الاستشارية نظام متفوق على الديمقراطية

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

1353 2016-12-15

العدل الحكومي شرط أساس في إدامة حياة لا مشاكل فيها، ولا يتخللها ظلم، حيث الجميع يتساوون في الحقوق والفرص المتاحة وفقا للمؤهلات والذكاء وشروط التفوق، في عملية تنافسية تحكمها عدالة حكومية، مع ضمير يتنافس مع الآخر بشرف، وهذا يدفع بالجميع الى أمام، مع أخذ المكانة المناسبة، والمكافأة المادية والمعنوية حسب الاستحقاق، إذا تمسكت الحكومة بقاعدة حفظ العدالة بين أفراد شعبها، لن تكون هناك حالات غبن.

هذا يتعلق بواجب الحكومات والأنظمة السياسية بمختلف أنواعها واتجاهاتها الفكرية والأخلاقية، ولكن هل يتحقق هذا دائما ومع جميع الأنظمة، الجواب كلا بطبيعة الحال، ولكن الظاهرة التي تسود منطق الحكومات وادعاءاتها أنها جميعا تصر على أنها تطبق منهج العدالة بين أفراد شعبها، بيد أن الواقع المرئي والملموس يقول بغير ذلك، فثمة الكثير من الحكومات من يعلن ويظهر أهدافا راقية لكن التطبيق لن يكون كذلك، الخلل هو الفارق الكبير بين المنهج المعلَن على الملأ وبين تطبيقه.

الحكومة التي تعلن أنها إسلامية المنهج ينبغي أن تكون العدالة قاعدتها الأساسية التي تنطلق منها لإدارة شؤون الدولة والمجتمع، وتسيير مصالحة داخليا وخارجيا، لسبب بسيط أن الحياة لن تمضي قُدُما اذا لم تكن هناك إدارة قائمة على تطبيق المنهج المعلَن بفحواه الجيد.

يقول سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، في الكتاب القيم الموسوم بـ (من عبق المرجعية) حول هذا الموضوع: إن (وظيفة الحكومة الإسلامية تجاه الأمة هي حفظ العدل بين الناس، داخلاً وخارجاً، والدفاع بالحياة إلى الأمام، وتوفير الفيء، من الرزق والمال عليهم، وتعليمهم وتثقيفهم، وحفظ أمنهم واستقرارهم).

وعندما يختلف المعلَن مع ما تؤديه الحكومة من واجبات سوف يتحول المنهج الى أضغاث أحلام، ويبقى كلمات مجردة وحبرا على ورق، لذلك من المهم تطبيق الأقوال والشعارات لأنها هي الأهم وهي المعيار على نجاح الحكومات أو إخفاقها.

كما نلاحظ ذلك في قول سماحة المرجع الشيرازي بهذا الخصوص: (إننا لا نسير خلف الأسماء والشعارات بل خلف الواقع).

علما أن الفجوة الكبيرة بين ما تعلن الحكومة وتطبق، هي التي تتسبب بمشكلات كبيرة تطال الشعب، فتحدث تلك القطيعة بين الحاكم والمحكوم، وتحدث المشاكل المتعاقبة بسبب هذا التباين بين ما هو معلن وبين ما يتم تطبيقه فعلا.

لهذا يرى سماحة المرجع الشيرازي بأن: (السبب فيما نراه في البلاد الإسلامية اليوم من نواقص، ومشاكل، يعود إلى أنها إسلامية بالاسم فقط، والشعار فحسب، وليس أكثر من ذلك).

الشعب مصدر شرعية الحكومة

من هنا كان الحرص على أهمية وأولوية أن تحصل الحكومة على شرعيتها من الشعب حصرا، فهذا بند لا مناص من الالتزام به، إذ أن الدستور المستفتى عليه شعبيا يلزم الحكومة بذلك، لذا ينبغي أن تكون الحكومة (شعبية) كما يؤكد ذلك سماحة المرجع الشيرازي، والمقصود بذلك أن تكون نابعة من الشعب، وبهذه الحالة سوف يكون الشعب تحت مظلة العدالة الحكومية، ويكون مشاركا بقوة في صناعة القرارات التشريعية والتطبيقية على حدا سواء.

يقول سماحة المرجع الشيرازي في هذا المجال بالمصدر نفسه: (الحكومة في الإسلام شعبية بالمعنى الصحيح للكلمة، فماذا يريد الناس غير المشاركة في الرأي، وغير الغنى، والعلم، والحريّة، والأمن، والصحّة، والفضيلة، مما يوفّرها الإسلام خير توفير؟).

هذه العدالة سوف تقود الى مصالح مهمة ينبغي أن تلتزم بها الحكومات تجاه الشعب، ومن أبرز تلك المصالح أن تكون الفرص الاقتصادية والعملية متاحة بصورة عادلة أمام الجميع كما مر ذكره، إذ من غير المعقول أن تدّعي الحكومة بانتسابها للاسلام، والتزامها بالفكر والتعاليم الإسلامية وفي الوقت نفسه تعجز عن تطبيق تعاليم الإسلام وفي المقدمة منها انتفاء الفقر من خلال اعتماد منهج العدالة بين الجميع بلا استثناء.

هذا التطبيق سوف يقضي على الفقر بعد أن تسود العدالة لسبب واضح أن الحكومة ملتزمة بالمنهج والبرنامج المعلن لها، لذلك تنج الحكومات الملتزمة بما تعد، وتفشل تلك التي تكون عاجزة عمّا وعدت به شعبها.

لذا ينبّه سماحة المرجع الشيرازي الى هذه النقطة بقوة عندما يقول: (في البلد الإسلامي في وقت حكم الإسلام الصحيح، يلزم أن لا يوجد حتى فقير واحد، فالضمان الاجتماعي في الإسلام يحتم على الحاكم الإسلامي أن يزيل الفقر نهائياً). إذا على الحاكم وحكومته أن يزيل الفقر بصورة تامة، ولكن كيف يتم ذلك، هنالك سبل مهمة ولعل الركن الأهم في هذا المجال هو السلوك الحكومي العادل تجاه الشعب كله، بغض النظر عن طبيعة الانتماء الديني أو سواه.

لذلك يؤكد سماحة المرجع الشيرازي قائلا في هذا المجال: (حتى الكافر، في بلد الإسلام، إذا سأل الناس.. يكون أمراً غريباً).

كيف تنهض الحكومات؟

ما تقدم من كلام يثير أو يطرح أسئلة منها على سبيل المثال، من هي الحكومات التي تستطيع النهوض بعبء العدالة، ونقول عبئاً لأنها ليست سهلة، قد تكون سهلة إذا كانت كلمات منطوقة مجردة من الفعل، ولكن العدالة ليست كلمات فقط، إنها فعل صعب التحقيق إذا لم تكن هناك إرادة حكومية حاسمة على تطبيقها، من هذه الحكومة القادرة على ذلك وما هو اتجاهها أو طبيعتها الفكرية؟.

لا شك أن الحكومة الاستشارية علي أقدر الحكومات على تحقيق العدالة، وهنا يبيّن سماحة المرجع الشيرازي أحد الشروط المهمة التي ينبغي أن ترافق منهج الحكومة الإسلامية، وهذا الشرط أن تلتزم باستشارة الشعب والعاملين معها في الميدان السياسي، بكلمة أوضح لا يصح للحكومة الإسلامية أو سواها أن تتفرد بالصلاحيات والامتيازات والوظائف وما شابه، وإذا حدث أن أخفقت الحكومة في تحقيق هذا الشرط، فهي تكون حكومة إسلامية بالاسم فقط، لأنها ليست استشارية.

يؤكد سماحة المرجع الشيرازي أهمية أن تكون الحكومة الإسلامية حاصلة على هذا الشرط الأساس، عندما يقول سماحته: ينبغي أن تكون (الحكومة الإسلامية حكومة استشارية). لسبب مهم أن المزايا التي تمنحها الاستشارة للحكومة كثيرة وكبيرة، ولعل توافر شرط العدالة يعد من أهم ما تحققه الحكومة الاستشارية، فكما هو واضح أن الاستشارة تحمي الحكومة من (مرض) التفرد في صنع القرار وتنفيذه، وتحميها أيضا من الانزلاق في هاوية القمع أو هواجس حماية العرش من المناوئين لها، فإذا توافرت الاستشارة أبعدت الحكومة عن مثل هذه الهواجس القاتلة، وفتحت أمام القوة السياسية أبواب التعاون والثقة التي تستند الى قاعدة العدالة.

من هنا تؤكد التجارب والوقائع بأن الاستشارة ونظامها، أكثر قدرة على تحقيق العدل من نظام (الديمقراطية)، ومن يتعمق في الفارق بين النظامين سوف يكتشف الأسباب الفعلية، لاسيما أن الإمام الراحل آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يؤكد أفضلية الاستشارية على (الديمقراطية) ويوضح تلك الأسباب التي تجعلها متأخرة عن النظام الاستشاري، فيما لو تم تطبيقه كما ينبغي في إدارة الدولة والشعب.

كما أننا نلاحظ ذلك في قول سماحة المرجع الشيرازي في المصدر المذكور نفسه: (الاستشارية نظام متفوّق على نظام (الديمقراطية) على ما أوضحه المرجع الشيرازي الراحل رضوان الله عليه في كتبه).


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
شبكة النبأ المعلوماتية
العراق
2016-12-19
مع أهمية ما ورد في تعليقكم وهو مهم وموقر.. إلا أنك ذكرت بنفسك أننا ازاء مسرح واسع.. وهذا يعني أن الموضوع لا يمكن احتوائه في مقال من ألف كلمة إنما نحن بحاجة الى بحوث ودراسات لاستغوار ما يتعلق بموضوع المقال.. وبخصوص هل المعني من الاستشارية.. المشورة.. أم الشورى كنظام.. فنحن نقصد المعنى الثاني بالتأكيد.. ولا نتكلم هنا عن الاستشارة الشخصية أو العلية بين الأفراد بل نعني نظام الشورى.. وهو ما يحتاج الى أكثر من بحث وأكثر من دراسة سوف نبدأ بها بصورة منتظمة ان شاء الله.. مع تقديري واحترامي لكم
متابع
العراق
2016-12-19
هذا النص فيه مسرح واسع للنقاش وكان من الأفضل لو أن الكاتب عرّف النظامين وأستخرج من التعريفين تعداداً للفوارق بين هذين النظامين بصورة تجعل القارئ على بينة من الأمرين فالأمر غامض في هذا المقال خصوصاً على غير المختصين فهل المقصود بنظام الإستشارية هو نظام الشورويّة مع حق القرار الملزم أم الإستشارة بمعنى الإستفتاء غير الملزم .
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (المرجع الشيرازي)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك