الملامح الاشكالية للمنجز الثقافي العراقي بعد 2003... المنجز الادبي مثالا


من الطبيعي ان يكون أي موضوع يطرح للمناقشة او البحث في اي مجال معرفي في اصل وضعه عبارة عن فكرة بسيطة فرضت نفسها على العقل بشكل سؤال, وعليه فمن الممكن الارتداد بإي موضوع الى سؤال اشكالي جذري عام يمثل المهاد الشكي لتلك الفكرة ... هذا السؤال قد يكون عاما في اغلب الاحوال ... لكن شراهة الدهشة والبحث ومتطلبات الدراسة كثيرا ما تفرض ان يتفرع ذلك السؤال الى اسئلة اخرى اقل عمومية منه واكثر خصوصية .

وبناءا على مما تقدم يمكن ان نسأل انفسنا اسئلة عدة ونحن بصدد الفكرة التي طرحت هنا لأن تكون محورا للبحث : هل هناك منجز ثقافي عراقي بعد 2003جدير بأن يكون موضوعا للدرس ؟ فإن كان الجواب بالإيجاب فإن سؤالا آخر تفرضه وجوبية السؤال الاول سوف يطرح وهو : هل رافق ذلك المنجز اشكاليات يمكن ان تكون موضوعا للنقاش ؟

بخصوص السؤال الاول فإن الكاتب يسلم بوجود منجز ثقافي عراقي بعد 2003جدير بالدرس الاكاديمي , على الرغم مما في هذا الطرح من اشكالية ربما لا ينتبه لها الاكثرية تتعلق بالتسليم بوجود الاشياء قبل دراستها وعرضها على طاولة التشريح , فمن المنطقي ان تطرح الموضوعات على شكل اسئلة لكي تثبت الاجوبة وجودها من عدمها , فقد يعترض علينا احدهم منكرا وجود منجز يستحق الدراسة اصلا , وللأمر مصاديق كثيرة في كتابات متعددة على صفحات الأنترنيت والصحف .

ومهما يكن من امر فها نحن سلمنا بوجود المنجز الثقافي العراقي , لنضع انفسنا امام اسئلة فرعية اخرى : ما المقصود بالمنجز الثقافي , او المعطيات الثقافية كما وردت في صيغة العنوان ؟ ثم نسأل لم هي اشكاليات وليس مشاكل ؟ . ثم ما هو المعيار لمحاكمة هذا المنجز ؟ .

لا بد من القول ان وصفها بالمعطيات او المنجز الثقافي بهذا العموم من باب اطلاق الكل بقصد ارادة الجزء , فالمقصود هنا او على الاقل ما يريده الكاتب هو المنجز الادبي بمظاهره وتجلياته , بفرعيه : الوصفي والابداعي , والا فمن غير المعقول ان نناقش كل معطيات الثقافة العراقية !!

والامر الآخر ان الباحث يعتقد بإن ما رافق المدونة الادبية العراقية للحقبة موضوع المناقشة يقع تحت باب الاشكاليات وليس المشاكل , لسبب بسيط ان الاشكالية تتضمن التباسا وغموضا وتوترا لا يمكن حله بسهولة لطابعها الجدلي .

ان مصطلح الاشكالية يعود في جذوره الى اللغة الفرنسية لا سيما مع الادبيات الماركسية خصوصا عند التوسير لكن المهم في هذا المصطلح انه لا ينطبق في مفهومه الغربي مع مفهوم المشكل او الاشكال العربيين فقد استعمل عند النقاد العرب بطريقة جمعت مصاديقه الغربية ومصاديقه العربية على الرغم من الفوارق بينهما وبذلك جمع مصطلح الاشكالية عند العرب المعاصرين معنى المشكلة المستمرة التي قد لا تقبل الحل وهو مفهومه في الاستعمال العربي مع معنى التناقض الجدلي وقبوله الحل بحسب المفهوم الغربي .

فالإشكالية بحسب تعريف الجرجاني في كتابه التعريفات هي : ما لا ينال المراد منه إلا بتأمل بعد الطلب او هي : صفة لما هو مشتبه ويقرر دون دليل كافٍ فيبقى موضع نظر , او هي القضية التي لا يمكن الوصول إلى اتفاق بشأنها ؛ بسبب قيامها على أسس مختلف بشأنها، وبمعنى آخر فإن الإشكالية : هي القضية التي لا يمكن حسمها ., على العكس من المشكلة التي من الممكن تشخيصها وحلها , فهي اشبه بالأخطاء المقصودة او غير المقصودة , وعليه فإن وصف ملابسات المدونة الادبية العراقية بالإشكاليات تفرضه الضرورات الحضارية والتاريخية التي كانت الحاضنة المعرفية لتلك المدونة , كانت في وجهها البارز حاضنة ملتبسة ومتداخلة وتتسم بطابعها الاشكالي هي الاخرى ابتداءا من الارهاصات الاولى ومرورا بالمخاضات التي ما زالت قائمة لم تنته الى الآن , فهي اذا اشكاليات تبرر طابعها بنفسها بدليل استمرارها لأكثر من عشر سنوات اولا , وبدليل عدم الانتباه لها وربما الاصرار عليها طيلة هذه السنوات .

وعليه كيف لنا ان نشخص تلك الاشكاليات التي رافقت ذلك المنجز الادبي بغية معالجتها او التخفيف من وطأتها ؟ ثم ما هي اهم تلك الاشكاليات ؟ وبما ان معرفة السؤال نصف الجواب , فإن البحث عن اشكاليات المدونة العراقية سيكون تشخيصا ومن ثم تفكيكا لأهم تلك الاشكاليات , التي ممن المكن تصنيفها الى اشكاليات عامة تشمل المعطى الادبي بمجموعه : اي الشعر والسرد والنقد , واخرى خاصة بكل جنس من هذه الاجناس , وهذا يقودنا الى آليات التشخيص او المحاكمة .

اما معيار القراءة او المعيار النقدي لهذا المنجز فيعتقد الكاتب ان هذا الامر يعد من اكثر الامور تعقيدا في العملية النقدية فكما هو معروف ان اغلب المعايير النقدية معايير نسبية حالها حال العلوم الانسانية عامة فليس من الدقة والموضوعية ان نحكم على صحة الأدب او نجاحه بهذه المعايير وحدها , مثل : الكثرة , والجودة , والانتشار , والذيوع , كما فعل ابن سلام قديما , او الاعتماد على المشاركة في المؤتمرات والحصول على التقديرات والجوائز كما هو حاصل اليوم . وعلى الرغم من ان هذه المعايير قد تكون ادلة على نجاح العمل الادبي وشاخصا على تأثيره الايجابي احيانا كثيرة الا انها قد توقعنا في حبال الوهم , فكم من عمل شاع بين الناس وانتشر في الاصقاع وحصل على الجوائز , ثم يتبين ان السر لا يكمن في جودة صنعه او اتساق اجزاؤه وتآلفها مع بعضها وعدم تناقضها , او انما لسبب ثانوي قد يكون بعيدا عن الابداع وعن كل ذلك فقد يكون سببا سياسيا او ايديولوجيا او غير ذلك , وعلى هذا الاساس سوف نحاكم المنجز الادبي العراقي محاكمة بنيوية نابعة من داخل المنجز ذاته , ايمانا منا بأن المعايير السياقية ( تاريخية او اجتماعية ) معايير متغيرة ونسبية على الضد من المعايير النسقية التي تحاكم الموضوعات عن طريق المحايثة .

الاشكاليات العامة :

اولا : الانفلات غير المدروس على مستوى الانتاج الثقافي وطبيعته .

فإذا كان الادب وليد الحرية والمروج لها في الوقت ذاته , فإننا واجدون في انتاج هذه الحقبة ما هو خلاف ذلك , فهناك كثير من الاعمال من اعتمد العبثية واللعب على المجاوزة غير المدروسة على صعيد الصياغات او على صعيد الفكر مما يخالف الحرية الحرية اصلا مثل الترويج للتفرقة والعنصرية والطائفية , حتى اصبحت التعددية احيانا وكأنها فعل مضاد لوحدة البلد واستقراره كما نجد ذلك واضحا في كثرة الصحف والاذاعات والفضائيات المتحاربة فيما بينها , والتي نادرا ما نجد واحدة منها تتكلم بوصفها عراقية خالصة .

ثانيا : التناقض في فهم الحرية .

ففي الوقت الذي توفرت فيه الحرية والغيت الرقابة , فإن منعا آخر قد ولد في احضان المشهد لكثير من الفنون , بحجج مختلفة , وانتم تعلمون ان الثقافة العراقية بعد التغيير قد تفسر في كثير من الاحيان على انها يجب ان لا تتناقض مع الاخلاقيات السائدة .

ثالثا : جدل الهوية .

ان الذي حصل في العراق يمكن عزوه الى معادلة حضارية ربما تحصل في اي مجتمع يتعرض للتغيير العنيف , فمن الطبيعي ان القوى الثورية في اي المجتمع تتربص لاي فسحة من الحرية لتتيقظ من سباتها , وحال ما تحصل عليها فإنها تبدأ بالانقضاض على كل ما هو قديم لكن بعد مرور حقبة من الزمن تحدث عمليات نكوص وارتداد الى ذلك القديم بسبب عدم الانسجام النفسي مع آليات التغيير , او عدم تقبل اخطاء الجديد , وعدم رسوخه في الذائقة والوجدان , او الشعور بالغبن والحيف عند البعض مما ينعكس ذلك على الفعل السياسي ومن ثم الفعل الثقافي , فعلى الصعيد السياسي يشهد الواقع العراقي صراعا عنيفا وجدلا محتدما بين من يرى نفسه انه كان في الامس هامشا وقد اصبح اليوم مركزا وبين المركز الذي اصبح هامشا , وهذا الصراع الذي يمكن وصفه بالحضاري بغض النظر عما جر من ويلات على الشعب العراقي الا انه رسخ ثقافة يمكن ان اسميها ثقافة الصراع واليوم نلحظ ان المشهد الثقافي العراقي يمثل انعكاسا حيا للمشهد السياسي ويعيش تمثلا حيا لما ذكرناه , فهو واقع بين تيار ثوري طموح ينشد التغيير ويدعو له لكنه واقع تحت مظلة الارستقراطية والنخبوية لذلك فهو محدود الانتشار . وآخر تيار اصولي قوي يتمتع بقاعدة اجتماعية واسعة يحاول كبح جماح القوى المتحررة بالعودة الى الاصولية بحجة الحفاظ على الهوية , وبين هذا وذاك فهناك تيار وسط يحاول اللعب على ترويض الجديد بحجة التماشي مع اي مع التقاليد او التغيير معا وعدم التناشز معهما .

وامام هذا المشهد اصبح الجو الثقافي العراقي غائما غير محدد المعالم , واصبح البحث عن الهوية همه الاول وان لم يكن معلنا .

رابعا : المجانية في الكتابة

اتاحت الحرية التي توافرت بعد 2003 الفرصة للجميع ان يمارس هواياته ويجرب قلمه وثقافته بغية اثبات الذات , فإن كان هذا امر حسن في وجه من الوجوه فإنه يحمل كثيرا من السلبيات التي من اهمها : جعل هذا الكم الهائل من الاعمال الادبية على رفوف الاهمال لا سيما اعمال الجيل الجديد من لدن القارئ الذي اصيب بالارباك والحرية امام آلاف العناوين التي لا يعرف غثها من سمينها , واختلط الجيد بالرديء , وتداخلت معايير التقييم , وتشابكت المقاييس , وربما طغى الزبد على السطح . فقد اصبح العثور على العمل الذي يستحق القراءة كالعثور على قطة سوداء في غرفة مظلمة , بل ان الامر اصبح متعسرا على النقاد انفسهم , وقد يكون الالتفات الى العمل الجيد عن طريق الصدفة وحدها , وتشير الاحصائيات الاولية ان عدد الروايات والمجموعات القصصية التي صدرت في العراق منذ 2003 الى الآن قد تجاوز الـ 500 عمل , اما المجاميع الشعرية فربما تجاوز ضعف هذا العدد , فضلا على ما تنشره الصحف يوميا .

ويمكن ان يعود السبب في ذلك الى الهموم والدوافع اللا ثقافية التي تدفع الادباء العراقيين الى الكتابة والنشر , جعل من المشهد الادبي يعج بأسماء كثيرة جدا دون ان يكون لهذا الاسماء اي هم ثقافي اصيل , وقد ساعدت دور النشر على ذلك , فضلا على تحسن الحالة المادية للفرد العراقي مما جعل عملية النشر والطبع سهلة للغاية .

خامسا : الاشكالية النقدية العراقية بعد 2003 .

نتبنى هنا مجموعة من الرؤى والافكار والتصورات المتأتية نتيجة تأمل في المعروض النقدي العراقي في الاعوام الاخيرة ، لكنها في الوقت ذاته تنتهج منهجا عموميا .

وفيما يخص المنجز النقدي فقد ارتأى الكاتب ان يسلم قبل كل شيء بإشكالية الحداثة النقدية لذلك كان عنوان المقال : الملامح الاشكالية للمنجز الثقافي العراقي .

وبخصوص اشكاليات المنجز النقدي فقد قسمنا تلك الاشكاليات على ثلاث اشكاليات كبرى تتفرع الى اشكاليات اصغر منها هذه الاشكاليات الثلاث :

1ـ اشكالية المثاقفة وتتفرع الى : اشكالية الترجمة واشكالية المصطلح .

2ـاشكالية المنهج النقدي ويتفرع الى : اشكالية : تغيب المنهجية ، والاجتهاد النقدي والخلط ، واشكالية الاحكام النقدية .

3ـ والاشكالية الكبرى الثالثة : اشكالية الاجراء وتتفرع : الى اشكالية التنظير ، واشكالية الغموض (في اللغة النقدية ، والمفاهيم المستعملة) .

اما اشكاليات المنهجية النقدية فمن اهم تمثلاتها القطيعة مع التراث والتقويل النقدي والمراوحة بين التراث والحداثة . ومن اشكاليات غياب المنهجية ايضا : استعمال الادوات النقدية المستعارة.

ومن الاشكاليات المنهجية الاخرى : الاجتهاد والخلط ودعوى التأسيس عند علي جعفر العلاق في كتابه الشعر والتلقي مثلا ، وفي كتب ذات صلة مثل معرفة الاخر لعبد الله ابراهيم ورفيقيه والحركة النقدية في العراق لا سيما النقد الخارج عن الاكاديمية بوصفه يمثل تمثلا من تمثلات الخلط المنهجي

وهناك ايضا اشكالية (الحكم النقدي) التي تتفرع على اشكاليتي التعميم ، والايديولوجيا ، فقد تمثلت اشكالية التعميم التجزيئية .

اما اشكالية النزعة الايديولوجية فقد وجدت لها تمثلات كثيرة في النقدية العراقية .

اما اشكالية الاجراء فيمكن التطرق الى اشكالية سيادة التنظير على الممارسة عند كل عند يوسف اسكندر في كتابه اتجاهات الشعرية المعاصرة وعند عدد من المجلات العراقية التي اهتمت بالجانب النظري و اغفلت الجانب الاجرائي .

اما الغموض فقد كانت اهم تمثيلاته غموض اللغة النقدية , كما نجد ذلك احيانا عند مالك المطلبي ومحمد صابر عبيد وسعيد الغانمي وعباس عبد جاسم .

ولا بد من التأكيد ايضا على مسالة شيوع النقد الصحفي والنقد على صفحات الانترنيت والفيس بوك بشكل افقد النقد معناه الحقيقي , امام تقصير الجهات المسؤولة في طبع الدراسات الاكاديمية الرصينة التي تناقشها الجامعات الرسمية , بإستثناء طبع القليل من تلك الاعمال .فضلا على ما تقدم فبعد انحسار النقد الاكاديمي يمكن تشخيص حالة سلبية بل ربما تعد من اكثر الحالات خطرا على الثقافة العراقية تتمثل في شيوع نقد المجاملات او النقد القائم بناءا على الطلب , او النقد الذي يتداول في اغلب الاماسي الثقافية , وهذا النوع من النقد فضلا على بعده من الروح العلمية والموضوعية فأنه عبرة عن قوالب جاهزة يصلح لأي عمل بمجردة ان نرفع عنوان العمل او اسم الكاتب .

ولابد في الموضع من التطرق الى الحركة النقدية في العراق بوصفها جزءا من واقع النقد العربي , ولأن إشكالياتها هي ذاتها إشكاليات النقد العربي عامة ثم ان الملاحظ على هذه الإشكاليات تقع اغلبها في دائرة الخلط المنهجي ، وحتى وصف المشروع النقدي العراقي بأنه : مشروع لم يكتمل , و يمثل إشكالية .

لقد بدأ التفاعل العراقي مع النقد الحداثوي بمجموعة من المقالات والبيانات التي نشرها عبد الله إبراهيم وسعيد الغانمي ومحمد صابر عبيد وعواد علي في صحف عراقية ابتداءا من عام 1988 وهي فترة متأخرة . ومن ذلك الحين سعت النقدية العراقية إلى مواكبة الحداثة النقدية عبر أكثر من رافد أهمها المجلات والصحف (الأقلام ، الثقافة الأجنبية ، الطليعة الأدبية، افاق عربية ، جريدة الأديب ..... وغيرها) , فقد خصصت مجلة الاقلام في عددها المزدوج (11 ، 12) لسنة 1993 ملفا خاصا بعنوان : الأدب العربي ، والمنهجيات الحديثة ، شارك فيه : حاتم الصكر وطراد الكبيسي وفاضل ثامر وعمران الكبيسي وعبدالله ابراهيم وناظم عودة وجليل كمال الدين وعبد الجليل جواد ، لكن هذا الملف اتسم بالتنظير ولم يلحظ التطبيق ولو بالإشارة .

ويمكن توزيع النقاد العراقيين بحسب موقفهم من الحداثة النقدية على ثلاثة فئات : الأولى نقاد الحداثة اللذين التزموا بمقولات المناهج النقدية الحديثة مثل : عبدالله ابراهيم ، وعباس عبد جاسم ، ومحمد صابر عبيد , وسعيد الغانمي وحسن ناظم ويوسف اسكندر وعبد العظيم رهيف السلطاني وناظم عودة , ومحسن جاسم الموسوي , وجمال جاسم امين والفئة الثانية تضم نقادا انفتحوا على الحداثة لكنهم لم يستسلموا لكل مقولاتها مثل : فاضل ثامر ، شجاع العاني ، ياسين النصير ، حاتم الصكر ، وعلي حسن الفواز , وتضم الفئة الثالثة مجموعة من النقاد لم يتحمسوا لتلك المناهج فأفاد قسم منها وانغلق قسم عنها مثل : علي جواد الطاهر ، عبد الجبار عباس ، عبد الاله احمد ، سليمان البكري ، حسين سرمك ، باسم عبد الحميد حمودي ، عمر الطالب ، عبد الجبار داود البصري .

وهناك ايضا النقد الاكاديمي الذي ظل يراوح بين التبشير بالجديد والاعتزاز بالقديم : وهناك اسماء كثيرة جدا في هذا الصدد منهم : صالح زامل وبشرى موسى وفاطمة لعيوس وعبد العظيم رهيف السلطاني ومحمد صابر عبيد وغيرهم .

لقد شخص ياسين النصير في مقاربة أولية سلبيات الحركة النقدية في العراق بعدة أمور لعل أبرزها : عدم تخلي النقد العراقي عن مرجعياته الايديولوجية , وعدم انسجامه مع الطروحات النقدية الحديثة ، ونمو الحداثة في الأدب دون النقد , والانفصام بين الحداثة الأدبية والنقدية والواقع الاجتماعي والسياسي ، فضلا على الانتقائية في الترجمة ، والطابع المقالي الذي ادى الى النزعة المثالية وأحادية النظرة للنتاج الإبداعي ، وعدم اهتمامه بالموروث الشفاهي للمقولات العراقية ، وافتقاده للهوية الأسلوبية الخاصة به فهو اما مراجعة للكتب ، او متابـعة لنشاط ثقافي ، او تعليقات نقدية وآراء خاصة , وهكذا ضاعت خصائصه النوعية . فيما شخص الناقد جاسم عاصي السمة الصحفية والذاتية للنقد العراقي حينما قال : (( حاولت ـ النقدية العراقية ـ ان تؤسس لنفسها مسارا جادا لكنه يبقى ضمن دائرة يتوزع محيطها بتوزع ازمنه إنتاجها واستحالة ضمها إلى بعض بفعالية جامعة حيث بقيت محصورة في المسعى الشخصي ، بينما انتشر النقد الصحفي بشكل ملفت للنظر ، بل بدا بشكل ظاهرة واضحة )) .

ويتضح الامر اكثر عند النقاد العراقيين المعروفين , فلم يكتف فاضل ثامر بالتوليف بين منهجين نقديين ، بل اعترف صراحة بأنه لجأ إلى التوليف بين مناهج متعارضة خرج منها بما اسماه منهجا شخصيا معللا ذلك بتجاوز لحظة الانبهار النقدي ، اما ياسين النصير فانه لم يتخل عن الاجتهاد والتطبيق الخاص ، والمبالغة في تحميل النصوص مالا تحتمل ، وسرعة تخليه عما يتبناه , اما شجاع العاني فانه لم يتخلص من الطابع الاجتهادي في تعامله مع المناهج النقدية ، اما حاتم الصكر فينتقل محتارا بين المناهج المختلفة من منهج لآخر وكأنه في متاهة نقدية او قرائية على الرغم من أصالة أعمال د.حاتم الصكر( الأصابع في موقد الشعر , والبئر والعسل , وما لا تؤديه الصفة , وغيرها ) الا أن تلك الاعمال تسعى الى شعرنة النقد لتظل خارجة على كل منهج ، وممهورة بطابع ذاتي انتقائي ، فكتابات الصكر تستوحي خليطا منهجيا يرتد الى نظريات القراءة والتلقي ومعطيات علم النص ، والجماليات ، وبذلك يمكن ان تكون دراسات الصكر مقاربات أكثر منها وسائل معرفية ، لأنها تنطلق دائما من رؤية خاصة للنص الذي وجده الصكر موقدا طالما لسع الأصابع التي تناولته . لذلك فإن تلك المقاربات لا يمكن ان تتقيد بمنهجية لأنها اساسا متأتية من اشعة النصوص نفسها التي لم يسلط الناقد عليها قراءاته , لكنه في الوقت ذاته يمارس التأويل عليها , وهنا لابد من التساؤل : كيف يمكن للناقد ان يجمع بين الامرين معا فالصكر يصف اشتغالاته النقدية بأنها مقتربات او مقاربات او دراسات لكي لا توصم بالتقليد المنهجي لكنه يعود في اكثر من مرة ليؤكد بأن تلك الدراسات تمثل (( محاولة للانفتاح على المقتربات المنهجية المقترحة ))

وفضلا على ما تقدم فقد نشر سمير الخليل دراسته (النقد الثقافي في الدراسات النقدية العربية) في مجلة آفاق عربية , لكن الملاحظ على هذه الدراسة انها صورة مقلدة لمقال كان قد نشره الباحث الأكاديمي مهند طارق نجم ، بعنوان (الوقوف خارج الثقافات ، النقد الثقافي الغربي والحداثة العربية) في مجلة الأقلام , الامر الذي يدفع الى التساؤل عن كيفية حصول هذه المحاكاة أهي محض مصادفة ام ان في الامر خطأ ما ؟.

ومن الاشكاليات الاخرى في النقدية العراقية مزج النقد بالكتابة الابداعية حتى يكاد يتلاشى في جمالياته وتهويماته كما نجد ذلك واضحا عند ياسين النصير وخزعل الماجدي , وسعيد الغانمي ايضا وبشرى موسى وحاتم الصكر .

سادسا : الاشكالية المصطلحية

ان اشكالية المصطلح تتفرع على اربعة اشكاليات تمثلت في غياب التنسيق واشكاليات ترجمة المصطلح ، وغياب الافادة من التطورات الحاسوبية واشكاليات المعاجم المصطلحية .

وفي اشكالية غياب التنسيق العربي نرى ضرورة التأكيد على اليات سن المصطلح العربي والالتفات الى خطورة غياب التنسيق العربي بشأنها الذي قد يؤدي الى ما اطلقنا عليه (الانفجار المصطلحي) ونعني بها الكثرة الهائلة في عدد المصطلحات العربية

اما اشكاليات ترجمة المصطلح : فأهمها تباين ترجمة المصطلح الواحد وعدم مسايرة نقادنا لتطور المصطلح وتغيره في اصله الاجنبي ومحدودية الاشتقاق في العربية . وفيما يخص غياب الافادة من الحاسوب لا بد من التأكيد على ان الساحة النقدية تفتقد الى معجم حاسوبي يشابه ما موجود في الغرب . اما اشكاليات معاجم المصطلحات العراقية فاهمها استعمال واضعي تلك المعجمات مقابلات غير مألوفة وغريبة للمصطلحات الاجنبية ، واتسامها بالطابع الفردي وغياب الجهود الجماعية يمكن الاشارة الى عدة معاجم مشهورة منها : الدكتور احمد مطلوب.

سابعا : اشكالية الترجمة .

ان الترجمة تمثل حقلاً معرفيا مهماً تداخل مع العلوم المعاصرة الاخرى لا سيما علوم الحاسبات .

ومن اهم الاشكاليات العامة في الترجمة العربية والعراقية خاصة فتتمثل في : انحصار الترجمة العربية في اللغة وتغييب عنصر السياقات الثقافية والاجتماعية المتقاطعة لذلك غاب المنهج الترجمي العربي مما ادى الى بروز اشكاليات عامة كثيرة منها على سبيل التمثيل : على مستوى الكم اي قلة ما يترجم من اللغات الحديثة ، وعلى مستوى الكيف اي النسبية في الاختيارات والمعايير والانتقائية في الترجمة ، وتأخر ترجمة ما يصدر في الغرب ، فضلاً على اشكاليات اخرى كالزيادة والتكرار والتطويل والابهام والتقديم والتأخير .

وفيما يخص غموض المتن النقدي غموض اللغة في النصوص المترجمة امرا واضحا.

ومن الاشكاليات : غياب الحركة الترجمية العراقية بشكل كبير , هذا العجز والتقصير الذي اظهر تقهقر المترجمين العرقيين امام آلاف الاصدارات التي تصدر في العالم واصبح القارئ العراقي تحت رحمة الكتاب المستورد المترجم خارج البلد , طبعا هذا باستثناء عدد من الاعمال المهمة التي ترجمها : يوئيل يوسف وكاظم جهاد وسعيد الغانمي , ودار المأمون .

ثامنا : التباس مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة في المنجز الادبي العراقي .

من المعلوم ان مفهوم الحداثة فقد وجدنا انها ترتد بجذورها الى الفكر اليوناني مرورا بالثقافة الاوربية في العصور الوسطى وانتهاءا بالافكار الحديثة لاسيما بودلير ، لكن النقطة الحاسمة في تمييز الحداثة عما قبلها تتمثل في جهود الشكلانيين اللذين دعوا الى فصل الادب عن العلوم الاخرى ، وتمثلت معالجاتناعلى التركيز على جهود بروب وباختين ومدرسة براغ لا سيما رائدها ياكبسون ثم تطرق الى جهود مدرسة جنيف ورائدها سوسير الذي اكد على الفصل بين اللغة والكلام ، وبين الدراسة التزامنية والتاريخية ، ولم نغفل جهود بيرس الذي افاد منه سوسير كثيرا . وقد خالف هيلمسيلف سوسير في مبدأ ربط الاشارة بالفكر وقال بفكرة المحتوى التي ناقض فيها اعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول . ومن الواضح ان افكار هيلمسيلف ساعدت في ظهور وتبلور افكار مدرسة النقد الحديد عند كل اليوت وريتشارد وايمبسون ورانسوم وبروكس ونورثروب فراي صاحب النقد الاسطوري . كذلك تمثلت الحداثة في جهود مدرسة فرانكفورت واهم ممثليها لوكاش وولتربنيامين وماركوز وهوركهايمر والتوسير وغولدمان وماشيري وتيار النقد ما بعد الماركسي عند غرامشي وادوار سعيد وياوس وجرنيبلات وايغلتون وغيرهم .

ثم تجلت اكثر في الاسلوبية وجهود اهم روادها وانواعها ، البنيوية والتفكيك ونظريات التلقي والسيميائية والنقد الثقافي والنقد النسوي .

والالتباس الحاصل في المدونة الادبية العراقية يتمثل في عدم الفصل بين تلك الانتقالات الفكرية , والخلط بينها , والانتقائية , وعدم الهضم المعرفي لمفاهيمها .

تاسعا : عدم الالمام بمراحل تحديث الخطاب الادبي عامة والنقدي خاصة .

فتحديث ذلك الخطاب يمكن ان يبدأ مع جهود شاكر شقير عام 1873 وحسين المرصفي مرورا عبر جهود ميخائيل نعيمة والعقاد والمازني والزهاوي ونقاد مجلة ابولو ونجيب الحداد ثم خليل مطران وابو شادي ومحمد مندور وصولا الى النقاد المعاصرين .

ويمكن تصنيف النقاد العرب على ثلاثة اصناف بحسب موقفهم من الحداثة النقدية في الغرب : معارضون ، مؤيدون ، محايدون ، وكل صنف من هذه هؤلاء قد يختلف في تفاصيل موقفه بين متطرف ومعتدل .

لكن النقدية العراقية لا تراعي هذه الترابية فقد يجترح الناقد العراقي منهجا انطباعيا مضى عليه الزمن وهو لا يعي ذلك . وهذا ينطبق على الاديب العراقي : ساردا او شاعرا ايضا .

عاشرا : من تمثلات السردية العراقية

وبخصوص الرواية العراقية فقد غابت اللغة العراقية الخاصة , فالرواية العراقية من هذه الناحية تعاني مما يعانيه الابداع العراقي عامة وهو غياب الخصوصية , وهذه آفة كبرى بالنسبة للثقافة العراقية فلا يجوز ان تكون كل الخراف بيضاء .

وقد ادى التسرع وحب النشر بالروائي العراقي احيانا الى السردية المنفلته والفاقدة للتحديدات الزمانية والمكانية , فقد ينسى الروائي العراقي نفسه ويذهب بعيدا في استطرادات ذاتية قد تكون سببا في ملل القارئ .

اما الرواية العراقية فقد اتجهت الى التوثيق اليومي في اغلب مفاصلها على الرغم من الوعي الروائي الواضح عند اكثر الروائيين العراقيين والذي تمثل في اجتراح عوالم بديلة عن الواقع , لكن ها قد ينقلب احيانا عند بعضهم الى اجتراح عوالم رمزية تترفع على الواقع العراقي ذاته .

وبعد مرور اكثر من عشر سنوات لم تستطع الرواية العراقية تجاوز عتبة التجريب الى ترسيخ الهوية الخاصة بها , ورسم معالم طريق عراقي خالص , بل ظل الرواية العراقية تعيش القوقعة التي رسمها الروائيون لأنفسهم ظنا منهم ان مقرؤون اليوم او غدا .

وهذا ليس حكما عاما فهناك اعمال روائية عراقية لو توفرت لها الوسيلة الاعلامية لحققت مكانة مهمة في ساحة الرواية العربية , فكثيرا ما استمتعنا بما كتبه مرتضى كزار احمد خلف واحمد السعداوي وهدية حسين وعالية ممدوح ونجم والي وعبد الخالق الركابي وانعام كجه جي وعلي بدر ولؤي حمزة وعبد الستار ناصر وحسين السكاف وحمزة الحسن واحمد الجنديل وعلاء مشذوب وزيد الشهيد وعلي لفته سعيد وطامي هراطة ونجم والي وعباس خلف وعدنان السلطاني وشوقي كريم وعلي خيون وشاكر الانباري وطه حامد الشبيب ونعيم عبد مهلهل وميسلون هادي وبرهان شاوي وغيرهم .

حادي عشر : تداخل جيل المرحلة مع الجيل السابق :

واهم ما يميز شعرية ما بعد 2003 استمرار سطوة الجيل التسعيني وتغييبه لخصوصيات القصيدة الالفينية , واعتقد ان السبب في ذلك يعود الى ان زوال حقبة معينة تاريخيا لا يعني زوال أيديولوجيتها وثقافتها فالثقافة قد تستمر في فرض وجودها حتى وان زالت مقومات ذلك الوجود او الطبقة التي اسست تلك الثقافة , لذلك ما زلنا نسمع صدى القصيدة التسعينية ومميزاتها التي تتمثل في : التعبير أحياناً بصورة غير مباشرة بسبب المعاناة و التمزق والألم , و شيوع نبرة الرفض للحرب و الدمار بصورة غير مباشرة أو عن طريق الرمز و الصمت و أحياناً من خلال البحث عن فضاءات نظيفة لا تلوثها محرقة الحرب و الحصار و التعسف و الميل نحو النزعة الصوفية والاتجاه نحو التداخل الاجناسي والاسراف في التغريب . كما نجد ذلك في شعراء الجيل التسعيني المستمرين في العطاء :

عبد الامير جرص واحمد الشيخ علي وسلمان داود محمد , وطالب عبد العزيز , وحسين علي يونس , وفاضل عزيز فرمان , ونوفل ابو رغيف , ومشتاق عباس معن , وفائز الشرع , ونجاح العرسان , وعارف الساعدي , وحسن عبد راضي , والمرحوم احمد آدم , وعمار المسعودي , ورحمن غركان , وعلاوي كاظم كشيش , وورعد زامل , وريم قيس كبة , وحمد محمد الدوخي , ومضر الآلوسي , وجمال علي الحلاق , وعباس اليوسفي , ومحمد البغدادي , وعلي سعدون , واحمد عبد الحسين , وقاسم زهير السنجري , وعلي حسين الخباز , ومازن المعموري , وصلاح السيلاوي , وولاء الصواف , وسلام محمد بناي , وعلي محمد سعيد , ويسام صالح مهدي , وحسن السلمان , وغريب اسكندر , وماجد الحسن , ومحمد الحمراني , واحمد سعداوي , وباسم فرات , وناهضة ستار , وفليحة حسن , وعلي الامارة , وعبد السادة البصري , وعقيل ابو غريب , وعلي لفتة سعيد , وماجد حاكم موجد , وجاسم حسين الخالدي , وعماد جبار , وفارس حرام , وابراهيم الخياط , ونصير الشيخ , واجود مجبل , وحسين الكاصد , وفرج الحطاب , ومحمد غازي الاخرس , وعبد الخالق كيطان , ونجاة عبد الله , ومؤيد حنون , ومحمد عزيز, واحسان التميمي , ورشيد حميد , ومحمد طاهر, ووجيه عباس , وعماد العبيدي , وياس السعيدي , وصلاح الحيثاني , ورياض غريب , وعمر السراي , وماجد الشرع , وكلالة نوري , وموفق صبحي , وعلاء المعاضيدي , ومحمد الفرطوسي , ونصير غدير , وسلام دواي , وسليمان جوني , وحسن الخرساني , وايهاب صالح , واسماعيل حقي , واحمد حسون , وخالد مطلك , ووليد الصراف , وباسم الانصار , وصفاء ذياب , وستار الاسدي , ومثال غازي , وعامر السعدي , وعلي حبش , وحسن الكعبي , وعباس عبد معلة , ومحمد راضي شارف , ونبراس المواشي , وواثق البيك , ومهدي راضي , وغيرهم .

لكن ما يميز القصيدة الالفينية ـ وان لم يكن من مبتكراتها ـ يتمثل في : ظهور قصيدة الومضة و طغيان قصيدة النثر , كما نجد ذلك عند : احمد شمس واحمد عبد السادة وبيداء حكمت وجودت قاضي اوغلو وحبيب النورس وحياة الشمري وعمر الجفال وعمر السراي وغرام الربيعي ومحمد احمد فارس ومحمد جابر احمد ومحمد مدحت حسن ومحمود النمر ومروان عادل ونادر عمانوئيل وهادي الناصر وورود الموسوي وحسين الحربي ورضا السيد جعفر ووزينل الصوفي وشاكر الغزي وعلياء المالكي وعلي عبد السلام الهاشمي ومجاهد ابو الهيل ومحسن العويسي ووليد الحسناوي وياس السعيدي ومهدي النهيري , وصلاح حيثاني , و صفاء ذياب , وقاسم سعودي , وميثم الحربي , وميثم العتابي , وعلي محمود خضير , وهيثم جبار عباس وعلي رياض , وسامي محمود , وعلي وجيه , وهيثم جبار , ومريم العطار , وفاطمة الفلاحي , وفيوليت ابو الجلد , ونبيل الجابري , وحسام البطاط , وحيدر الحاج , وماجد الخياط , وعلي رياض , وقصي الاسدي , وغيرهم

ثاني عشر : الاشكاليات اللغوية .

وهذه الاشكاليات جميعها يمكن ن تعد تحصل حاصل للإشكالية السابقة : مجانية الكتابة , وهو امر بديهي فحينما تصبح الكتابة سهلة , ويغيب الشعور بالمسؤولية عند البعض ويفتقد الاختصاص , فإنه من البديهي جدا ان يترافق ذلك مع ظهور آفات ضعف التعبير الكتابي , والاخطاء اللغوية , وركاكة الاسلوب , والابتعاد عن الفنون البلاغية والجمالية , ومغادرة الاساليب الفصيحة الى اساليب غامضة .

كل ذلك جعل الاديب العراقي المعاصر في دائرة الاتهام بل قد ينظر اليه على انه هو المسؤول عن التردي الثقافي ان جاز التعبير , وولد نفورا وربما تهكما عند كثيرين من القراءات الادبية , وقد اوجد ذلك تقاطعا بين الجامعة وفروع اتحاد الادباء في المحافظات , لكن من هم تمثلات المشكلة اللغوية مشكلة الغموض .

اذ يعد الغموض دليل على : قصور الفهم عن ادراك المعاني , لدقتها وصعوبتها في ذاتها , اولتعقيد الالفاظ والتراكيب, وبذلك فإن للغموض اكثر من جانب : فالجانب الذاتي يمكن ان يرتبط بعلم اللغة النفسي , اما الجانب الموضوعي فيرتبط باللغة والانساق المعرفية ذاتها , وبذلك يعد وثيق الصلة بعلم الدلالة .

و تبعاً لاهمية موضوع الغموض فقد كان ميدانا للدرس عند القدماء و المحدثين معا . و خلاصة ما توصلوا اليه : ان للغموض اسبابا تعود الى الالفاظ مثل التغيرات الصوتية ( الابدال , و الحذف , و الزيادة ) , وتعدد المعاني ( مجاز عام , خاص ) او تعود الى التراكيب ( استعارة , كناية , تعريض , حذف ), وذكروا من انواعه: اللبس و الابهام, وعدوا من مصطلحاته : المعاظلة و التعقيد و التعريض و التعمية و الالغاز , و الاشارة ....

وفي النقد المعاصر اصبح الغموض اشكالية كبيرة الى الحد الذي اطلق عليها احد الكتاب ( غطرسة لغوية ), حتى ان النقد ااصبح بحاجة الى حقل معرفي اخر يوضح مراميه و مقاصده , واصبح من الوارد ان يؤلف كتاب لتوضيح مقاصد كتاب آخر , مثلما هو حاصل مع رواد الحداثة , من هذا المنطلق يأتي هذا البحث ليشير الى حضور هذه الظاهرة بجلاء في نقدنا العربي المعاصر , بإستقراء اهم تمثلاتها , لاسيما وان امر النقد العربي بحسب تعبير احد النقاد اصبح (( في ايدي الذين يكتبون دون رقابة او شروط او حتى مقارنة ... )).

يقسم عبد العزيز حمودة الغموض على مقصود وغير مقصود ، ويؤكد على ان الغموض غير المقصود يؤدي الى تشوية الافكار والمفاهيم , اما سببه الاساس فيتمثل بسوء فهم النص الحداثي وسوء الفهم هذا له اسبابه ايضا ولعل من ابرزها : ان الخطاب النقدي المعاصر يستند الى افراز فلسفي غربي خاص بأوربا ومن ثم فأن النص النقدي عند النقاد المعاصرين لا يقل اهمية عن النص الابداعي نفسه ، اما الغموض المقصود فهو ((مجاراة واعية مدركة لغموض النص الحداثي في لغته الأصلية تأسيسا على مبدأ لفت لغة النقد النظر الى نفسها , هذا مع افتراض ان الحداثي العربي الذي يختار الغموض اسلوبا متعمدا قد فهم النص في لغته الاصلية بالكامل قبل ان يبدأ الكتابة العربية , اما اذا لم يستطع فهم النص في لغته الاصلية ـ وكثيرا ما يحدث ذلك ـ فان تعمد الغموض هنا يضيف خطيئة ثانية لا تغتفر الى الخطيئة الاولى التي لا تغتفر هي الاخرى )).

واذا كان الامر يتعلق بعلاقة الخطاب بالمتلقي , فأننا ازاء تقسيم اخر عند الناقد المغربي عبد السلام المسدي الذي قسم مستويات الخطاب على ثلاثة مستويات : الاول هو المتجه الى القارئ بوصفه متلقياً على البراءة أي الذي يتلقى الادب فيتمتع به ويتقبله دون سابق ظن في صاحبه , والمستوى الثاني هو الخطاب الذي يتوجه به اديب ما الى اديب آخر, وهنا يكون الخطاب النقدي عبارة عن محاورة بين الناقد والاديب , اما المستوى الثالث فهو الخطاب النقدي الذي يوجهه الناقد الى نظرائه النقاد , ويتصف هذا المستوى بالتخصص والتجريد والتنظير ، وغياب التمييز بين هذه المستويات هو الذي قاد الى اكثر من اشكالية في خطابنا النقدي ـ بحسب المسدي ـ فالناقد بعد ان كان منسلكا في العملية الادبية اصبح الان ـ ومثلما يدعى لنفسه ـ مؤسس منهج جديد ، ومنظر علم وعلى المتلقين ان يسلموا له بذلك.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
الجيﻻلي
الجزائر
2017-2-1
المقال رائع ..بارك الله جهودكم
رجاء منكم أريد معرفة اسم الخط الذي دون به المقال
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (أدب)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك