احكم بالعدل واضمن الأمان

1679 2017-04-18

\"كان علي بن أبي طالب، يحكم دولة ممتدة جغرافياً من ليبيا غرباً الى داغستان شرقاً، وتضم حسب التقسيمات السياسية الجديدة، حوالي خمسين دولة، وعاصمتها الكوفة، ومساحتها؛ عشرة فراسخ تصل الى منطقة النخيلة قرب كربلاء المقدسة، يسكنها حوالي أربعة ملايين نسمة، مع ذلك نرى علياً، يمشي وحده، يتجول في الاسواق، يجلس عند الدكاكين، كان يمازح ويحادث ويحاور، حتى ان الذي قتله، لم يقتله بدافع العداوة او المعارضة، وإنما بدافع الشهوة الجنسية! فقد استجاب ابن ملجم لطلب فتاة جميلة تُدعى \"قطام\" بأن يكون قتل الامام علي، مهراً لها، لإرضاء شهوته الجنسية، ولذا عندما قبضوا عليه، قال له الإمام، عليه السلام: \"بئس الامام كنت لك... هل سجنتك؟ أم عذبتك أم ألحقتك بك أذىً \"؟! فأجابه ابن ملجم: أتنقذ أنت من في النار؟!

ربما نستغرب من مواقف وأعمال أمير المؤمنين، عليه السلام، بيد ان ما فعله الإمام، هو تجسيد للإسلام، إنما نحن الغرباء عن الاسلام.

جاء في الروايات أن الإمام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، يأتي بدين يستغربه الناس ويحسبونه جديداً عليهم.

يروى أن أحد أمراء الفرس كان في زيارة الى الكوفة طالباً اللقاء بأمير المؤمنين، عليه السلام، وزعيم الدولة الاسلامية، فارشدوه الى رجل جالس تحت شجرة لوحده، وقالوا له: ذاك أمير المؤمنين وزعيم الدولة الاسلامية! فقال له الامير الفارسي: \"عدلت فاطمئن\".

هذا هو الإسلام.

وعلى طلبة المدارس والجامعات قراءة القرآن الكريم ومطالعة سيرة النبي والامام علي، عليهما السلام، لمعرفة حقيقة الاسلام، ولذا جاء في الآية الكريمة: {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا}، إنما دخلوا افواجا في الاسلام، لما وجدوا فيه من العدل والحرية والانسانية والسماحة والاخلاق. ولأنهم وجدوا الحاكم الاسلامي له ثوب واحد أسمال (عتيق)، وهو ما كان يرتديه علي بن أبي طالب، عليه السلام، وقد توجه الى أهل البصرة قائلاً: \"يا أهل البصرة! اذا خرجت منكم بغير أسمالي ورحلي (فرسي) إني لخائن. وهكذا كان رسول الله، صلى الله عليه وآله، فقد بنى حجرة وعاش فيها ومات فيها ايضاً، ومساحتها مترين مربع فقط\".

العدالة ونشوء المعارضة السلمية

ما نلاحظه من حريات سياسية في بعض الدول الديمقراطية، ووجود احزاب معارضة وتداول سلمي للسلطة، إنما للضوابط المشددة على أيدي الوزير والمدير والرئيس من الوصول الى المال العام والثروة الوطنية، وإن تحصل حالات تهرّب ضريبي او الاستفادة من المال العام في حملات انتخابية، أو غيرها، فان عقوبات شديدة وتبعات اجتماعية وسياسية سيئة تلحق بصاحبها.

وعلى العكس من ذلك تماماً، ما تعيشه البلاد في ظل الديكتاتورية وحرص الحاكم على الاستئثار بالمال العام والاثراء على حساب حقوق المواطنين، فتظهر المعارضات العنيفة والجماعات المسلحة تشعل حروب العصابات وتضطر لخرق الامن والاستقرار في البلاد بغية التصدّي لهذا الحاكم او ذاك.

وفي كتابه \"علي من المهد الى اللحد\" يقول السيد كاظم القزويني – طاب ثراه- \"اعتقد أن اصعب قانون يمكن تطبيقه في المجتمع هو قانون العدالة لاصطدام هذا القانون بنزعات الأقوياء، الذين لو كانت العدالة لما كانوا أقوياء\"! وهذا تحديداً ما سعى اليه الامام علي إبان تسلّمه مقاليد الحكم، ولم تكن المهمة سهلة عليه، فهو يجسّد العدل بعينه، وفي نفس الوقت يواجه ترسّبات الجور ممن سبقه من الحكام، وما أفرز من طبقية سياسية واجتماعية فاحشة، ثم ردود فعل عنيفة ودموية تفجرت في دار عثمان و أودت بحياته طعناً بالسيوف.

وفي المقطع الصوتي لسماحة الامام الشيرازي الراحل، يشير سماحته الى عدم وجود معارضة سياسية بالأساس لنظام حكمه، وإن كان ما أدى الى الحروب والمعارك فانها لم تعدو نزعات سلطوية، تمثلت في طلحة والزبير ومعاوية، او لوثة فكرية وانحراف عقائدي سقط فيه الخوارج، ليس هذا وحسب، بل إن الامام الشيرازي يضيء الى نقطة هامة للغاية، وهو أن الإمام علي في تجواله في الاسواق وحديثه مع الرجال والنساء والاطفال، وسماعه لمختلف الآراء والافكار والشكاوى، من اجل فتح الطريق أمام نشوء معارضة سلمية تشور عليه وتقترح وتفكر وتطوّر، ومن ثم تكرّس العدل في المجتمع والامة، وهذا ما لم يفهمه معظم الناس من حوله – إن لم نقل جميعهم- ولذا نرى عجز طلحة والزبير وعائشة وابن ملجم وآخرين أشباههم، عن فهم هذه النقطة الدقيقة، فحاربوه بدلاً من يعارضوه، وبذلك أقروا على أنفسهم بالجور والظلم لبحثهم المستميت عن السلطة والنفوذ والامتيازات، وكانت عاقبتهم كما قال، عليه السلام: \"من ضاق على العدل فان الجور عليه أضيق\" فذهبوا ضحية الجور والظلم الذي خلقوه بأنفسهم وتسببوا بإراقة دماء الآلاف من المسلمين.

الحاكم العادل يحميه الناس

مهما حاول الحكام في زماننا، وفي كل زمان ومكان، أن يكونوا بين الناس، يتجولون في الاسواق والاماكن العامة وحتى يزورون بعض البيوت ويلتقون بالناس، فانهم لن يحملوا القلب المطمئن ممن حولهم في الشارع اطلاقاً، لعلمهم بوجود من هو غاضب بين الناس على مظلمة ارتكبها موظفوه او المسؤولين في دوائر حكومته، ولذا فان الزيارات التفقدية التي نقرأ عنها والتي رأيناها في تاريخنا الحديث كانت محاطة بأطواق من الحمايات المسلحة، ثم العيون في مختلف الاتجاهات حذراً من مغبة صدور حركة عنيفة من شخص ما باتجاه الزعيم او الرئيس، ولعل ما جرى ويجري في العراق، خير دليل على ذلك.

ولكن؛ لماذا يجب ان يفعل الناس ذلك؟ وهل هي مسؤوليتهم؟، بحكم المنطق والعقل، فان الذي يضمن حصول الناس على كامل حقوقهم، لجديرٌ بان يحتضنه الناس أينما حلّ، ولن يكون بحاجة الى السيارات المصفحة الباهضة الثمن، فالناس هو الذين يخشون على حياة انسان كهذا، قبل ان يخشى هو على حياته، فان حصل مكروه لهكذا حاكم فان المتضرر الاول والاخير هم الناس انفسهم، كما حصل مع الامام علي، عليه السلام، فقد كان الناس يستبعدون أن يشهر أحداً سيفه عليه ويضربه داخل المسجد وفي وقت الصلاة.

واخيراً؛ لمن تبهره مشاهد حضور بعض الرؤساء في البلاد الغربية بين الناس دون حمايات وسيارات مصفحة، ويعدونها اعجوبة وحدثاً كبيراً يناقض تماماً الصور المقززة عن زعمائهم في البلدان الديكتاتورية، نقول: ان الامام علي، عليه السلام، كان سبّاقاً الى هذا العمل، ليس امام الكاميرا وللاستهلاك الدعائي، إنما لتحقيق قيم السماء وترسيخ الحضارة الانسانية بكل تفاصيلها.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك