اليونسكو برئاسة جديدة: هل تنجح في النهوض بعد انسحاب أمريكا وإسرائيل؟


تعد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) من أقدم المؤسسات الدولية، حيث أنشئت عام 1945، وتضم حاليا 195 دولة. ودأبت المنظمة كما نقلت بعض المصادر، على توجيه جهودها نحو القضايا الهامة التي تشغل العالم، كما تعمل على حماية التراث الإنساني العالمي. وبالرغم من علاقاتها الرسمية الواسعة مع العديد من المنظمات الدولية، إلا أن اليونسكو تواجه اليوم الكثير من التحديات والازمات التي قد تكون سببا في عرقلة عمل المنظمة، خصوصا وان بعض الدول الكبرى ومنها الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الأول لإسرائيل، التي أعلنت انسحابها من منظمة اليونسكو، قد سعت وبحسب بعض المراقبين الى عرقلة عمل هذه المنظمة التي تعتبرها معادية لإسرائيل كما جاء في بيان لوزارة الخارجية الأمريكية.

تعاني المنظمة حاليا من صعوبات مالية حقيقية بسبب امتناع بعض الدول عن الوفاء بالتزامتها، وتعتبر الجمعية العامة هي الهيئة المركزية في صناعة القرار، وكل الدول الأعضاء ممثلة فيها وعددها 195 دولة. وترسم الجمعية العامة التوجهات الكبرى وتصادق على برنامج وميزانية المنظمة ، ويطبق المدير العام قراراتها تحت إشراف المجلس التنفيذي وعدد أعضائه 58. ويعمل ما لا يقل عن ألفي شخص في مقر المنظمة في باريس، يضاف إليهم 640 يعملون في 53 مكتبا عبر العالم.

وتقيم اليونسكو علاقات رسمية مع أكثر من 300 منظمة غير حكومية تعمل معها على برامج عديدة، جزء كبير منها يهدف إلى محاربة أزمة التعليم في العالم وحماية التراث العالمي، الثقافي والطبيعي . ويعد ذلك من أبرز مهامها منذ تأسيسها في 1945. ودأبت اليونسكو على توجيه جهودها نحو القضايا التي تهز العالم كمحاربة التطرف العنيف، وهو واحد من أهم المواضيع الراهنة. ويعاني هذا الكيان الثقافي العالمي الذي يعمل من أجل السلام من مصاعب مالية حقيقية ربما تتفاقم بشكل كبير بعد انسحاب أمريكا.

معركة من أجل البقاء

في حي (ليفت بانك) الباريسي الراقي يقع مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو).. لكن المبنى الحديث يخبو وسط تساؤلات بعض الدبلوماسيين عن مستقبل المنظمة. وتأسست اليونسكو على أنقاض الحرب العالمية الثانية من أجل حماية التراث الإنساني الثقافي. واختارت المنظمة وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة أودري أزولاي مديرة جديدة.

لكن إعلان الولايات المتحدة المفاجئ الانسحاب من المنظمة بسبب ما وصفته بالتحيز ضد إسرائيل يعني أن المديرة الجديدة سترث منظمة مضطربة تواجه علامات استفهام ضخمة بشأن تمويلها ومهمتها في المستقبل. ويقول دانيال روندو سفير فرنسا السابق لدى اليونسكو ”أعتقد أنه قرار كارثي... إنه صدع يعرض طبيعة اليونسكو نفسها لخطر بالغ: بُعدها العالمي ومفهوم التعددية ذاته“.

وتتولى اليونسكو مسؤولية تحديد مواقع التراث العالمي وحمايتها بدءا من جزر جالاباجوس قبالة سواحل الإكوادور على المحيط الهادي وحتى أضرحة تمبكتو في مالي بغرب أفريقيا. ومعظم أنشطة اليونسكو غير مثيرة للجدل لكن عندما يتصل الأمر على سبيل المثال بقرارات تتعلق بكيفية إدارة المواقع الدينية في القدس، تحتاج كل كلمة للتدقيق خشية توجيه اتهامات بالتحيز. وبالنسبة لبعض الدبلوماسيين في المنظمة يمثل قرار انسحاب واشنطن نقطة تحول ويضع مزيدا من الضغوط على القيادة الجديدة للمنظمة.

وقال دبلوماسي غربي ”هذه أهم انتخابات. لا يمكن أن تكون هناك أربع سنوات أخرى على هذا المنوال“. وعبر عن استيائه من إدارة البلغارية إيرينا بوكوفا التي يقول منتقدوها إنها فشلت في إقناع الدول الأعضاء بسداد المستحقات الواجبة عليهم ولم توقف تسييس عمل المنظمة. وتقبع في قلب مشكلات اليونسكو أزمة تمويل منذ عام 2011 عندما أيدت المنظمة منح فلسطين عضوية كاملة وردت واشنطن بوقف دفع حصتها السنوية البالغة 80 مليون دولار.

وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن 14 عضوا اعترضوا على عضوية فلسطين من أصل 194 عضوا. وتقول واشنطن إنها لا تعارض قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات يوم لكن ذلك ينبغي أن يحدث نتيجة للمفاوضات، كما تقول إن قبول عضوية الفلسطينيين في المنظمات الدولية سلفا يضر بعملية السلام. ومنذ ذلك الحين دأبت إسرائيل على الشكوى من القرارات المتعلقة بالمواقع الثقافية في الضفة الغربية والقدس وتقول إن صياغات هذه القرارات تنزع الشرعية عن الدولة اليهودية.

وعلى النقيض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حيث تملك الدول الخمس دائمة العضوية حق النقض (الفيتو)، تتخذ اليونسكو القرارات استنادا إلى غالبية الأصوات سواء عبر أمانتها العامة التي تشمل جميع الدول الأعضاء وعددها 195 دولة أو مجلسها التنفيذي الذي يضم 58 عضوا. وتقول إسرائيل إن هذا يخلق أغلبية قائمة بالفعل من الدول المعادية لها. وتقول الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة، التي تقدم أغلب التمويل إن أصواتها المنفردة لا تمنحها سلطة تذكر على كيفية إنفاق أموالها. وقبل قرار الانسحاب الذي أعلنته الولايات المتحدة، قال دبلوماسيون إن المجلس التنفيذي لليونسكو حاول التملص من المواجهة بالتصويت على تأجيل البت في نصوص إسرائيلية/فلسطينية مثيرة للانقسام حتى أبريل نيسان. وتعهد كل المرشحين لمنصب مدير عام اليونسكو بإجراء إصلاحات جذرية وبذل جهود لنزع الطابع السياسي عن المنظمة. بحسب رويترز.

وقالت الفرنسية أزولاي للصحفيين قبل إعلان نتيجة التصويت”في وقت أزمة كتلك نحتاج أكثر من أي وقت مضى لتقوية ودعم وإصلاح اليونسكو لا تركها“. وأضافت أنها ستعمل على تطوير المنظمة. وأضافت ”أول ما سأفعله هو إعادة مصداقيتها وإعادة إيمان أعضائها بها وفاعليتها حتى يتسنى لها العمل“. وأبدى دبلوماسيون قلقهم بشأن انسحاب الولايات المتحدة. وقال دبلوماسي في اليونسكو” غياب الولايات المتحدة أو أي بلد كبير يحظى بنفوذ كبير يمثل خسارة“. وقالت إليانورا ميتروفانوفا سفيرة روسيا السابقة في اليونسكو لوكالة الإعلام الروسية إن اليونسكو ستكون في وضع أفضل دون وجود الأمريكيين. وقالت “في السنوات الأخيرة لم تكن هذه المنظمة تستفيد منهم .

التمويل والإصلاح والتسييس

على صعيد متصل فالتحديات الراهنة التي تواجهها اليونسكو وفي مقدمتها نقص التمويل اللازم للمشروعات، الذي يرجع جزئيا لعدم التزام الأعضاء بسداد حصصهم المالية، وإصلاح الهيكل الإداري والفصل بين السياسية وعمل المنظمة. ومع غياب الأموال الأمريكية اضطرت اليونسكو، التي يعمل بها نحو ألفي شخص في أنحاء العالم، إلى تقليص برامجها وتجميد التوظيف وسد الفجوات بالإسهامات التطوعية. وبلغت ميزانية المنظمة لعام 2017 نحو 326 مليون دولار أي نحو نصف ميزانيتها في 2012.

وقال مسؤول بالمنظمة طلب عدم نشر اسمه ”نحتاج إلى عمل أقل (بأموال) أقل. قضينا وقتا طويلا في محاولة القيام بالكثير دون وسائل... يتعين أن نسوق لأنفسنا بصورة أفضل، لكن دون تمويل سيصعب تغيير صورتنا“. وتشير أرقام منشورة على الموقع الإلكتروني للمنظمة إلى أن لديها مستحقات متأخرة قيمتها نحو 650 مليون دولار منها حوالي 542 مليونا على الولايات المتحدة. وفي هذه المرحلة لا يعرف مسؤولو اليونسكو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسدد المتأخرات قبل أن تترك المنظمة رسميا في 31 ديسمبر كانون الأول 2018.

لم تسدد أيضا دول مساهمة رئيسية في اليونسكو مثل اليابان وبريطانيا والبرازيل إلى الآن المستحقات الواجبة عليها لعام 2017 اعتراضا في بعض الأحيان على سياسات المنظمة. وقال دبلوماسي في المنظمة ”الحقيقة أن اليونسكو معنية في الأساس بالتضامن وإتاحة مناخ للسلام بين البلدان، لكن دولا تستخدم الآن مستحقاتها للتأثير على البرامج... ويتعين تغيير ذلك“. وعلى سبيل المثال هددت اليابان بحجب المستحقات بسبب إضافة مذبحة نانجينغ في عام 1937 إلى برنامج (سجل ذاكرة العالم) باليونسكو. ودب خلاف بين روسيا وأوكرانيا على شبه جزيرة القرم واتهمت كييف موسكو بمحاولة إضفاء الشرعية على ضم المنطقة من خلال اليونسكو.

وقال دبلوماسي ثان في اليونسكو ”على من سيتولى القيادة معالجة هذا الأمر. عليهم أن يجدوا سبلا لجعل الدول تتناول هذه القضايا بالتفصيل، لكن إذا لم يتمكنوا من ذلك فسيكون لزاما على المديرة العامة أن تملك المقدرة على قول ‘لا‘ وأن تمنع هذه الأحاديث“. وقال المرشح القطري حمد بن عبد العزيز الكواري أمام المجلس "الأزمة التي تشهدها اليونسكو حاليا هي أزمة سياسية بقدر ما هي مالية وينبغي معالجة هذه الأزمة من خلال استراتيجية شاملة.

في السابق كانت عملية اتخاذ القرار عبر التوافق في الآراء نهجا سائدا وعلينا أن نعيد إحياء هذا النهج عن طريق انتخاب مدير يؤدي دوره بشكل محايد". وأضاف "الثقافة والحضارة العربية على غرار الثقافات والحضارات الأخرى يحق لها أن تضطلع أيضا بمهمة إدارة هذه المنظمة". ودعا المرشح القطري الذي شغل من قبل منصب وزير الثقافة والفنون التراثية ببلاده إلى إنشاء صندوق خاص للصناعات الصغيرة يهدف لمساعدة الدول الأكثر حرمانا واحتياجا.

وقال "تناقشت بشأنه مع عدد من رجال الأعمال وهم مستعدون للمساهمة في الصندوق وتحويله إلى حقيقة. إذا انتخبت مديرا عاما لليونسكو سوف أطلقه ابتداء من اليوم الأول لتولي المنصب".

وألقت الأوضاع الجارية في دول عربية، مثل العراق وليبيا واليمن، وتفجيرات وقعت مؤخرا في أوروبا بظلالها على كلمة المرشح القطري الذي عرض رؤيته بشأن سبل مكافحة التطرف الفكري والعنف. وقال "اليونسكو هي رأس الحربة في مكافحة الإرهاب لأن العمل العسكري بمفرده لا يكفي وقد وضح ذلك في الماضي والحاضر، وما تقوم به اليونسكو أساسي في هذا المجال لأنه بدون الحد من الفقر والقضاء على الأمية والجهل وتنمية الوعي بأهمية التعليم لا يمكن إطلاقا مكافحة الإرهاب وحل المشاكل التي يتسبب فيها".

أما المرشحة اللبنانية فيرا الخوري فشددت في كلمتها على أهمية الإصلاح الإداري لليونسكو حتى تكون مشروعاتها أكثر فاعلية في الميدان مع ضرورة الاعتماد على الشبان والاستخدام الأمثل للتكنولوجيا في عالم أصبح يتطور كل يوم. وقالت في كلمتها أمام المجلس التنفيذي "من لبنان أنا آتية، بلد غني بتاريخه وحضارته، غني باقتصاده الحر ونظامه التربوي، غني بطاقاته الفكرية والبشرية التي تجاوزت الحدود والأزمنة. وطني لبنان عرف كيف يرمم السلام ويحافظ على نفسه كنموذج للتنوع الثقافي ومرسى للتعايش والاحترام المتبادل بين مجتمعاته المتعددة". بحسب رويترز.

وأضافت "بلدي والمنطقة التي أنتمي إليها، أي منطقة الدول العربية، تزخر بالمواهب وبالكفاءات وبالمعارف. وهذه المنطقة هي حاملة لواء القيم وشغوفة بخدمة المنظمة وتتوق لخدمة المنظمة بعد انتظار دام 70 عاما". وتعاقب على قيادة اليونسكو منذ تأسيسها عام 1945 عشرة أشخاص بمنصب المدير العام ليس من بينهم أي عربي. وعن سؤال بشأن عدم شغلها أي مناصب سياسية من قبل أو توليها مسؤولية مؤسسة كبيرة قالت المرشحة اللبنانية "أعتقد أن الألقاب ليست هي من تصنع الناس بل العكس هو الصحيح فالرتب والمناصب والألقاب ليست ضمانة للنجاح".

وأضافت "إذا سمحتم لي أن أذكركم فإن جُل المدراء السابقين لم يتقلدوا مناصب سياسة قبل ترشحهم، فإذا أردتهم أن تنزعوا الطابع السياسي عن اليونسكو لا تحتاجون إلى شخصية سياسية".


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
فيسبوك