لبنان: تسوية جديدة أم فراغ تشريعي؟


يقف لبنان على حافة أزمة سياسية جديدة قد تدخل البلاد في مشكلات كبيرة تزيد من معاناة الشعب، حيث يختلف الساسة اليوم وكما نقلت بعض المصادر، على قضية مهمة وحساسة تخض القانون الانتخابي المبني في البلاد وهو ما يهدد بحدوث فراغ تشريعي لأول مرة. حيث ستنتهي مدة ولاية البرلمان الحالي في 20 يونيو حزيران. وفي حالة عدم التوصل إلى اتفاق فستدخل البلاد في أزمة سياسية وصفها وزير بأنها ستكون الأخطر منذ انتهاء الحرب الأهلية التي دارت رحاها من عام 1975 إلى عام 1990، يضاف الى ذلك الخلافات السياسية الاخرى بين الاحزاب والتيارات المتصارعة، التي تسعى الى تحقيق مكاسب خاصة وتعمل على إرضاء جهات وأطراف خارجية داعمة لها. كما ان الاوضاع غير المستقرة التي تعيشها المنطقة ربما ستكون سببا في تأجيج الخلافات الحالية خصوصا مع وجود انقسام داخل لبنان بهذا الشأن ومنها ملف الصراع في سوريا وملف اللاجئين السوريين في لبنان، وتحركات اسرائيل ضد حزب الله وغيرها من الملفات الأخرى المعقدة التي قد تثر سلبا على امن واستقرار هذا البلد.

ويعتقد بعض المحللين أن مخاطر الفراغ التشريعي، بما في ذلك خطر التسبب في إسقاط الحكومة، ستجبر الفرقاء على التوصل إلى اتفاق تسوية، وإن كانت لم تظهر بعد أي علامة تدل على ذلك. ويبدو الآن أن التمديد لمجلس النواب إلى ما بعد 20 يونيو حزيران بات أمرا لا يمكن تجنبه لإتاحة المزيد من الوقت للتوصل لاتفاق، وإن كان ما يطلق عليه اسم (التمديد التقني) لبضعة شهور سيتطلب أيضا اتفاقا سياسيا. واستبعد الزعماء التمديد لفترة أطول وسط قلق من حدوث أثر معاكس بين الجماهير يمكن أن يسبب اضطرابات.

ازمة خطيرة

وفي هذا الشأن قال وزير المالية علي حسن خليل "هذه أخطر أزمة يمر بها البلد بعد اتفاق الطائف" في إشارة إلى الاتفاق الذي أقر عام 1989 والذي أنهى الحرب الأهلية. وتابع "ولأول مرة، حتى قبل الطائف، نقترب من الفراغ، نصل إلى مرحلة حتى حدود الفراغ". إلا أن احتمالات العودة للحرب الأهلية تبدو بعيدة. فالسياسيون اللبنانيون لا يزالون ملتزمين باحتواء التوترات الطائفية التي تفاقمت بسبب الحرب الدائرة في سوريا منذ ست سنوات. ويتمثل الخطر الأكبر في حدوث شلل لمؤسسات الدولة في وقت تحاول الحكومة فيه إنعاش اقتصاد يكبله دين عام ضخم ويسعى للتأقلم مع عبء 1.5 مليون لاجئ قدموا من سوريا.

وتتوزع مقاعد البرلمان المؤلف من 128 نائبا بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين بموجب اتفاق الطائف الذي قلص سلطة المسيحيين من خلال تخفيض عدد مقاعدهم في البرلمان وحد من صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني. كما وسع الاتفاق من صلاحيات رئيس الوزراء وهو موقع يتولاه مسلم سني في إطار نظام تقاسم المناصب الطائفي. ويتولى رئاسة مجلس النواب مسلم شيعي.

ويوجد المسيحيون الموارنة، الذين كانوا يوما القوة المهيمنة، في صميم النزاع. ويقول زعماؤهم إن القانون الذي جرت الانتخابات الأخيرة على أساسه يجعل كلمة المسلمين أساسية في اختيار النواب المسيحيين. ويطالب التيار الوطني الحر، الذي أنشأه الرئيس ميشال عون وهو أكبر حزب مسيحي في لبنان، بوضع قانون يعيد رسم الدوائر الانتخابية بحيث يتسنى للناخبين المسيحيين اختيار عدد أكبر من المقاعد المسيحية.

وعندما تولى عون سدة الرئاسة في أكتوبر تشرين الأول الماضي في إطار صفقة سياسية أنهت فراغا رئاسيا استمر عامين ونصف العام وقادت الزعيم السني سعد الحريري إلى رئاسة الوزراء، قال إن وضع قانون انتخابي جديد هو إحدى أولوياته. وجرت آخر انتخابات برلمانية في لبنان في عام 2009. ومنذ ذلك الحين تأجلت الانتخابات مرتين حيث اختار النواب التمديد لأنفسهم بدلا من معالجة الخلافات الأساسية المنبثقة عن كيفية إجراء الانتخابات.

ويقول البعض إن منطق التيار الوطني الحر طائفي جدا، فالنظام الحالي ساعد على إقامة تحالفات سياسية على أسس طائفية. وقال عون في بيان مكتوب صادر عن الرئاسة "إن موقفنا من قانون الانتخاب ليس طائفيا، بل نحاول أن نرد أكبر عدد من الحقوق إلى أصحابها". وقوبلت معظم الاقتراحات التي قدمها جبران باسيل رئيس التيار الوطني الحر ووزير الخارجية، وهو أيضا صهر عون، بالرفض من معظم الأحزاب الأخرى بما في ذلك حلفاؤه في حزب الله الشيعي القوي.

وقال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في كلمة إن المسيحيين والدروز لديهم هواجس من القانون أكثر مما لدى السنة والشيعة مضيفا أن البعض يعتبر المسألة "حياة أو موت" ولا بد من التوصل إلى اتفاق. وقال الزعيم الدرزي وليد جنبلاط إنه إذا لم يكن هناك اتفاق فإن الانتخابات يجب أن تجرى وفقا للقانون الحالي لتجنب الفراغ. وأضاف أن المشرعين غير قادرين حتى الآن على إيجاد مخرج من "الحلقة المفرغة". بحسب رويترز.

وفي إطار المساعي الرامية للتوصل لاتفاق وسع السياسيون المحادثات لتشمل إمكانية إنشاء مجلس شيوخ الأمر الذي نص عليه اتفاق الطائف على أن يكون رئيسه درزيا. غير أن هذه النقطة أصبحت هي أيضا موضع خلاف. وقال جنبلاط "نحن نفضل أن نلتزم بهذا الاتفاق ونريد من شركائنا الآخرين أن يتفهمونا. من الأفضل الاتفاق على رئاسة مجلس الشيوخ حتى يكون لدينا صفقة كاملة". وتوقع نبيل بومنصف المعلق السياسي في صحيفة النهار أن تجبر مخاطر الإخفاق الفرقاء على التوصل إلى اتفاق تسوية. وقال "كل الأطراف تدرك تماما ما معنى أن نصل إلى هذا الاحتمال. ولذلك فإن الخوف من هذا الاحتمال وما يرتبه من تداعيات سوف يدفعهم إلى اقتراح تسوية في اللحظة الأخيرة".

هدنة دائمة مع إسرائيل

من جانب اخر دعا رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الأمم المتحدة إلى مساعدة لبنان وإسرائيل في المضي قدما نحو وقف دائم لإطلاق النار وإنهاء ما وصفها "بالانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة" للأراضي اللبنانية. وخاضت إسرائيل حربا ضد جماعة حزب الله اللبنانية في عام 2006 استمرت شهرا وانتهت بوقف الأعمال القتالية دون اتفاق سلام رسمي.

وقال الحريري "أدعو الأمين العام للأمم المتحدة لدعم الجهود للتوصل إلى حالة وقف دائم لإطلاق النار في أسرع وقت ممكن. لقد تأخر ذلك طويلا وحكومتي ملتزمة بدفع هذا التوجه قدما." ونص قرار الأمم المتحدة رقم 1701 الذي أنهى حرب عام 2006 على تولي الجيش اللبناني مسؤولية الأمن بمنطقة الحدود وحظرها على أي جماعة مسلحة أخرى ومنها حزب الله. وتنشر الأمم المتحدة قوة لحفظ السلام على الحدود أيضا. وتضمن القرار دعوة إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية. وتقول لبنان إن إسرائيل لم تنفذ الانسحاب لأنها تواصل احتلال منطقة مزارع شبعا المتنازع عليها.

من جانب اخر اكد رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري خلال تواجده في بلدة الناقورة في جنوب البلاد ان حكومته "غير معنية" و"لا تقبل" بالجولة التي نظمها حزب الله للصحافيين في المنطقة الحدودية. وقال الحريري للصحافيين "ما حصل في مكان ما هو أمر نحن كحكومة غير معنيين به، ولا نقبل به بكل صراحة" وذلك اثر لقاء شارك فيه قائد الجيش العماد جوزيف عون ورئيس بعثة اليونيفيل الى لبنان مايكل بيري في مقر قوات الطوارئ الدولية التابعة للامم المتحدة في الناقورة.

وتأتي تصريحات الحريري وزيارته الى الناقورة غداة جولة نظمها حزب الله لاكثر من مئة صحافي عند المنطقة الحدودية بهدف اظهار الاستعدادات التي تقوم بها الدولة العبرية لحرب محتملة بعد سلسلة تصريحات لمسؤولين اسرائيليين تصب في هذا الاطار. وامكن خلال الجولة التي بدأت من بلدة الناقورة الساحلية مشاهدة مقاتلين من حزب الله بزيهم العسكري على طول الطريق. وحمل بعض المقاتلين بوجوههم المخططة بالاخضر والاسود بصمت بنادق رشاشة وقاذفات "آر بي جي".

ويشارك حزب الله حاليا في الحكومة التي يترأسها الحريري برغم الخصومة السياسية الطويلة بينهما. ويكرر الحريري دائما رفضه لسلاح حزب الله الذي يصفه بـ"غير الشرعي". واكد الحريري للصحافيين في الناقورة ان "الجيش اللبناني هو وحده المكلف بحماية الحدود والذي يدافع عنا بصفته القوة الشرعية التي لا قوة فوق سلطتها". بحسب فرانس برس.

وفي الاشهر الاخيرة، ازدادت التكهنات حول امكان اندلاع حرب جديدة بين اسرائيل وحزب الله بعد اكثر من عقد على آخر حرب بينهما والتي استمرت 33 يوميا وقتل خلالها 1200 شخص في لبنان معظمهم مدنيون و160 اسرائيليا معظمهم جنود. وانسحبت اسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000 بعد احتلال استمر 22 عاما، ولا يزال الطرفان رسميا في حالة حرب. وقال الحريري ان "اسرائيل تنتهك القرار 1701، ونحن كحكومة نرفع الانتهاكات للأمم المتحدة من ناحية، ونذكر بضرورة الانتقال لوقف دائم لإطلاق النار لوقف هذه التعديات من ناحية أخرى". وتابع "آن الأوان أيضا إن تفهم إسرائيل ضرورة الانتقال إلى وقف إطلاق نار".

وقال المتحدث باسم حزب الله محمد عفيف واقفا على هضبة تشرف على الخط الازرق الذي يشكل خط وقف اطلاق النار "نظمت هذه الجولة لنظهر الاجراءات الدفاعية التي يتخذها العدو". واوضح قيادي عسكري في الحزب عرف عنه باسم الحاج إيهاب ان الجيش الاسرائيلي يعزز مواقعه العسكرية قرب مستوطنة حانيتا الحدودية. واضاف مشيرا الى احد المواقع الاسرائيلية "هذا الموقع قريب من الحدود مباشرة ويخشى العدو ان تتقدم المقاومة اليه لذا عمل على جرفه ورفع سواتر ترابية داخله ووضع عددا من بلوكات الاسمنت". وفيما كان يتحدث، كانت دورية اسرائيلية تضم اليتين مدرعتين وحافلة بيضاء تسلك طريقا وسط حقل خلف حاجز بينما تنشط جرافتان في الجوار.

ومن شان اي نزاع جديد ان يكون اكثر شراسة ودموية وخصوصا ان قائد الجيش الاسرائيلي حذر اخيرا من ان "الحرب المقبلة سيكون لها اهداف عدة: الدولة اللبنانية والمجموعات الارهابية التي تنشط على اراضيها وتحت سلطتها". ويسعى حزب الله ايضا الى تأكيد استعداده لاي مواجهة جديدة رغم ان الافا من عناصره يقاتلون الى جانب قوات النظام في سوريا. وعلق الحاج إيهاب "نحن لا نخشى الحرب ولا نخافها ولا نتردد في مواجهتها، بل نشتاق لها وسنواجهها اذا فرضت علينا وسننتصر بها ان شاء الله". لكنه اوضح ان "احتمالات الحرب بعيدة وهذه الاجراءات الدفاعية تثبت ان اسرائيل هي القلقة من المقاومة وليست المقاومة من تخاف العدو الصهيوني".

أزمة اللاجئين

على صعيد متصل قال رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إن بلاده تقترب من "نقطة الانهيار" بسبب ضغوط استضافة 1.5 مليون لاجئ سوري وإنه يخشى اضطرابات قد تندلع بسبب التوتر بينهم وبين المجتمعات اللبنانية. ويمثل اللاجئون الذين فروا من الصراع المستمر منذ ست سنوات في سوريا المجاورة ربع سكان لبنان ويعيش أغلبهم في فقر مدقع في مخيمات مؤقتة في أنحاء البلاد بسبب معارضة الحكومة لإقامة مخيمات رسمية للاجئين.

وقال الحريري للصحفيين الذين يعملون لصالح وسائل إعلام أجنبية "اليوم إذا تجولت في معظم مناطق المجتمعات المستضيفة ستجد توترا كبيرا بين اللبنانيين والسوريين ... أخشى وقوع اضطرابات أهلية." وقال "سأحاول ... ضمان أن يدرك العالم أن لبنان يقترب من نقطة الانهيار." وقال إن بلاده كانت "محظوظة جدا بعدم تأثير هذه الأزمة على المجتمعات المستضيفة للاجئين لكننا جربنا حظنا لآخر مداه."

وتسببت الحرب السورية في إضعاف الاقتصاد اللبناني وأججت توترات بين اللبنانيين الموالين لطرفي الصراع وأدت لوقوع عدة هجمات على يد متشددين إسلاميين لكن لم تحدث حتى الآن أعمال عنف تذكر بين اللاجئين السوريين واللبنانيين. وقال جورج غالي مدير البرامج في منظمة (ألِف) المعنية بحقوق الإنسان إن التوترات تأتي من عوامل مثل الفهم الخاطئ لدى اللبنانيين بأن اللاجئين يتلقون مساعدات كبيرة ومن سياسات الحكومة التي جعلت من الصعب عليهم الحصول على إقامة رسمية. لكنه أضاف أن التوتر لم يصل إلى مرحلة التصعيد العنيف.

ويقول مسؤولون لبنانيون نقلا عن أرقام من البنك الدولي إن التكلفة التراكمية على لبنان بسبب الصراع السوري بلغت 18.15 مليار دولار حتى نهاية عام 2015. وذكر المسؤولون أن النمو السنوي للاقتصاد اللبناني تباطأ إلى ما يزيد قليلا عن واحد بالمئة من متوسط بلغ ثمانية في المئة قبل الحرب السورية. وتسعى الحكومة للحصول على دعم مالي لبرنامج استثمار يقوده القطاع العام في البنية التحتية لتعزيز الاقتصاد وتسعى أيضا لزيادة عدد السوريين في نظام التعليم. بحسب رويترز.

وتولى الحريري، وهو سياسي سني متحالف مع السعودية، رئاسة الوزراء في ديسمبر كانون الأول في اتفاق سياسي شمل اختيار ميشال عون، حليف جماعة حزب الله الشيعية المدعومة من إيران، لرئاسة البلاد. وتضم الحكومة أيضا ممثلين عن جماعة حزب الله التي تحارب في سوريا دعما للرئيس بشار الأسد.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تقارير)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك