شمول رؤساء النقابات والاتحادات والمنظمات غير الحكومية بالكشف عن ذممهم المالية


قررت هيئة النزاهة الاتحادية بكتابها (و.ك/408 في 7/2/2016) شمول رؤساء النقابات المهنية والاتحادات والجمعيات والمنظمات غير الحكومية بالكشف عن مصالحهم المالية. وسوف يرتب هذا القرار النتائج الاتية:-

1-إلزام رؤساء المنظمات بتقديم تقارير كشوفات عن اموالهم واموال ازواجهم واولادهم، وفي المواعيد التي تحددها الهيئة.

2-ان الممتنع عن تقديم التقرير سيكون مسؤولا جزائيا عن تخلفه عن تقديم التقارير المطلوبة، ومسؤولا جزائيا -ايضا- عن تقديم بيانات كاذبة او معلومات غير صحيحة فيها.

3- والاثر الاخطر هو شمول رؤساء المنظمات والنقابات والاتحادات بجريمة الكسب غير المشروع التي لا يوجه الاتهام فيها طبقا للقانون العراقي الاتحادي الا للمكلفين قانونا بتقديم كشوفات عن مصالحهم المالية فقط.

لكن ما مدى سلامة قرار الهيئة؟؟

قد يسند ظاهر وعموم العبارة الواردة في المادة (17/ثاني عشر) موقف الهيئة اذ تقول: (من ترى الهيئة ضرورة بالكشف عن ذممهم المالية) لانه جاء مطلقا ويوحي بإمكانية شمول اي شخص بالكشف عن الذمة المالية بقرار من هيئة النزاهة، الا ان هذا التحميل الموسع للنص انما يكون حينما يفسر نص البند (ثاني عشر) بمعزل عن باقي عبارات المادة التي جاء فيها، وبعيدا عن الاصل التاريخي للنص، وعن المعيار الدولي لنظام الكشف عن الذمة المالية، اذ يفوت على هذا التفسير الامور الاتية:-

1-ان صدر المادة (17) تضمن القول:- (يكون كل شخص يشغل احد الوظائف او المناصب التالية مكلفا بتقديم تقرير الكشف عن الذمة المالية..) اي يكون التزام الكشف عن الذمة المالية محصورا بصنفين (شاغل وظيفة) او (شاغل منصب)، وهذا قيد عام على كل البنود الواردة في المادة بضمنها البند (ثاني عشر)، وبالتالي ينبغي ان يكون تفسير النص مقيدا بما جاء في صدر المادة، وهو ان يكون من ترى الهيئة ضرورة كشفه عن مصالحه المالية من شاغلي الوظائف او المناصب، ولا يصح تفسير البند المذكور دون تقييده بما جاء في صدر المادة لان اعمال الكلام اولى من اهماله، ولا يمكن اهمال جزء من النص القانوني حين تفسيره. فهل يعد رئيس منظمة المجتمع المدني من (شاغلي الوظائف) او من (شاغلي المناصب)؟؟

الراجح ان مفهوم شاغلي الوظائف والمناصب ينصرف الى القطاع العام فقط، ولا يمكن عد رئيس منظمة المجتمع المدني من شاغلي الوظائف ولا من شاغلي المناصب لانه يمارس عملا تطوعيا بحتا.

2- ان الالزام بتقديم الكشف عن الذمة المالية هو التزام قانوني استثنائي يتضمن خروجا عن القواعد العامة لانه يمس الحق الدستوري بالخصوصية، لانه يلزم الاشخاص بالافصاح عن بيانات ومعلومات شخصية بحتة، والاصل هو عدم توسيع اطار الالتزامات القانونية الاستثنائية، وبالتالي عدم جواز التوسع في تفسير النصوص التي تأتي بها، بل يتوجب تفسيرها كاستثناء لا يجوز التوسع فيه ويجب الحرص على حصره في اضيق نطاق. في حين تبنت الهيئة تفسيرا واسعا جدا للنص بشمول جميع الكيانات غير الربحية/غير الرسمية من اتحادات ونقابات ومنظمات غير حكومية.

3- ان النص اشار في المادة (17) الى المشمولين بالكشف عن الذمة المالية في (11) بند تبدأ برئيس الجمهورية مرورا بالنواب ورئيس مجلس الوزراء والوزراء والمحافظين والقضاة الى ضباط القوات المسلحة والاجهزة الامنية، وكلهم من شاغلي الوظائف والمناصب العامة وليس فيهم اي شخص من غير القطاع العام. وهذا يعزز التفسير بان المكلفين بالكشف عن الذمة المالية مقتصرون على هذا الصنف فقط، وهو نهج اخذت به القوانين العراقية السابقة التي تبنت نظم الكشف عن الذمة المالية منذ عام 1958 والتي قصرتها على الموظفين العموميين او بعض شاغلي المناصب العليا بالقطاع العام دون غيرهم.

4- ان المعيار الدولي وفقا لاتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد يتبنى تكليف الموظفين العموميين بالكشف عن مصالحهم المالية، ولاينص على مد هذا النظام لمؤسسات المجتمع المدني او المنظمات غير الحكومية.

5-ان العلاقة بين هيئة النزاهة والمنظمات غير الحكومية لا تقوم على اساس الرقيب بالمراقب، بل تقوم على الشراكة والتعاون وفقا لنص المادة (10/خامسا) من قانون الهيئة، والمادة(13) من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد. كما الاصل وجوب ضمان استقلالية كيانات المجتمع المدني ومنع تدخل المؤسسات الرسمية او ضغطها عليها باي طرية كانت، ولا يجوز لها فرض رقابات عليها الا في حدود ما نص عليه القانون صراحة، ولم ينص القانون صراحة على هذا الصنف من الاجراء الرقابي الوقائي، ولا يمكن توسيع تفسير النصوص لإضافة اشكال وآليات للرقابة على المجتمع المدني لأنه قد يكون تهديدا خطيرا لمبدأ استقلالية منظمات المجتمع المدني المنصوص عليه في المادة (45/اولا) من الدستور وقانون المنظمات غير الحكومية رقم 12 لسنة 2010.

6- ان تضخيم اعداد الكاشفين عن ذممهم المالية قد يثير التساؤل حول جدوى ذلك، ومدى فاعليته في منع الفساد ومكافحته في منظمات المجتمع المدني، خصوصا ونحن امام تجربة لنظام الكشف عن ذمم كبار الموظفين منذ عام 20005 لم ينتج اثرا يذكر.

7- ان التوسع في شمول اعداد كبيرة بنظام الكشف عن الذمة المالية يتطلب دراسة الجدوى الاقتصادية منها لأنها تتطلب المزيد من النفقات والمواد البشرية والجهد والوقت، كما يتطلب التحقق من مدى قدرة هيئة النزاهة على استيعاب وتدقيق وملاحقة ما في تلك التقارير وما خلفها، لكي لا تتحول الى اطنان من الورق مصيره المحرقة.

لكن في النهاية فأن هيئة النزاهة مارست صلاحية منحها اياها القانون حينما شملت رؤساء المنظمات غير الحكومية والنقابات والاتحادات المشكلة بقوانين خاصة بتقديم الكشف عن الذمة المالية، بغض النظر عن اتفاقنا مع تفسيرها للنص او اختلافنا معه، وبالتالي سيظل قراراها هذا نافذا وواجب الاحترام، الا إذا صدر قرار قضائي بإلغائه بناء على طعن به.

* القاضي رحيم العكيلي رئيس هيئة النزاهة الأسبق وباحث مشارك في ملتقى النبأ للحوار


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
عباس العطار
العراق
2016-6-30
وفق للمادة 17 وتفسيرها من قبل هيئة النزاهة فإنه يؤشر بأن هذه الهيئة سياسية بإمتياز اذ ذهبت إلى تلميع صورتها باستهداف اضعف حلقة إجتماعية كونها تمارس عملها وفق آليات دستورية وقانونية كما نص عليه الدستور في مادته 45 وقانون المنظمات غير الحكومية رقم 12 الذي اكد في اهدافة الثلاثة على :-
1. تعزيز دور منظمات المجتمع المدني ودعمها وتطويرها والحفاظ على استقلاليتها وفق القانون.
2. تعزيز حرية المواطنين في تأسيس المنظمات غير الحكومية والإنضمام إليها.
3. إيجاد آلية مركزية لتنظيم عملية تسجيل المنظمات غير الحكومية العراقية والاجنبية .
ووفق لاعلاه فإن هذا التفسير من الهيئة يعد تعارض مع المادة الدستورية 45 التي نصت على ( تحرص الدولة على تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني ودعمها وتطويرها واستقلاليتها بما ينسجم مع الوسائل السلمية لتحقيق الأهداف المشروعة لها وينظم ذلك بقانون ) ونسف لما جاء في اهداف قانون المنظمات رقم 12 لسنة 2010 النافذ.
وان هذه الممارسات تؤسس إلى ضرب ثقافة ترسيخ مفهوم الشراكة بين منظمات المجتمع المدني والسلطات العامة والتي أكد عليها البرنامج الحكومي في الباب الثاني من الأولويات الإستراتيجية في المادة التاسعة والتي نصت على ( العمل على تفعيل دور منظمات المجتمع المدني وتأكيد مشاركتها الحقيقة في التطوير والبناء والرصد والتقويم ) ...
ان هيئة النزاهة بتوجهها الحالي تمارس نوع من انواع التعسف والإستبداد .
وإنها تسحق الذوق العام والإرادة الشعبية المطالبة بفتح ملفات الفساد المتراكمة واسترداد الاموال المنهوبة ومحاسبة الفاسدين من كبار رجال الدولة ممن تصدى لإدارة مفاصل حيوية مهمة ذات مساس بخبز الناس ومعاشهم واكتفت بتحويل مقودها إلى الحلقات التي قدمت جهدا وطنيا كبيرا إزاء الأحداث التي عصفت بالعراق من دعم للنازحين وأسر الشهداء والمعونات الإنسانية ورعاية الايتام وكفالة الكثيرين وتمكينهم مجتمعيا واقتصاديا ولم تتوقف المنظمات عند هذه الحدود بل كانت حاضرة في كل العواصف التي ضربت أسس الوحدة المجتمعية وانها كانت السند والظهير في معركتنا ضد الإرهاب بامساك الجبهة الداخلية وتقديم اروع صور الدعم والمساعدة في ميدان القتال جنبا إلى جنب المقاتلين ..
ما هكذا يا سعد تورد الإبل.
آخر الاضافات
فيسبوك