عالمنا المحتقن وموت المبادئ الإنسانية

1087 2017-10-16

على الرغم من العيوب التي تعاني منها المجتمعات الغربية، وخصوصا في مجال القيم، إلا أنها درست غرائزها جيدا، وربما حققت نجاحا في وضع الضوابط الكابحة للتجاوزات بأنواعها، فوضعت تنظيم عقابي صارم لوضع الفعل الغريزي في الإطار المقبول، حيث تحتاج النفس البشرية الى موانع تحد من غرائزها ورغباتها غير المنضبطة، وهذه الضوابط او المحددات وردت عبر الرحلة البشرية في الأديان السماوية وفي الفكر الإنساني للأمم المختلفة، وكلها تضع حدودا ومحرمات على الإنسان أن يلتزم بها، لأنها السبيل الذي يساعد على حماية الحريات والحقوق، وهو أيضا يشجع ويُسهم في بناء مجتمع عالمي أقل توترا وتطرفا مما عليه الآن.

إن الغرب لم يتقدم علينا لأنه أفضل منا ذكاءً أو أكثر منا في الموارد البشرية والطبيعية، لكنه أكثر تنظيما، ومع ذلك لم يأبه الغرب بالقيم الإنسانية، إذ يلاحظ المتابعون والمعنيون من العلماء والمصلحين والمفكرين، أن المبادئ الإنسانية التي رسختها الأديان السماوية والأفكار المتنورة، تمر في العصر الراهن في منحدر خطير، قد يؤدي بالبشرية الى مزالق مهلكة نتيجة الصدامات وتضارب المصالح الحيوية وما شابه، الأمر الذي جعل كوكبنا مثل كرة نار مشتعلة بنيران الاحتقان والتطرف والإرهاب المصنوع بأيدي غالبا ما يُقال أنها غربية، حيث تقوم قوى ودول في الغرب بصناعة التنظيمات الإرهابية لأسباب باتت معروفة للداني والقاصي، وأهمها ديمومة عمل الشركات الغربية وخصوصا المنتجة للسلاح.

ولكن هذا السلوك مخالف لفطرة البشر، ولا يمكن أن يكتب له النجاح، لذلك فإن المبادئ الإنسانية تموت أمام مرأى البشر، والأسباب باتت معروفة للجميع.

حيث يؤكد ذلك الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، في كتابه القيم الموسوم (من أسباب ضعف المسلمين)، فيقول: (لقد رأى العالم كيف تموت المبادئ غير الصحيحة والتي تخالف فطرة الإنسان، فلم تنتشر إلا في ظروف خاصة يحكمها الجهل حتى إذا ما وعت الشعوب ولو بعد مضي سنوات أو قرون نبذوها وراء ظهورهم).

من يصنع بيئة التخلف؟

هناك جهات تعمل على صناعة الجهل والتخلف، للسيطرة على الشعوب وثرواتها، وهذا ما حدث بالفعل، حيث تم صناعة الجهل لتنتشر الظواهر السلبية، في الأوساط الاجتماعية من خلال صنع بيئة التخلف، وهذه البيئة الخطيرة تتولد في ظل الاستبداد والقمع الذي تنتجه الحكومات المتجبرة والحكام الطغاة بالتوافق مع قوى غربية باتت معروفة، لهذا تبدو الحاجة للفكر الوضاء كبيرة جدا، لأن غياب الفكر الذي يتسق مع فطرة الإنسان يشكل فراغا نفسيا وفكريا وماديا هائلا بين الناس، ويضطرهم الى ملء هذا الفراغ بالشعوذة والخرافات والظواهر الفكرية المتخلفة، لهذا يدعو العلماء والمصلحون ورجال الفكر القويم، الى أهمية ملء الفراغ الفكري بالمبادئ الإنسانية الراسخة التي تقترب من ميول الإنسان الفطرية.

يقول الإمام الشيرازي حول هذا الموضوع: (لقد رأى العالم كيف أن الغرب المسيحي رفض المسيحية واستبدلها بالعلمانية والمادية، وذلك لأن الإنجيل المحرف لا يملك من القدرة والشمولية ما يستوعب الحياة في كافة مراحلها، حيث لم يبق منه سوى بعض الوصايا وقد بدلوها أيضاً ولم يعملوا بها، فقد روي عن السيد المسيح العظيم -على نبينا وآله وعليه السلام- أنه قال لبعض أصحابه: «ما لا تحب أن يفعل بك فلا تفعله بأحد، وإن لطم أحد خدك الأيمن فأعطه الأيسر، ولكنهم صيروها إلى قنابل وصواريخ وحربين عالميتين وحروب لا تعد ولا تحصى في بلاد المسيحية وغيرها التي يقودها العالم الغربي، إلى ألف شيء وشيء).

إن القوى الغربية والشركات المهيمنة على ثروات العالم أجمع، تدعم وتخطط وتمول كل المخططات التي من شأنها إضعاف من يرفض أسلوبها الاحتكاري الخبيث، ولابد أننا نلاحظ ما يعانيه المسلمون في عموم الدول ذات الأنظمة القمعية، من تشرذم وتشتت وضياع في الهوية الإسلامية، حيث ينتشر الجهل وتنتهك حقوق المسلمين، ويتم سرقة ثرواتهم وأموالهم، وهم يعانون من قلة التعليم والوعي، مع غياب شبه تام لممارسة الحقوق المدنية، والسبب دائما موت المبادئ الإنسانية وتنمّر الطغاة على شعوبهم من المسلمين، باتفاق وتوافق وتخطيط ودعم من القوى التي تتحكم بحركة الاقتصاد العالمي وثرواته وموارده.

فيتم التنسيق مع الأنظمة العميلة الخانعة للغرب وللقوى المشبوهة، من أجل حماية عروشها، فيما تتعامل بأقصى أساليب القمع والتعذيب والتجويع مع شعوبها، والمشكلة أن نتائج هذا القمع وهذه التبعية للأجنبي لا تقتصر أضرارها على الجيل الحالي بل ستطول الأجيال اللاحقة أيضا، وهذا ما حدث في المجتمع الإسلامي بوجه خاص.

كما أكد على ذلك الإمام الشيرازي في قوله: (إن ما نشاهده اليوم من حالة ضعف المسلمين هو نتيجة أمور عديدة، من أهمها ما سببه الحكام الطغاة، غير الشرعيين، على مر التاريخ من الأوائل والأواسط والأواخر، فإنهم من وراء حالة ضعف المسلمين التي نشاهده ونلمس آثاره حتى اليوم، فان الضعف السابق والوسط واللاحق يسبب ضعف المستقبل أيضاً كما هو في صحة الإنسان فان الإنسان الذي لا يراعي صحته في صغره لابد وأن يكون في كبره معرضاً للآفات والأسقام وما أشبه وهناك العديد من القصص التاريخية التي تدل على ما ذكر).

نتائج ترك العمل بمبادئ القرآن

ومن أهم الأسباب التي تقف وراء قوة الغرب، وضعف المسلمين، أنهم تركوا العمل بمبادئ وتعاليم القرآن، ولو ان المسلمين عملوا بقوانين الإسلام وتعاليمه، حول تنظيم الحياة، وحماية الحقوق الفردية، وحق الإنسان بالانتخاب والتصويت والمشاركة الفعلية في اختيار القادة السياسيين، لما تعرض المسلمون الى شتى أنواع الجهل والمعاناة، والدليل أن الغرب الذي اخذ بقوانين الإسلام، استطاع ان يحقق نجاحا في مجال الحريات، والحد من ظواهر القمع والتجاوز على حقوق المواطنين، على الرغم من أنه لا يؤمن بالقيم وحضارته في طريقها الى الاضمحلال والزوال.

يقول الإمام الشيرازي: (لقد تقدم الغرب علينا عندما أخذوا بالعمل ببعض قوانين الإسلام، مثل حق الانتخاب والتصويت، وخلع الحكام الطغاة المستبدين، ومطالبة الحقوق والحريات، ومثل النظم في الأمور، والإتقان في العمل، وما أشبه ذلك).

هذه القيم التي دعا لها الإسلام، لم يقم المسلمون بالأخذ بها ولم يعملوا على تطبيقها لكن أخذها الغرب، درسها وتعلم كيف يستفيد منها في تنظيم حياته، لذلك انتقد الإمام الشيرازي حال المسلمين، مقارنا بين ما كان عليه المسلمون في صدر الرسالة الإسلامية، ومزاياهم الكبيرة والعظيمة، وبين ما هم عليه الآن من تراجع ونكوص وضعف في الهمة والإيمان، فضلا عن التعامل الشكلي مع الدين الإسلامي وتعاليمه، وعدم اعتماد جوهر الدين لخدمة الفرد والمجتمع، بسبب موت المبادئ الإنسانية أو ضعفها في أفضل الأحوال.

من هنا يرى الإمام الشيرازي: (بأن المسلمين اليوم يصلّون ويصومون، ويزكون ويحجون، ولكنهم تركوا الكثير من القوانين الإسلامية. مضافاً إلى إنه هل إن الكل يصلي ويصوم، ويزكي ويحج؟ وهل في بلادنا لا توجد محرمات ومنكرات؟ وهل نملك نحن المسلمين اليوم تلك العزيمة اللازمة، والفكر الكافي، والوعي الإسلامي، والإيمان الثابت، والجهاد الصادق؟).

بالطبع واقع المسلمين يشي بأنهم في حالة ضعف مزرية، فلا هم قادرون على تنظيم أنفسهم، ولا الحفاظ على ثرواتهم، ولا مواردهم، بسبب القمع والطغيان الحكومي، فالمطلوب إقامة أنظمة حرة ديمقراطية تعددية تخطط لبناء دولة واقتصاد عصري بالاعتماد على الذات وعلى الفكر الإسلامي المتميز.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك