الوظائف والدلالات في الحكاية الشعبية


قد يكون مصطلح الحكاية فضفاضاً واسعاً يستوعب ذلك الحشد الهائل من السرد القصصي الذي تراكم على الأجيال، وكلمة حكاية في معناها الشامل تتجاوز الأنماط الفنية لتعبر عن كل تسلسل للأحداث، فالحكاية تشمل كل من القصة والقصص بل هي تحويها، والقصة عموماً حكاية والحكاية: أن يروي إنسان لآخرين ما رأى التربية أو سمع أو تصور.

إن استخدام الموروثات الشعبية في لا يتعارض مع مقومات العلم والمستجدات الثقافية بل يكملها لأن دراسة التراث بوصفه حقيقة اجتماعية موضوعية إنما هي دراسة في أبعاد الماضي وإفرازاته وترسباته في الحاضر الذي نعيشه وليس لأي مجتمع كيان أو تجسيد الا من خلال تراث الماضين بخبراتهم وتواصل أجياله عبر الزمن.

أنواع الحكايات الشعبية

إن الدارس للحكاية الشعبية من أي جهة يواجه إشكالية التصنيف وضبط تعريف محدد لها، وكثيراً ما نجد الباحثين والدارسين قد أوردوا لها حديثاً في مؤلفاتهم أمثال نبيلة ابراهيم وعبد الحميد بورايو و روزولين ليلي قريش وسعيدي محمد وغيرهم حيث اشارت نبيلة ابراهيم لصعوبة التصنيف لأنه يقوم على أساس المحتوى أو الموضوع ، وأن أحسن تصنيف نوعي هو تصنيف الألماني (فولذت) حيث قسم القصص الشعبية إلى الحكاية اللغز والحكاية الشعرية والحكاية المثلية والحكاية النكتية، والنوع الأخير - الحكاية النكتية - هي حكاية قصيرة أو طويلة تحكي نادرة أو مجموعة من النوادر يغلب عليها الطابع الفكاهي، والضحك الناتج عن فعالية النكتة الملتصقة عضوياً ببعض سلوكيات الناس العادية وتصرفاتهم الهزلية، إنَّ الشخصيات المرحة كثيراً ما توصف بالكذب والحيلة والجنون والغباء والبلادة والسذاجة، صفات تضفي على نص الحكاية طابعاً فكاهياً وتحافظ على حيويته النفسية المضحكة وأبعادها الإجتماعية النقدية.

المميزات الفنية

الحكاية الشعبية جنس أدبي قائم بذاته له أصوله ومقوماته الفنية التي تميزه عن باقي أشكال التعبير الأخرى فهي شكل أدبي شفوي تتناقله وتتوارثه الأجيال عن طريق المشافهة، وتنحدر من أصول شعبية شكلاً ومضموناً وبلغة شعبية فهي وعاء يحتوي آلام وطموحات الشعب فضلاً عن كونها نصّاً مرناً في بنيته الشكلية الدلالية حيث يتصرف الخيال الشعبي في مادته بحرية مطلقة، ويكون البطل في الحكاية الشعبية من النوع الخارق للعادة وغير المألوف وغير الطبيعي.

إن هذه المميزات سمحت فيما بعد بإعطاء تصنيفات كثيرة للحكاية الشعبية ، كما أنها عكست الجمالية الفنية للنص الحكائي الشعبي، خاصة ما تعلق منه بالجانب السردي الذي يثبت غلبة الخيال الشعبي الجميل الأمر الذي طبع الأدب الشعبي عموماً بعنصر الخلاق وهو غالباً أدب تجريدي يتقاسمه الواقع والخيال.

وظائف الحكاية الشعبية

الوظيفة التعليمية النقدية: لو قمنا بجمع مدونات عديدة من الحكايات الشعبية للاحظنا هذا الدور بوضوح ، فهي تعلم التحلي بالأخلاق الفاضلة والتمسك بالقيم السامية ، يقول أحمد شايب : في جملة الحكاية الشعبية التوجيهات والإرشادات إلى السبل المثلى ، ودعت الى التعاون والسعي للخير والابتعاد عن الشر.

الوظيفة الترفيهية: تقوم الحكاية الشعبية بوظيفة هامة ، وهي تسلية الراوي والمستمع ، ترى ثريا تيجاني في دراستها لقصص الجنوب الجزائري ان اهل المنطقة يروون القصص الشعبية ويستمعون اليها في اوقات فراغهم بغرض التسلية ، ويدعم هذا الرأي عمر ساسي بقوله " من المحتمل أن تكون التسلية والمتعة ليست من النادرة أو حكايات المرح فقط ، ولكن في مختلف انواع الحكاية أيضاً هو ارتباط عاطفي يظل مشدوداً بين الراوي والمتلقي ، ونلمس هذه الوظيفة عندما يلقي الراوي حكايته فيستقبلها المستمعون سواء كانوا كباراً أو صغاراً بالضحك "1

الوظيفة النفسية : تلبي الحكاية الشعبية الحاجات النفسية والبيلوجية والتنمية السيكولوجية ، وتنفس عن المكبوتات والرغبات التي لايمكن ممارستها في الواقع لكونها تتعارض مع القيم المجتمعية او انها تخرج عن حدود القدرة الذاتية المحدودة للطبيعة البشرية بحيث يمكن قطع المسافات البعيدة برمشة عين ويمكن تحقيق الأحلام والأهداف بسرعة خارقة وتخلق عالماً مثالياً تزول منه كل العوائق التي تحد من تحقيق ذات الفرد ، وهو بمقدار مايحقق عن طريقها ذاته ، وتواصله مع الآخرين ومشاركاتهم في الأحاسيس والمشاعر وفي أسلوب التعبير عنها ، ومن هنا" فأن الفرد وهو يشارك في عملية القص يجد متعة وراحة نفسية "2.

الوظيفة الثقافية : تساهم الحكاية الشعبية في تثقيف الفرد لأنها تحمل اليه الحضارة من الأجيال السابقة ، وثقافته بقسميها المادي المتمثل في كيفية ملبسهم ومشربهم ومأكلهم وأعمالهم وغيرها ، لذلك يمكننا القول بثقة واطمئنان ان القصص الشعبية تعتبر مصدراً ثقافياً للأجيال المتتالية تحمل إليهم العمل والطموح وتعلمهم قهر المستحيل، وتدربهم على التصور الواسع كما تحمل اليهم القواعد الأخلاقية والقيم والمثل العليا لترسيخها في عقولهم.

والملاحظ على هذه الوظائف التي تؤديها الحكاية الشعبية هو تداخلها فيما بينها ، فقد تكون رواية الحكاية في جانب من جوانبها وظيفة عقائدية عند فئة من الناس، وتمنح الآخرين المتعة والتسلية وقد تكون ذات وظيفة نفسية وترفيهية وتثقيفية او قد تؤدي جميع هذه الوظائف في وقت واحد.

1/ عبد الحميد بواريور، القصص الشعبي دراسة ميدانية : ص59
2/ عزي بوخلافة، الحكاية الشعبية الجزائرية دراسة ميدانية : ص173 .


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (أدب)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك