الإدمان الذكي وصناعة الشخصية الوهمية

925 2017-12-04

هل انت مكتئب وحزين؟!، هل ينتابك الشعور بالقلق والانزعاج الشديدين عند نسيان الهاتف أو الافتراق عنه أو الاضطرار إلى إغلاقه؟، هل تنظر الى الهاتف بين الحين والآخر وتفقده بشكل دائم حتى دون وجود حاجة لإجراء مكالمة أو إرسال رسالة أو تفقد الانترنت؟، هل تشعر بالسعادة عند استخدام الهاتف المحمول أو حتى بمجرد النظر إليه، وكأنه الصديق الأقرب للشخص، هل يعني من الانعزال عن الأهل والأصدقاء والفشل وتراجع الفعالية في العمل والدراسة؟، كل هذه التساؤلات تشير الى وجود علامات إدمان الهواتف الذكية.

يقول الباحثون بأن مدمنو الهواتف الذكية، وخاصة المدمنين على استخدام شبكات وبرامج التواصل الاجتماعي يجدون فيها "واقعاً بديل"، حيث أن الشخص يلجأ الى إيجاد واقع بديل عن واقعه المعاش الذي لا يطيب له في معظم الأحيان ولا يجسد أمانيه، وكل ما يحتاجه لتغيير واقعه هو خلق حساب شخصي في موقع اجتماعي، فيخلق بذلك عالماً جديداً خاصاً به. هذا بالإضافة إلى أنه يعمد من خلال ذلك إلى إعادة رسم صورته بالطريقة التي يريد، وهي تكون بطبيعة الحال مغايرة لصورته الحقيقية غير المرضية بالنسبة له.

إن الشخصية الوهمية الجديدة التي تتيح له تلك المواقع إمكانية تمثيلها، والكم الكبير من الأصدقاء الذين توفرهم له من كل أنحاء العالم، كل هذه المغريات تجعل الشخص غير قادر على الهروب من هذا العالم الافتراضي الذي "يهتم كثيراً بشخصه"، على حد قول أحدهم "لا بل أكثر من الأشخاص المحيطين به في عالمه الواقعي".

قد تشعر في وقت ما أنك ربما تكون بحاجة إلى الخضوع لأساليب علاجية - قد تكون ذات طابع رقمي - وذلك إذا بدا لك أنه ليس بوسعك مقاومة إغواء تصفح ما يرد على حساباتك على مواقع مثل "فيس بوك" و"إنستغرام" خلال ساعات عملك، أو إذا شعرت بالقلق حينما لا تتسنى لك الفرصة للنظر بين الحين والآخر في شاشة هاتفك الذكي، أو عندما تكون في منطقة لا تتوافر فيها شبكة تغطية.

وشهدت السنوات الماضية محاولات مستمرة من جانب مستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعي لتلقي علاج على يد متخصصين، بعدما وجدوا أنه من المستحيل الابتعاد عن الأجهزة الإلكترونية الخاصة بهم، حتى عندما يرغبون في ذلك.

الأمر الإيجابي هنا أنهم يستجيبون لما يخضعون له من علاج، فهناك معالجون يقدمون لهم المشورة، ومدربون مختصون بالصحة الذهنية يوفرون أماكن يقضي فيها من يعانون من هذا النوع من الإدمان فترة امتناع عن التعامل مع الأجهزة الإلكترونية، أو ما يُعرف بفترة لـ "التخلص من السموم الرقمية".

كما توجد شركات ناشئة تعمل في هذا المضمار لتحسين الصحة الذهنية للعاملين في المؤسسات والشركات. ويتنافس كل هؤلاء في المساعدة على أن تقضي يومك دون تصفح مستمر يستعصي على المقاومة لحساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

ويوفر هذا التنافس مجموعة واسعة من الخيارات التي يرغب مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي في تجربتها، بهدف التخلص من اعتيادهم تصفح هذه الوسائل بشكل مستمر، لكن الأمر ينطوي على أعباء مالية بطبيعة الحال، فمن يرغب منهم في حضور جلسة علاجية لمدة ساعة، سيتكبد رسوما قد تصل إلى 150 دولار. أما من يريد الإقامة لفترة أطول في أماكن تُعد بهدف مساعدة المقيمين فيها على "التخلص من السموم الرقمية"، فسيدفع أكثر من 500 دولار، وذلك للبقاء عدة أيام في هذه الأماكن، التي تُجهز على غرار المعسكرات.

فيما أظهرت دراسة عالمية حديثة أن 60% من سيدات العالم لا يستطعن الاستغناء عن هواتفهن الذكية، في الوقت الذي يعتبرن أن أجهزتهن الذكية أهم مقتنياتهن، مقابل 43% من الرجال الذين أكدوا أيضاً عدم تمكنهم من فك ارتباطهم بالأجهزة الذكية. وبينت دراسة حديثة أجرتها وكالة "نيونانس للإعلام" والتسويق الرقمي، أن السيدات أكثر ارتباطاً وإدماناً لهواتفهن الذكية من الرجال. حيث تجد النساء في الهاتف المحمول وسيلة حيوية لتمرير الوقت الذي تعاني من طوله ورتابته، خاصة بالنسبة لربة المنزل. إضافة للانشغال بمتاعب الحياة وعدم القدرة على التواصل مع الأهل والأصدقاء بشكل دائم، مما يجعل من برامج وتطبيقات الهواتف الذكية وسيلة سهلة تساعد على التواصل بشكل دائم مع الآخرين.

في حين تتعرض أدمغة الشباب الذين يستخدمون هواتفهم الذكية أو الإنترنت لأوقات طويلة لتغييرات كيميائية كبيرة. هذه التغيرات ترتبط بشكل كبير بالإدمان والاكتئاب والقلق، وتؤثر على روتين الحياة اليومية إنتاجياً واجتماعياً وعاطفياً.

هل تشعر أنك من مدمني الفيسبوك ولا تستطيع أن تتخلص من هذا الإدمان؟ ربما يساعدك تطبيق "ميقاتي الوقت الضائع" على التخلص من هذا الإدمان. فكرة التطبيق الأساسية تكمن في أن "تعاقب نفسك"، فهل يمكن فعلاً أن يساعد هذا التطبيق؟

ان علاج ادمان الهواتف الذكية يتطلب استحضار الارادة الكاملة للتخلص من هذا الاضطراب النفسي مدعوما بتخلص تدريجي من تلك العادة ولتكن الرياضة والهوايات المحببة للنفس والتي ينتج عنها منفعة ذهنية وجسدية خير بديل للتخلص بها من ادمان الهواتف الذكية ومما لا شك فيه حرصك الدائم على تطوير علاقات الاجتماعية والأسرية بشكل إيجابي سوف يساعدك في التخلص من ذلك الادمان بشكل اسرع واكثر كفاءة.

وأخير ان الادمان عادة تتراكم وتتضخم يوما بعد يوم فلتكن الوقاية والحرص على عدم الانجراف في ادمان الهواتف الذكية أهم النصائح التي نود ان نجعلها امامك لتجنب أي اضطراب نفسي قد يؤدى الى أي نوع من انواع الإدمان.

إدمان الأجهزة الذكية يسبب ضرراً على الدماغ

تمكن فريق من الباحثين مع هيونغ سوك سيو، أستاذ أشعة في كوريا الجنوبية، من اكتشاف التغيرات الكيميائية في أدمغة المراهقين، الذين يستخدمون الإنترنت، أو الهواتف الذكية بصورة إدمانية، واختبر العلماء 19 شاباً، يبلغ متوسط أعمارهم 15 سنة، و يعانون جميعا من إدمان الهاتف الذكي، أو الإنترنت. اكتشف الأطباء شدة الإدمان من خلال اختبار موحد. إذ سألوا المرضى عن مدى استخدامهم للإنترنت، أو الهواتف الذكية، وكيف أثر ذلك على روتين حياتهم اليومية، وحياتهم الاجتماعية، وإنتاجيتهم، وطبيعة نومهم، ومشاعرهم. وأفاد سيو أن حالات الاكتئاب والقلق ظهرت بشكل ملحوظ لدى مجموعة المراهقين المدمنين على الأجهزة الذكية.، أخذ الأطباء صور ثلاثية الأبعاد لأدمغة المشاركين باستخدام الرنين المغناطيسي. وانصب اهتمامهم بشكل خاص على مراقبة حمض غاما أمينوبوتيريك (GABA) - ناقل عصبي في الدماغ، الذي يمنع أو يبطئ إشارات الدماغ. كانوا يبحثون أيضا عن الأحماض الأمينية الغلوتامات والغلوتامين، التي تتفاعل مع (GABA). لدراسة التأثير على الرؤية والضوابط الحركية، وعلى تنظيم وظائف الدماغ المختلفة مثل القلق والنعاس.

اتضح أن المراهقين المدمنين لديهم كميات أعلى من (GABA)، من الغلوتامات والغلوتامين في القشرة الحزامية الأمامية (جزء معين من الجزء الأمامي من الدماغ الداخلي). كما لاحظ الباحثون وجود علاقة وثيقة بين القياسات ومستويات الإدمان والاكتئاب والقلق.

ومع ذلك، هناك بعض الأخبار الجيدة، حيث خضع 12 شخصاً من المشاركين المدمنين في برنامج العلاج السلوكي المعرفي، ورجعت نسبة (GABA) إلى حالتها الطبيعية لدى المرضى، الذين تلقوا العلاج لمدة تسعة أشهر، وقدم الباحثون النتائج التي توصلوا إليها في الاجتماع السنوي للجمعية الإشعاعية لأمريكا الشمالية (RSNA) في شيكاغو بالولايات المتحدة.

عاقب نفسك على إضاعة حياتك على فيسبوك!

تبدو الفكرة غريبة وسخيفة ربما، لكن هذا الملحق الخاص الذي طورته غوغل وأطلق عليه "timewaste timer" ليستخدم على متصفح الانترنت "كروم" يتخذ شعاراً له أن "تعاقب نفسك" على تضييع حياتك على فيسبوك. فكلنا يعرف كيف يبدأ الأمر بمتابعة أخبار الأصدقاء وصورهم، ثم يلفت نظرنا فيديو غريب، فنشاهده، ونجد تعليقاً مهماً نريد الرد عليه، وبسرعة تجد يومك قد ضاع دون إنجاز الكثير. بل أصبح كثيرون يبدأون يومهم بفيسبوك، ويأخذونه معهم في كل مكان حتى أثناء النوم.

ومن هنا نشأت فكرة هذا التطبيق الذي يجعلك تختار أن "تعاقب نفسك" إذا ما استخدمت فيسبوك لوقت طويل. فبعد قضاء ساعة في اليوم على موقع التواصل الاجتماعي، يبدأ التطبيق في حساب كل دقيقة، وكل دقيقة تكلفك دولاراً. وبالطبع الأمر متروك لك، فأنت من تقوم بإنزال التطبيق وتشغيله، إن كنت تريد بالفعل محاولة التخلص من هذا "الإدمان". بعد تنزيل التطبيق وتسجيل نفسك على فيسبوك، تضع في حسابك 20 دولاراً. وإذا انتهى المبلغ، عليك إعادة الشحن، أو الاستمرار في زيارة الموقع الاجتماعي.

فكرة التطبيق طريفة، لكنها أيضاً تثير الفضول، فهناك بعض من يريدون بالفعل تغيير طريقة استعمالهم لفيسبوك، لكنهم غير قادرين على التخلص من عادة استخدامه، وربما تساعدهم بالتالي هذه الفكرة على التغيير. فالفكرة تعتمد على فكرة "تربوية" معروفة، وهي التعلم عن طريق العقاب.

أما الأموال التي تجمع عن طريق هذا التطبيق، فمن المفترض أن تستخدم لإنتاج مشاريع مشابهة، للمساعدة في "إزالة السموم الرقمية"، ومساعدة المزيد من المستخدمين على تقليل "إدمان الانترنت"، كما يؤكد مطور التطبيق، مايك اوشاكوف.

وقال اوشاكوف في حوار لموقع "the next web": "لقد نصحنا كثيرون باستخدام المال في الأعمال الخيرية، لكننا نريد أن نطور مزيد من البرامج، ففكرة العقاب لا تنفع إلا عددا قليلا من الناس على عكس التحفيز، وإن كان بإهداء فنجان قهوة لمن يتمكن من التخلص من إدمانه لبعض البرامج، وهذه هي خطوتنا التالية".

حسب وزارة الصحة الألمانية، ففي ألمانيا وحدها هناك نحو 800 ألف شخص مدمن للانترنت، وثلاثة ونصف مليون يستخدمونه بشكل "إشكالي". وتوضح دراسة سابقة أجرتها مدرسة واشنطن للأعمال في عام 2012 أنه إلى جانب الألعاب الالكترونية، فإن المواقع الاجتماعية تستخدم بشكل مبالغ فيه، وهذا التطبيق ليس الوحيد للمساعدة على التخلص من إدمان الانترنت، فهناك تطبيق مثل "Rescue time" الذي يتابع طريقة استخدامك للتطبيقات والبرامج المختلفة، أو تطبيق "Freedom" الذي يجعلك تحجب المواقع التي تشتتك، بينما يتابع تطبيق "Breakfree" استخدامك لهاتفك الذكي.

إدمان الأجهزة الإلكترونية يمهّد لأمراض خطيرة

يقضي كثيرون ساعات طويلة وهم يزاولون نشاطاً حديثاً نسبياً يتمثل في استخدام الأجهزة اللوحية والمحمولة، حتى أن بعضهم يستخدمها في شكل متواصل أحياناً. وعلى كل حال، صار للجميع تقريباً صلة ما بهذه الأجهزة وبالتقنيات المرتبطة بها. بل يمكن القول إنها أضحت مسيطرة في شكل أو آخر على مخترعها، ربما لأنه بشري محكوم بجسد هالك لا محالة بينما هي لا.

وفي هذا السياق، كشفت دراسات أميركية نشرت في مواقع طبية متعددة أخيراً أن الوميض الناتج من المستويات العالية والمتباينة من الإضاءة في الرسوم المتحرّكة الموجودة في ألعاب الأجهزة اللوحية والمحمولة، يتسبّب في حدوث نوبات من الصرع لدى الأطفال، محذرين من الاستخدام المستمر والمتزايد لألعاب الكمبيوتر الاهتزازية من قبل الأطفال، لاحتمال ارتباطه بالإصابة بمرض ارتعاش الأذرع.

وأشارت دراسات إلى أن الإدمان المرضي على ألعاب الفيديو قد يسبب اضطرابات في النوم وفشلاً على صعيد الحياة الخاصة أو الدراسة، وكسلاً وخمولاً وعزلة اجتماعية لدى الأطفال، إضافة إلى التوتر الإجتماعي وفقدان المقدرة على التفكير الحر وانحسار العزيمة والإرادة لدى الفرد.

وجاء في دراسة أنجزها باحثون في جامعة «ساني» لطب العيون في نيويورك، أن الأشخاص الذين يقرأون الرسائل ويتصفحون الإنترنت على هواتفهم النقالة يميلون إلى تقريب الأجهزة من أعينهم أكثر من الكتب والصحف، ما يجبر العين على العمل في شكل متعب أكثر من العادة.

وأكد الباحث مارك روزنفيلد المسؤول عن الدراسة، إن «حقيقة حمل الأشخاص للأجهزة بمسافة قريبة من العين يجعلها تعمل في شكل متعب أكثر للتركيز على الأشياء المكتوبة».

أما نوعية الألعاب التي يزاولها الأطفال فتختلف بين ألعاب الصراعات والحروب والذكاء والتركيب وغيرها. وذكرت أبحاث علمية أنه على رغم الفوائد التي تتضمنها بعض الألعاب، تبقى سلبياتها أكثر من إيجابياتها لأن معظم الألعاب المستخدمة من قبل الأطفال والمراهقين ذات مضامين سلبية ولها آثار عكسية جداً فيهم، خصوصاً في مستوى الصحة.

وحذّر خبراء جامعة ساني من أن تعوّد الأطفال على استخدام أجهزة الكمبيوتر والإدمان عليها في الدراسة واللعب، ربما يعرّضهم إلى أخطار وإصابات قد تنتهي بإعاقات أبرزها إصابات الرقبة والظهر.

ساعتان في اليوم

وأكد خبراء أن المشكلة تكمن في أن التكنولوجيا حديثة لدرجة تجعل الباحثين غير قادرين على معرفة الضرر الذي تحدثه على المدى الطويل. وجاء في المبادئ التوجيهية الجديدة الصادرة عن الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال أنه لا ينبغي أن يسمح للأطفال بقضاء أكثر من ساعتين في اليوم أمام الشاشة، فيما لا يجب أن يقضي الأطفال تحت سن الثانية أي وقت أمام الشاشة. ووفق المبادئ ذاتها، يجب أن تبقى أجهزة التلفزيون والكمبيوتر خارج غرفة الطفل.

وذكرت أبحاث نشرتها الأكاديمية أن الشباب يواجهون «قنبلة صحية موقوتة» في ما يتعلّق بآلام الرقبة والظهر المرتبطة باستخدام أجهزة الكمبيوتر وألعاب الفيديو والهواتف الذكية. وأظهرت هذه الأبحاث أن ما يقرب من ثلاثة أرباع الأطفال في المدارس الابتدائية وثلثي طلاب المدارس الثانوية في الولايات المتحدة تحدثوا عن آلام في الظهر أو الرقبة خلال العام الماضي.

ويقول الدكتور خالد النمر استشاري وأستاذ أمراض القلب وقسطرة الشرايين والتصوير النووي والطبقي للقلب في مستشفى الأمن العام بالرياض، إن الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية «باتت جزءاً لا يتجزء من حياة الإنسان، وفي واقعنا الحالي أصبح استخدامها في عمر مبكر جداً»، مبيّناً أن «هناك طيفاً للموجات الكهرومغناطيسية من البث التلفزيوني إلى الإشعاع النووي، وتنقسم علمياً إلى مؤينة (بكسر الياء) مثل الأسلحة النووية والنظائر المشعة، وغير مؤينة مثل الميكروويف والراديو والتلفزيون والأجهزة الذكية». ويوضح أن «الموجات غير المؤينه (الآمنة) لا تنتج ايونات من الأجسام مثل الميكروويف والأجهزة المحمولة، ولم يثبت علمياً أنها تسبب السرطان أو الباركنسون أو أمراض الكلى أو أمراض الأعضاء التناسلية أو العينين، كما أفادت منظمة الصحة العالمية في عام 2010».

ويضيف النمر أن «امتصاص الأجسام موجات الأجهزة الذكية أقل من 5 في المئة من امتصاص موجات الراديو والتلفزيون وأمواج الراديو التي تعرّضت لها البشرية مئات السنين، ولم يكن هناك رابط مباشر مع الأمراض ومن ضمنها السرطان». ويتابع: «بسبب الوضعية التي يتخذها الجسم فترة طويلة خلال استخدام الأجهزة الإلكترونية، يمكن حدوث آلام في فقرات الرقبة والظهر. وبالنسبة للعين، حجم الأجهزة صغير لذا يكون الجهد على العين كبيراً جداً، لذا تجهد عضلات البؤبؤ ما يسبب ضعفاً للنظر على المدى البعيد». ويؤكد أن «عدم إغلاق العين فتره طويلة يسبب جفاف القرنية خصوصاً أن الأشعة الضوئية المنبعثة من الأجهزة الذكية تصدر منها وليست منعكسة عنها كما في الكتاب، لذا يُنصح بعدم الاستمرار في النظر إليها أكثر من 30 دقيقة، من دون فاصل زمني يسرح النظر خلاله بعيداً».

إدمان نفسي

وعلى مستوى الإدمان النفسي، يقول النمر: «تتولّد لدينا مشاعر سلبية إذا فقدنا الجهاز، مثل الغضب، الانعزال والاكتئاب، إذ أصبح الشخص يعيش في عالم افتراضي، ما يؤدي إلى فقدان المهارات الاجتماعية للشباب والأزواج والزوجات. لم يعد الشخص يحتك بوالديه وأقاربه بل مع أصحابه الافتراضيين وبالتالي تغيّرت العلاقات الاجتماعية إلى علاقات إلكترونية بحتة أحياناً».

وتقول الاختصاصية النفسية في عيادات «ميدي كير» في الرياض منيرة بحار أن «الاستعمال المتزايد للتكنولوجيا قد يؤثر ويزيد من نسبة التوحّد والانعزالية وقلة التواصل مع الناس، ما يجعل الشخص متقوقعاً داخل عالمه الافتراضي. وقد تتطور حاله وتصل إلى الإدمان»، مؤكدة أن ذلك «يسبب التقصير على المستوى الأسري والاجتماعي ويضعف مهارات التواصل الاجتماعي نتيجة قلة الاحتكاك والتفاعل المجتمعي».

وتضيف بحار أن «هناك دراسات أثبتت أن الإدمان يؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب ويساهم في الانطواء الفكري»، مشيرة إلى أن «العلاج النفسي بمختلف مناهجه التحليلية أو السلوكية المعرفية، يلعب دوراً كبيراً في القضاء على إدمان التقنية كما غيره من الأمراض النفسية».

وتتابع أن «تأثير التكنولوجيا في الأطفال قد يصل إلى الصرع وأمراض الأعصاب، كما قد يكسبهم عدوانية وعنفاً بأثر من مشاهدة الألعاب الإلكترونية العنيفة»، مؤكدة أن «بقاء الطفل ساعات متواصلة أمام الأجهزة اللوحية أمر غير طبيعي بالنسبة للأطفال لحاجتهم إلى الحركة المستمرة، التي يسبب غيابها مشكلات كثيرة منها زيادة الوزن وإجهاد العين».

وتحذّر بحار من أن «المجرمين قد يستخدمون هذه الأجهزة للتلاعب بعقل الأطفال وتعويدهم على أمور مثل المخدرات والكحول أو حتى جرائم جنسية»، لافتة إلى أن «الإنترنت تُعد البوابة السحرية للمعلومات، والطفل بفضوله الطبيعي سيحاول التعرّف إلى المعلومات المختلفة التي قد يكون لها تأثير سلبي في غياب الرقابة أو التوجيه الصحيح».

الحركة لنمو سليم

وتقول المعالجة الوظيفية في مركز «بيج سكاي للعلاج الطبيعي» ليندسي مازرولي: «إذا ظل الأطفال يســتخدمون الآيباد باستمرار من دون القيام بالنشاطات التي تعتمد على الورقة والقلم، فإن تلك العضلات ستصبح أضعف. ونرى الآن أطفالاً كثراً يشكون من بعض التأخر الحركي، إلى جانب ضعف العضلات في بعض المناطق».

وتؤكد اختصاصية العلاج الطبيعي وطب الأطفال والصحة المهنية في جامعة ليدز ميتروبوليتان ببريطانيا لورنا تايلور، أن «لأنماط الحياة الحديثة وزيادة استخدام التكنولوجيا آثاراً ضارة في صحة عضلات أطفالنا وعظامهم، وإذا لم يتم علاج ذلك في المدرسة والمنزل ستكون له آثار بعيدة المدى فيهم وفي مجتمعنا في المستقبل». وتلفت إلى ضرورة «غرس العادات السليمة، بحيث يشعر الأطفال بالراحة ويكونون قادرين على التركيز واستغلال إمكاناتهم بالكامل والقيام بالعمل لئلا يصبحوا مقيّدين بإعاقة وآلام يمكن الوقاية منها».

وعموماً، لا يوصي الخبراء بمنع أجهزة آيباد تماماً عن الطفل، بل بتحديد أوقات استخدامها مع مراقبة المحتوى الذي يصل إليه الطفل عبرها. وعلى الأهل، كما يظهر من نصائح الاختصاصيين، الحرص على أن يمارس أطفالهم نشاطات جسدية مثل المشي والجري وركوب الدراجة، لأنها تساعد أجسامهم على النمو في شكل سليم.

"الإدمان الرقمي" أخطر من الكحول والمخدرات

ويمكن هنا الاستعانة برأي باميلا روتليدج، مديرة مركز أبحاث علم النفس المتعلق بوسائل الإعلام، وهو مؤسسة بحثية غير هادفة للربح تتخذ من مدينة نيوبورت بيتش بولاية كاليفورنيا الأمريكية مقرا لها. وتلفت روتليدج النظر إلى مفارقة مفادها بأننا نحرص على منح الناس دروسا في القيادة وفي السباحة، دون أن نفعل ذلك مع مستخدمي الهاتف الذكي، الذين يشترون هواتفهم ويبدأون في استخدامها على الفور، دون أي تدريب. وتشير إلى أن ثمة مهارات ضرورية لتصفح أي "فضاء اجتماعي".

أما ناثان دريسكِل، وهو معالجٌ يعمل في مدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية، فيلقى عمله رواجا في الوقت الحالي. وخلال السنوات القليلة الماضية، زاد عدد من يطلبون مساعدته لمواجهة ما يُعرف بـ"إدمان وسائل التواصل الاجتماعي" بنسبة 20 في المئة، إلى حد أن هؤلاء باتوا يمثلون - بحسب قوله - نصف عدد مرضاه تقريبا. ومن المثير للاهتمام ما يقوله دريسكٍل من أن عدد من يطلبون مساعدته للتعافي من إدمان ألعاب الكمبيوتر قد انخفض إلى حدٍ ما.

ولابد هنا من تأكيد أن "إدمان مواقع التواصل الاجتماعي" لم يُصنف بعد رسميا كـ "خلل مرضي" من قِبل معدي كتب التصنيف الطبي، مثل الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية الذي تصدره الرابطة الأمريكية للطب النفسي، والذي يشكل المعيار المُعترف به على نطاق واسع لتصنيف مثل هذه الاضطرابات.

ورغم أن اعتبار ذلك النوع الفريد من الإدمان اضطرابا عقليا لا يزال موضع جدل، فإن بعض المعالجين، ومن بينهم دريسكِل، يعالجون من يعانون منه بالطرق نفسها التي يلجأون إليها لمعالجة الأنواع الأخرى من الإدمان.

ويقول دريسكِل إن التأثير النفسي الذي تُخلّفه مواقع مثل "فيس بوك" و"سناب شات" وغيرهما من المنصات الرقمية، قد يكون في بعض جوانبه أكثر صعوبة في العلاج مُقارنةً بأنواع الإدمان الأخرى المُصنّفة والمعترف بها طبيا. ويضيف أنه أسوأ من إدمان الكحول أو المخدرات لأنه يتضمن قدرا أكبر من التفاعل، ولا توجد وصمة عار تلحق بمن يعانون منه. ويتقاضى دريسكِل 150 دولار في الساعة، ويعالج مرضاه من خلال جلسات أسبوعية تستمر ستة أشهر على الأقل، وداوها بالتي كانت هي الداء

أما "توك سبيس"، وهي شركة ناشئة مقرها نيويورك، فتوفر خدمة تقديم الاستشارات على الإنترنت بحسب الطلب، من جانب شبكة معالجين تضم نحو ألف شخص، وتقول ليندا ساكو، نائبة رئيس الشركة لشؤون الخدمات الصحية المتعلقة بتقويم السلوك، إن "توك سبيس" بدأت منذ عام 2016 في تصميم أساليب علاجية خاصة للتعامل مع المشكلات المتعلقة باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي هذا الإطار، أطلقت الشركة - بحسب ساكو - برنامجا متخصصا في مشكلات التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي يستمر 12 أسبوعا. ويهدف البرنامج إلى مساعدة من يعانون من إدمان الإنترنت، وذلك في إطار خطة علاجية أوسع نطاقا.

وتقول ساكو إن المعالجين المشاركين في هذا البرنامج يعملون على زيادة وعي مرضاهم بالسبل المُثلى لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، كما يتابعون ما يحرزه المرضى من تقدم على مدى عدة أشهر تالية. لكن ساكو في "توك سبيس" رفضت الكشف عن عدد من يتلقون المساعدة عبر ذلك البرنامج في الوقت الحاضر.

ومن بين الأساليب العلاجية التي تقدمها الشركة، أسلوبٌ يقوم على إرسال رسائل نصية للمرضى، برسوم تبدأ من 138 دولارا في الشهر. أما الجلسات التي تتضمن حوارا مباشرا بين المرضى والمعالجين، فتصل قيمة رسومها إلى 396 دولارا.

وفي غمار استخدام العملاء لهواتفهم الذكية في إطار هذا البرنامج العلاجي، يتعلمون - كما تقول ساكو - كيفية جعل هذا الاستخدام يجري على نحوٍ واعٍ وصحي بشكلٍ أكبر. وتشير إلى أن غالبية الناس يلجأون إلى العلاج، بعد خوضهم الكثير من المحاولات الفاشلة، للسيطرة على أهوائهم وميولهم بأنفسهم.

وتقول في هذا الشأن إن هؤلاء لم يفكروا في أنهم بحاجة إلى علاج، قبل أن يجربوا - دون نجاح - تقليص فترة استخدامهم للأجهزة الإلكترونية، وهو ما يجعلهم يشعرون بأن الأمر يزداد سوءا. وتضيف أن من يأتون لطلب المساعدة والعلاج يدركون أن هذا الأمر يستلب حياتهم ويسيطر عليها.

غير أن هناك من يرى أنه يمكن التعامل مع العادات السيئة المرتبطة بتصفح مواقع التواصل الاجتماعي على أنها مشكلة مرتبطة ببيئة العمل. وفي عام 2014، أسست أوريانا فيلدينغ شركة "ديجيتال ديتوكس" في العاصمة البريطانية لندن، وذلك بعدما أجرت بحثا بشأن كتاب يتناول مسألة الاسترخاء من خلال الابتعاد عن نمط الحياة المعتاد، بما يتضمنه من تواصل مستمر عبر التكنولوجيا.

وتتعاون فيلدينغ في الوقت الراهن مع بعض الشركات لمساعدة موظفيها على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بحكمة، بدلا من تركهم ليديروا أمورهم في هذا الشأن بأنفسهم. وتبدأ البرامج التي توفرها الشركة في هذا الصدد بورشة عمل يحضرها المعالجون وطالبو العلاج. ثم يخضع الموظفون لدورات معتادة تُجرى عبر الإنترنت، تشمل نماذج تستهدف معالجة أسباب ما يعانون منه من إدمان رقمي، وهي دورات تنطوي على إبعادهم عن تصفح مواقع التواصل الاجتماعي.

وتقول فيلدينغ - التي يبلغ ما تتقاضاه من رسوم 748 دولارا يوميا في المتوسط - إن شركتها تعمل على "إعادة صياغة علاقتنا بالتكنولوجيا". وتشير إلى أنه بوسع المسؤولين التنفيذيين في الشركة المشاركة في ورش عمل إضافية تركز على مسألة زيادة الإنتاجية.

العلاج بالطريقة السليمة

ويحذر الخبراء من الإفراط في الاعتماد على أساليب علاج تقوم على تدريب من يعانون من "الإدمان الرقمي" على الاستخدام الواعي لمواقع التواصل الاجتماعي، أو تلك التي تعتمد على دفع هؤلاء للإقامة في أماكن لـ "التخلص من السموم الرقمية"، دون أن يهتم المعالجون بمتابعة حالات مرضاهم بعد ذلك.

ويرى دريكسِل أن سعي المرء للتخلص من تلك "السموم" خلال فترة العطلة الأسبوعية أو حتى لأسبوع كامل يقضيه في مكان منعزل- غالبا ما يكون في ربوع الطبيعة لبعض الوقت لمساعدته على الابتعاد عن الأجهزة الإلكترونية - يشكل خطوة أولى جيدة.

وأضاف أنه، على غرار ما يجري لعلاج المدمنين التقليديين، يواصل المريض عادة التردد على معالجه لمدة ستة أشهر أو سنة على الأقل، حتى يتحقق من أنه أدرك بشكل كامل كيفية التحكم في سلوكه، حتى بعد انتهاء فترة خضوعه لبرنامج العلاج المخصص له.

ويشير دريكسل إلى أنه رغم الفوائد التي تعود على المرء من خضوعه لهذه البرامج العلاجية التي تنقي ذهنه وتصفيه من كل ما يتصل بالإدمان الرقمي، فإن الإنسان يعود بعدها إلى حياته العادية، وهو ما قد يعرقل إحراز تقدم.

جدوى العلاج الذاتي

وهناك بعض الشركات التي تتطلع لاجتذاب مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، ممن يريدون الابتعاد عنها، لكنهم لم يتقبلوا بشكل كامل بعد فكرة الخضوع لجلسات علاج تجمعهم بالخبراء في هذا الشأن.

وفي هذا الإطار، تركز شركة "أوف تايم"، وهي مؤسسة تصف نفسها كأول شركة ناشئة في عصر ما بعد التكنولوجيا ومقرها برلين، على تحقيق هدف إعادة التوازن الرقمي. وتعمل هذه الشركة على مساعدة عملائها على التحكم في نمط استخدامهم لمواقع التواصل الاجتماعي، عبر تطبيقات إلكترونية أعدتها في هذا الشأن. كما توفر لهم ورش عمل متنوعة، يلتقون فيها بخبراء يساعدونهم على تخليص أنفسهم من "السموم الرقمية".

ويفضي عمل "أوف تايم" إلى تقديم مساعدة بشكل ما لمن يعانون من الإدمان الرقمي، إذ يساعد من يلحظون زيادة في فترات تعرضهم لوسائل الإعلام، ويريدون في الوقت ذاته معالجة ذلك بأنفسهم، كما يقول الخبير في علم النفس ألكسندر شتاينهارت، الذي شارك في تأسيس "أوف تايم" عام 2014.

وهكذا، فبدلا من الانتظار حتى يعاني شخص ما من مشكلة "السموم الرقمية"، من المهم البحث عن نمط حياة صحي في هذا الشأن، بعد تعلم الأساليب الأفضل من نوعها على صعيد التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي.

وتقول روتليدج إن ثمة حاجة لتطبيق عادات صحية فيما يتعلق باستخدام أي تقنيات جديدة، بمجرد أن تظهر تلك التقنيات إلى الوجود، وتضيف أن الناس يميلون لوصف الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، بأنه إدمان "بدلا من التفكير فيه باعتباره اختلالا للتوازن".


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (معلوماتية)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك