساحلي الفقير. وقالت حركة فتح إنه ينبغي أن يدير الحرس الرئاسي المعبر بإشراف وكالة الحدود التابعة للاتحاد الأوروبي (يوبام) بدلا من الموظفين المرتبطين بحماس. وقال محمد السعدي المتحدث باسم مكتب الاتحاد الأوروبي لتنسيق الدعم للشرطة الفلسطينية إن وكالة (يوبام) في رفح مستعدة للانتشار مجددا عند المعبر الحدودي عندما تتيح الأوضاع الأمنية والسياسية ذلك.

وأضاف في بيان أن أي قرار بنشر عناصر الوكالة سيتم بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية وحكومة إسرائيل. ووفقا للاتفاق سينضم 3 آلاف من أفراد الأمن في فتح إلى شرطة غزة لكن ستظل حماس صاحبة أكبر فصيل مسلح فلسطيني إذ أن لها ما يقدر بخمسة وعشرين ألف مقاتل مسلحين تسليحا جيدا. وتأمل الحركتان أن يشجع نشر قوات تابعة للسلطة الفلسطينية بقيادة فتح على حدود غزة كلا من مصر وإسرائيل على رفع القيود المشددة على المعابر الحدودية وهي خطوة تحتاجها غزة بشدة لإعادة إحياء اقتصادها. بحسب رويترز.

ومن القضايا المهمة الأخرى التي نوقشت أثناء المحادثات مصير ما بين 40 و50 ألف موظف عينتهم حماس في غزة منذ 2007 وهي نقطة خلاف ساهمت في انهيار اتفاق المصالحة في عام 2014. وبموجب الاتفاق سيتقاضى الموظفون 50 في المئة من الراتب الذي ستمنحه لهم السلطة الفلسطينية أو ما يعادل ما تدفعه حماس لهم الآن لحين التحقق من مؤهلاتهم المهنية. وتناقش حماس وفتح أيضا الموعد المحتمل للانتخابات الرئاسية والتشريعية وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية المسؤولة عن مساعي السلام مع إسرائيل والمتعثرة منذ فترة طويلة.

مطالب اسرائيل

في السياق ذاته أعلن مسؤول اسرائيلي ان على حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة ووقعت في القاهرة اتفاقا لانهاء الانقسام الفلسطيني مع السلطة الاعتراف باسرائيل ونزع اسلحتها. وفي أول رد فعل اسرائيلي رسمي، قال المسؤول "يتوجب على أي مصالحة بين السلطة الفلسطينية وحماس أن تشمل التزاما بالاتفاقيات الدولية وبشروط الرباعية الدولية وعلى رأسها الاعتراف بإسرائيل ونزع الأسلحة الموجودة بحوزة حماس".

واضاف المسؤول ان "مواصلة حفر الأنفاق وإنتاج الصواريخ وتنفيذ عمليات إرهابية ضد إسرائيل كل هذا يخالف شروط الرباعية الدولية والجهود الأميركية الرامية إلى استئناف العملية السلمية" ونوه المسؤول انه في حال "لم تنزع أسلحة حماس وطالما واصلت حماس مناشدتها لتدمير إسرائيل، تعتبر إسرائيل حماس المسؤولة عن أي عملية إرهابية" من قطاع غزة. ولا تعترف حماس بالدولة العبرية، وخاضت ثلاث حروب معها منذ عام 2008. بحسب فرانس برس.

كما وطالبت اسرائيل ايضا حركة حماس التي تسيطر على القطاع بالافراج عن رفات الجنديين الاسرائيليين اورين شاؤول وهدار غولدين الذين لم يعرف مصيرهما وتقول اسرائيل انهما قتلا في حرب غزة عام 2014، بالاضافة الى الافراج عن الاسرائيليين افراهام منغيستو وهشام السيد المحتجزين في القطاع.

الى جانب ذلك اعتبر رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو ان المصالحة بين حركتي فتح وحماس تعقد عملية السلام مع اسرائيل، بعد توقيع اتفاق بين الحركتين الفلسطينيتين في القاهرة. وقال نتانياهو على صفحة مكتبه في موقع فيسبوك ان "المصالحة بين فتح وحماس تجعل السلام اكثر صعوبة" متهما الحركة الاسلامية التي تسيطر على قطاع غزة بتشجيع العنف".

واضاف "التصالح مع القتلة جزء من المشكلة، وليس جزءا من الحل. قولوا نعم للسلام ولا للانضمام الى حماس".

وتعتبر اسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي حماس "منظمة ارهابية"، وتطالب بتخليها عن الكفاح المسلح ضد الدولة العبرية والاعتراف باسرائيل. وتحض ادارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب اسرائيل على اتخاذ خطوات لتحسين الاقتصاد الفلسطيني بينما تسعى لاعادة مفاوضات السلام المتعثرة بين الجانبين. وهناك شكوك ازاء امكانية استئناف محادثات جدية بين الجانبين حاليا، حيث تعد الحكومة التي يتزعمها نتانياهو الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، وتضم مؤيدين للاستيطان دعوا بشكل علني الى إلغاء فكرة قيام دولة فلسطينية، بينما لا يحظى الرئيس الفلسطيني محمود عباس (82 عاما) بشعبية واسعة.

كما اعتبر وزير المخابرات الإسرائيلي إسرائيل كاتز، أن حركة حماس ما زالت تمثل "مصدر تهديد" لإسرائيل وللسلطة الفلسطينية، وذلك في تعليقه على اتفاق المصالحة الذي وقعته حماس وفتح في وقت سابق بالقاهرة، برعاية المخابرات المصرية. وقال كاتز إن "حماس ستظل مصدر تهديد لإسرائيل والسلطة الفلسطينية إذا لم تعترف بإسرائيل وتتخلى عن الإرهاب وتحل جناحها المسلح". وأضاف أن الاتفاق بين حماس وفتح "سبب للقلق من أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أظهر استعداده للعمل مع قادة حماس مثل يحيى السنوار (قائد حماس في غزة)". ورأى كاتز أن اتفاق المصالحة بين حماس وفتح ليس أكثر من مجرد "غطاء مناسب لاستمرار بقاء حماس ونشاطها كمنظمة إرهابية بينما تتخلى عن المسؤولية المدنية لغزة التي تدهورت أوضاعها بشدة في ظل سيطرة حماس على القطاع"، على حد تعبيره.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تقارير)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك