حروب المعارضات في سوريا: عندما يلبس الإرهاب قناع الثورة


الصراع في سوريا التي تشهد ومنذ العام 2011 نزاعاً دامياً، تتداخل فيه أطراف محلية وإقليمية ودولية، تسبب بمقتل أكثر من 320 الف شخص وبدمار هائل في البنى التحتية ونزوح وتشريد اكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها. دخل وبحسب بعض المراقبين منعطفا جديدا بسبب اتساع الخلافات بين الأطراف المتصارعة، وخصوصا الفصائل المعارضة المدعومة من جهات خارجية، والتي دخلت اليوم في حرب جديدة من اجل تحقيق مكاسب خاصة، حيث تفاقمت حده الخلافات في الفترة الأخيرة، بين المجاميع المسلحة بسبب اتفاق محادثات السلام بين الحكومة السورية والمعارضة، الذي توصلت إليه روسيا وإيران وتركيا في آستانة، والقاضي بإنشاء مناطق "لخفض التصعيد" في سوريا "مما سيؤدي إلى خفض كبير لتصعيد العنف ويساعد في تهيئة مناخ يفيد المحادثات السياسية السورية-السورية في جنيف، وهو ما اغضب بعض الجهات والتنظيمات المتشددة.

حيث حذرت جبهة فتح الشام (النصرة سابقا) فصائل المعارضة من تطبيق اتفاق استانا الذي وقعته موسكو وطهران الداعمتان لدمشق وانقرة الراعية للمعارضة، معتبرة ان من شأن ذلك ان يشكل "خيانة". وينص اتفاق استانا الذي يستثني جبهة النصرة على انشاء "مناطق تخفيف التصعيد" في ثماني محافظات سورية. ويطالب الدول الضامنة بالعمل على فصل فصائل المعارضة عن "المجموعات الارهابية"، وابرزها جبهة النصرة وتنظيم داعش.

وجاء في بيان نشرته هيئة تحرير الشام التي تعد جبهة فتح الشام مكونها الرئيسي، على تطبيق تيلغرام ان "الموافقة على اتفاقية استانا والرضا بها خيانة.. ومؤامرة تبغي وأد الجهاد والثورة في الشام". ودعت في حال سعت الفصائل الى التقدم نحو مناطق سيطرتها الى "مقاتلة تلك الفلول المجرمة وبذل الغالي والنفيس دون قدوم هؤلاء المفسدين الى اي منطقة تحت اي ذريعة او راية كانت".

وتتقاسم فتح الشام مع فصائل اسلامية السيطرة بشكل رئيسي على محافظة ادلب (شمال غرب) التي يشملها اتفاق استانا. وينص هذا الاتفاق على ضرورة اتخاذ الدول الضامنة "كافة الاجراءات اللازمة داخل وخارج مناطق تخفيف التصعيد لمواصلة القتال ضد داعش وجبهة النصرة" وكافة المجموعات المرتبطة بهما. ولطالما شكل مطلب فك الفصائل المعارضة ارتباطها مع جبهة فتح الشام عائقا امام تطبيق اتفاقات وقف اطلاق النار السابقة في سوريا اما لتداخل مناطق سيطرتها او لوجود تحالف بينها. وفي كانون الثاني/يناير وبعد انتهاء الجولة الاولى من محادثات استانا بين ممثلين عن الحكومة السورية والفصائل المعارضة، اتهمت جبهة فتح الشام فصائل معارضة ابرزها حركة احرار الشام بـ"العمالة" والاتفاق على قتالها و"عزلها"، واندلعت معارك عنيفة غير مسبوقة بين الطرفين في ادلب ادت الى مقتل العشرات.

معارك جديدة

وفي هذا الشأن قتل نحو 170 شخصا، غالبيتهم من المقاتلين، خلال اسبوع من اشتباكات عنيفة بين فصائل اسلامية في الغوطة الشرقية قرب دمشق، وفق ما افاد المرصد السوري لحقوق الانسان. واندلعت الاشتباكات بين كل من جيش الاسلام، الفصيل الاسلامي المعارض الابرز في الغوطة الشرقية من جهة، وجبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقا) وفصيل فيلق الرحمن ثاني اكبر فصائل الغوطة من جهة ثانية.

وقتل خلال اسبوع من الاقتتال الداخلي، وفق المرصد، "156 مقاتلا من الفصائل بينهم 67 من جيش الاسلام و89 من الفصيلين الآخرين". وأسفرت المعارك ايضا عن مقتل "13 مدنيا بينهم طفلان" واصابة العشرات بجروح. وقال مدير المرصد السوري رامي عبد الرحمن ان "الامور عادت الى ما كانت عليه سابقا"، مشيرا الى ان "كل طرف استعاد المناطق التي خسرها خلال الاشتباكات لصالح الطرف الآخر".

وأكد عبد الرحمن ان "السبب الرئيسي خلف اندلاع الاشتباكات كان سعي جيش الاسلام لانهاء تواجد هيئة تحرير الشام (ائتلاف فصائل اسلامية بينها جبهة فتح الشام) في الغوطة الشرقية". وأعلن "جيش الاسلام" في بيان انتهاء العملية التي اطلقها "لتقويض (...) جبهة النصرة"، مشيرا الى ان العملية حققت "معظم اهدافها (...) وقضت على مقومات وجود هذا التنظيم الدخيل على الغوطة، ولم يبق منه الا فلول طريدة". بحسب فرانس برس.

وقال عبد الرحمن بدوره ان "هيئة تحرير الشام ضعفت خلال الهجوم ولولا دعم فيلق الرحمن لها لانتهى تواجدها بالكامل". وهذه ليست المرة الاولى التي تشهد فيها الغوطة الشرقية اقتتالا داخليا بين الفصائل المعارضة فيها، اذ قتل نحو 500 مقاتل خلال شهري نيسان/ابريل وايار/مايو العام 2016 في معارك دامت اسابيع عدة نتيجة صراع على النفوذ بين جيش الاسلام من جهة وتحالف فيلق الرحمن وجبهة فتح الشام من جهة ثانية.

التنحي جانباً

من جهة اخرى قال زعيم جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقا) ابو محمد الجولاني أن الاعتداءات الانتحارية التي اوقعت عشرات القتلى في مدينة حمص في وسط سوريا هي "درس" لقادة المعارضة المشاركين في مفاوضات جنيف، داعيا اياهم الى "التنحي جانبا". وفي بيان تلاه في شريط فيديو، كرر الجولاني تبني تفجيرات حمص، وقال "لعل هذا العمل درس لبعض السياسيين المنهزمين في جنيف ومن قبلها أستانا، درس يمسح شيئاً من العار الذي ألحقه هؤلاء المغامرين بأهل الشام، وقد آن لهؤلاء المغامرين أن يتركوا الحرب لأهلها ويتنحوا جانباً".

وسأل الجولاني الذي يندر ظهوره في اشرطة فيديو "أما ثبت لهم ان الدول تلعب بهم ويصفق لذلك النظام (السوري) ودي ميستورا (...) أما تبين لهم ان هذا النظام المجرم لا ينفع معه الا لغة القوة والدماء؟". وفجر انتحاريون أنفسهم مستهدفين مقرين أمنين محصنين في مدينة حمص، ما تسبب بسقوط 42 قتيلا بينهم رئيس فرع الأمن العسكري في حمص. وتبنت العملية "هيئة تحرير الشام" المؤلفة من فتح الشام وفصائل متحالفة معها.

واتهم الجولاني الذي يشغل منصب القائد العسكري في هيئة تحرير الشام، قادة المعارضة السياسية بأنهم "يدفعون شيئاً لا يملكوه ويهبون النظام نصراً دون ان ينتصر". وتوعد بتنفيذ تفجيرات اخرى بعد حمص معتبراً أن "هذا العمل ما هو الا حلقة في سلسلة عمليات تأتي تباعاً باذن الله". وتأتي مواقف الجولاني فيما تستضيف الامم المتحدة في جنيف جولة رابعة من مفاوضات السلام بين ممثلين عن الحكومة السورية والمعارضة، لم تنجح حتى اللحظة في تحقيق اي تقدم.

وينبثق وفد المعارضة الرئيسي الى جنيف عن الهيئة العليا للمفاوضات التي تمثل اطيافاً واسعة من القوى المعارضة والفصائل، لكنها تستثني جبهة فتح الشام. واستبعدت الاخيرة ايضا من وفد الفصائل الذي شارك في جولتي محادثات في استانا برعاية روسية تركية ايرانية. وكانت فتح الشام تعرف قبل فك ارتباطها عن تنظيم القاعدة في تموز/يوليو باسم جبهة النصرة. وادرج محللون اقدامها على ذلك في اطار سعيها لتجنب الغارات الكثيفة التي تستهدف التنظيمات الجهادية في سوريا. بحسب فرانس برس.

وفي كانون الثاني/يناير، وبعد اقتتال داخلي بين الفصائل في شمال غرب سوريا، اعلنت فتح الشام تحالفها مع اربعة فصائل اخرى، تحت مسمى هيئة تحرير الشام. وتتعرض مواقع فتح الشام لغارات كثيفة ينفذها الطيران الروسي والتحالف الدولي بقيادة واشنطن. وخسر التنظيم في الاشهر الاخيرة العديد من القادة البارزين في صفوفه.

اعدام العشرات

الى جانب ذلك قال مسؤول بالمعارضة السورية المسلحة وموقع سايت الذي يراقب أنشطة الجماعات المتشددة على الإنترنت إن مقاتلين إسلاميين في سوريا أعدموا عشرات المعارضين الذين أسروهم في اشتباكات دامية. وقال المسؤول بالمعارضة والموقع الإلكتروني الذي مقره الولايات المتحدة إن جماعة منبثقة عن جماعة جند الأقصى قتلت ما بين 150 و200 عضو في فصائل معارضة وتحالف آخر لفصائل إسلامية في بلدة خان شيخون بجنوب محافظة إدلب.

وذكروا أن القتلى كانوا قد اعتقلوا وظلوا أسرى ستة أيام خلال اشتباكات بالمنطقة في قتال يزداد دموية بين فصائل مسلحة مختلفة. وكان عشرات من الذين أعدموا أعضاء في جماعة تنضوي تحت لواء الجيش السوري الحر وتدعى جيش النصر. وأكد عبد الحكيم الرحمون رئيس الجناح السياسي لجماعة جيش النصر أن 70 مقاتلا من الجماعة أعدموا وتوعد بشن هجمات ردا على ذلك. وذكر أن أكثر من 160 مقاتلا من الجيش السوري الحر قتلوا إجمالا إضافة إلى 43 من هيئة تحرير الشام- التي تضم جبهة فتح الشام التي كانت تابعة للقاعدة سابقا- قتلوا على الفور بعد أن اقتحم المتشددون محكمة تديرها الهيئة في نفس المنطقة. وقال إنه تمت تصفيتهم جميعا في وقت واحد.

وقال سايت نقلا عن مواقع للتواصل الاجتماعي موالية للقاعدة إن 150 شخصا إجمالا من أعضاء فصائل المعارضة المسلحة قتلوا. ومن بين هؤلاء أكثر من 70 من جيش النصر ومقاتلون من تحالف هيئة تحرير الشام. وتعتبر جماعة جند الأقصى قريبة فكريا من تنظيم الدولة الإسلامية المنافس الرئيسي لتنظيم القاعدة. واشتد القتال بين جند الأقصى وتحرير الشام في معارك قال مراقبون للحرب في سوريا إنها أوقعت عشرات القتلى. وأضفت تلك الاشتباكات مزيدا من التعقيد على مشهد تناحر فصائل المعارضة السورية في غرب البلاد. بحسب رويترز.

وتقاتل جماعتا تحرير الشام وجند الأقصى فصائل تابعة للجيش السوري الحر المدعوم من الخارج. وهاجمت جماعات إسلامية متشددة الجيش السوري الحر لإرساله مندوبين إلى محادثات السلام في قازاخستان الشهر الماضي. وتقاتل كثير من الجماعات التابعة للجيش السوري الحر تحت لواء حركة أحرار الشام الإسلامية القوية والأكثر اعتدالا.

المعارضة والإرهاب

على صعيد متصل قالت بسمة قضماني عضو وفد المعارضة السورية إن المعارضة ترفض الإرهاب و"نفد صبرها" من جماعات المتشددين المحظورة لكنها لا يمكن منع هذه الجماعات إذا واصلت سوريا طرد السكان من المناطق المحاصرة. وتستند الحكومة السورية دوما إلى الحرب على الإرهاب لتبرير دورها في الحرب المستمرة منذ ستة أعوام والتي أودت بحياة مئات الآلاف وتصف جميع معارضيها ومؤيدهم بأنهم إرهابيون ورعاة للإرهاب.

واستهل كبير مفاوضي المعارضة نصر الحريري، الذي يحاول التفاوض لإنهاء حكم الرئيس بشار الأسد، بالقول إن موقف المعارضة ضد الإرهاب ثابت على أرض المعركة وليس مجرد كلمات. لكن بعد ذلك شنت جماعات المعارضة المسلحة هجوما كان في مقدمته مفجرون انتحاريون من هيئة تحرير الشام المتشددة . وتضم هيئة تحرير الشام مقاتلين ينتمون إلى جبهة النصرة التي كانت في السابق تابعة لتنظيم القاعدة والتي تعد إحدى جماعتين صنفتهما الأمم المتحدة "جماعات إرهابية" إلى جانب تنظيم داعش.

وقالت قضماني الموجودة في جنيف للمشاركة في محادثات سلام تقودها الأمم المتحدة إن موقف المعارضة هو "الإدانة الواضحة... والرغبة في قتال الجماعات الإرهابية" التي ينطبق عليها توصيف الأمم المتحدة. وأبلغت قضماني "حقيقة أن (جبهة) النصرة أو تحرير الشام شاركتا في تلك المعارك لا يعني بأي شكل من الأشكال أن هذا تحالف جديد أو إحياء لتحالف." وأضافت أن المتشددين ينزعون إلى القيام بأدوار بارزة لكنهم لم يقودوا قط هجوما خاصا بهم أو يحافظوا على خط لوقف إطلاق النار. بحسب رويترز.

ومضت تقول "لقد نفد صبرنا تجاه النصرة. إنها أكبر خطر داخل المناطق الموجودة بها المعارضة. وقالت "أتمنى أن تكون لدينا خلال الشهرين أو الثلاثة أشهر المقبلة ، قبل الصيف ،سياسة أمريكية واضحة ترى الشيء الواضح وهو أن هذا البلد لا يمكن توحيده مرة أخرى إذا بقيت الفصائل التي تقودها إيران. "لا يمكن إخراج المتشددين ولا يمكن أن نجعل المعتدلين يحاربون المتطرفين إذا لم يكن لدينا وقف لإطلاق النار وأن تشمل الدعوة إلى انسحاب كل المقاتلين الأجانب الفصائل التي تقودها إيران ."

من جهة اخرى كشفت المعارضة السورية النقاب عن الوفد الذي سوف يمثلها في مفاوضات جنيف القادمة، بعد اجتماع لها في السعودية اتفق خلاله المشاركون على إرسال الوفد ذاته الذي حضر المفاوضات الماضية وكان برئاسة نصر الحريري. وكان وفد المعارضة في جنيف4 مؤلف من 21 عضواً بينهم عشرة ممثلين عن الفصائل العسكرية، ترأس وفد المعارضة في الجولة السابقة نصر الحريري، وتمكنت الأطراف التي شاركت في الجولة الرابعة من مفاوضات “جنيف” بشأن سوريا، عقد محادثات وصفت بالصعبة من التوصل إلى اتفاق على جدول أعمال يتكون من أربع “سلال”، تشمل بند مكافحة الإرهاب الذي طالب به وفد النظام السوري. وطالب فيه أولا ولكن في المقابل، أكدت المعارضة السورية أنها تريد مناقشة الانتقال السياسي في سورية، ولم يتوصل المشاركين لحل ينهي الحرب السورية الدائرة منذ 7 أعوام.

قوات سوريا الديمقراطية

على صعيد متصل قال مقاتلون مدعومون من قبل الولايات المتحدة في سوريا إنهم يخططون لشن هجمات في وقت قريب على مواقع في محافظة الرقة، معقل تنظيم داعش في سوريا. وقال قائد "قوات سوريا الديمقراطية" إنه من المتوقع أن تبدأ هذه الهجمات في "أول الصيف المقبل" ونجحت "قوات سوريا الديمقراطية" في توحيد صفوف الجماعات المسلحة من الأكراد والعرب السوريين في كيان واحد يستعد الآن لمهاجمة معاقل تنظيم الدولة في الرقة.

وأعلنت القوات سيطرتها الكاملة على مدينة الطبقة التي تبعد 50 كيلو مترا عن محافظة الرقة. وتشن القوات نفسها حملة منذ عدة أشهر بدعم من الطيران والاستخبارات الأمريكية لطرد تنظيم الدولة من الرقة. ووقعت معارك عنيفة بين المقاتلين الأكراد ومسلحي التنظيم الذين كانوا يسيطرون على أحياء شمالي الطبقة. والطبقة بلدة استراتيجية بحكم موقعها الذي يتحكم في سد الفرات في سوريا. بحسب بي بي سي.

ويتزامن الإعلان عن خطة الهجوم على معاقل التنظيم في الرقة مع عمليات لإجلاء مقاتلي المعارضة وأسرهم من أطراف وريف دمشق. وأُجلي 20 من الجرحى من مخيم اليرموك جنوب العاصمة السورية إلى إدلب شمال غربي البلاد في إطار اتفاق "البلدات الأربعة" (كفاريا، الفوعة، مضايا، الزبداني). ومن المقرر خروج 30 آخرين من الجرحى وأكثر من 200 من مقاتلي المعارضة من مخيم اليرموك وبلدات ببيلا ويلدا جنوب دمشق خلال 15 يوما. وبالتزامن مع ذلك سيتم إجلاء من بقي من مقاتلي كفريا والفوعة المواليتين للحكومة في ريف ادلب مع عائلاتهم باتجاه حلب. ويُنفذ الاتفاق تحت إشراف الهلال الأحمر السوري والقوات الحكومية وبضمانات إيرانية وقطرية.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تقارير)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك