التواضع لمن؟ وأمام من؟ ولأي شيء؟

قراءة لمحاضرة صوتية لسماحة الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي –طاب ثراه-


"إن اول خطوة لمن يريد التقدم في الحياة، تبدأ بالتواضع، وأول خطوة نحو التأخر تبدأ بالتكبّر، بيد أن السؤال المحوري؛ التواضع لمن؟ وأمام من؟ ولأي شيء؟

بدايةً؛ أن يكون متواضعاً لله –تعالى- وفي مرتبة أقل؛ التواضع في قبال عباد الله، ثم يكون الانسان متواضعاً للعلم وللعمل، بهذا الترتيب في تطبيق هذه الخصلة الاخلاقية والحضارية، يكون بامكان الانسان تحقيق التقدم في المجالات كافة، واذا قلبتم صفحات التاريخ، تجدون التواضع صفة جميع المتفوقين والمتقدمين في حياتهم.

وجاء في الحديث الشريف عن الامام الصادق، عليه السلام: "إن في السماء ملكين موكلين بالعباد فمن تواضع لله رفعاه، ومن تكبر وضعاه"، ربما هو يرى نفسه رفيعاً، بينما الناس يروه صغيراً، هو يرى نفسه متواضعاً والناس يروه رفيعاً سامياً".

التواضع من الصفة الشخصية الى الأبعاد الحضارية

التواضع من "الضِعة" لغوياً، أما اصطلاحاً فيأخذ منحى اخلاقياً، و رغم أن اصل الكلمة تحمل دلالة سلبية في ذاتها، عندما توجه لذات الانسان، فلا يقبل بها أحد، بيد أنها تعطي معاني ايجابية عظمى عندما تتجه الى النسيج الاجتماعي فانه يتحول الى صفة حميدة يتمناها الجميع للجميع.

واذا كان افراد المجتمع يحتاجون صفة التواضع – من حيث الفطرة- لتعزيز التواصل بشكل ناجح فيما بينهم، فان هذه الصفة من شأنها ان تأخذ مديات أبعد من الأطر الضيقة للعلاقات الاجتماعية التي ربما تتسم احياناً بالنفعية وتحقيق بعض المصالح، كما يحصل للعلاقة بين الجيران، او بين الموظف والمراجع في الدوائر الحكومية وغير ذلك، لتكون منطلقاً لبناء حضاري شامل للأمة، وهذا ما يشير اليه سماحة الامام الشيرازي – طاب ثراه- في هذا المقطع الصوتي، عندما يحكم الربط بين صفة التواضع وبين مسألة التقدم.

وهنا يضيء سماحته فقرة أخرى الى العوامل النفسية ذات المدخلية في تحقيق التقدم العلمي والاقتصادي، فعندما نتحدث عن صفات نفسية تتوفر في الشعوب المتقدمة، من قبيل؛ الصبر والصدق والارادة والثقة بالنفس، فان التواضع يحتل مكانة لا تقل أهمية عن غيرها، ربما لا تكون ظاهرة ومسلط عليها الضوء، لذا فان تأكيد سماحته على "إن اول خطوة لمن يريد التقدم في الحياة، تبدأ بالتواضع، وأول خطوة نحو التأخر تبدأ بالتكبّر"، ربما يكون لها حكمة بالغة ومصداقية عملية على ارض الواقع.

العلماء اكثر الناس تواضعاً

اكبر وأهم عنصرين يحرص الانسان على الاستزادة منهما في حياته؛ العلم والمال، وجرى نقاش طويل على أيهما الأرجح والأولى، وبغض النظر عن النتيجة، فان التواضع نراه يتجلّى في صاحب العلم وليس في صاحب المال، كون عملية تحصيل العلم لها سنخية مع حالة التواضع، بينما عملية تحصيل المال ربما تكون في كثير من الحالات مغايرة لهذه الحالة، بل تكون بالتنافس المحموم والتطاول وحتى التجاوز على حقوق الآخرين، وقد شبه الحكماء تحصيل العلم بأنه مثل الشجرة كلما تواضعت جذورها في الارض، كلما استمدت عناصر القوة والحياة، وبالعكس، النبتة التي تغرس على مرتفع فان الماء يحور حولها ولا تستفيد منه شيئاَ ثم تتحول الى عودة يابسة سرعان ما تنكسر.

وعلى صعيد الواقع، يمكن ملاحظة العالم الحقيقي والمتبحر في تخصص ما، فانه يجسّد شكلاً من اشكال التواضع للآخرين، وهذا لم يكن إلا عندما يكون قد تواضع للعلم، كما يدعو سماحة الامام الشيرازي، وهذا ما حقق للشعوب والأمم، التقدم في الصناعة والزراعة والتجارة وغيرها.

التواضع لله –تعالى- والخطوة الأكبر للتقدم

ان التواضع للعلم ثم للانسان يمثل سلوكاً ينطوي على قدر كبير من الحكمة والمعرفة وهو ما يتوفر لدى الشعوب المتقدمة في الغرب، وحتى بعض البلدان التي تسمى بـ "النامية"،مثل الهند والصين، بيد ان كمال الحكمة في عمق الايمان بوجود القدرة اللامتناهية والرحيمية التي يستظل بها الانسان في حياته الدنيا وفي حياته الأخرى والابدية، فاذا جرّب الآخرون التواضع للعلم ولبني جنسهم، وتمكنوا من طي خطوات بعيدة في التقدم، بل ويكونوا مثالاً يحتذى به في العالم، فان تجربة التواضع لهذه القدرة السماوية ترسم طريقاً واسعاً من شأنه ان يزدلف فيه الكثير وليس فقط من تخرّج من الجامعة او حظي بنبوغ علمي وذكاء حاد فأبدع وابتكر، وانما تكون منهجاً للجميع، بمن فيهم العالم او المتعلّم، لان هذا التواضع عندما يكون أمام الله –تعالى- فانه يكون مرقاة للنمو والتطور قبل ان يصل الانسان الى مرتبة العالم المتبحّر والمتخصص ثم يسهم في دفع عجلة التقدم، ولعل هذا يفسر الحديث الشريف: "من تواضع لله رفعه".

وفي حديثه يستشهد سماحة الامام الشيرازي بحديث عن الامام الصادق، عليه السلام، ويشير الى حقيقة غائبة عن البعض ممن يتصور ان يصنع شخصيته في مختلف الاتجاهات من خلال التعالي على الآخرين ومحاولة إضفاء هالة من الهيبة في ذهابه ومجيئه وتواجده بين الناس، وأن التواضع مدعاة للضياع والخسران في عالم يسوده التنافس المحموم على كل شيء، بينما الامام الصادق، عليه السلام، يؤكد معادلة إلهية ثابتة بأن المتكبّر يحصل على الضِعة، بينما المتواضع يرتقى الى العُلا بفضل الله –تعالى-.

بما يعني؛ أن التواضع لله –تعالى- يكون مقدمة ضرورية للتواضع امام العلم و امام الناس، ولن يكون ذو فائدة حقيقية في مسيرة التقدم من دونه، وربما يتجه الى حالة "التصاغر" طلباً للعلم والمال والجاه في المجتمع، بينما التواضع المطلوب، ما يجعل الانسان كبيراً في نفسه وقلبه، وهو يقف في طابور مع الناس لأي عمل كان، او يجلس حيث انتهى به المجلس ولا يبحث عن الصدارة والمتكأ، وربما نجد اشخاصاً كهؤلاء هم أقرب الى التصاغر في اماكن اخرى، منهم الى التسامي والتعالي كما يوحون الى انفسهم والى الآخرين.

ومن امثال هؤلاء، هم من يشكلون الاحجار والعقبات والكأداء في طريق تقدم أي شعب وأمة، مهما أوتيت من قدرات انسانية وثروات وخيرات، فانها تتلاشى تحت اقدام المتطاولين والباحثين عن دور مع فقدان المحتوى والرصيد العلمي والاخلاقي وحتى الانساني.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (الإمام الشيرازي)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك