ليبيا: بين طموح التحرير في الداخل وواقع التقسيم من الخارج


لا تزال ليبيا ومنذ انهيار نظام القذافي في فبراير/شباط 2011، غارقة في فوضى أمنية كبيرة بسبب الصراعات والحروب الداخلية بين بعض الجماعات والاحزاب المدعومة من دول وجهات خارجية تسعى الى تحقيق مصالحها الخاصة في هذه البلاد الغنية بالنفط والغاز، هذه الصراعات والفوضى الامنية فرت ايضا موطئ قدم للتنظيمات متطرفة ومنها تنظيم داعش الارهابي، الذي اتخذ في عام 2015، مدينة درنة، ثم سرت، مقراً له. ويتلخص الصراع الليبي الداخلي الدائر وكما نقلت بعض المصادر، بين أربع منظمات متناحرة تسعى للسيطرة على ليبيا إذ بدأت جذور الأزمة عقب ثورة عام 2011.

فكانت أبرز سماتها وجود عدة جماعات مسلحة خارج سيطرة الحكومة، وكان غالبية الصراع بين مجموعة أطراف كان الطرف الأول فيها الحكومة المعترف بها دولياً والمنبثقة عن مجلس النواب الذي انتخب ديمقراطياً في عام 2014 الذي يتخذ من مدينة طبرق مقراً مؤقتاً له، والمعروفة رسمياً باسم (الحكومة الليبية المؤقتة) ومقرها في مدينة شحات شرق البلاد، أما الطرف الثاني فكانت حكومة إسلامية أسسها المؤتمر الوطني العام ومقرها في مدينة طرابلس، والطرف الثالث حكومة مجلس النواب المعترف بها دولياً التي لديها ولاء الجيش الليبي تحت قيادة الفريق (خليفة حفتر) الذي يحظى بدعم من مصر والإمارات العربية المتحدة وفرنسا، أما الطرف الرابع فهي الحكومة الإسلامية التابعة للمؤتمر الوطني العام، وتسمى أيضا بـ(حكومة الإنقاذ) التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين ومدعومة من قبل تحالف جهات إسلامية تعرف باسم (فجر ليبيا) وتحظى بمساعدة من قطر، والسودان، وتركيا.

وفضلاً عن تلك الجهات الرئيسة في الصراع إلّا أن هناك أيضاً جماعات متنافسة أخرى أصغر تمثل (مجلس شورى ثوار بنغازي الإسلامي) الذي تقوده جماعة (أنصار الشريعة) الذي حصل على دعم مادي وعسكري من المؤتمر الوطني العام وتنظيم (داعش) في بعض المناطق الليبية، وكذلك ميليشيات (الطوارق) في غات التي تسيطر على المناطق الصحراوية في جنوب غرب البلاد، والقوات المحلية في منطقة مصراتة التي تسيطر على بلدتي بني وليد وتاورغاء، وهؤلاء

المتحاربون هم ائتلافات من الجماعات المسلحة التي تغيّر الجانب الذي تحارب معه في بعض الأحيان.

وقد حذر تقرير أعده المعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني “تشاتام هاوس” من أن الفراغ الحادث في الموقف الدولي نحو ليبيا يعقِّد الأزمة وينذر بتفاقم الصراع داخلها، لافتا الى تردد موقف الإدارة الأميركية فيما يخص ليبيا منذ تولي دونالد ترامب رئاسة البلاد. وبين التقرير، الذي نشره المعهد على موقعه الإلكتروني، أن الأوضاع في ليبيا سواء على الصعيد السياسي أو العسكري لم تتغير كثيرًا منذ وصول رئيس وأعضاء المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق غير المعتمدة إلى العاصمة طرابلس، مشيرا الى ان حكومة الوفاق لا تفعل سوى إخفاء العيوب دون المساهمة في حلها ولديها سلطة وشرعية محدودة لدى عموم الليبيين، بل تعتمد على عدد من المليشيات المسلحة في طرابلس لحمايتها.

وفيما يخص السياسية الأميركية، رأى التقرير أن هناك قصورًا في السياسة الأميركية نحو ليبيا منذ وصول دونالد ترامب، وحتى الآن لم تتضح معالم سياسة واشنطن، مع التأخر في تعيين المبعوث الأميركي الخاص. ويبدو أن الدول الأوروبية لا ترغب في تحمل مسؤولية الفراغ الناتج عن تراجع مشاركة واشنطن والأمم المتحدة. وتابع أيضًا أن ضعف المشاركة الدولية وعدم وضوح السياسة الأميركية ساهم في زيادة الصراع بين المليشيات المسلحة.

تحرير بنغازي

وفي هذا الشأن تواصل القوات التابعة للمشير خليفة حفتر الرجل القوي في شرق ليبيا عمليات التمشيط لمنطقتي الصابري وسوق الحوت وسط مدينة بنغازي (شرق)، معلنة فقدانها لثلاثة وعشرين جنديا، فيما تمكنت من القضاء على عدد من الجهاديين، بحسب مسؤولين عسكريين. وأعلن المشير خليفة حفتر "التحرير الكامل" لمدينة بنغازي من الجهاديين بعد اكثر من ثلاث سنوات من المعارك الدامية.

وقال المتحدث باسم القوات الخاصة الصاعقة العقيد ميلود الزوي "إن قوات الجيش بمختلف وحداته تواصل عمليات التمشيط الواسعة لمنطقتي الصابري وسوق الحوت". وأضاف الزوي أن "عمليات التمشيط تهدف لتطهير هذه المناطق من بقايا الجماعات الإرهابية المختبئة بعدد من المنازل خصوصا المنطقة المحيطة بسوق الجريد الفاصل بين الصابري وسوق الحوت حيث تدور معارك شرسة".

وأعلن الزوي "فقدان القوات الخاصة لثلاثة جنود خلال عمليات التمشيط من خلال انفجار ألغام أرضية زرعتها الجماعات الإرهابية، إضافةً إلى أنّ مختلف الوحدات فقدت أكثر من عشرين جنديا جراء إطلاق رصاص عليهم من قبل إرهابيين تحصنوا داخل المنازل وتم التعامل معهم". وأشار إلى أنّ "قوات الجيش تمكنت من القضاء على العديد منهم فيما تمكنت من إلقاء القبض على أكثر من 17 مسلحا كان يقاتل إلى جانب هذه المجموعات في الصابري وسوق الحوت"، لافتا إلى أن عمليات التمشيط ما زالت مستمرة. بحسب فرانس برس.

إلى ذلك، أعلن الزوي أنّ "قوات الجيش أوقفت التعامل بالأسلحة الثقيلة، لقرب وحدات الجيش من بعضها البعض"، موضحا أنه يجري "التعامل مع التنظيمات الإرهابية بالمنطقة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة". وطلبت القوات الموالية لحفتر من المواطنين عدم الاندفاع للدخول إلى المناطق المحررة بسبب الانتشار الكبير للألغام، مشيرة إلى أنّ العمل جار لتفكيكها.

مرتزقة من الخارج

على صعيد متصل قال باحثون مقيمون في جنيف إن مئات المقاتلين من تشاد وإقليم دارفور السوداني يؤججون الاضطرابات في ليبيا ويحاربون لحساب فصائل متناحرة ويسعون لتشكيل حركات تمرد ويمارسون قطع الطرق وتهريب السلاح. وذكر التقرير الذي أصدرته مجموعة مسح الأسلحة الصغيرة أن عدم التوصل لاتفاقات سلام لدمج المتمردين في تشاد والسودان أدى إلى "سوق للمقاتلين عبر الحدود" التي تربط بين البلدين وليبيا.

وأضاف أنه في ظل تواجد إسلاميين متشددين في المناطق الصحراوية بالإضافة إلى مهربي البشر والسلاح فإن خطر زعزعة الاستقرار سيزداد إلا إذا أدمجت المجتمعات المهمشة منذ فترة طويلة. ويقع التقرير في 179 صفحة ويركز على قبائل التبو التي تسكن جبال تبستي في شمال تشاد على مشارف الحدود مع ليبيا والنيجر. ولعبت دورا رئيسيا في حركات التمرد بالدول الثلاث.

وانتهى أحدث تمرد لأبناء هذه القبائل في تشاد عام 2011 لكن الانتفاضة التي أطاحت بمعمر القذافي في ليبيا في نفس العام استقطبهم وأتاحت لهم الحصول على الأسلحة بسهولة. وقال التقرير "هذه الفوضى تجذب المقاتلين بما في ذلك القوات المعارضة المسلحة من شمال تشاد ودارفور ولها تداعيات بالفعل في تشاد والسودان". وأضاف "مثلث تشاد-السودان-ليبيا مرة أخرى أصبح مركز نظام إقليميا للصراعات. من التبعات الواضحة لهذه الصراعات عودة ظهور سوق إقليمي للمقاتلين عبر الحدود منذ عام 2011".

وتتبادل الفصائل الليبية المتناحرة الاتهامات بالاستعانة بمرتزقة من أفريقيا جنوب الصحراء. وقال جيروم توبيانا الذي شارك في وضع التقرير إن نحو 1500 مقاتل ربما يكونون في ليبيا حاليا وإن معظمهم يعملون مع قوات موالية للقائد العسكري خليفة حفتر الذي يتخذ من شرق ليبيا قاعدة له. وأضاف أن نحو ألف من تشاد يعملون مع القوات المناهضة لحفتر بينما يحاول بضع مئات التزام الحياد أو يريدون العمل لأي من الجانبين. بحسب رويترز.

وذكر التقرير عدة أمثلة على تمركز جماعات من تشاد والسودان في منطقة الجفرة الصحراوية بوسط البلاد والتي كانت مؤخرا بؤرة للقتال بين القوات الموالية لحفتر وخصومها وفي بنغازي حيث تشن قوات حفتر حملة منذ فترة طويلة على إسلاميين متشددين وخصوم آخرين. وقال التقرير إن الجيش يركز جهوده على إعادة الاستقرار للمنطقة لكنه رجح ألا تكلل هذه الجهود بالنجاح ودعا إلى سياسات اجتماعية سياسية لدمج أبناء قبائل التبو. وأضاف "الأزمة الليبية وقضية وجود الجهاديين في الصحراء لن يحلها التدخل العسكري في جنوب ليبيا أو نشر جنود غربيين على الحدود غير المحكمة التي ليس لها وجود فعليا". ومضى التقرير "لا يمكن الاستهانة بأهمية وجود الدول الثلاث (ليبيا وتشاد والنيجر) ليس من الناحية العسكرية وحسب وإنما أيضا من ناحية توفير الخدمات والتنمية".

حفتر في ابوظبي

الى جانب ذلك بحث المشير خليفة حفتر في ابوظبي تنسيق جهود مكافحة التطرف والارهاب بين المعسكر الذي يقوده في شرق ليبيا ودولة الامارات بعد اقل من اسبوع على اعلانه "التحرير" الكامل لمدينة بنغازي من التنظيمات المتطرفة. وقالت وكالة الانباء الرسمية ان الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة قدم لحفتر خلال لقاء بينهما "تهانيه بمناسبة تطهير مدينة بنغازي من التنظيمات الإرهابية". واكد الشيخ محمد "وقوف دولة الإمارات العربية المتحدة إلى جانب الشعب الليبي ودعم خياراته وتطلعاته في حياة مستقرة".

وتم خلال اللقاء بحث "الجهود والتنسيق المشترك بين البلدين بالتعاون مع الأطراف الإقليمية والدولية في محاربة التطرف والعنف وتنظيماتهما وتشكيلاتهما الإرهابية"، بحسب وكالة الانباء التي نقلت عن حفتر "شكره لدولة الإمارات العربية المتحدة على وقوفها الى جانب الشعب الليبي". وكانت ابوظبي استضافت في ايار/مايو الماضي لقاء بين السراج وحفتر، الطرفان الرئيسيان في النزاع الليبي، اتفقا خلاله على العمل من أجل حل الأزمة، من دون إعلان إجراءات ملموسة. بحسب فرانس برس.

وتاتي زيارة حفتر الاخيرة الى ابوظبي بعد ايام من اعلانه "التحرير الكامل" لمدينة بنغازي (شرق) من الجهاديين بعد اكثر من ثلاث سنوات من المعارك الدامية. وتتهم اطراف سياسية ليبية معارضة لحفتر دولة الامارات بتقديم دعم عسكري لقواته. وكان خبراء في منظمة الامم المتحدة اعدوا تقريرا في حزيران/يونيو الماضي يلحظ ان دولة الإمارات قدمت مروحيات قتالية وطائرات حربية لقوات حفتر، في انتهاك لحظر تصدير الأسلحة الى ليبيا.

مصر تتهم قطر

في السياق ذاته اتهمت مصر قطر ودولة أخرى في المنطقة بدعم "الجماعات الإرهابية" في ليبيا خلال اجتماع عقد بمقر الأمم المتحدة في نيويورك حول "تحديات مكافحة الإرهاب في ليبيا". وذكرت وزارة الخارجية المصرية في بيان أن السفير طارق القوني مساعد وزير الخارجية للشؤون العربية أشار خلال الاجتماع، الذي انعقد بمبادرة مصرية، إلى "الدعم الذي تحصل عليه الجماعات والتنظيمات الإرهابية في ليبيا من قطر تحديدا ودولة أخرى في المنطقة".

وجاء في البيان أن القوني استعرض أوجه الدعم الذي قدمته قطر للإرهاب في ليبيا. ولم يذكر اسم الدولة الأخرى. ورفض عبد الرحمن يعقوب الحمادي نائب السفير القطري في الأمم المتحدة الاتهامات المصرية. ونقلت قناة الجزيرة عنه قوله "إن سجل دولة قطر في مجال مكافحة الإرهاب والالتزام بقرارات مجلس الأمن والتعاون مع الأمم المتحدة مشهود له". وأضاف خلال الاجتماع "الاتهامات التي ساقها وفد مصر تأتي في سياق الحملة المغرضة الجارية حاليا التي تستهدف دولة قطر".

وتابع أن تقارير لجان الأمم المتحدة المعنية برصد انتهاكات قرارات مجلس الأمن لم تشر إلى أي من المزاعم التي وردت على لسان المسؤول المصري. وقال بيان الخارجية المصرية إن وفد مصر رد على مداخلة الحمادي "بتعميم قائمة على المشاركين في الاجتماع تعكس الانتهاكات القطرية المختلفة في ليبيا وفقا لما ورد رسميا في تقارير فرق خبراء الأمم المتحدة". وقطعت أربع دولة عربية هي مصر والسعودية والإمارات والبحرين العلاقات الدبلوماسية مع قطر متهمة إياها بتمويل الإرهاب وزعزعة الاستقرار الإقليمي والتقرب من إيران. بحسب رويترز.

وتنفي قطر هذه الاتهامات وتقول إنها تتعرض للعقاب لرفضها الانسياق وراء دعم جيرانها لأنظمة حكم ديكتاتورية وعسكرية. وتقول مصر إنها تعرضت لهجمات شنها متشددون انطلاقا من ليبيا. وقال الجيش إن القوات الجوية دمرت 12 سيارة دفع رباعي محملة بالأسلحة والذخائر والمواد المتفجرة عند محاولتها اختراق الحدود المصرية مع ليبيا.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تقارير)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك