استثمار العقل وصناعة قيم التقدم

5520 2017-02-01

بسم الله الرحمن الرحيـم
((إن في اختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب))

بمعنى؛ إن صاحب العقل، بامكانه أن يكون أفضل تاجر، وأفضل موظف، وأفضل خطيب، وأفضل عالم، وتكون أبرز محبوب في البلد، وذلك بالاستفادة من العقل وايضاً الاستفادة من تجارب الآخرين، ومن تجارب الحياة والمتوفرة في الكتب والمؤلفات.

وجاء عن الامام الصادق، عليها السلام، أنه قال: "اذا رأيتم المؤمن صموتاً فاقتربوا منه فانه يُلقّن الحكمة"، بمعنى أنه من شروط توفر العقل التزام الصمت في معظم الاحيان، لأن الصمت يوفر الفرصة للتأمل في الظواهر والحالات الموجودة في الحياة والعالم، وكيف تقدمت الشعوب؟ واسباب تقهقر بعضها، أما الانسان المهذار فانه يفكر دائماً بالتكلم وكيفية تسطير الكلمات ولا يفكر بشيء آخر، لذا يجدر بالانسان أن يستثمر هذه الارض القاحلة المسمّاة بـ "العقل" في سبيل تقدمه علمياً وتقنياً واقتصادياً واجتماعياً ودينياً.

إن العقول هي التجارب في الحياة، فالعقل يدعو للالتفات الى كيفية تقدم هذا التاجر او ذاك الموظف أو ذاك العالم، حتى تتخذ منه أسوة حتى تنجح. وكما أن المستقبل بيد الشباب، فان العقل ايضاً بيدهم، بشرط استثماره.

ومن سمات العاقل بحثه عن الحكمة والتجربة أينما كانت وممن كانت، حتى من العدو، إذ ليس بالضرورة أن يكون الصديق حكيماً، فمعيار الحسن والقبح يكمن فيمن يمتلك العقل والحكمة وليس في نوع العلاقة مع الآخرين، فاذا كان العدو عاقلاً، فهو حَسَن، واذا كان الصديق غير عاقل فهو قبيح، فالصديق الغبي يسبب الهلاك والسقوط، بينما العدو العاقل يكون سبب النجاة والرفعة".

موهبة ونعمة وأعظم فرصة للاستثمار

مظاهر التطور العلمي المتلاحق في مجالات الطب وهندسة البناء والاتصالات والذرة والتكنولوجيا، تفصح عن حجم الابداع الذي تفرزه العقول، والقراءة الأولية لواقع الشعوب المتقدمة؛ أن أولئك "شغلوا عقولهم" فأبدعوا وانتجوا واخترقوا آفاق السماء، وهو تأكيد من وحي الفطرة بأن العقل ليس حكراً على انسان دون آخر، وتراجع عما قاله البعض من الفلاسفة من أن العقل ليس موهبة، وإنما هو من ذات الانسان والتي سمّاها البعض بـ "الروح العلوية المقدسة عن كل نقص"، ومنهم من قال بأن "النفس البشرية تتطور بصورة آلية حتى تكتمل، فلا تجهل شيئاً"، ومنهم من قال: "إن النفس كانت تعرف كل الحقائق فنسيتها ثم تتذكر ايضاً"، بينما القرآن الكريم يقدم لنا رؤية جديدة تعرفنا هوية العقل لكي نعرف فيما بعد كيف نستفيد منه، وهو ما استند عليه سماحة الامام الراحل السيد محمد الشيرازي – قدس سره- في مقطع من محاضرة صوتية حول ضرورة استثمار العقل، فأشار الى عملية التفكّر والتأمل التي دُعي اليها الانسان ليستثمر هذه الموهبة العظيمة.

ومن أروع الامثلة القرآنية على ذلك؛ الطريقة التي توصل بها النبي ابراهيم الى الخالق الواحد الأحد من خلال تأملاته في السماء وتنقله بين الشمس والقمر والنجوم، وفي نهاية المطاف نفيه كل هذه المخلوقات أن تكون هي الإله لأنها زائلة ومحكومة بنظام دقيق معد من قبل قوة كبرى وعظمى، فكان طلبه الهداية {...لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين}. هذه الهداية هي نور العقل الذي غمر بنوره فؤاد النبي ابراهيم ومكّنه من حقيقة الوجود والخلق.

إن الرؤية القرآنية (الاسلامية) تجعل الحكمة الجسر الرابط بين العقل والعلم، وهذه الحكمة هي التي تبين الخير عن الشر، وتعرف الفضيلة والرذيلة، بل هي القيمة النهائية التي نحتكم اليها في تقييم الاعمال، فالصدق والامانة والوفاء، تدعو اليها حكمة العقل، فيما تنهى الحكمة عن الكذب والغدر والخيانة، ومنه جاءت الرؤية الاسلامية التي جعلت من "العقل الحكيم" الرسول الباطن للناس، الى جانب الرسول الظاهر المرسل من السماء.

فاذا لم تأخذ بعض الشعوب والأمم بهذه الرؤية، واتجهوا لربط العلم بالعقل فهذا يبين حاجتهم ادراكهم أهمية العقل وتأثيره على حياتهم ومستقبلهم، بل ومعرفتهم حقيقة العقل بأنه ليس رصيداً يحتفظون به في البنوك يأخذون منه متى شاؤوا، إنما هو موهبة مثل أعضاء جسم الانسان، يحظى بها، لكنه يعجز عن الاحتفاظ بها دائماً، فربما يفقد القدرة على المشي والحركة، أو يفقد القدرة على السمع أو تتعرض غدة البنكرياس الى التوقف عن ضخ هرمون الانسولين بشكل مفاجئ مسببة المرض العضال المعروف بالسكري في الدم.

من يستثمر العقل المواطن أم الدولة؟!

ربما بسبب تراكم السلبيات في العلاقة بين المجتمع والدولة في بلادنا الاسلامية بشكل عام، نجد التشبث بفكرة الدولة المسؤولة عن تنمية العقول واحترام العلماء، وما يكرّس هذه الفكرة في الاذهان، دليلٌ يسوقه البعض لا يقل سطحية عن الفكرة ذاتها، وهي أن بلاد الغرب او البلاد المتقدمة التي تحظى بعلماء ومبدعين ومكتشفين، إنما هو بفضل السياسات التي تتبعها الدول هناك، كما لو أن مصنعين السيارات الحديثة وأجهزة الاتصال ومهندسي ناطحات السحاب وشبكات الجسور والقطارات النفاثة والطائرات البعيدة المدى، يعدون بالملايين في الغرب والشرق، ولا يوجد جياع على قارعة الطريق في العواصم الغربية، ولا موظفون يعتاشون على رواتب الشركات ومصانع السيارات يعيشون في شقق مستأجرة، ما أن يتعرض الاقتصاد لهزّة معينة، حتى يجد الملايين انفسهم بلا مأوى ولا عمل، وما الاضرابات العمالية والتظاهرات الجماهيرية المطلبية إلا دليل بسيط على حقيقة العلاقة بين العقل والعلم وبين المجتمعات التي تعيش وسط التطور الصناعي.

إن الدرس البليغ الذي ربما يغيب عن كثير من اصحاب العقول الوثابة والاذهان المتوقدة في بلادنا، - منها العراق طبعاً- أن تنمية العقل والتوصل الى الحقائق العلمية إنما هو حصيلة جهد فردي نابع من دوافع ذاتية، ولعل مراجعة بسيطة الى سِير عباقرة العلم في الغرب، نجد أن نجاحهم كان مقروناً بكفاح مرير ليس مع التجارب المستمرة والمضنية، وإنما الأمر منه؛ مع تحديات ماحقة من جهات حكومية او علمية مع ضغوط اجتماعية. فلم يصفق أحد لباستور عندما اكتشف البكتريا، كما لم يصفق أحد لماري كوري عندما اكتشفت الاشعاع النووي، إنما التصفيق والتمجيد والتبجيل حصل بعد وفاتهم وفي ايامنا هذه، عندما عرف البشر كم هي الحاجة الى تلك الاكتشافات في حياتهم.

أما الدولة، بمؤسساتها التعليمية والادارية و امكاناتها المادية، فانها تمثل عامل مساعد يدفع مسيرة طالب العلم الى الامام، لكنها لن تكون كل شيء في هذا المضمار، وقد حذر علماؤنا من مغبة وضع طالب العلم او العالم جميع بيضه في سلة السلطة والحاكم، لأنه بذلك يرهن مستقبله العلمي وجهده الذهني ومواهبه ومهاراته بيد أناس ربما يكون الواحد منهم وصل الى منصبه بشهادة جامعية مزورة! وينظر الى الاكتشافات العلمية من زاوية ضيقة تصب في مصلحته الشخصية او الفئوية.

إن قدرة استثمار الانسان لعقله، تعكس قدرته على اختراق الآفاق البعيدة في طلب العلم والحكمة والتجربة من كل مكان، وهذا مصداق حديث النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: "اطلبوا العلم ولو في الصين"، فالكلام موجه الى جموع المسلمين، وليس الى شريحة معينة او الى الوالي او المسؤول في الدولة آنذاك، ثم إن الصين، في هذا الحديث المأثور تمثل رمزاً للتطلّع الى البعيد والحركة في كل مكان لتحقيق أفضل النتائج العلمية.

وكلمة أخيرة في هذا المضمار: فان مسألة استثارة العقل واستثماره والتوصل الى المزيد من الاكتشافات والحقائق العلمية، لا يمكن ربطها بعامل الزمان والمكان، فبقدر عظمة هذه الموهبة الالهية (العقل) تكون النتائج عظيمة ايضاً وعلى المدى البعيد، خُذ المال؛ فمن يريد استثماره في مشروع، كم سنة ينتظر حتى تظهر بوادر النجاح وتنهمر الارباح؟

فلابد من نفس طويل ورؤية ثاقبة الى الأفق البعيد مع أهداف سامية تجعل من العقل ينبوعاً من العلوم والحكم والمنجزات التي يفخر بها الابناء والاجيال والأمة بأكملها.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
أنور عزالدين
العراق
2017-2-1
الصورة في محلها، تبين أن تنمية العقل تبدأ من الصغر.