البعد الاستراتيجي في صناعة الثقافة

4941 2015-01-20

هناك مثقفون، أو أناس يعلنون الانتماء للثقافة، لكنهم لا يمتلكون المؤهلات التي تمنحهم (هوية الانتماء للثقافة)، والسبب يكمن في أنهم بلا تجربة، ولا رؤية بعيدة الآفاق، كما أنهم آنيون متعجلون، كأنهم نسخة من السياسيين الذين يهملون الخطط الاستراتيجية، وينشغلون بالمنافع الآنية، فيهدرون بذلك فرصا كبيرة وعديدة لبناء الدولة المدنية الراسخة، دولة المؤسسات، كذلك المثقفون الذين يعجزون عن تقديم ثقافة ذات رؤية بعيدة ثاقبة، تجدهم في الغالب من اصحاب الرؤى القصيرة النظر، فيعجزون عن تقديم البديل الثقافي الستراتيجي، ينطبق هذا الامر على الواقع الثقافي العربي ومنه العراقي بطبيعة الحال، وهو واقع يشي بمشهد ثقافي بالغ الخواء، حيث التعويل على الشكل او القشور اكثر بكثير من الجوهر والمضامين القادرة على بناء ثقافة حقيقية، وتكمن الطامة الكبرى، ان المؤسسة الثقافية الأعلى هي من تتبع هذا الخواء والشكلية في الاداء الثقافي، بل هي من تنتجه، ويغيب عنها اي تصور حقيقي ومدروس لصناعة ركائز الثقافة الصحيحة والراسخة والفاعلة في بناء المجتمع.

إن معظم المثقفين العرب لا يتوغلون ببصرهم وبصائرهم الى الاعماق، وكأنهم يخشون كل شيء جاد، فتجدهم يراودون القشور والسطوح، ويكتفون بما هو ظاهر بحثا عن الفوائد والمنافع الآنية، ربما لأنهم قصيرو النظر قليلو الصبر فقيرو الرؤى، وعاجزون عن ربط الأقوال بالافعال فيما يخص الثقافة، إنهم حتى هذه اللحظة يستغربون حين تتحدث معهم عن صناعة الثقافة، وأنها اصبحت سلعة كغيرها، وأن الربح فيها مشروع ومطلوب، وقد أصبح الربح المادي من العمل بالثقافة أمرا محتوما لأنه ينمّي الثقافة وينشرها ويجعلها متاحة للجميع، حتى لو كان الوسط المستقبِل فقيرا أو غنيا، ضعيفا او قويا، مغرما بالثقافة أم مجافيا لها، قطعا لا أعني تقريع الذات بهذه الكلمات والآراء، ولكنني حانق فعلا، غاضب وساخط بشدة، لاسيما أن هناك من القائمين على الثقافة لا يريد لها أن تنهض، ولا يريد لها أن تخرج من تأثيره وسطوته، كذلك لا يرغب أن تصل لعامة الناس، كأنه يخشى فقدان الامتيازات التي يتمتع بها وما شابه، ولكن لم يعد الامر مقبولا ولا مستساغا!!.

تُرى هل يخطر في بال القائمين على الثقافة العربية والاسلامية، أن يروجوا للفكر وفق اساليب جديدة أو مبتكَرة؟ وفق رؤى واسعة الآفاق وبعيدة المديات، وهل يمكن أن نتصور من اصحاب الاموال والاثرياء (القطاع الخاص) أن يفكروا بتشغيل أموالهم في مشاريع ثقافية ربحية، تقدم الطعام والعصائر والثقافة في سلة واحدة؟!، ثم هل هناك طرق جديدة نبتكر من خلالها أبوابا ونوافذ جديدة لتسويق الثقافة ونشرها بين عموم الناس ومختلف العقول والمستويات؟

إذن هي ليست كلمات لجلد الذات وتقريعها، إنها وقائع نعيشها ونلمسها، ولكن هناك اهمال كبير لأهم عنصر بإمكانه الارتقاء بالمجتمع، لذا هناك تقصير خطير من لدن القائمين على الثقافة، يشترك فيه الساسة القياديون المسؤولون بطبيعة الحال، ولكن متى كان السياسي حريصا على الثقافة والمثقف، وكلنا نعرف طبيعة الصراع الأزلي بين الطرفين، المثقف والثقافة من جهة، السياسي والحكومة من جهة اخرى، لذا هي مسؤولية المثقفين أولا، واذا تراجعت الثقافة تراجعت الأمة بأكملها، وهذا التراجع يتحمله المثقف بلا نقاس، من هنا يوجد كسل وخلل في التعامل مع الثقافة في مجال الترويج والتسويق والنشر. فالتجارب العالمية المتاحة في هذا المجال معروفة، يمكننا الاستفادة منها، قادة الثقافة اليوم يتحملون المبادرة والتأسيس لتحويل المشاريع الثقافية الى حقل الصناعة والربحية المدروسة، لم تعد الثقافة استهلاك يثقل كاهل الدولة او القطاع الخاص، مثقفو العالم المتطور يبدعون بتلاحق واستمرار في مجال تحويل الثقافة الى صناعة، والمثقف الى صانع ماهر، قد يبدو الامر مرتبط في سلسلة شائكة متعددة الاطراف، اجتماعية، ثقافية، اقتصادية، سياسية، حضارية، ولكن يبقى على الدوام دور المثقف يتقدم الادوار كلها.

ولابد من الاقرار هنا بأن دور المثقف العراقي العربي خامل متردد كسول كونه لا يمتلك رؤية بعيدة، فهو يترقب ما يجود به السياسي عليه، هذه العلّة لا نريد أن نغادرها أو نتخلص منها، نلهث وراء السياسي وما تمنحه يده المعطاء لنا!، نحن سليلو التكسّب والاعتياش بالمدح، ولا نريد أن نغادر خانة تأليه السياسي من اجل العطايا!!، لذا لم يعد الامر قابلا للصمت، لذا فإن من يتصدر قيادة الثقافة اليوم، في العراق والدول العربية والاسلامية، تقع عليه مسؤولية تحويل الثقافة الى صناعة والمثقف الى صانع ماهر ومستفيد في وقت واحد، ولا يعني التملص من هذه المسؤولية خلاصا من عواقبها،، التأريخ لا ينسى أحدا يستغل قيادة الثقافة لتحقيق مصالحه مقابل فشل في نشر الثقافة وتعضيدها، لذا على قادة الثقافة، التصدي لمهمة تصنيع الثقافة وتحويلها الى مصدر ربحي متنام، أو اعلان التنحي والفشل، وترك القيادة لمن يتمكن من تحقيق هذا الهدف.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (أدب)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك