المقدمة

ينشغل القسم الأول من هذه الأوراق بطرح العديد من الأسئلة على سماحة الشيخ ناصر الاسدي، واما الأقسام الثلاثة الاخرى فتنشغل بفعل السرد عبر شهادات الاسدي وهو يسترجع بذاكرته الكثير من التفاصيل.

القسم الأول قد لا نجد فيه الكثير من ملامح الشيخ الاسدي، لكن بقية الاقسام سنجد تلك الملامح واضحة بصورة أكبر، فهو اذ يروي الكثير من التفاصيل كأنما يروي جزءا كبيرا من حياته، لكنها حياة ليست بمعزل عن حياة من يتحدث عنه وهو الامام الشيرازي الراحل (قدس سره).

كيف يمكن صناعة الذات وصناعة العالم في الوقت نفسه؟

من خلال فعل السرد المتضمن في هذه الانطباعات والشهادات التي يرويها سماحة الشيخ ناصر الاسدي، وهو فعل لا يستذكر ماضيه الا عبر ماضي شخصية أخرى، اندمج فيها حذ الذوبان حبا وتطلعا.

وهذا الاستذكار في حقيقته هو سيرة ذاتية للمتحدث تطرح رؤية لما نسميه ذاتنا وافعالها، وتأملاتها وافكارها ومكانها في العالم.

لكن ما السيرة الذاتية عموما؟ انها تتكون مما يلي: راو، هنا والان، وهو الشيخ الاسدي، يأخذ على عاتقه مهمة وصف تطور شخص هناك وحينذاك، وهو الامام الشيرازي الراحل، شخص تصادف انه يحمل الاسم نفسه. وينبغي عليه طبقا للعرف ان يستدعي هذا الشخص من الماضي الى الحاضر بطريقة ينصهر فيها الشخص المقصود والراوي في النهاية ويصبحان شخصا واحدا بوعي مشترك.

والسيرة الذاتية عبر استرجاعها للأحداث والمواقع والأشخاص والأفكار، هي تنضوي تحت ما يعرف بالسرد، او الحكي أو القصّ المباشر من طرف الكاتب أو الشخصية في مثل هذه الكتابات، يهدف إلى تصوير الظروف التفصيلية للأحداث والأزمات. ويعني كذلك برواية أخبار تمت بصلة للواقع أو لا تمت، أسلوب في الكتابة تعرفه القصص والروايات والسير والمسرحيات. ‏

يتضمن السرد سمتين بالضرورة: احداهما الحكي عما حدث لجمع من البشر مع نظرة الى النظام الذي حدثت فيه الأمور. ويستعين هذا الجزء بشكل كبير بأدوات مثل الفلاش باك، والنظر الى الامام، وأدوات أخرى. لكن لابد أيضا ان يجيب العمل السردي على السؤال: لماذا يستحق هذا ان يحكى، ما أهميته؟

ما يبرر الحكي هو التزام بمجموعة معينة من المسلمات بشأن الذات، وعلاقة المرء بالأخرين، ورؤية المرء للعالم وموضعه فيه.

ينبغي ان تكون لهذه الشهادات والانطباعات خاصيتان على الأقل، ينبغي ان تركز على الناس وحالاتهم المتعمدة: رغباتهم، ومعتقداتهم، وافكارهم، وانشطتهم، وانفعالاتهم، الخ. وينبغي ان تركز على الكيفية التي أدت بها هذه الحالات المتعمدة الى أنواع معينة من الأنشطة. وينبغي أيضا ان تبدو مثل هذه الشهادات والانطباعات نظاما يحفظ، أي يحفظ التسلسل او يبدو انه يحفظه، الخصائص المسلسلة لما تكونه الحياة نفسها، او يفترض انها تكونه.

هذه المقدمة ضرورية لقراءة ما يكتبه الشيخ ناصر الاسدي، حيث الأسئلة التي طرحت عليه للاستذكار والاجابة قليلة بالمقارنة مع انثيالات ذاكرته المتخمة بالتفاصيل، يتذكر قسما كبيرا منها، وينسى غيرها قليل.

انه في هذه الكلمات وانت تقرأه، كأنك تقرأ سيرته الذاتية، لكنها سيرة آثر ان يدمجها بسيرة شخصية أخرى، يعتبرها نبراسا وراية عالية رافقها في حياته على مدى أكثر من أربعة قرون او تزيد، وهي فترة زمنية غنية وشاسعة بالقياس الى ما يعيشه الانسان.

فمن مدرسة حفاظ القرآن، الى ازقة كربلاء ومعاهدها ومدارسها الدينية وحسينياتها، كان الاسدي لا يبصر، ووعيه في بداية تشكله، غير صورة لعالم دين، هو مهوى افئدة الكثيرين رغم صغر سنه، وكل شخصية بمثل مقام هذا العالم تأخذ الرهبة والخجل والتردد كثيرين من المقدمين على تحيته والسلام عليه، لكن هذا العالم لم يكن ليترك شيئا مما تولده مكانته او مقامه من الاقبال عليه، لانه دائما يستقبل القادمين اليه بكل ود ومحبة.

تلك الجذور الأولى، تشبثت بالأرض وامتدت عميقا، وهي تتقدم بخطوات صاحبها في العمر والتجربة.

لقد أصبح قريبا من استاذه، وهو يشعر باطمئنان أكبر في وجوده معه وقريبا منه، في غربة قسرية لليد واللسان فرضتها سلطة البعث في العراق على الامام الراحل وتلاميذه ومقلديه.

لهذا جاءت اكثر تلك الشهادات واصفة لكمّ غفير من الذكريات والمواقف والاحداث والأشخاص، في مدينتي مشهد وقم المقدستين، حيث تلازم الرفقة وتراكم التجربة والنضج المعرفي.

أسلوب السيد (رضوان الله تعالى عليه)

كان من صفات سماحته زيارة مجالس الهيئات الحسينية وتعبئتها، إذ كانت لهذه المجالس عادات أسبوعية هناك، حيث يجتمع الناس بهدف التبرك بذكر سيد الشهداء (عليه السلام) وكان لديهم مجلس أسبوعيٌّ، حتى أن بعض الناس كانوا يقيمون هذه المجالس في غرف معيشتهم، وأنا كنت أذهب إلى مجلسهم، وكان يحضر الى المجلس ستة إلى سبعة أفراد، والخطيب يصعد ويقرأ، فالسيد (رضوان الله تعالى عليه) كان يحضر بعض المجالس، مثلاً الشيخ غلام حسين إسلامي كان إماماً في جامع زين العابدين، هذا الشيخ كان يعقد في بيته عصر الجمعة مجلساً، وأنا كنت أسكن في بيته، وفجأة ومن دون سابق إنذار رأينا السيد الراحل وسماحة السيد المرجع السيد صادق (الله يحفظه) ومجموعة من الطلبة دخلوا، وقد شعرنا بالفخر والاعتزاز كثيراً لأن السيد حاضر في بيتنا، فكان يعطي اعتباراً لهذه المجالس.

كذلك كان من عادته أن يزور الحجيج بعد عودتهم من الحج، ويمكن القول أنّ أكثر بيوت كربلاء قد دخلها سماحة السيد وزار أصحابها.

وكان من عاداته إجابة دعوات الناس، حتى أنني سمعت منه أنه في بعض الليالي من شهر رمضان يذهب ليشارك في الإفطار في ثلاثة أماكن في ليلة واحدة؛ لأن ذهابه لهم كان يعطي اعتباراً لصاحب البيت، وعدم الذهاب تصرف غير جميل ولا أخلاقي، فكان يحضر لدقائق ويقوم بعدها ليذهب إلى مكان ثانٍ ثم إلى مكان ثالث.

وأحياناً كان ينشغل في البيت ويحافظ على خروجه للصلاة جماعة وكان يحضرها العديد من الناس، فالتأخير ليس جميلاً، وكانوا متفقين مع أحد سائقي العربات التي تجرها الخيول (الربل) فكان هذا الربل خاصاً للسيد يأخذه من شارع الإمام علي (عليه السلام) وبسرعة يوصله إلى الباب الغربي للصحن، الباب الذي يدخل منه (باب الزينبية) ليصل إلى سجادة الصلاة الخاصة به.

وأحياناً كان سماحة السيد يخرج من بيته ويعبر سوق (النعلجية) ويدخل إلى صحن الإمام الحسين (عليه السلام) وحينما يمر في هذا السوق يسلِّم على كل فرد من الموجودين على طرفيه، فيلقي تحية الإسلام عليهم جميعاً، على هذا وذاك، كلهم يسلِّم عليهم وكانوا أحيانا يزاحمون السيد، فيخرجون من المحلات ويسلمون عليه ويقبِّلون يديه.

شخصية سماحة اية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (ره)

تعرفت عليه منذ نعومة اظفاري في ربوع الحسين (ع) كربلاء المقدسة وعرفته بالخصائص الشخصية النادرة:

1 ــ هيبة ورزانة وجمال وعطر وهندام جذاب.

2 ــ كلمات جميلة ودية مع كل من يلتقي به حتى الصغار فضلا عن الكبار، البشاشة التي اضفت على قسمات وجهه مسحة اضافية من الجمال لا تفارق محياه.

3 ــ ذكر حسن وثناء من كل الناس ومحبة عميقة في قلوبهم حتى غير المتدينين منهم.

4 ــ مثابرة متواصلة وعمل لا يعرف الكلل والملل وخدمة وفيرة لعموم الناس.

5 ــ احترام مطلق للكبار والصغار للشريف والوضيع للتاجر والعامل، للعالم والجاهل، ولا يلقى اهل المعاصي بوجه مكفهر كما في الحديث، لأنه كان يرى ان تطبيق الشريعة في الظروف الراهنة يتسبب في المزيد من البعد عن الدين.

6 ــ لم يتزوج مبكرا لأنه كان منكبا على التحصيل العلمي ومعبئا كل طاقاته في سبيل الارتقاء المعنوي باعتباره وسيلة فضلى لخدمة الاسلام والمسلمين، وقد رزقه الله تعالى اثني عشر مولودا بالتناصف ذكورا واناثا.

7 ــ يتحمل كل الناس ولا يرد على المعتدي بالمثل ويتواصل مع من يقاطعه ويوصل العطايا الودية والهدايا التقديرية الى الخصوم. ذات مرة تحالف اربعة من المتعاونين مع كوادره ومن الذين كانوا قد التزموا ادوارا ايجابية ونضالية ضد طغاة العراق وتحت مظلة السيد (ره) الكبيرة: كان تحالفهم معارضة خط السيد (ره) وكانوا قد اتخذوا مواقف مضادة وتفوهوا بكلام جارح. ما ان تناهت اخبار تحالفهم المضاد الى السيد (ره) الا وعلق قائلا: نحن السبب يلزم رعايتهم اكثر ثم الحوار معهم حول مواقفهم. فامر نجله الاكبر سماحة سيدنا الرضا (ره) بتنظيم زيارات لهم وكتب وطلب اليهم ان كانت لهم حاجات معينة فان سماحته مستعد لقضائها. تغيرت بعد ذلك مواقفهم ولان جانبهم وقد رافقت السيد الرضا (ره) في زيارة بعضهم.

* وفي مرة اخرى كان خصوم سياسيون متشددون قد اصدروا بيانا لاذعا جارحا مهينا، وطبعوا منه عشرات الالاف ووزعوه في ذكرى اربعين الامام الحسين (ع) في مدينة قم حيث الحشود الغفيرة التي تتوجه اليها لإحياء الذكرى والزيارة، وكان عنوان البيان مثيرا هذا ترجمته: (محمد الشيرازي اكبر عقبة في طريق الثورة الاسلامية في العراق!). وكان راي العديد من الاخوة كتابة رد علمي عليه فدخلت على سماحة السيد محمد الشيرازي (ره) واخبرته الراي رفض رفضا حاسما وعلق قائلا: ((اننا بمقدار ما نصرف من جهد على الرد نتخلف عن اداء الواجب ومواصلة مسيرتنا!) ثم اضاف: ان المعارضين هنا وهناك كل يوم يقولون شيئا او يصدرون بيانا او ما شابه ذلك هل نترك اعمالنا ونشتغل بالرد عليهم؟ قلت له: حسنا نكتب بيانا ايجابيا ولا نذكر البيان المضاد حتى اشارة ونقول كلمتنا، اجاب بالرفض ايضا لان ذلك رد فعل وليس فعلا ايجابيا! وعلى هذه فقس على ما سواها. وموقف التغاضي او العفو وعدم الرد بالمثل مصاديق للمداراة التي قال عنها رسول الله (ص): ((امرت بمداراة الناس كما امرت بإقامة الفرائض)) و((امرت بمداراة الناس كما امرت بتبليغ الرسالة)) و((من مات مداريا مات شهيدا)). وكان السيد محمد الشيرازي (ره) في القمة حيث المداراة بأوسع ما تحمله الكلمة من معاني.

8 ــ المثابرة والعمل المتصل والمتواصل، بذل الجهد، استغلال الفرص، الكدح دون كلل ولا ملل ولا تعلل، كانت من سماته البارزة يلمسها فيه من يعاشره لأقل مدة زمنية. ذات مرة جرى حوار بيني وبينه حول تنظيم الوقت واستغلال الفرص طرحت عليه سؤالا، قلت له: كيف تنظمون النوم وساعات الاستراحة؟ اجاب سريعا: لا نظام لي في النوم. استغربت كثيرا سالته مستغربا ومستنكرا كيف؟ أليس النظام مطلوبا؟ اجاب سريعا: انني اعمل واتحمل التعب، متى ما عجزت عن مواصلة العمل وشعرت بالحاجة القصوى الى النوم اذهب الى الفراش للخلود الى الراحة. وكان سماحة السيد محمد الشيرازي (ره) ينام لا محبة للنوم بل لحاجته الماسة اليه ولكي يستعيد النشاط والقدرة ويقوم الى مشوار جديد من العمل.

9 ــ في علاج المشكلات الخاصة والعامة التي ابتلي بها المسلمون في كل مكان كان (ره) يردد كلمة استراتيجية يقول: ((عليكم بالجذور)) فأزمة الاستبداد والفقر والبطالة والتشرذمات وغيرها لا تعالج سطحيا ومؤقتا، انما تعالج بعلاج ازمة الانظمة الاجتماعية المنحرفة والتخلف الثقافي وفقدان مؤسسات استراتيجية مثل مراكز الدراسات وشورى الفقهاء وما اشبه ذلك. العلاج السريع تسكين للألم والعلاج الجذري استئصال الانحراف والفساد.

10 ــ كان يحاول جاهدا الاكتفاء الذاتي في ادارة شؤونه الخاصة والعائلية.

11 ــ كان يركز مبادئه في فكر تلامذته وينظر كل فرصة للتبليغ لها. ذات مرة اصيب بوعكة صحية في عز الشتاء البارد فشكلت مجموعة من حوالي خمسة عشر شابا وطلبت زيارته فدخلنا عليه، كان متمددا تحت الغطاء وعلى راسه قلنسوة بيضاء فجلس احتراما لنا سألناه عن صحته وسال عنا وعن الاصدقاء الاخرين ثم قال بالنص: يا شيخ ناصر السلم نبتة لا تهزها العواصف)) وراح يتحدث عن ضرورة الاساليب السلمية في العمل وفي كل المجالات الاصلاحية.

رؤى الامام الراحل وافكاره

- أهم رؤى وأفكار السيد الراحل (رضوان الله عليه) مبثوثة في خصوص كتبه الأساسية الإستراتيجية ـ إن صحَّ التعبير ـ التي هي كتاب (الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام) ومبثوثة في كتاب (السبيل إلى إنهاض المسلمين) وفي كتاب (ممارسة التغيير) أما بالنسبة للحوزات فكتابه (إلى وكلائنا في البلاد) وكتب حضارية أخرى من هذا القبيل.. ويمكن ذكر اهم تلك الرؤى على الشكل التالي:

1- الشورى:

 فرؤى السيد الاستراتيجية تعتمد أولاً: وقبل كل شيء على (شورى الفقهاء المراجع)، فنظرية الشورى نظرية نظامية شرعية، وذات مبانٍ وتفريعات ومسائل فقهية وتفاصيل وجزئيات، وهي نظرية استراتيجية، وهي منطلق للإصلاح.

فهذه النظرية ـ شورى الفقهاء المراجع ـ هي نظرية منطلق الإصلاح وفيها تفاصيل رائعة جداً، لكنها تحتاج إلى نهضة ثقافية، لأن المجتمع غير مؤهل فيقتنع بها، فمثل ما نحن ندعو المجتمع إلى تطبيق نظرية نظام الإسلام، فكثير من الأمور لم يستوعبها ولم يقتنع بها ولا يوجد أحد يوصل الفكرة للمجتمع، وهذه من الأمور الأساسية..

2- الحرية

ومن الأمور الأساسية التي كان السيد يؤمن بها هي إيمانه بالحريات الإسلامية وقد ألف كتاب (الفقه الحريات) إذ يؤمن أن كل شيء مطلق فيه للإنسان حريته وفق الحكم الأولي الإسلامي: السفر، الحضر، التأسيس، التجارة، الزراعة، والكسب، ولا يؤمن بمسألة التقييد بالجوازات والجنسية وهذه الروتينات التي جاءت بها الحضارة الغربية إلى بلادنا، ولا يؤمن بهذه التعقيدات في إدارة الحكومات والمؤسسات الدولية، فنظرية الحريات نظرية أساسية جداً عند سماحة السيد (رحمة الله عليه) وإن المجتمع يجب أن يكون حراً، وهذه الحرية هي التي تؤدي إلى نهضة الأمة، وهي التي تؤدي إلى سعادة الأمة، هذه النظرية الثانية..

3- اللاعنف

يعتقد ان من الأمور الأساسية جداً والاستراتيجية في نظريته مبدأ اللاعنف، وكتب في هذا الموضوع أكثر من كتاب، وكُتِبَ حول نظريته، وانتشرت الفكرة في مختلف أنحاء العالم والمدن الإسلامية.

والسيد (رضوان الله تعالى عليه) بعد تأثره برسول الله (صلى الله عليه واله) والأئمة (عليهم السلام) والعلماء والأولياء كان متأثراً جداً بتجربة (غاندي) محرر الهند، ويدعو إلى مطالعة كتابه ومذكراته (قصة تجاربي مع الحقيقة) فكان سماحته يؤمن بنظرية اللاعنف إيماناً مطلقاً..

وحينما يعلق على انتفاضة فلسطين التي عرفت بانتفاضة الحجارة أو المقاومة المسلحة، كان يقول: هذه انتفاضة صحيحة والناس حقهم أن يعترضوا على الصهاينة ويجب أن تُحدث نهضة لإسقاط الصهيونية، ولكن كان يُشْكل على استعمال الحجارة؛ لأن انتفاضة فلسطين الأخيرة سميت بانتفاضة الحجارة فكان يقول: هذه الحجارة حينما ترمي بها العدو فالعدو يرد عليك بالرصاص، وأنت ليس لديك رصاص، والعدو سوف يرميك بالرصاص فالعدو أقوى منك في السلاح، فيلزم أن نكون أقوى من ناحية السلاح ومن الناحية المعنوية ومن الناحية النفسية ومن ناحية أساليب المقاومة، وابتكاراتنا في مواجهة العدو، يجب أن نكون أقوى منه، ولكن ليس في السلاح فالعدو أقوى منا ويستطيع تصفيتنا، فالحجارة تسبب إطلاق النار على الناس..

فكان يقول: المظاهرات أصل، والاعتصامات أصل، والمكافحة والمقاومة أصل، والانتفاضة صحيحة والجهاد يجب أن يعم على صعيد الأمة الإسلامية كلها، لكن بأساليب السِّلم، وقد تكلم بشكل مفصل في كتابه (اللاعنف في الإسلام) وكتابه (السبيل إلى إنهاض المسلمين) في هذا الأمر، أي أن الإمام الراحل (رضوان الله عليه) يؤمن بأن طريقاً أساسياً يلزم أن يسلك للنهضة الإسلامية هو طريق اللاعنف.

وقارن بين حركة الجزائر وحركة غاندي في الهند، فالجزائر نفوسها احد عشر مليوناً ولكن قدمت من الضحايا مليونين (ثورة المليوني شهيد) يسمونها، أما الهند فنفوسها في ذلك الزمان حوالي نصف مليار إنسان لكن الضحايا كلهم بين مائتي ألف إلى ثلاثمائة ألف ضحية، وانتصرت ثورتهم العملاقة على الاستعمار البريطاني؛ لأنها كانت ثورة سلمية.. فالسيد كان يؤمن بنظرية السلم واللاعنف..

4- بناء المؤسسات الحضارية

وكان من النظريات الأساسية التي يؤمن بها هي ضرورة تأسيس المؤسسات، كان يؤمن أنه يلزم ملء العالم الإسلامي كله بالمؤسسات، وكان كل فرد من الذين يزورونه كان يوجهه إلى تأسيس مؤسسة، وكل شاب يعممه في الحوزة كان يوجهه إلى تأسيس مؤسسة؛ لذلك مؤسسات سماحة السيد كثرت وانتشرت في كثير من بلاد الإسلام.. نظرية المؤسسات مهمة عنده، ولديه كتاب (تأسيس الجمعيات) يذكر في هذا الكتاب أكثر من ثمانمائة اقتراح لتأسيس الجمعيات -ويعني المؤسسات - جمعية للأمراض لكل نوع من المرض أي مرضى العيون، ومرضى الحنجرة، ومرضى الأذن، ومرضى القلب، فالسيد يدعو إلى تأسيس الجمعيات لهؤلاء: جمعيات لكفيفي البصر، وجمعيات لتأسيس وبناء المساجد، وجمعيات لشؤون طلاب العلم، وجمعيات للإطعام وبذله للناس، وجمعيات حسينية، وجمعيات قرآنية، وجمعيات لإحياء السنة النبوية، وجمعيات لتحفيظ القرآن، وجمعيات مختلفة وهذه مؤسسات.

فهذا ملخص لأهم نظريات الإمام الراحل وهي موجودة وموضحة في كتبه الكثيرة.

التنبؤات

لوعي السيد محمد الشيرازي (ره) واستيعابه للأصوات وخلفياتها السياسية كان (ره) يتنبأ بنهاية مختلف الأحداث منها:

1 ــ تنبأ بانهيار صرح (الاتحاد السوفياتي) الإمبراطورية الشيوعية العالمية والقطب المنافس عالميا للولايات المتحدة. تنبأ بذلك قبل عشر سنوات من السقوط، وتنبأ بتحديد المدة أيضا فانهار السوفيات بعد عشر سنوات بالضبط وفق تنبؤ السيد محمد الشيرازي (ره) وكان صرّح بنبوءته في (بحث الخارج) حيث كان يدرس بحوثا معمقة في الاقتصاد العالمي والإسلامي، علما ونظاما، كما سجل نبوءته في كتابه التحليلي الجميل (ماركس ينهزم).

2 ــ تنبأ باحتلال الكويت من قبل النظام العراقي وأطماع جيرانها بها، وقد نقل نبوءته إلى قيادة دولة الكويت حين كان مقيما هناك فسئل: كيف عرفت؟ أجاب: من الواضح لو إن طفلا بيده سبيكة ذهب يملكها وحوله عدة من الرجال الاشداء لاشك إن لعابهم يسيل ويخططون لسرقة السبيكة منه، والكويت بلد صغير ضعيف يحوطه من مختلف الجهات عمالقة ثلاثة: السعودية، العراق، إيران، ووفق قرائن وسوابق تاريخية تنبأت بالموضوع. سألته القيادة الكويتية، ما العلاج؟ أجاب: رفع نسبة الشعب الكويتي إلى خمسة ملايين، وذلك بتجنيس المقيمين من أصحاب الكفاءات، ووفق ضوابط عقلانية معينة وارتفاع النسبة معناه إن الكويت ستتمتع بجيش قوامه حوالي سبعمائة ألف إلى مليون مقاتل، حين تتعرض لخطر من جيرانها، فان كل شعبها بملايينه الخمسة سيهب للدفاع والتضحية فلا يجرؤ الجيران بالتحرش بها، لم يقتنع الكويتيون بالأطروحة ووقعوا في الأزمة والخطر.

3 ــ وتنبأ بخروج قوات صدام التي اجتاحت الكويت، وقال: أكثر مدة لبقائها في الكويت سنة واقلها تسعة اشهر وهكذا تحققت النبوءة أيضا.

4 ــ حين اندلعت الانتفاضة الشعبانية عام 1991 م في العراق عبأ كل أجندته وطاقاته للإسناد والدعم وكانت كل الجهات تتفاءل وتنتظر سقوط الطاغية، إلا إن سماحة السيد محمد الشيرازي (ره) كان يقول: مصير هذه الانتفاضة البطولية سيكون للأسف هو الإخفاق ولا يتحقق النصر على يديها. وكان يقرأ هذه النهاية من خلال الحالة العاطفية العامة في العراق وأجواء انتفاضتها، ولعدم وجود قيادة منظمة وحكيمة وانعدام التحالفات المحلية والدولية وغير ذلك من القرائن التي كان يطرحها أحيانا.

5 ــ تنبأ بعدم وفاء السعوديين بوعودهم مع المعارضة التي اتخذ مجلسها القيادي قرار الانسحاب من خنادق المعارضة وإلقاء الراية والاتفاق مع النظام على حوالي احد عشر مطلبا نشرته الصحافة السعودية حينها التقت القيادات بسماحة السيد محمد الشيرازي (ره) فكان رأيه العمل برأي أكثرية قادة المعارضة لكنه أكد لهم: إن السعوديين لا يفون لكم بالوعود وهكذا صار الأمر وهذا الواقع اليوم بعد عقد ونصف أمامنا وتلك المطالب لازالت حبرا على ورق. من تلك المطالب السماح بإصدار صحيفة كبيرة واسعة الانتشار لكن ذلك لم يتحقق إلى اليوم!.

6 ــ وكان يتنبأ بنهاية الحرب العراقية ــ الإيرانية، في حين كان يراهن أكثر السياسيين على انتصار إيران على العراق، وان حركة شعبية ورسمية واسعة تنطلق وتحتل العراق وتسقط نظامه، إلا إن سيدنا محمد الشيرازي (ره) كان يرى خلاف ذلك ويقول: ستضطر إيران إلى الصلح. وقد نقل رأيه إلى القيادة الإيرانية العليا وشخص السيد الخميني، وذلك بعد تحرير خرّم شهر، وقال: إن الظروف صالحة الآن للصلح وإلا ستضطرون إليه في ظروف قاهرة وصعبة إلا إن جوابهم له كان (إن الصلح مع صدام كفر). وبعد مرور ثمان سنوات قاسية على الحرب الضروس وسقوط أكثر من مليون ضحية من الطرفين رضخت إيران لقرار الأمم المتحدة وقبلت بالصلح مرغمة.

7 ــ وكان يقول للمعارضة العراقية: لن تستطيعوا تحقيق النصر إلا بالتحالف مع القوى الدولية، وان لم تبادروا فستضطرون إليه، إلا إن المعارضة كانت ترفض التنسيق مع القوى العظمى، ولكن الزمن تكفل بكسر صلابتها فاضطرت إلى المرونة فتحالفت معها وكانت النتيجة سقوط الطاغية بالتنسيق مع القوى الدولية ودخولها للعراق. بالطبع لم يكن رأي السيد محمد الشيرازي (ره) التنسيق معها كي تدخل العراق وإنما كان ضرورة التنسيق باعتبار العالم اليوم أسرة مترابطة ومعارضته للمجاهدين يسد عليهم طريق النصر.

8 ــ تنبأ سماحة السيد محمد الشيرازي (ره) بسقوط صدام وقال: بعد تدخل القوات الدولية في أفغانستان وسقوط طالبان فيها سيأتي دور العراق وتتحرك القوى الدولية لإسقاطه، وهكذا تحققت النبوءة أيضا وكان يقول بثقة وطمأنينة: صدام زائل عن قريب.

ولدى السيد محمد الشيرازي (ره) كراس علمي جميل يحمل عنوان (الغرب يتغير) ويتنبأ فيه بسقوط محورية الولايات المتحدة وسقوط النظام الرأسمالي على واقعه الحالي الذي اخذ يترنح على اثر الأزمات المالية العالمية، إلا إنه يرى إن السقوط ليس لكل النظام ورموزه وإنما تغير النظام مع مرور الزمن. وكما في القضايا السياسية كذلك في القضايا الاجتماعية والاقتصادية كان غالبا يقول رأيه في المستقبل وتصح نبوءاته.

الفكر الحضاري

كان السيد محمد الشيرازي (ره) يؤكد على جملة من الأفكار المركزية والتي تعتبر ضمن مشروعه النهضوي المتميز منها:

*اعتماد (السلم) في العمل وكان يرفض حتى المشاعر القلبية السلبية تجاه الآخرين ويعتبرها مرحلة من الخشونة، فنظرية السلم عنده مع الصديق والعدو، وفي الكلام والعمل والقلب وأكثر من التأليف في هذا المجال وكان يقول لنا: ((السلم نبتة لا تهزها العواصف)).

* التعددية واحترام رأي الآخر، حيث إن الرأي الحر من أوليات الحقوق الإنسانية وكل من له رأي جدير بان يحترم ولا يجوز بحال من الأحوال أن يدان الآخر لفكر ورأي يتبناه، وكان يقول: إن رسول الله (ص) كان يحترم حتى الكفار والمنافقين ويتعامل معهم ما لم يحملوا السلاح ضده بالتي هي أحسن.

* ويعتقد سماحة السيد محمد الشيرازي (ره) بصورة أساسية بضرورة عقد مجلس تنسيق للمرجعيات الدينية العليا وكان يعبر عن ذلك بــ (شورى الفقهاء) أي المراجع وان عدم الشورى يؤدي إلى الفردية في القيادة وهذا معناه مصادرة دور المرجع الآخر ويؤدي ذلك إلى التشرذم والضعف واستقواء الأعداء. ولا يمكن إدارة الأمة الشيعية في العالم بمرجعية واحدة بل إن كل الطاقات لو خاضت الميدان رغم ذلك لم تبق مساحات من هذه الأمة بلا قيادة وبلا رعاية وعناية فكيف إذا انفردت جهة واحدة؟؟.

* ومن نظرياته الأساسية وجوب إحياء الآيات الخمس المنسية وهي:

1 ــ آية الشورى ((وأمرهم شورى بينهم)).

2 ــ وآية الإخوة الإسلامية ((إنما المؤمنون إخوة)).

3 ــ وآية الأمة الواحدة ((إن هذه أمتكم امة واحدة)).

4 ــ وآية الحريات ((يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)).

5ـ وآية المسالمة واللاعنف: (ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً).

وكان سماحة السيد محمد الشيرازي (ره) يركز في إلقاء المحاضرات عليها وفي الاجتماعات الخاصة ويؤكد: إن تخلف الأمة الإسلامية سببه يكمن في نسيان هذه الآيات الخمس.

*ومن مبادئه التي ركز عليها كثيرا ونظَر لها ودفع باتجاهها هي ضرورة (تشكيل المنظمة الإسلامية العالمية) وان ذلك يتم عبر تنظيم مؤتمر لتأسيس النواة المركزية، ثم تقسيم الأعمال وتنظيم لجان والانطلاق للعمل وحول هذا الموضوع تحدث في كتاب (السبيل إلى إنهاض المسلمين) وغيره.

* ومن مبادئه: ضرورة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في الحياة دون الحيد عنها يمينا أو يسارا لا شيء آخر على انه (أحكام ثانوية) ويطبق باسم الإسلام فمثلا كان يرى ويؤكد ضرورة تطبيق نظام (إحياء الموات) وفق الضوابط الشرعية ونظام (الضرائب الإسلامية) ونظام (إقامة العدالة دون عنف) اي مكافحة الجرائم والانحرافات بالطرق الثقافية وتغيير القناعات لا بطرق الضغط والخشونة، وكان دوما ينتقد الإعدامات والضرائب والروتينات الإدارية المتعبة.

* وكان يرى ضرورة بقاء الحوزات العلمية على ما هي عليه وتأسيس (جامعات علمية حوزوية) إلى جانبها، لا إلغاء هذه الحوزات التي خَّرَجت أعاظم الفقهاء وفطاحل العلماء والأدباء والمفكرين الإسلاميين.

* وكان يرى ضرورة الخدمة الواسعة لمختلف شرائح المجتمع عبر مختلف أنواع المؤسسات الإنسانية والثقافية، وكان يقول: إن المؤسسات أساس لقوة المجتمع.

* ويؤكد على ضرورة الزواج المبكر.

* وضرورة تقوية الحوزات العلمية.

* وضرورة تقوية ونشر مختلف أنواع الشعائر الحسينية بكل هذه الأساليب والطرق التي تنفذها جماهير الأمة الشيعية في كل مكان ولا يجوز تضعيفها وبأي حال.

* وكان يرى ضرورة البساطة في العيش وان هذه التعقيدات المعاصرة تضاعف المشكلات وتزيدها تعقيدا وكتب في هذا المجال كثيرا، وما كتبه هو مؤلفه الجميل (بقايا حضارة الإسلام كما رأيت). فكان يركز على البساطة في الزواج والسفر والسكن والضيافة وكل شيء.

* وضع برنامجا متكاملا للوكلاء ماذا لهم وماذا عليهم وكتب كتابا ضمنه (90) نقطة وأسماه (إلى وكلائنا في البلاد).

* وكان يرى: إن المرجعية الواعية والناشطة هي القائمة على القاعدة (جمع الكل) فتتحول إلى خيمة ينضوي تحتها أبناؤها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فلا تتخذ المرجعية موقف التضاد من أي جهة أو فرد بلغ الأمر ما بلغ إلا الطغاة الذين يلزم تجريد كل الطاقات ضدهم بالطرق السلمية. وشعار (جمع الكل) استراتيجي معتمد في منهجه.

* وفي قضية (ثبوت الهلال) لشهر رمضان أو شوال، كان يحترم آراء الجهات المرجعية الأخرى ويرى لزوم التنسيق معها ولم يكن ينفرد بالإعلان لان ذلك معناه تشطير المجتمع إلى قسمين وإثارة البلبلة واللغط والسلبية.

* كان يرى (أصالة العمل) ولا يعبأ باللغط والانتقاد والمعارضات لأنه إن اقتنع بأمر ما يرى ضرورة الجهاد في سبيل تنفيذه، لان شرائح المجتمع لا تتفق على أمر واحد مطلقا فكل منهج ومؤسسة ومشروع يحظى بمؤيدين ومناصرين من جهة وبمعارضين مثبطين من جهة أخرى..

* من جهة أخرى كان يؤكد على (أصالة التحصيل العلمي) والارتقاء إلى أعلى المستويات ويوصي تلامذته وأصحابه بضرورة (التملي من العلم) لان (طلب العلم من المهد إلى اللحد) حسب النص النبوي الشريف.

* ومن حركته الإصلاحية اعتماد (التأليف) فكتب كثيرا وشجع على الكتابة كثيرا، وربى على التأليف كثيرا، وما أكثر من ألفوا بناءً على تشجعيه وتوصياته وتبرعاته النسبية للطبع. وقد قال الدكتور (محمد حسين الصغير) رئيس جامعة الكوفة لي ولغيري ((إن السيد الشيرازي علم شباب العراق على التأليف)). وما كان يلتقي واحدا من الطبقة المثقفة إلا وأوصاه بالتأليف وكان يوصي ويؤكد على رجال السياسة خصوصا وغيرهم بكتابة (المذكرات) ومن الذين أوصاهم سماحة آية الله السيد مرتضى القزويني وسماحة الحجة الشيخ نديم الطائي وغيرهما، وأنا ممن أوصاه سماحته بكتابة المذكرات لذلك توجهت إلى هذا الأمر نسبيا واكتب اليوم هذه السطور كمذكرات تسع سنين من رحيل سماحته (ره).

* وكان يؤكد كثيرا على ضرورة اهتمام العالم بالخطابة وان تكون الخطابة علمية ومتميزة وقد طبق نفسه المثل في ذلك فكان يخطب باللغتين الفارسية والعربية وكان يهز أحيانا كيان المستمعين ومشاعرهم ويجري دموعهم وذات مرة خطب في أربعين الإمام الحسين (ع) وذكر معاجز الرأس الشريف ثم بكى وبكى وخنقته العبرة وبكى معه الجمهور وأغمى على احدهم لشدة الفجيعة وعجز لعمق اثر المحنة عليه من مواصلة الحديث ونزل عن المنبر فرقاه الخطيب الحسيني الراحل السيد احمد جبرائيل (ره) وأتم المجلس.

من وصايا السيد الشيرازي

*حين كان يعقد القران ويزوج شابا من شابة كان في كثير من الأحيان ينصحهم مما يفيدهم في حياتهم الزوجية وذات مرة قال للشباب: انتبه لا تغضب عليها خلال خمسين سنة!.

* وكانت له وصايا خاصة للأطباء ومرة زاره جمع منهم في مكتبه فأوصاهم بأمور منها:

1 ــ إن لم تشخص المرض لا تعطي الدواء وقل لم افهم المرض.

2 ــ لو كان المريض فقيرا فلا تأخذ منه أجرة قال رسول الله (ص): ((خير الناس انفعهم للناس)).

3 ــ وعليكم كطبقة مثقفة أن تتحملوا مسؤولياتكم الاجتماعية والشرعية للإصلاح فعليكم أن تؤلفوا الكتب وان الكتاب من وسائل الإصلاح الهامة في كل المجتمعات.

* ومن وصاياه للخطباء: ابذل غاية جهدك للتحضير المتقن ليكون الخطاب مؤثرا. ومرة زاره جمع من الخطباء والمبلغين بعد أن انتهى مؤتمر خطابي عقد في مدرسة (جابر بن حيان الكوفي) التي كانت تعمل تحت رعاية مكتبه (ره) وقرر المؤتمرون زيارة سماحته ليلقي خطابا فيهم ونفذ الأمر، ومما ذكره سماحته هذه القصة قال: مرة التقى الخطيبان الكبيران الشيخ الفلسفي عميد خطباء إيران والشيخ الراشد الذي كان من ألمع الرموز ويلقي خطابا أسبوعيا من إذاعة طهران هي في القمة محتوى واداءا فجرى بينهما ما يهمهما من أحاديث فسال الراشد الشيخ الفلسفي: كم ساعة تبذل لتحضير بحوثك الخطابية؟ أجاب: (12) ساعة بعد أن أسحب فيش التليفون وانقطع عن العالم الخارجي وادخل مكتبي الخاص ثم رد الفلسفي نفس السؤال على الشيخ الراشد، فأجاب: في الواقع: أنا احضر أسبوعا كاملا لإلقاء خطابي الإذاعي واقسم المراحل وأقسام التحضير يوما للتقارير وثانيا لنهج البلاغة وثالثا للتاريخ ورابعا للعلوم الحديثة وخامسا للقضايا الاجتماعية والأزمات الراهنة وسادسا للأدب والشعر والقصة. ثم علق سماحته قائلا: هؤلاء كبار الخطباء هكذا يهتمون بالتحضير فكيف بالناشئين والصغار؟.

ومن وصاياه للخطباء: لا تساوم مع أرباب المجلس على الأجور فان ذلك مسقط لشخصية رجل الدين الذي يخدم المبادئ والمسيرة الحسينية.

وثالثا: لا تنقل معلومة لم تتأكد منها بنفسك فان إلقاء المسموعات ضعف للخطيب وإلقاء الحديث الموثق قوة له.. وغيرها من الوصايا. وكانت للسيد محمد الشيرازي (ره) وصايا وتوجيهات لمختلف شرائح المجتمع يكررها عليهم ولكن دون أن يكون فيها ملل لأحد منها وتكراره كان معتمدا على معلومات جديدة وان كان العنوان والمانشيت متكررا.

انقر لاضافة تعليق
محمد جعفر الدرازي
مملكةالبحرين
سلام عليكم
قرأت المقال فعلاً جميل جداً بل رائع.. ولقد عاشرت المرجع الراحل فترة وعاشرت الشيخ الأسدي.. فوجدت المرجع الراحل عملاقاً بل شيئاً يفوق الخيال واليوم كلما أتذكره وأقرأ بعض كتبه أقول هذا الرجل العظيم مجهول القدر فلم يعطَ حقه..
ووجدت الشيخ الأسدي شعلة متقدمة فقد تأثر كثيراً بسماحة المرجع الراحل.. وعندي بعض مراسلاته لي التي تحمل طابعاً توعوياً وتشجيعياً محفزاً..
فرحم الله مرجعنا الراحل وأطال في عمر الشيخ الأسدي..
وأدام الله المرجع السيد صادق..2018-07-13

مواضيع ذات صلة

2